نص مسرحية ليلة الوحشة

George Morland. Execrable Human Traffick, or The Affectionate Slaves. 1789. Oil on canvas. 85.1 x 121.9 cm.
George Morland. Execrable Human Traffick, or The Affectionate Slaves. 1789. Oil on canvas. 85.1 x 121.9 cm.

ملاحظة: كتب هذا النص في أغسطس 2000، وكنت في البدايات، وكان النص محاولة من المحاولات التي لم تخرج للنور ولكن قرأها بعض الأصدقاء، وكان منهم المسرحي البحريني الأستاذ عبد الله السعداوي الذي كان ينوي تحويلها إلأى فلم قصير. الآن أجد الوقت مناسباً لترميم نصوصي القديمة والتي أجد فيها ما يستحق النشر، وهذا أولها.

المشهد الأول

 بقعة ضوء تتركز على السيد وهو جالس على كرسي وفي يده سيجارته التي ترتفع سحابة من دخانها فوق رأسه، وعلى الأرض الخادم مسجىً، ومغطىً بغطاء أبيض .

السيد:      (ينفث دخان سيجارته) بارد هذا المساء، بارد. ومساء حزين، مساء لا طعم له ولا رائحة. مساء الحزن يا صديقي، بل مساء المشاعر التي تختلط داخلي ولا أقوى على تحديدها، كل شيء مرتبك فيّ.. (ينفث دخان سيجارته) وأنا كبرت على الحزن، وما عاد لي طاقة على الفقد. أن تقضي عشر سنوات بلا زوجة، وأولادك غادروا قصرك ولم يعودوا إليك، أن تعيش وحيداً إلا معك يا صديقي، أن تغفو على وسادة ولا صدر يضم وجعك.. أي ثقل يحمله هذا الفقد؟.. وها أنا أفقدك أيضاً.. ها أنا أراك مسجىً بلا حراك يا صديقي، بعد أن كان القصر يضج بحركتك، وحتى بسكونك، بأنفاسك، بمشيتك التي أوهنتها سنوات عمرك..موحش مسائي هذا، كيف سأتحمل وحشة المساءات بلا أحاديثك الشهية، بلا نكاتك، ومرحك وتحويلك كل وجع إلى نكتة (يقف في وسط المسرح، يتذكر) أتذكر بالأمس، كنت تسخر من حنو ظهرك، تسخر من الشيب الأبيض وهو يملأ وجهك الأسود.. (يقلد الخادم وينحني كانحناءته) هل ترى يا سيدي كيف أصبح وجهي؟، لونان لا ثالث لهما، الأسود والأبيض، حتى لحيتي اختفى منها اللون الأسود تماماً.. أحياناً أنظر لوجهي الذي غزته التجاعيد ولا أجد مهرباً من غرابة شكلي سوى بالضحك.. (يعود لشخصيته الأولى) وأنت تنظر لي بنظراتك التي بان عليها أثر العمر، كنت تقول لي: انظر لوجهك يا سيدي، لا زال مشرقاً حتى مع التجاعيد والشيب..(يعود لشخصيته الأولى) يا الله، أنا لا أنسى كيف تؤنس وحشة المكان، كيف تؤثث جدران قصري بوجودك الخفيف (يقترب من الخادم، ينظر له طويلاً.. ثم يضحك) غريب أمري، بل هو غريب أمرك أنت.. غريب أن يحب السيد خادمه، ليس حباً عادياً، إنه يشبه الاندماج، أو سمه ما شئت، ولكن.. الواقع.. أني.. لا أستطيع الاستغناء عنك.. أفهمت، (بحدية وإصرار) غيابك سيقتلني (صمت ثم بعد لحظات من الصمت وبهدوء) أتعرف معنى أن يحب سيدُ خادمه لدرجة التعلق، لدرجة عدم القدرة على الاستغناء؟، أتعرف معنى أن يجده الأقرب إليه من كل شيء..وكل أحد؟، لا تعرف ذلك، صحيح؟!. لم يكن أحد أقرب إلي منك طوال حياتي، لم تكن زوجتي التي قضيت معها خمساً وعشرين سنة قبل أن ترحل عني منذ عشر سنوات، لم أشعر بوحشة فقدانها، لم أشعر بأنها غابت إلى الأبد كما أشعر بوخزات الصدر ووحشة الروح هذه الساعة وأنا أجدك ميتاً أمامي.

(يجلس على الكرسي منهكاً، يخبيء وجهه، يمسح دمعه) عيناي لم تبكيا أحداً غيرك، لم تبكيا زوجتي، لم تبكيا حتى أولادي حين هجروني (يستدرك) لم يهجروني.. كل واحد منهم سلك طريقه.. لكنهم لم يسألوا عن أبيهم العجوز الذي يعيش وحده مع خادمه العجوز الذي مات قبل ساعات..لم يسألوا ما الذي يحتاجه رجل عجوز في الهزيع الأخير من العمر (يتنهد، ويقف متجهاً إلى الجدار حيث صور العائلة) غادروا القصر واحداً واحداً، ولم يعودوا.. ربما لم أكن أباً طيباً، ربما لم أكن ذلك الأب الذي يستحق أبوة أبناء كأبنائي، لم أكن كأمهم التي كانوا ينحنون لها احتراماً، يقبلون يديها ورأسها، وحين ماتت يا صديقي غادروا.. لم يطيقوا البقاء بلا أم حانية، ووديعة.. نعم كانت وديعة.. وربما غادروا لأنهم يغارون منك، بلا شك يغارون منك.. (يقترب منه وبنوع من الحماس) يغارون من علاقتنا، يغارون من وجودك كظلي، كانوا يريدون امتلاكي وحدهم، كانوا يشعرون بثقل وجودك.. لدرجة أن ابني الأكبر جاءني مرة وطلب مني الاستماع إليه في أمر هام.

يتبادل تمثيل الأدوار بينه وبين شخصية إبنه المفترضة.

السيد:      (يمثل دور ولده) أبي، أريد أن احادثك في أمر (يعود لشخصيته) في أي شأن؟ (شخصية الولد) في شأن خادمك.. (شخصيته وباستغراب) خادمي؟، ما به؟ (شخصية الولد) لا شيء، ولكن لا أدري حتى متى ستحتفظ بهذا الخادم الأسود الذي يلتصق بك كظلك؟!!.. (يعود لشخصيته وهو يوجه كلامه للخادم) لم أحتمل إهانته لك، كيف يصفك بالأسود؟، وكيف يفكر بطلب الاستغناء عنك؟، لم يدرك أبداً مدى العلاقة التي تربطنا بعضنا بعضاً، كان يعرف أي علاقة بيننا، يعرف أنك لست مجرد خادم، أنت صديق طفولة.. غضبت منه بشدة. لم أغضب يوماً من ولدي البكر بقدر ما غضبت منه ساعتها.. عنفته وطلبت منه ألا يكرر أي حديث عنك معي.. (يبتسم) أرأيت إلى أي حد أنا متعلق بك، أشعر أن وجودك هو وجودي.. (بإحباط) ولكنك تخونني برحيلك عني. أهتم بك أكثر من أي شيء في هذا العالم، حتى من أولادي، أتعرف ماذا يعني أولادي؟..(ينفث دخان سيجارته) أعلم أنك لا تعرف معنى أولاد، أعرف أنك لن تعرف معناها، بائس أنا لأجلك لأنك لم تعرفها يوماً، ولم تعرف معنى عائلة.. بائس أنا لأنك اخترت البقاء معي على أن تتزوج ويصير لك عائلة، وأولاد يشبهونك (يصمت)، ممتن لبقائك معي طوال الخمسين عاماً الماضية منذ جئت طفلاً لهذا القصر، ممتن لك لأنك لم تفارقني رغم مزاجي المتقلب، أعرف أني آذيتك كثيراً، ولم يستطع أحد حولي من تحمل كل ما في من نزق.. لا أحد غيرك، حتى وأنت تحاول أن تخفف هواجسي وألمي ووجعي.. أتذكر آخر مرة غضبت منك فيها، قبل اسبوع أو أكثر، لا أتذكر بالضبط.. وكانت آخر مرة حادثتني بهذا الموضوع الذي يصيبني بالضيق، كانت المرات السابقة تمر مروراً خفيفاً، كنت أتجاوز عنك، مرة ومرة ومرة.. لكن آخر مرة لم أستطع إلا أن أصرخ في وجهك (يصرخ وهو يمسك برقبة الجثة المسجاة) كفى، أتفهم.. قلت لك كفى.. لا أريدك أن تسألني ولا تطلب مني ولا تحدثني عن أي أمر يخص هذا الموضوع (وهو يهز الجثة) أتفهم؟، (يهدأ ويترك الجثة، يبدأ بالبكاء) لم أنم يومها، كنت أتقلب على وسادتي كما يقلب الطير المشوي على النار، نعم، كان فراشي كنارٍ تشوي جسدي.. أتعرف لمَ كل ذلك؟، سأخبرك الآن، لا بد لي أن أخبرك وأنت في رقدة الموت، لا بد لي أن أخبرك حتى أزيح الهم عن صدري، لأشعر ببعض الراحة لأنك لن تغضب مني..ولأنك وحدك من يتحمل لعناتي وبذاءة لساني، أليس كذلك يا صديقي، فما بيننا خمسون عاماً وسقفاً واحداً.. (يصمت) أتذكر يوم جئتني ذات ليلة، لا أتذكر بالضبط ماذا كنت أفعل، أكنت جالساً على الأريكة، أم في الشرفة، هل كنت أحتسي الشاي، أو كنت أقرأ كتاباً. لا أتذكر ولكنك جئت لي على حين غفلة، كنت منهمكاً ما أفعله، وقفت أمامي (يمثل دور الخادم) سيدي، هل بدقائق أحدثك في أمر؟، (يعود لشخصيته) تماماً كما فعل ولدي البكر، وتماماً كما يفعل أولادي وزوجتي إذا ما أرادوني في أمر ما، تقوفت عن إنهماكي، كنت مزعوجاً لا أدري لمَ، ربما لأنك أفسدت علي انهماكي وتركيزي، لكن لم أغضب منك.. سألتني ذات السؤال المتكرر الذي سألتني إياه طوال عشر سنوات (يمثل دور الخادم) ألن تتزوج سيدي؟، مضى الوقت وأنت وحيد، سيدتي توفيت منذ سنوات طويلة، لا يجب أن تبقى وحيداً دون إمرأة تعيد لحياتك الفرح (يعود لشخصيته وبغضب يصرخ) ما الذي تقوله؟.. أتزوج؟، ولمَ أتزوج، ثم أن حياتي لم تتغير، لم يتغير شيء أبداً، ثم إني إذا تزوجت قد ترفض من أتزوجها وجودك معي هنا، وأنا لا أرضى.. لا يمكن، كف عن هذا الكلام، ولا أريدك أن تعود إليه، وإذا سمعتك تتحدث عن موضوع الزواج سأقطع لسانك.. أفهمت؟.. (صمت) لقد رأيت في عينيك بريق حزن، لم أفهم، هل كان لغضبي عليك، أو خوفاً مني، أو خوفاً علي.. المهم أني لم أنم وأن وصورة وجهك الحزين تطل علي كل ساعة، أنا لا أريد أن أتزوج وأتركك وحدك.. أصبحت عجوزاً فأين ستذهب خارج هذا القصر، عجوز لا إمرأة عندك ولا أطفال، ولا قصر غير هذا القصر، أين ستمضي؟، أخبرني أين ستمضي إن أنا أتيت بإمرأة هنا؟..

صمت، يقترب السيد من رف الكتب، يستخرج كتاباً، يبدأ بتصفحه

السيد:      خمسون عاماً مضين، ونحن معاً.. لم نفترق أبداً، منذ كنا صغيرين..نحمل الدنيا بكف وبالأخرى براءة، نتسلق أشجار حديقتنا فتأخذنا الريح حيث السماء المحملة بمطر الطفولة، صغيران كنا يا صديقي، نلعب سوية دون أن نشعر بذلك الفارق الطبقي حين تهرب عيون الكبار عنا.. لم تكن في نظري خادماً وابن خادم، لم أكن أشعر بأن أباك الخادم وأبي السيد، كنت أحسبكم أنت وأمك وأباك تقطنون في منزلنا ضيوفاً طالت أقامتكم، أو أقارب، لكن ما أن كبرت حتى أيقنت أن للسيد خادم.. وأنك خادمي أنا، ومع كل هذا أنا أحبك، حتى أني بكيت لأجلك، أتذكر؟، (يبدأ بالبكاء) بكيت يوم صفعك والدي، لمّا كسرت ساعته الثمينة، بكيت بحرقة (يبكي) أحسست أن الصفعة كانت على وجهي أنا. وكنت مندهشاً منك، لم أرَ حتى دمعة صغيرة تخرج من عينيك، أنا بكيت وأنت لا، وأنا ضحكت وفرحت وأنت لا حين أهداك والدي ساعة تشبه ساعتي تماماً، لم تفرح، لم تبتسم حتى، أنا من رقصت (يرقص فرحاً)، إيه، إيه، لقد أعطوه هدية، ساعة ثمينة، أعطوه هدية، (يتوقف عن الرقص ويقترب من الجثة هامساً) اسمع!!، حذارِ أن تكسر الساعة فهي هدية والدي ولا يجب التفريط بها، فبها تعرف أن في اليوم ساعات وفي الساعات دقائق، وفي الدقائق ثوانٍ، وعمُرُنا محسوب ثانيةً بثانية، ودقيقةً بأخرى.. ( يريه ساعته )، أنظر أنا أملك ساعة كتلك التي معك، حينما يشير العقرب إلى السادسة أصحو من نومي، ويبدأ يومي الجديد، تشرق في عيني الصباحات، الساعة هي عمرنا المحسوب، الثواني التي تمر هي اعمارنا، وفي السابعة مساءً بالضبط تأتيني بفنجان شايي لأحتسيه على الشرفة (بغضب) لكنك لم تأت في السابعة، وانتظرت الشاي حتى الثامنة ولم يأتِ، أنتظرتك حتى التاسعة ولم تأتِ بعشائي، أنظر العقارب تتحرك وأنت لا زلت هنا دون حركة، وأنا جائع، وأرغب بفنجان شاي (ينهار على كرسيه) غادرت وتركتني وحدي أراقب الساعة، ووحدي يكبر ضجري دقيقة بعد دقيقة، تركتني يا صديقي وحيداً، غادرت دون أن تمر بغرفتي لآذن لك ( بغضب ) ألم تدرك بأن هناك من ينتظرك منذ السابعة؟، أتدرك أن هناك من ينتظر فنجان شايه منذ السابعة؟، خمسون عاماً منذ أن جئت إلينا وأنا أعتدت فنجان الشاي على الشرفة، خمسون عاماً ولم يمر يوم دون شاي، منذ كنت صغيراً، وأنت وحدك من تعد لي الشاي، كنا نلعب ونركض كفراشات الفرح في حديقة القصر، أتذكر؟!، أتذكرنا صغاراً، أتذكر غناءنا ولعبنا؟ (صمت للحظات) أه، ما أجمل لو بقينا طفلين كما كنا، كانت الحياة أجمل، عالمنا ليس فيه سوى الأحلام الجميلة، الألعاب، الأغاني، الشجر، الفراشات والحملان التي كنا نركض خلفها، القطط الصغيرة، عالم لا هم به أو حزن (يأخذ نفساً عميقاً) كبرنا يا صديقي وكبرت همومنا معنا، وحيدين أصبحنا، عجوزين لا نقوى على المشي كما كنا (يشعل سيجار وينفث دخانها) أتريد تجربة السيجارة؟، سأسمح لك ولأول مرة أن تجرب السيجارة، (يمد السيجارة إلى فمه ) لم أكن أريدك أن تدخن فهي عادة جدُ سيئة، وأنت وأنا نعرف ذلك. دائماً كنت تردد: لماذا لا تترك الدخان يا سيدي!!، وأجيبك بأني لا أستطيع، لا أستطيع لأني أدمنت السيجارة، أدمنت نفث دخانها، أنفث دخانها لأنفث ما يثقل صدري. أتذكر يوم وضعت السيجارة في فمك لتجربها؟، غضبت عليك ولم أكلمك لمدة يومين، لا أريدك أن تتورط مع الدخان، إنه قاتل بطيء، سيقتلك إن أدمنته (صمت، ينفخ دخان سيجارته يقف، يواجه الجثة) سأسمح لك بالتدخين، لن أمنعك، فقط عد، عد من غيابك يا صديقي عد، لا أقوى على غيابك أنا، لا أقوى على مرارة رحيلك، ولن أقوى على مواراة جسدك، لن أواريك، سأضعك هنا إلى الأبد، سأصنع من جسدك تمثالاً يزين الزاوية الأفضل من قصري. قم، دعك من هذا النوم الطويل، لا يستحق جسدك الموت والفناء، قلت لك قم ( يرفع الجثة من على الأرض، فتسقط، فيصرخ فيه) لماذا سقطت؟!، يجب أن تنهض، لا فائدة من الموت وحدك، عش معي ومت معي، وأنا لا أريد أن أموت، لا زال أمامي الكثير من الوقت، هناك الكثير مما أريد أن أفعله، فلا وقت عندي للموت، هيا أنت انهض (يُنهض الجثة ثانية، فتسقط ) أنا آمرك أن تنهض، هيا انهض، أنا سيدك (يرفع الجثة فتسقط) لا، إنك تغضبني، ألأني أعطيتك كلما لم يحلم به خادم ترفض أن تنصاع لما آمرك به؟، إني آمرك أن تقف فلا وقت للموت، انهض أيها الخادم حتى تجهز عشائي، انهض لتصنع لي فنجان شايي فقد تأخرت (يصرخ) انهض (يحاول ثانية أن يرفع الجثة فتسقط) انهض، انهض (ينهار ويسقط هو الآخر على الأرض) انهض (يبكي وهو قاعد إلى جوار المسود) انهض، لماذا لا تريد أن تنهض؟ (يبدو عليه الإرهاق والتعب) أنا أشعر بأن كل أعضائي وعظامي تتفكك، أشعر برغبة في النوم ( ينهض بصعوبة ) سوف أتركك لترتاح من هذا اليوم الشاق والطويل، سأدخل غرفتي الآن لأنام.. لقد أتعبتني اليوم (وهو يهم بدخول الغرفة) لا تنس أن توقظني في السادسة صباحاً (يخرج ويسمع صوته من داخل الكواليس) في السادسة، إياك أن تنسى يا صديقي.. تصبح على خير..(صوت تثاؤب).

-إظلام –

المشهد الأخير

 المكان نفسه، المكان خالٍ عدا عن جثة الخادم المغطاة، هدوء يعم المكان، تبدأ الجثة تتحرك من خلف الغطاء، الجثة تقف وتحاول أن تتحرر من الغطاء الذي يغطيها تماماً..يكشف الغطاء شيئاً فشيئاً جسد الخادم الذي يبدو بملابس أنيقة..

الخادم:     ( كمن يستيقظ من نوم عميق، يحرك جسده عضواً عضواً)  يبدو أن الموت ليس نهاية، ولا خلاصاً. حسبته خلاصاً من هذه الدنيا، لكنها تلاحقني حتى في هدأة موتي، تلاحقني بما فيها، بهذا السيد، وما يحمله من أفكار وتهيؤات ( يطوي الغطاء بشكل مرتب ويضعه جانباً) كثيراً ما تمنيت الموت، خلاصاً منه..لكن لا خلاص، خمسون عاماً، بل خمسون ضجراً، خمسون قهراً عشتها بين جدران هذا القصر مقيداً بجنونه ومزاجيته ونزقه. لم أرتح له منذ أتيت لهذا القصر طفلاً مع أبي وأمي، لم أرتح لهذا القصر ولا من هم فيه، لا لأبيه الذي كان يصفعني ويصفع أبي إذا تأخر عليه في أمر ما. حتى أمي لم تسلم منه ومن نزقه. ومطالبه التي تنتهي، لا يكف أبداً، أريد وأريد وأريد.

يصمت قليلاً وينظر لأريكة السيد، يقترب منها بنوع من السعادة، ويجلس عليها، يتحسسها بيديه، يستند بكل راحة

الخادم:     منذ كنت طفلاً، وأنا أحلم أن أجلس مثلك على هذه الأريكة، أو على الكرسي الموجود عند الشرفة، وأنتظر فنجان شايي عند السابعة مساءً، مثلك تماماً. أتمنى هذه اللحظة أن تأتيني أنت بفنجان الشاي، وأرى فيك انكساري، إنكسار عبد حقير كما تراه أنت، عبد لا خادم، مقيد بعلنة عبوديته (يجد علبة السجائر جانباً، يأخذ سيجارة ويشعلها، يكح مرة وثانية، ثم يسحب نفساً عميقاً وينفث الدخان) حتى السيجارة التي كم تمنيت أن أجربها مثلك تماماً لم تسمح لي، كيف لعبد حقير أن يدخن كما يدخن السادة؟. كم أتمنى الآن أن يتغير قانون هذا الاعلم وأكون أنا السيد وأنت العبد الذي يأتيني بفنجان الشاي، لأرى فيك انكساري، وأرى في عينيك قهر الخمسين عاماً، وأرى فيك نظرات طفل أنتزع من قريته ليأتي إلى هنا مخفوراً بعبودية طويلة (يصمت قليلاً، ويسحب أنفاساً من سيجارته التي يبدو أنه مستمتع بها) وسأناديك ب (يا صديقي) كما تناديني، لتعرف كم هي كلمة مقرفة، وكم هي كاذبة. لا يمكن أن أكون صديقك، أنا مجرد عبد، لم تحبني يوماً ولكن كنت تريد أمتلاك كل شيء في، حتى مشاعري. مجنون أنت أيها السيد مجنون، أنا لست شيئاً لتملكني، لست قطعة أثاث في قصرك بلا روح، أن عبد صحيح لأن العالم أعطاكم حق عبوديتنا، لكنك أنا حر، على الأقل، أشعر أني حر، داخلي حر كطير يحلق في سماء الله، امتكلت مصيري وجسدي ولكن لا تمتلك روحي، فموتي كان غصباً عنك، موتي كان أول حريتي (يقف ويدور بجسده جهة خروج السيد ويصرخ) أنا لست ملكاً لك، أتفهم، لست عبدك أيها السيد المجنون، أنا أكرهك، أكرهك لأنك سلبت مني حياتي، سلبت إنسانيتي مني حتى أنك تريد أن تسلبني هدأة موتي، ولن أنسى أنك سلبت مني حتى رغبتي في الزواج ورغبتي في ان يكون لي أطفال، فدائماً ما كنت تقف في وجهي وتمنعني حتى من التفكير في أمر كهذا. يحق لك أن يكون لك زوجة وأطفال ولا يحق للعبد الحقير ذلك (يهدأ قليلاً ويتجه نحو الصور المعلقة على الجدار، ويحدق بنظره في صورة السيد الكبيرة التي تحتل جزء كبيراً من الجدار) أكرهك لمزاجيتك، لغرابة سلوكك، لم أفهمك رغم الخمسين عاماً، لم أفهم تقلبات مزاجك (يقلده) لك مطلق الحرية يا صديقي في التصرف، أنت الكل في الكل في هذا القصر، افعل ما بدا لك دون الرجوع إلي. وساعات، يتغير كل شيء فتصرخ في وجهي كالمجنون (يخلع سترته ويرفع كمي قميصه ويمد يهي للصورة) لن أنسى أبداً ذلك الأثر الذي تركته على ذراعيّ ندبة لا تزول، ألم النار التي أحرقت بها جلدي لأن الملح زاد قليلاً في طعامك لا يمكنه أن يزول من ذاكرتي. كم أتمنى أن أعيد لك كل ألمٍ تألمته بسببك، وكل ندبة تركتها على جسدي (يجلس على الأرض منهكاً) تعبت وأنا أمثل دور المهرج كي تضحك، أخترع النكات السخيفة لكي تضحك، تضحك أنت أكثر ويعشش غراب الحزن في صدري أكثر وأكثر (حزيناً) تقهقه أنت أكثر، وأبكي أنا وحدي أكثر، تضع رأسك على وسادة خالية من كل هم، وأضع رأسي أنا على وسادة الكآبة، وحدي تحملتك، لا لشيء إلا ل،ي لا اقدر على الفكاك، أنا متأكد أن سيدتي غادرت هذا العالم بسببك. من يملك طاقة ليعيش معك غيري؟. حتى أولادك هجروك، نعم هجروك.. تركوك ولم يمروا على هذا القصر منذ غادروا (يصمت قليلاً، يقف ويتجه إلى صور الأولاد على الجدرا، ينظر إليهم بنظرة حنان) أنت لا تستحق أولاداً كأولادك، لا يشبهونك في شيء، يشبهون أمهم. يا الله، كم هي حنونة وطيبة، وكم كان أولادك طيبون، كنت أستمد منهم قوة بقائي، منذ كانوا صغاراً، وكبروا وأنا أرى فيهم وجهاً آخر منك، كنت أنتظر أن يكبر ولدك البكر ليكسر قيد عبوديتي، أعرف أنه لم يكن يرضى أن أظل عبداً حتى رحمتك، أعلم أنه تعلم من أمه كيف يكون حراً.. وكبر وأصبح حراً منك ومن سجن أبوتك له، كم يعجبني ولدك. أنت لا تستحق أن تكون أباً (يهدأ للحظات) كنت هناك (يشير إلى جهة من جهات المسرح) أنتظر ما سيكون، كنت أرتب كل شيء في خيالي بعد أن أغادر هذا البيت، كنت أرسم تفاصيل حياتي الجديدة في خيالي، أرسم شكل زوجتي وأطفالي وبيتي الصغير، ووجبة عشاء تظللها ضحات الصغار وحكايا المساء، كانت فرصتي الأخيرة للخروج من سجنك، فرصة الرجل العجوز ليعيش حياة أخرى بعيداً عن كونه عبد.. (بإحباط) لكنك لم تترك لي حتى فرصة صغيرة لأمتن لك، فقط فرصة ترأف بحياة العجوز التعيسة الذي تحمل خمسين عاماً. أتذكر يوم جاءك ولدك البكر ليحدثك بشأن حريتي، لست أنا من طلبت منه، هو من كان يريد للعجوز بعض حرية، كان عطوفاً ذلك الولد، ولم تكن تستحق أبوته، كان يستعطفك أن تهبني حريتي، كنت أراقب هناك، وأنا أطالع الأمل يتلاشى شيئاً فشيئاً، بعنجهيتك المقرفة كنت تقول له (يمثل دور السيد)  لا شأن لك بخادمي، إنه لي وأنا حر متى ما أردت أن أهبه حريته، هو ملكي وحدي ولا شأن لك به (يعود لشخصيته) كان يحاول جاهداً أن يغير رأيك، كنت أراقب الإصرار في ملامح وجهه، وكان يهبني الأمل بأنه قادر على إقناعك، لكنك رفضت، حاول ورفضت، حاول مراراً ورفضت، فانفجرت في وجهه (يقلد السيد وهو يصرخ) قلت لا شأن لك، لا تعد لهذا الموضوع، هو يخصني، وهو عبدي وخادمي، ولن أسمح لأي كان أن يتدخل في شأننا (يعود لشخصيته) على قدر انكساره كرهتك، على قدر يأسي كرهتك، على قدر حطام روحي كرهتك، أكرهك أيها السيد المتعجرف، سأتركك وحدك لوحدك دون أحد (غاضباً، يرفع صوته) لتعش وحدك أيها السيد، وحدك فلن أعود، أنا ميت، تحدث وحدك، سلِّ نفسك، غنِّ وارقص وحدك، اسهر في حفلاتك المزيفة وحدك، فلن يرافقك أحد، فأنا أغادر صوب حريتي، إلي غياب يكسر القيد، أنا ذاهب ( يتنفس عميقاً ) لقد تعبت من حياتي معك، وتمنيت ساعة موتي، كانت آخر ساعات حياتي لذيذة كآخر رشفةٍ في كأس، لأني روحي فاضت وأنت لست بقربي، نائماً كنت، وأنت تنتظر من يوقظك في السادسة. كم أحب الموت الذي غيبني عنك، أحب الموت الذي وهبني حريتي، فأرجوك، أرجوك وارِ جسدي أيها السيد، لا أريد تمثالاً يرى وجهك في كل لحظة، وارِ جسدي أيها السيد، وارهِ ، وانسَ ذلك العبد الأسود الذي أذقته المرارة وكره الحياة بسببك، عش وحيداً، لا أريد الموت بين يديك ولا الحياة تحت عينيك (يأخذ الغطاء) حسنٌ، لا أريد حتى مواراتك لي، نم هانئاً لتستيقظ في السادسة وحدك، ولتحتسي اشاي وحدك، ولتمكوت وحدك، لكن دعني في هدأة موتي، دعني أشعر ببعض من حريتي لأحلق كطائر في السماء التي لا حد لها.. سأبحث لي عن قبر لا تعرف حتى مكانه، سأهرب بجسدي الميت من هذا القصر اللعين..

يخرج من باب الشرفة ويسمع صوت من البعيد

الخادم:     (صوته من البعيد) أنا حر، أنا حر

-إظلام-

 

انتهت يوم 1 –أغسطس  2000م

One Comment Add yours

  1. سوزان الرمضان says:

    مؤسف كم قد نظل في سجون يكون في موتنا الامل ..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s