الحوار المسرحي .. والشعر

المسرحي الكبير الراحل قاسم محمد
المسرحي الكبير الراحل قاسم محمد

(اللغة العربية فيها ماء)، كانت هذه العبارة التي اختصرت أول درس شفوي تعلمته من المسرحي العراقي الراحل قاسم محمد، وتكررت ذات العبارة في برنامج عرض على قناة الشارقة لقراءة عرض (فصول من عذابات الشيخ أحمد) الذي أخرجه حسن رجب لفرقة مسرح الشارقة ٢٠٠٣م. أثارتني العبارة، فيما بعد أيقنت أن في اللغة ماء.

منذ بداية المسرح الطقوسية أيام الإغريقيين، وحتى وقت قريب، ارتبط المسرح بالشعر، حتى أن (فن الشعر) كان عنوان أول كتاب تنظيري لفن الدراما كتبه الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي حدد فيه معالم التراجيديا والكوميديا والميلودراما، فالنص المسرحي وهو الصيغة الأولى لأي عرض مسرحي “بدأ شعراً يحاكي الآلهة، ثم لغة رفيعة في انتمائه لمؤسسة الكنيسة، ثم تخلص من الشعر عبر اللغة العامية”(1). لذا كان أكثر كتاب المسرح عبر تاريخه الطويل هم من الشعراء، من اسخيلوس، سوفوكليس، يوربيدس، شكسبير، ت. اس. إليوت، سارتر، بيكيت، بريخت.. وغيرهم، خاصة في تلك الفترة الطويلة التي كانت السلطة في المسرح للكاتب المسرحي، قبل ظهور وظيفة المخرج على يد دوق ساكس مننجن، حتى امتلاك المخرج كامل السلطة على العرض المسرحي، والذي تزامن مع وصول النثر للنص المسرحي، وتغليب الجانب الدرامي في المسرح إلى نهايات القرن الثامن عشر والتي انحسر فيها الشعر عن المسرح. ولكن عاد الشعر  إلى النص المسرحي مع ظهور التيار الرومانسي في بدايات القرن التاسع عشر مع فيكتور هوجو والسكندر دوما و ألفرد دوموسيه وغوته، وهذا التيار هو الذي أوجد ما عرف لاحقاً بالمسرح الشعري الذي تسيد حركة النص المسرحي في أوربا.

بعدها ظهر المسرح الواقعي في مواجهة غلبة الشعر، وكان رائده المسرحي النرويجي هنريك ابسن الذي “كتب مسرحيته (اتحاد الشباب) في العام 1869م بالنثر وليس بالشعر-الذي اعتاد الكتابة به-. وبين أبسن أنه يحب أن يكتب باللغة الواقعية اليومية التي يستخدمها الناس في حياتهم”(2)، ووجد أن النثر ولغة الناس الواقعيين هي اللغة الأفضل لطرح القضايا الاجتماعية التي انشغلت بها نصوصه المسرحية حتى وصل لأن يلقب بأبي المسرح الحديث. وهذا ما فتح الباب للغة مسرحية جديدة قريبة من الناس وتشبه الناس بعد أن كانت اللغة المسرحية تحلق في فضاء أبعد. مع أن المسرح الواقعي لم يلغِ تماماً وجود المسرح الشعري الذي بقي مع انشغال بعض الشعراء به، حيث عاد الاهتمام أكثر بالمسرح الشعري في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين الميلادي، خاصة في فرنسا، فقد كتب شعراء بعض المسرحيات شعراً، مثل: الشاعر الفرنسي تيودور دي بانفيل ، وفي إنجلترا بعث ت. س. إليوت المسرح الشعري بعثاً جديداً بكتابته لمسرحية الصخرة 1934 .

ت. س. إليوت
ت. س. إليوت

في الوطن العربي، يرى الباحثون المسرحيون ان أول نص مسرحي عربي كتب ليمثل، كان نص (البخيل) الذي كتبه مارون نقاش في العام 1847م، عن مسرحية (البخيل) لموليير، وقد كان النص شعرياً، ألفه نقاش وقدمه في منزله في لبنان. بعده تتالت المسرحيات منذ ذلك التاريخ، وكان الشعر هو الصيغة اللغوية للنصوص، فبعد مسرحية البخيل، كتب وقدم نقاش مسرحيته (أبو الحسن المغفل)، وفي دمشق انطلق أبو خليل القباني بعروضه المسرحية التي أخذت طابع الغناء، لأنها كتبت شعراً. مع هذا يعاب على هذه النصوص ركاكاتها وعدم اعتمادها على القوالب الشعرية، وإدخالها بعض المفردات العامية كما في نص (البخيل). من جهة أخرى، يختلف بعض الباحثين حول أو نص، ويؤكدون ان أول نص مسرحي شعري كان لخليل اليازجي وهو (المروءة والوفاء) التي كتبها عام 1876 ومثلت على مسرح بيروت 1888، إضافة إلى أن هذه الفترة قد قدمت للمسرح العربي نصوصا مسرحية مترجمة، كترجمات المترجم والشاعر المصري محمد عثمان جلال (1828-1898) الذي “كان يعرب بعض المسرحيات الفرنسية شعرا ويضفي عليها روحا مصرية خالصة، كما كان يترجم بعض المسرحيات زجلاً”(3).

وفي بدايات القرن العشرين بدأت تتضح معالم المسرح الشعري بعد أن تخصص في كتابته مجموعة من الشعراء الذين دخلوا إلى عالم المسرح من بوابة الشعر، فبعد عودته من الدراسة في فرنسا، كتب أحمد شوقي بين عامي 1927-1932 مسرحياته الشعرية: مصرع كليوباترا، مجنون ليلى، قمبيز، عنترة. ولكن مسرحيات شوقي كان يعيبها وفرة الشاعرية على حساب الدراما والكتابة المسرحية. ومع بروز هذا النوع من المسرح ظهر العديد من كتاب المسرح الذين نقلوا المسرحية الشعرية نقلة نوعية في استخدامهم للشعر الرصين في حوارات مسرحياتهم، كـ: عزيز أباظة ومن مسرحياته ( العباسة)، ( شجرة الدر)، (زهرة)، (الناصر)، (شهريار)، (قيصر)، (قيس ولبنى)، (غروب الأندلس)، (أوراق الخريف)، (قافلة النور). وعبد الرحمن الشرقاوي ومن مسرحياته (مأساة جميلة)، (الفتى مهران)، (تمثال الحرية)، (وطني عكا)، (الحسين ثائراً والحسين شهيداً)، (صلاح الدين والنسر الأحمر)، (عرابي زعيم الفلاحين). إضافة لعلي أحمد باكثير، معين بسيسو، صلاح عبد الصبور، عدنان مردم بك، خالد الشواف، وإبراهيم العريض.

والملاحظ لقارئ نصوص هؤلاء الشعراء المسرحيين أنهم انحازوا للموضوعة التاريخية في نصوصهم أكثر من انحيازهم لقضايا معاصرة، عبر التناول التاريخي الوثائقي المباشر أو عبر استخدام الحكاية التاريخية كرمز لقضايا معاصرة، و”تفضيل شعراء المسرحية العرب للتاريخ يمثل أحد أوجه التأثر بالمسرح الغربي، لاسيما الكلاسيكي منه. فعلى نحو ما عاد شعراء المسرح في أوروبا إلى تاريخ أوطانهم، واستمدوا منه مضامين مسرحياتهم، عادت ثلة من شعرائنا إلى تاريخنا العربي، تعبيراً عن النزعة الوطنية والقومية.‏فالنزعة الوطنية والقومية هي عامل آخر أسهم في عودة طائفة من كتاب المسرح إلى التاريخ. فإذا كان من الثابت أن الدافع لدى الجيل الأول من شعراء المسرحية التقليدية لم يكن علاج مشكلات اجتماعية معاصرة، من خلال القناع التاريخي. تلك القضايا لم تكن ضمن دائرة انشغالهم، حيث انحصر هدف الكثير منهم في إحياء أمجاد الماضي، والتعبير عن الحس الوطني أو القومي” (4)، ومع كل هذه النصوص المسرحية الشعرية، يرى الكاتب والباحث المسرحي خالد محي الدين البرادعي أن “المسرحية الشعرية بدأت حيث انتهى منها الآخرون” (5)، ويورد في كتابه (خصوصية المسرح العربي) رؤية طه حسين للمسرحية الشعرية، حيث يقول “إني لست من الكلفين بالقصص التمثيلية التي تعرض على الناس شعراً في هذه الأيام، وشعراً عربياً بنوع خاص، وقد شب التمثيل عن طوق الشعر وتمرد على اوزانه وقوافيه، وآثر حرية النثر وطلاقته وإسماحه على قيود الشعر وتحرجه وصرامته منذ زمن غير قصير، وأصبحت القصص الشعرية في اللغات الأوربية نادرة أشد الندرة، لا يكاد الناس يقبلون عليها إن وجدت”(6).

أحمد شوقي
أحمد شوقي

في مصر التي كانت رائدة وحاضنة للمسرح العربي، شهد مسرحها بعد ثورة يوليو 1952 “الكثير من التغيرات ليتناسب مع الظروف السياسية والاجتماعية التي صاحبت تلك الفترة، ومع اهداف الثورة، أصبح المسرح في هذه المرحلة، علامة من علامات صعود تيار التجديد والنهضة الحديثة” (7)، وكان أثر الثورة كبيرا على كتاب المسرح الذين حركت فيهم احساسهم بالقومية، ما جعل المسرح منبرا للتعبير عن الثورة واهدافها، ومن الأسماء التي ظهرت بعد هذه الثورة والتي شكلت علامة بارزة في المشهد المسرحي العربي: نعمان عاشور، سعد الدين وهبة، يوسف ادريس، الفريد فرج، ميخائيل رومان، على سالم، الذين كتبوا نصوصهم بحوارات نثرية امتازت بالحيوية والعمق، والقدرة على الوصول إلى المتلقي بسهولة، دون الدخول في متاهات اللغة الشعرية، بمعنى انهم كتبوا نصوصا قريبة من كلام الناس.

وقد أثر هذا التيار الذي ظهر، على مشهد النص العربي بالكامل، الذي تتطور تدريجيا ليؤسس لتيار المسرح الطليعي الذي ظهر نتيجة آثار هزيمة حزيران 1967، فظهرت أسماء تحررت أكثر من عبء المفردة العربية الفخمة، وكتبوا نصوصا خلدت لأنها اقتربت أكثر وأكثر من هموم الناس، ومنهم: محمد الماغوط، سعد الله ونوس، فرحان بلبل، ممدوح عدوان في سوريا، عصام محفوظ في لبنان، يوسف العاني، قاسم محمد في العراق.. وغيرهم من كتاب تلك المرحلة وما بعدها.

حين نعود لمواصفات اللغة المسرحية كما تشير إليها الدراسات ومناهج الورش المسرحية، فإنها لا بد ” أن تتوافر عليها خصائص معينة تتفرد بها دون سائر الأنواع الأدبية كون المجال الذي تعمل فيه هو مجال الفعل وليس مجال السرد، لذا ينبغي أن تكون مركزة واضحة ومفهومة غير سردية” (8)، ومن الوصايا التي يركز عليها معلمو المسرح وخاصة معلمو الكتابة المسرحية بشأن لغة الحوار أنه “يجب الابتعاد عن الغنائية (والبوح الوجداني) و (الوصف الشاعري) لتقوية الجانب الحركي المسرحي، فالكاتب المسرحي ليس وصافا أو شاعرا وجدانياً” (9)، في ذات السياق يعيب البروفيسور الأمريكي لويس كاترون على بعض كتاب المسرح بأنهم “يهتمون أكثر بإثبات حصيلتهم اللغوية من الألفاظ في حوارات مسرحياتهم” (10)، ويصف تلك اللغة التي يستخدمها الكتاب بأنها لغة “فيها قسوة وخشونة، متكلفة وبعيدة عن الواقعية” (11)، ويرى أن الأنجع للكتابة المسرحية أن “يستحضر الكاتب طريقة كلام الناس في الحياة الواقعية لتظهر الشخصيات حقيقة” (12)، ويرى ان اللغة المسرحية لغة مصممة لتنطق على المسرح من قبل ممثلين لتصل بسهولة لأذن المتلقي، بشكل مغاير لتلك اللغة الأدبية المكتوبة والمخصصة للقراءة من قبل شريحة منتخبة.

وليتحقق للحوار المسرحي وظائفه: تطوير الحبكة والحدث، تصوير الشخصيات والوظيفة الجمالية لا بد أن تتوافر فيه:

“آ – مناسبة اللغة لموضوع المسرحية. فالمسرحية ذات الموضوع التاريخي يختلف أسلوبُ لغتها عن أسلوب الموضوع الواقعي. ولغة المأساة تختلف عن المسرحية الكوميدية. وأسلوب المسرحية التاريخية التي تدور أحداثها في العصر الجاهلي يختلف عن مسرحية تاريخية من العصر العباسي أو العثماني.

ب – أن يتلاءم الحوار مع الشخصية. فلغة المثقف غير لغة الجاهل. ولغة الفلاح غير لغة ابن المدينة. وكلاهما يختلف عن الجندي أو الطبيب. ولغة المثقف المتبجح بثقافته غير لغة المثقف المتواضع.

ج – أن يكون رشيقاً وذا إيقاع جميل. فطول الجملة أو المقطع يؤدي إلى ضياع المعنى. والجمل التي ليس فيها إيقاع موسيقي جميل لا تفتن المتفرج أو القارئ. ونحب أن ننبه إلى أنه إذا كان الإيقاع الموسيقي في الشعر مفروضاً على الشاعر، فإنه في المسرح أكثر فرضاً ووجوباً. فهو كلام يمتد على مدى ساعة أو أكثر. وإذا لم يحفل بالموسيقى الداخلية الخفية، فإن المتفرج يضيق به مهما برع الممثل في أدائه.

د – أن يكون الحوار مساعداً للممثل على الإلقاء. وذلك بالابتعاد عن الحروف التي لا تتلاءم إذا تجاورت كالقاف والكاف أو الشين والسين، وبالابتعاد عن الكلمات التي ترهق حنجرة الممثل”(13).

ومع هذا، فإن الكثير من الكتاب المسرحيين خاصة المبتدئين منهم ينساقون لإغراء اللغة الفخمة، والألفاظ المعجمية، والتراكيب التي تميل للشعر أكثر من ميلها للنثر، في كتاباتهم للمسرح، ومرجع ذلك للبس في تصنيف المسرح الحديث، فلا زال يصنف كنوع أدبي خالص، تأثرا بالتصنيف القديم الذي وضع المسرح والرواية والشعر وغيرها في مصاف الأدب، رغم أن المسرح الآن هو فن قائم بذاته ومن الواجب معاملة نصوصه كما تعامل سيناريوهات الأفلام بعيداً عن أي تصنيف أدبي. فالنص المسرحي لم يكتب أساًساً للقراءة، بل يكتب ليجسد على الخشبة، وبالتالي يجب أن يكون مناسباً للتجسيد، وحواراته مناسبة للنطق، فأكثر ما يتعب الممثل ويرهقه على خشبة المسرح الحوارات ذات اللغة الخشبية التي عناها كاترون، فالممثل سيكون منشغلاً بنطق الكلمات وفهم تلك العبارات الغامضة التي يستأنس بكتابتها بعض كتاب المسرح، ومحاولة فك شفرات تلك اللغة، فما بالك بالمتفرجين الذين يفقدون ذلك الرابط بينهم وبين العرض ما يفقدهم جماليات التلقي المسرحي وهم في محاولاتهم لتفكيك شفرات الحوارات التي تصل إلى آذانهم.

الاعتقاد بأن اللغة المسرحية هي تلك اللغة الموغلة في الغموض المحفوفة بالشعر، والاعتقاد من قبل المخرجين بأنها اللغة المناسبة لتتجسد على الخشبة اضاع كثيرا من متعة المسرح، فصار البون شاسعاً بين المسرح الجماهيري بلهجته المحلية التي تصل في أحيان إلى السطحية والسوقية، والمسرح النوعي الذي انجر وراء غواية اللغة وجمال البلاغة، ما يفقد الحوار المسرحي ماء اللغة ونداوة الكلام كما قال يوماً (قاسم محمد).

لا بد للكاتب المسرحي أن يبحث، بعد التدريب والقراءة، عن ما يجري الماء في لغته، لتصبح ندية سيالة، تصل بسهولة ويسر للممثل الذي يفهمها ويعيها ويوصلها بسهولة للمتفرج حتى تصل رسالة المسرحية، دون أن نجهد هذا المتفرج ليفهم حوارا بليغا بألفاظ معجمية، أو شعراً يحتاج لفك شفرات غموضه.

 

 

 

 

مصادر:

1( مجلة المسرح-حوارية نقدية.. المسرح بين العبارة والجسد-عبد اللطيف علي الفكي-صيف 2011م.

2) مجلة الباحثون-هنرك ابسن: رائد المسرح الواقعي الحديث-ابراهيم محمود الصغير- 6/2/2012م.

3) علاقة الشعر بالمسرح-عمار الجنابي-الحوار المتمدن-العدد: 3438 – 2011 / 7 / 26 – 19:05

4) موقع جامعة محمد خيضرة-بين المسرح الشعري والتاريخ- د.اسماعيل بن اصفية ـ الجزائر‏

5) خصوصية المسرح العربي-دراسة-خالد محي الدين البرادعي-منشورات اتحاد الكتاب العرب 1986

6) نفسه

7) موسوعة المسرح العربي-اعداد عدد من الباحثين-اصدارات مجموعة مسارح الشارقة-2012

8( علم المسرحية وفن كتابتها –الدكتور فؤاد الصالحي –دار الكندي

9( نفسه

10( The elements of playwriting-Louis E. Catron-2002-Warelamd Press Inc.

11( نفسه

12( نفسه

13( ماهية الحوار المسرحي-حمودي بن العربي-الحوار المتمدن-العدد: 3106 – 2010 / 8 / 26.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s