حوار مع المسرحي عباس الحايك

مسرحية الموقوف80-الجزائر
مسرحية الموقوف80-الجزائر

 

حوار – محمد الفوز (جريدة الحياة)

نص مسرحيُّ يتناوبُ في إضمار همومه و تداعياته الذاتية من خلالِ الكتابة و التأمل على خشبة المسرح ، فهو يطأ بحساسية مفرطةٍ على حوافِ الذاكرة ، حتى ينبشَ أوجاعه ، و يصقلها ضمن عرضٍ مسرحي يتطور بالكتابة و يتجاوز حُرية المتلقي أحيانا ، كانتْ تجربته في مسرحية “خلف البرواز” مثيرة إلى حدِّ الصخب الذي سيكونُ ذخيرة لنص آخر …

1 – ماهي مرجعيات المسرح السعودي ، و هل تجاوزنا مرحلة البدايات فعليا ؟

لا أظن أن في المملكة حركة مسرحية يمكن أن نطلق عليها مسرحاً سعودياً بما يحويه المفهوم، فحتى الآن لم يختلف المسرح أو يمتاز عن غيره، هي مجرد اجتهادات هنا أو هناك، تحاول أن تتجاوز السكون. لذا لا يوجد مرجعية واحدة للمسرح السعودي.. هناك مرجعيات تختلف من تجربة إلى أخرى-بمعناها الإقليمي- فالدمام لهم مرجعيتهم والطائف يختلفون عنهم، والمسرح في جدة أيضاً له مرجعيته ، و اقتراب المسرحيين في الشرقية من التجارب الخليجية جعلها مرجعيتهم، وفي الطائف اقتربوا من المسرح التجريبي والحراك المسرحي في مصر، فصارت مرجعيتهم التجريب، ويبدو أن المسرحيين في جدة متأثرون بالتجربة العراقية خاصة مع احتكاكهم مع العراقي أمير الحسناوي، فتحولت عروضهم المسرحية إلى امتدادٍ لمسرحه.والمتمعن في المسرح في السعودية يرى أن بعض المجاميع المسرحية قد تجاوزت البدايات منذ زمن، وصار لها حضور في المهرجانات العربية، ليس للتمثيل بل للمنافسة و جذب الاهتمام، كورشة الطائف واشتغالها الدائم والمستمر الذي انتزع اعترافاً من المسرحيين العرب بإمكاناتهم.

2 – الفنان خالد سامي قال ذات مرة ” المسرح السعودي لم يولد بعد ” ألا يعد التجريب حالة وعي متطورة ، تتفرد بالبحث عن مساحة مفقودة من حياتنا المزدوجة في اقترافها للتقاليد و إصرارها -أيضا- على الحداثة و المعاصرة ؟

لا يمكن تعميم هذه المقولة على كل التجارب المسرحية في المملكة، وتظل تجربة ورشة الطائف هي الأكثر وعياً، خاصة وأن الورشة هي مختبر حقيقي يخرج مسرحاً واعياً، شرط وعي أعضائها وثقافتهم وقدرتهم على توظيف أدواتهم المسرحية. ولكن يظل اندفاع كثير من المسرحيين السعوديين للتجريب اندفاعا ناقصاً لا يفضي إلا إلى انفضاض العنصر المهم في اللعبة المسرحية، وهو الجمهور، وهذا ما حدث مع مسرح الدمام الذي استجاب لمطلب التجريب فقط للمشاركة الخارجية في المهرجانات، وهذا ما جعله فاقداً لتميزه، وتمكنه من العطاء، فصار كالغراب الذي نسي مشيته. ويحتاج المسرح في الدمام لإعادة نفض، والاشتغال على مفردة التجريب الذي يقف حيالها كثيرون فلا يجدون مخرجاً لفهمها، رغم إدعائهم أنهم يجربون … نعم التجريب حالة صحية يحتاجها المسرح في السعودية، لكن قبلاً، نحتاج إلى تثقيف المسرحي السعودي، فالتجريب تخضع له كل العناصر المسرحية، من الكتابة، التمثيل، إلى الإضاءة والديكور، وأهمها الإخراج.

3- هل المسرح السعودي يطرد نجومه ، و يُهرِّبهم إلى شاشة التلفزيون إذا أخذنا ناصر القصبي و عبد السدحان نموذجا ؟

أكيد، فالمسرح في الواقع ما عاد يجدي، هل تظن أن عرضين مسرحيين هي نصيب كل فرع من فروع جمعية الثقافة كافيين لاجتذاب النجوم؟، وهل تظن هذين العرضين قادرين على تحقيق الشهرة كما يفعل مسلسل واحد، تضيف إليه المردود المادي؟. ولكن جميل ما فعلته أمانة مدينة الرياض بأن دعمت المسرح في العاصمة واشترطت على العروض المسرحية المقدمة ضمن احتفالات العيد أن يستقطب نجوم المسرح والتلفزيون، وبغض النظر عن كوني أتفق أو أختلف مع طروحات هذه المسرحيات، فإن هذا ما يمكن أن يخلق حركة مسرحية سعودية، إن تواصلت العروض وتجاوزت الموسمية. ثم أن لا السدحان ولا القصبي ولا النمر ولا غيرهم من نجوم التلفزيون الذي خرجوا من عباءة المسرح سيقبلون بالعمل في المسرح الخاضع لمفهوم التجريب.

4- مسابقات العروض المسرحية التي تطرحها جمعيات الثقافة و الفنون ؛ كيفَ أسهمت في بناء وعي متحفز لاستثمار أدواتِ الفنانين و صناعةِ وجوهٍ شابةٍ تواكبُ النص و تتطور مع رؤية الكاتب المسرحي الذي تشغله قضايا الساعة ؟

فكرة المسابقات نابعة من وعي، فأن تتحول مسابقة خاملة للنصوص المسرحية التي لن يقرأها أحد أو ينفذها أحد إلى مسابقة للعروض المسرحية كما حدث مع جمعية الدمام هو ما نحتاجه لبناء وعي جديد، وهو ما يساهم في تغيير الصورة السائدة للمسرح، كذلك هي مساحة واسعة للتفكير والتنفيذ واستحضار الممكن في عروض أنجزت ولو قليلاً من الاختلاف. ثم أنه وجدت فيها الوجوه الشابة من المشتغلين بالمسرح فرصة لتقديم عروضهم …. بعيداً عن صرامة الرقابة، مما حفز الكاتب المسرحي على العمل ضمن مساحة حرية أكبر، وحفز الممثل على الاجتهاد لتقديم الأفضل، وحفز المخرج على اختيار النص الأفضل الذي يتناسب ومستوى وعيه، كما حفز الجمهور على متابعة العروض واكتشاف وجود كائن غامض اسمه مسرح لا يعرف الكثيرون عن وجوده … هذه المسابقات تشغل المسرحيين خلال ثلاثة إلى أربعة أشهر من التحضير والعمل والتدريب للمشاركة، تشغلهم حتى في البحث، تحفز فيهم روح التجريب بشكل عفوي. ومن المفترض أن تكون هذه المسابقات باباً لتبني المميز من العروض، والمشاركة به في المهرجانات الخارجية بعد أن يخضع لعمليات تقويم، بدل أن يضطر إلى اختلاق عرض مسرحي من الصفر لأجل المشاركة، مما يكرس الصورة المأخوذة عن المسرح في السعودية على أنه مسرح بدايات..!

 

 5- ما جدوى السينوغرافيا في المسرح المحلي البسيط في إمكاناته، و الطموح جدا في استلهام خيال ٍ بارع يضع النص في أعلى مقامات الدهشة و السجال البصري الموازي للصوت ؟

السينوغرافيا أصبحت من أهم العناصر المسرحية خاصة بعد أن أدخل الممثل وإمكانات جسده ضمن المصطلح، والسينوغرافيا لا تعني بالضرورة الازدحام والتكلف والغموض كما نشاهده في المسرح في السعودية وحتى في الخليج، السينوغرافيا يمكن أن تنبع من البسيط والمتقشف، المسرح الفقير يملك سينوغرافيته أيضاً، والمفردة البيئية المحلية يمكن أن تبني سينوغرافيا مدهشة. الفراغ جزء من السينوغرافيا، الكلمة وكيف تقال أو كيف تتحول إلى حركة هي  جزء من نظومة السينوغرافيا المسرحية. المشكلة تكمن في فقر المسرح في المملكة من متخصصيين في السينوغرافيا، إضافة لفقره من متخصصين في الإضاءة والصوت والديكور المسرحي. في المعهد العالي للفنون المسرحية هناك تخصص للسينوغرافيا يتخرج فيه الطالب حاصلاً على شهادة بكالوريوس.. هل نملك أكاديمي؟ قادر على خلق السنوغرافيا من البساطة أو حتى من الفوضى؟.

 6- الجدل المستفيض بعد عرضك مسرحية “المزبلة الفاضلة” و التي أصبح عنوانها ” خلف البرواز” في مهرجان الجنادرية ؛ أهو تكريس للخيبة ، أم أنها صدمة البدايات جعلتْ أيّ نص متقدم في رؤيته يمثل اجتياحـــا لابد من قمْعِهِ ؟

ممكن أن يفهم على الوجهين، الموضوع كاد يمر بسلامة لولا ضعف محمد المنصور وهو بالمناسبة اللجنة المنظمة لفعاليات المسرح في الجنادرية وحده، بمجرد شكوى من جهة ما، حاول التنصل من المسئولية باستصدار هذا القرار. شخصياً اضطررت للنزول عند طلب المركز الرئيس لجمعية الثقافة والفنون بالرياض لتغيير الاسم، رغم أن الاسم الجديد أفقد أسمها الأصلي وهجه، فقط لتتمكن الفرقة من المشاركة بالعرض بعد أن حرموا منه في السنة الماضية لأنه لا يلتزم بشرط اللجنة المنظمة بأن يكون العرض باللهجة المحلية، وتخليت عن أنانيتي لأجلهم، لكني فوجئت بالقرار الذي لم يطالني بما يسيء فقد حصلت على جائزة التميز في النص، وكان اللوم على فرع الجمعية بالدمام وعلى المخرج. هذا القرار يكشف جلياً قصور الوعي المسرحي عند اللجنة المنظمة، واستعدادها لمعاقبة أي مسرحية تتجاوز التابوهات المفروضة في المسرح المحلي وتتكرس أكثر في الجنادرية … فأنا لم أكتب المزبلة الفاضلة لتستهلك محلياً، كتبتها وكتبت بشرها الذين لا ينتمون سوى لإنسانيتهم، والمسرحية قدمت في المغرب والكويت وعمان وكردستان وفي طريقها إلى جمهور المسرح الأردني، ولست على استعداد في المستقبل للتنازل عن مساحة الحرية التي أملكها في الكتابة.

 7- من خلال حضورك و مشاركتك في تحكيم بعض العروض المسرحية ؛ ياترى مالمعوقات المباشرة للحراك المسرحي ؟

على رأس المعوقات الاعتراف الشرعي بوجوده ككائن وكنسق ثقافي، ثم تأتي بعده الكثير والكثير من المعوقات، الحرية والحاجة إلى توسيع دائرتها، التدريب المتواصل للمسرحيين وتثقيفهم، الروتين الإداري في التعامل مع المسرح والذي بدأت بوادر انحساره بتغيير الطاقم المسن الذي كان يدير المسرح في المملكة، الدعم المالي والرسمي، ومن ضمن المشاكل وهم الخصوصية التي صار الرافضون للمسرح يتذرعون بها لتبرير رفضهم..    وربما أحتاج لوقت طويل لتعداد المعوقات، لكن أرى أن المسرح يحتاج لاستنساخ تجربة المسرح الإماراتي منذ السبعينات حتى الآن، وتطبيقها على المسرح في المملكة، لكن من المعوقات التي قد تجعلنا مكانك سر، هي التكوين المعرفي للممثل المسرحي، فالممثل عندنا يمارس المسرح دون أن يعي لماذا وكيف؟، فقط لإشباع رغبة داخلية في أن يكون ممثلاً، وهذا ما يلحظ في مستوى العروض المقدمة، أو حتى في الندوات المسرحية أو المنتديات الالكترونية المختصة بالشأن المسرحي، فتجده يتوجس من المشاركة في النقاشات، ليقينه بضحالة ثقافته المسرحية.. قد أكون قاسياً في الحكم، لكن هذا ما استنتجه من خبرتي في المشاهدة والمشاركة والاحتكاك.

8- هل المسرح فضاء حقيقي؛ و كيفَ نُحلِّقْ من خلاله ؟

نعم فضاء حقيقي لذا اخترته بعد تجاربي مع الشعر والرسم وكتابة القصة، كان ضالتي التي وجدتها، فالمسرح-افتراضاً- هو صورة عن الواقع، صورة تختلف أو تتشابه تماماً معه، أفهم أن المسرح هو الإنسان، والإنسان يتمسرح في كل لحظاته، يمثل عفوياً أو عن قصد. وبما أن المسرح مساوٍ للإنسان فإنه الفضاء الذي يحلق فيه، فيه يمارس لعبته أو يمارس إنسانيته، فيه يرى نفسه أو يرى الآخرين. والحكاية، هو الرقص والموسيقى، فيه يبدع الإنسان، يكون في أجمل صوره، أو أقبحها.. المسرح مجموعة من خبرات بشر، ليس عملاً فردياً، يولد فردياً ويتلقى فردياً، المسرح يجر الجمهور حتى ليكونوا جزءً منه.هو تركيبة من فنون، هو الشعر والرسم.

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s