الـتـيه

cde9ecc47406

  التيه: أعد عنه الاماراتي جمعة علي عرض (الصرة) من إخراج عارف سلطان 2007م.

 

ظلام عام .. بعضٌ من ضوء القمر يحدد المعالم .. أربعة أشخاص في مركب وسط البحر .. يبدأ العرض بصوت النهام ..

النهام :

يا صــــاح خل الذي خلاك ما لك به

وبير شـــرب   فيه بعض الناس مالك به
ولــو هو  صفا لك بعد الاكدار مالك به
شــرب  الصَّرَى ميفيدك لو رويت ابكف
يا حيف ما تــــنقبض  رمانتين ابكف
اورد عدود الصفا واشــرب  زلال بكف
اتبع صديق إلصخا ، واللاشــي ما لك به

 

أصوات : صح لسانك .

النهام : ( يتنهد ) آه .. أشعر هواءً مختلفاً يدخل صدري .. أشعر أني أحلق كالطيور .. لي البحر والسماء .. أحلق أنى شئت .. أغني ما شئت .

ابن النوخذة : غناؤك بدد وحشتنا .. البحر في الظلام موحش .

مبارك : ( منهمكاً في العمل على الفانوس ) ها أنا قاربت على إشعال الفانوس .

ابن النوخذة : ( بحدة ) لمَ لم تجهزا الفوانيس من قبل ، بدل بقائنا في الظلام حتى هذه الساعة .

عيسى : كان من الضروري أن نهرب في الظلام ، كيلا يشعر من في المحمل بنا .

ابن النوخذة : (بلهجة آمرة ) وها نحن ابتعدنا كثيراً عن المحمل .. فلا تبقيانا في حلكة الليل .

عيسى : كف لسانك يا ابن النوخذة .. نحن لا نعمل عندك .

مبارك : ما ظننا أن الكاز سينفذ بهذه السرعة ..

ابن النوخذة : لم تعلمك كل تلك السنوات التي عملت فيها عند والدي تقدير الأمور ؟

عيسى : ليغلق أحدكما فمه .

النهام : ألا تكفان عن مشاكستكما ؟

مبارك : ها أنا سأشعل الفانوس .. ( يشعل الفانوس الذي بيده .. فتتضح المعالم أكثر ) .

ابن النوخذة : ( متهللاً ) أحسنت ، الآن أرى وجوهكم جيداً .. ( لعيسى ) وأنت ، ألن يشتعل فانوسك؟

( يشعل عيسى فانوسه .. فينار المكان أكثر )

عيسى : ( لابن النوخذة ) أرضيت الآن ؟

ابن النوخذة : اجل .. والآن علق الفانوس في صدر القارب .

عيسى : ولمَ لا تعلقه أنت ؟

ابن النوخذة : أنا ؟ .. أنسيت من أكون ؟

عيسى : لا .. أنت ابن النوخذة .!

ابن النوخذة : إذاَ ..

عيسى : إذاً تعمل كما نعمل ..

ابن النوخذة : ( غاضباً ) لكني ابن النوخذة ..

عيسى : ومن قال أنك ابن غيص .. أو ابن فلاح .. نعلم أنك ناصر ابن النوخذة .. لكنك لست النوخذة .. أنت هنا مثلنا .

مبارك : ( لعيسى ) أعطني الفانوس .. أنا سأعلقه ، فقط كفوا هذه المشاحنات .

عيسى : يجب أن يعرف يا مبارك ، أننا هنا سواء ، لا فرق بيننا .. حياتنا واحدة .. وموتنا واحد .

النهام : ( يقترب من عيسى ) موت ؟ .. ما الذي ذكرك به الآن ؟

عيسى : لأننا معروضون عليه .. كما نحن معروضون على الحياة الكريمة .

ابن النوخذة : ولماذا الموت ؟ .. غداً نصل إلى الهند ، وأصبح نوخذة كوالدي .

عيسى : ( مهموماً ) وربما لا نصل .. قد يبلعنا البحر بما سرقناه .

مبارك : سنصل انشاء الله .

عيسى : مذ طرأت الفكرة في رأسي ، وضعت الحياة الأفضل أمام عيني ، كما وضعت الموت أمامهما .

النهام : انك تخيفني بحديثك عن الموت .. أنا لا أريد أن أموت .. أريد أن أحيا حراً طليقاً .. أغني لآمنة مواويل الشوق دون خوف .

عيسى : ومن قال أنه يريد الموت .. أنا أكثر منك رغبة في الحياة .

مبارك : كيف تخافون الموت ؟ .. منذ خروجنا من بيوتنا ، منذ تفكيرنا بدشة البحر ، أراه رديف المحامل .. أراه في هبوب ريح .. أراه في جوف البحر ، في الحبل الذي يفصلني عن الحياة .. أراه في الظمأ والجوع .. أراه في السقم .. لكن يجب أن نصل .. أدعو الله أن نصل .

ابن النوخذة : ومتى نصل إلى الهند ؟

عيسى : ( يضحك بسخرية ) الهند ؟ .. الهند بعيدة جداً .. لن نصلها أبداً بهذا القارب الصغير .

ابن النوخذة : لكنك قلت ستأخذنا إلى الهند .

النهام : سنصل بهذا القارب إلى أقرب فرضة .. ثم نستقل جالبوتاً يأخذنا إلى الهند .

ابن النوخذة : ومتى نصل إلى أقرب فرضة ؟

عيسى : ( يتنهد ، ويدور حوله ) لا أعرف .

ابن النوخذة : ( بحدة ) لا تعرف ؟! .. أتعني أنك فقدت الطريق ؟

عيسى: ربما !!

النهام : لا تمزح يا عيسى !

عيسى : أنا لا أمزح .. حقاً أنا لا أعرف .. لكن سنصل .

ابن النوخذة : متى ؟

عيسى : ( بإصرار ) لا أعرف .

مبارك : كيف ظللت الطريق يا عيسى؟

عيسى : ظننت أن أقرب فرضة تفصلنا عن مكان هروبنا من المحمل ، لا تبعد سوى ساعات ثلاث .. لكن لا أرى حدوداًُ ليابسة .

النهام : أي حدود ؟! .. البحر يلفنا من كل ناحية .. لا أثر للجهات .. لا شرق لا غرب ، لا جنوب .. كأننا طائر فقد عشه .. ( يتنهد ) أه يا آمنة كم أشتاق إليك .. ( يبدأ بغنائه )

لأكتــب سلامي   لكم إنتوا هلي واعضاي

مرضوخ من ضـــامري حِبر القلم بعضاي
هاد الجسم يارفاقة وانتــــحلّ   إعضاي
إيش الحَوَل في عشـــيري    بدارهنِّ بعيد
بالــــعين لين التزم شــوفه عليِّ بعيد
جاوبت أهــــل المروة   ما جاوبنِّ بعيد
يظــــل جــرح المودة ساطيٍ بعضاي

 

( تسيل دموع النهام على خده .. يلاحظه عيسى )

عيسى : ( للنهام ) لمَ تبكي كالأطفال ؟ .. الرجال لا يبكون .

ابن النوخذة : ليس البكاء للأطفال وحدهم .. حتى الرجال يبكون .

مبارك : تبكي النساء أكثر حتى من الأطفال .. البكاء عندهن خنجر في الصدور .

ابن النوخذة : حتى أنت بكيت يا عيسى .. ألم تبكِ والدك يوم فقدته ؟ .. ألم تكن رجلاً وقتذاك ؟ .

عيسى : ( مرتبكاً ) لكنه والدي ..

النهام : ومن أبكي لأجلها هي آمنة ، حبيبتي التي لأجلها أعيش .

عيسى : تبكي لأجل من رفضك أخوها .

النهام : لكن آمنة تحبني ، تعشقني كما أعشقها .. ليتك جربت العشق ، إنه كالموج يجرفك للبعيد ، إلى عالم لا تملك روحك فيه ، العشق كالألم الجميل ، يكبر فيّ فأرى في كل شئ آمنة .

( صمت .. تتهادى أصوات أهات وتنهدات من البعيد .. يدورون حول أنفسهم بحثاً عن الصوت )

النهام : من أين تأتي هذه الأصوات ؟!

ابن النوخذة : لا بد أننا قريبون من أرضٍ ما .

مبارك : لا .. إنه البحر .

النهام : البحر ؟!

ابن النو خذة : ( خائفاً ) هل البحر مسكون بالجن ؟

مبارك : ليس بجن .. إنه البحر ذاته .. للبحر روح .. يشعر مثلنا .. يفرح .. يحزن .

عيسى : لا عليكم منه .. ربما تكون أصوات السكون .

النهام : ليس للسكون صوت .

مبارك : بل هو البحر .. ربما يكون حزيناً .

عيسى : دعك من خرافات العجائز .

النهام : ( مذهولاً ) ما الذي يجعله حزيناً ؟!

مبارك : ربما لفقد النوارس .. أو لنفوق ما جوفه من أسماك .. أو لجرأة الإنسان عليه .

ابن النوخذة : يفرح ، ويحزن .. إذاً هو ضعيف كالبشر .. ظننته أكثر قوة منا .. أهذا البحر الذي أرادني والدي أن أعرفه وأكشف أسراره حتى أكون رجلاً يرفع بي رأسه ؟

عيسى : مسكين يا ابن النوخذة .. لقد زجك والدك إلى البحر عنوة .

مبارك : كلنا مساكين ، كلنا زجتنا الحاجة والفقر إليه .

ابن النوخذة : أنا لم أحبه أبداً .. كان والدي يغيب أكثر أيامه فيه ..

عيسى : وهل احبه أنا ووالدي غرق فيه .

مبارك : وأنا مثلكم .. لكنه كان هروباً من ثرثرة زوجتي ، من أمانيها التي لا تنتهي .. هروباً من طمعها في أن تحيا كابنة نواخذة .. ( بحسرة ) لكنه سجني الذي يبعدني عن فاطمة التي أطلب الموت لأجلها كي ترى الدانة .

النهام : ( مذهولاً ) البحر لا يكف عن أنينه .. يبدو أنه موجع .

عيسى : لقد صدق أن للبحر روح .. إنه البحر هوهو .. لا يتغير .

النهام : إنه مختلف .. أحسه يتغلغل فيّ .. يجري في عروقي ، ويشدني إليه .. أرى فيه وجه آمنة .

عيسى : ( يصفق في وجه النهام ) هيه ! .. أفق وكفاك هذياناً .

النهام : أنا لا أهذي .. إنه البحر ، الهواء الذي يدخل إلى صدري فيبث فيّ الحياة .. نفسي الذي يغني المووايل .

عيسى : أوه .. لا تتكلم كالممسوس .

النهام : لمَ لا تهدأ قليلاً وتتركني في حالي .

( يأخذ مبارك عيسى جانباً )

ابن النوخذة : ( لعيسى ) اتركه وحده ..

عيسى : كيف أتركه .. انظر إليه يبدو كالممسوس .. البحر يأخذه إليه .. إنه يرعبني .

ابن النوخذة : وما شأنك به ؟!

عيسى : يقولون أن البحر يطلب البعض ، يُأخذون به ، ثم يغرقهم .

ابن النوخذة : إنها خرافة .. صدقتها وكذّبت أن للبحر روح .

عيسى : ليست خرافة .. أبي كان يشده البحر ، يقضي أيامه ولياليه إما في الغوص أو عند السيف .. ثم .. ثم غرق .

مبارك : إذاً للبحر روح مادام يشد فيُغرق .

عيسى : ( بإصرار ) لا ! .

ابن النوخذة : وما هذه الأصوات إذا لم تكن من البحر ؟

عيسى : ربما هي أصوات الغواويص والبحارة ، أصوات حسرتهم ، بعدما سرقنا ما كدحوا لأجله .. ربما هي لهفة أهل القرية عليهم .. ربما هي لهفة أمهاتنا .. لهفة ابنتك فاطمة يا مبارك ، يحملها البحر إلى مسامعنا ، ليست سوى ذلك.

ابن النوخذة : عدت لتسمية ما قمنا به سرقة ..

مبارك : نحن لم نسرق .. إنها حقوقنا .. النوخذة أبو ناصر أو غيره ، كلهم يحصلون على الكثير .. ونحن لا نحصل سوى على ما يسدد ديوننا عندهم .. الديون التي التي علقت في رقابنا لتخنقنا ، وتحيلنا عبيداً لديهم .

ابن النوخذة : نعم حقوقنا ..

عيسى : أستغرب أي حقوق تتكلم عنها يا ابن النوخذة .. لم تحرقك الشمس بلهيبها .. لم يطلك الجوع والعطش .. لم تكبلك الحاجة بقيد من حديد .. لم تغص مثلنا ، فلا نعرف أسنخرج أحياءً أم سيبلعنا البحر موتى .. عن أي حقوق تتكلم؟! .

ابن النوخذة : حقي في أن أحيا كإبن نوخذة .. آمر وأنهى .. أتمتع بغنى والدي .. أملك البر كما يملك هو البحر .. حقي يا عيسى لأني جبلت أن أكون هنا بينكم .. أنا ناصر ابن النوخذة وأنتم أجراء عنده .. حقي بألا آكل التمر والسمك كالفقراء .

عيسى : لا تختلف كثيراً عن والدك .. تمتصون دماءنا لترتووا .

ابن النوخذة : لأنه نوخذة وأنا ابنه .. ولولانا لمتم جوعاً .

مبارك : أنت مخطئ يا ناصر .. الله يقسم الأرزاق وليس أنتم .

ابن النوخذة : ( لمبارك ) لا تكن معه .

مبارك : كيف لا أكون معه وهو مثلي .. فقراء نحن .. ولكن لمَ لا تنسى من تكون وننسى من نكون .. فهنا يجمعنا مصير واحد .

عيسى : وتجمعنا جريمة واحدة .. كلنا لصوص .

ابن النوخذة : ( يحتد ) لا تقل لصوص ، بل أنت اللص وحدك .. أنت من زرعت فكرة الهروب من المحمل في رؤسنا .. أنت من أقنعتنا بالسطو على اللؤلؤ .

عيسى : وأنتم وافقتم جميعاً .. أنت سرقت اللؤلؤ من والدك .. أنسيت ؟! .. وأنت ( لمبارك ) .. وأنت ( للنهام ) حررتما القارب الذي سرقناه من أصحابه .. هل نسيتم أن للقارب أصحاباً انتخوا بنا بعد أن تاهوا وحملناهم معنا في المحمل ؟.

النهام : أنت قلت لي تلك الليلة أن هذا القارب هو خلاصنا .. خلاصي من القرية ، من سطوة النوخذة والناس .. من رفض أخي آمنة لي .. لم أكن أرغب لا باللؤلؤ ولا بالغنى .. فقط أرغب في الحرية وحدها .. حريتي أن أغني ، أسمع العالم مواويلي .

عيسى : لماذا تضعون كل اللوم على رأسي ؟!

ابن النوخذة : ( يمسك بخناق عيسى ) لأنك من جعلتني أتجرأ على والدي وأسرقه .

عيسى : ( يحاول التخلص من قبضتي ابن النوخذة .. وبصوت مخنوق ) .. اتركني ..

مبارك : ( يمسك ابن النوخذة ) اتركه يا ناصر سيموت بين يديك ..

ابن النوخذة : ( غاضباً ) ابتعد عني وإلا رميتك في البحر ..

( يبدأ غناء النهام هامساً ويعلو تدريجياً )

مبارك : ( يحاول تهدأة ابن النوخذة ) كن أكثر تعقلاً يا ناصر ، واتركه كيلا يموت بين يديك …

النهام :

يارب تنظـــــر بحالي بها الديار وحيد

تفــــــرق  الولف واستويت وحيد
الرجل هيهات يســـكن   بالديار وحيد
يشوم عنها ويســــــكن دار  خلانه
جارت عليه المصــــايب بين     خلانه
يارب تــــــجعل  حياته بين خلانه
لي وقف يوم العــبد ما  ينفع     التوحيد

 

 

( يترك ابن النوخذة عيسى .. ويسقط منهاراً يبكي )

ابن النوخذة : لا بد أن والدي غاضبٌ مني .. لا بد أن أمي ستغضب إن علمت أني سرقته .. كيف ارى وجهيهما من جديد .. لو أنك معي الآن يا أبي لأخرجتنا من هذا الحصار .. محاصرون نحن بين الماء والملح .. بين الماء والسماء .. محاصرون بين الخوف والألم .. من يعرف البحر مثلك .. من يعرف البحر مثلك .

( بعد برهة من الصمت ، تختلط تنهدات البحر بغناء النهام الهامسة )

عيسى : ( بعد أن شرب من قربة الماء ..: وبصوت مبحوح ) لا أظن الماء يكفينا للغد .

مبارك : ولمَ لم تأتِ بما يكفينا من الماء ؟!

عيسى : ظننت الرحلة لن تطول .

مبارك :  ( بعد برهة من الصمت ) وما العمل الآن ؟!

عيسى : لا أدري ..

مبارك : كيف لا تدري .. هل سنبقى في هذا التيه دون أن تجد لنا يابسة نحط عليها .

عيسى : وما يدريني أنا .. لعل للنهار معالمه نهتدي بها إلى الطريق .

ابن النوخذة : ( مستنداً إلى صاري السفينة ) أنت من أوقعتنا في هذا المأزق وأنت من سيخرجنا منه .

عيسى : خطأي الأكبر أني قبلت بك معنا .

ابن النوخذة : أنت تحتاجني أكثر منهما .. بدوني ما تمكنت من السطو على اللؤلؤ .

عيسى : وأين هذا اللؤلؤ ؟! .. إنه مخبأ عندك .. حتى أننا لم نره .

ابن النوخذة : ليتني ما سرقته .

مبارك : كفاكما شجاراً ، دعونا نفكر في وسيلة للخروج من هنا .

النهام : ( مأخوذاً ) أنا لا أريد .

عيسى : لا تريد !! .. لا تريد الخروج من هذا المأزق الذي يتهددنا بالموت  كل لحظة .

النهام : لا أريد .. أريد البقاء هنا في البحر .. مع آمنة والبحر .. أحلق معهما كالنوارس .. أشم رطوبة البحر التي تملؤني حباً .. مع الحرية التي أشعرها فيه .. لا أريد الذهاب لا للهند ولا العودة للقرية .

عيسى : ( بسخرية ) القرية ؟! .. من قال أننا سنعود إليها ، هي نبذتنا مذ نبذناها .. نبذنا أهلها لحظة سرقنا رزقهم .. ورزق عيالهم الغائبين .. لو عدنا لقطعونا إرباً .

مبارك : أفضل من أن نصبح قطعاً في بطون الأسماك .

ابن النوخذة : أتمنى أن ينحرني والدي كخروف العيد .. على أن أكون طعاماً للأسماك .

مبارك :  آه يا فاطمة كم أشتاق إليك .. أشتاق لدفء عينيك .. للهفتك لرؤية الدانة .. أشتاق لهمسك ” أحبك أبي ” .. تهمسين لي خوفاً من أمك .. ” ما الذي تحبينه فيه ؟! .. ما الذي قدمه لنا لنحبه .. لا طعام ، لا شراب ، ولا ملابس كالناس ” .. ( يزفر ) ما الذي أفعله يا ابنة عمي ؟! .. أأقطع جلدي وأبيعه لتأكلي كأولاد الأغنياء ؟! .. أأسطو على بيوتهم حتى تلبسي ما يلبسون ؟ .. كيف أستحق أن تحبني ابنتي ؟! .. ربما تمنعينها من البكاء علي إن أنا مت .. ( يبكي ) ماالذي يفعله الفقراء في عالم ليس لهم ؟! … هذا العالم الذي أضحى صخرة تتحطم عليه أحلامنا ونحن نذوب تحتها .. وها نحن سنذوب في جوف البحر .

ابن النوخذة : إن مت لن تموت وحدك .. مصيرنا كما قلت واحد .

عيسى : أنا لا أريد أن أموت .. أريد أن أرحل إلى الهند ، وأصبح تاجراً هناك .. ثم أعود للقرية عزيزاً ، مرفوع الرأس كما هو النوخذة أبو ناصر أو غيره .

النهام : وأنا لا أريد أن أعود .. سأغني للبحر مواويلي .. لآمنة ، إنها تنتظرني هناك .. في البحر .. لا بد تنتظر حبيبها  ..

يا من بـــــحسنه يشابه كالبدر لا لا

من روس وجـناتها وعينه من   الحسن لا لا
عـــــفيفة الجد والمبسم   سطر لا لا
تنسل عــــكاكيل  فوق متونها تم باع
أكــوت    ضميري وخلت دمعتي تنباع
سايلتها يا مـــليحة ؟  ذا الحسن ينباع
قالــت : نبيعه لكم ، ولغيركم   لا لا

 

عيسى : إنه يقتلني رعباً هذا الرجل .. صار يتكلم كالمأخوذ .

ابن النوخذة : إنه يغني لحبيبته .

مبارك : آه لو يمر محملٌ من هنا ينتشلنا من هذا التيه .

ابن النوخذة : ليت محمل والدي يمر ..

عيسى : لا أريد أن يمر محمل والدك .. سيمر غيره .. وسنذهب إلى الهند .. لا يجب أن نبقى هنا .

ابن النوخذة : استشعر الخوف فيك يا عيسى .

عيسى : كيف لا أخاف وأنا لا أعرف أين يأخذنا هذا القارب اللعين ( يضرب الصاري بيده ) .

ابن النوخذة : ورطتنا جميعاً يا عيسى .

عيسى : ظننت المرافئ ستفتح أحضانها لنا .. لكنها نأت عنا .. تخلت عنا مرافئ التغيير .. تركتنا عرضة للبحر والتيه .. لقد هربنا منه إليه .. هربنا من قسوة الظلم والحاجة .. هربنا إلى حيث نحيا كبشر .. لكن أحلامنا الصغيرة ، الفقيرة كما نحن .. ذابت كزبده .. ولكني لن أستسلم لقسوتك أيها البحر .. وسننجو منك ..

النهام : ( مأخوذاً ) البحر أرأف من البشر الذين تريدون أن تكونوهم .. أرأف من قريتنا .. أرأف من النوخذة والمحامل .. أرأف منا من وجع الفقر والغربة .

عيسى : ( مقاطعاً ) من قال أن البحر رؤوف بنا .. البحر هلع .. جوع .. حاجة .. فقر .. قهر ..

مبارك : ( يتقاطع صوته مع صوت عيسى ، ويردد ) البحر مرض .. ألم .. برد قارس .. حر ولهيب .. جسدٌ منهك .. حمى .. شك .. غربة .. البحر موت ..

النهام : البحر حياة ..

عيسى : البحر موت ..

مبارك : البحر فناء ..

النهام : البحر بقاء ..

عيسى : البحر كارثتنا الكبرى ..

النهام : البحر صافٍ كقلب آمنة التي أحبتني .. آمنة التي تنتظرني بثوب العرس ..

عيسى : ( يقاطعه صارخاً ) البحر موت .. موت يتهددنا في كل لحظة .. يجب أن نكون أقوى منه .

ابن النوخذة : ( يقاطعهم متذمراً )كفى حديثاً عن البحر والهلع .. وخلصونا من الورطة التي نحن فيها .

عيسى : ننتظر الصباح .. لا بد ..

ابن النوخذة : ( مقاطعاً ) الطعام ينفذ .. الماء لا يكفي للغد .. إن لم نمت غرقى ، متنا جوعاً وعطشاً .

عيسى : وما الذي تريدون مني أن أفعله .

مبارك : يجب أن تصلح خطأك .

عيسى : ( باستغراب ) خطأي ؟!

ابن النوخذة : نعم .. سرقتنا ، هروبنا ، وحصارنا في هذا البحر الذي لا نهاية له .. كلها خطأك .

عيسى : تريدوني أن أخلق لكم فرضة وسط هذا البحر ؟.. كنت أحاول انتشالكم من الظلمة إلى النور .. من الحزن إلى السعادة .. من الذل إلى الكرامة .. كنتم تتمرغون في وحل الذل .. أتذكر يا مبارك جارك ، كيف رماه النوخذة أبو ناصر حياً كجيفةٍ في البحر ، فقط لأنه ما كان رجاءٌ لشفائه ..حاولت انتشالكم من القهر ، من ثقل الديون على كواهلكم .

ابن النوخذة : لكننا سرقنا تعب وكدح الكثيرين على المحمل .. هم مثلكم لاقوا العذاب وواجهوا الموت .. ماذنبهم كي يحرموا من أسهمهم في اللؤلؤ ؟! .. وما نفعها إن متنا ، ستموت معنا .. ستكبر حسرة كل من كان على المحمل .. ( بحسرة ) لو كان بيدي لأعدتها إلى أصحابها .

عيسى : ( محتداً ) تعيدها ؟! .. أأنت مجنون ؟! .. إنها لنا .. نحن أصحابها .

مبارك : المهم أن ألا تعود الدانة .. يجب أن تراها فاطمة .

عيسى : ( لابن النوخذة ) أشعر بالريبة تجاهك .. لمَ لا نقتسم اللؤلؤ .. ليأخذ كل واحد منا نصيبه .. وبعدها يحدث ما يحدث .

ابن النوخذة : جد لنا طريقاً للخلاص من هذا التيه .. ولك ما شئت .

عيسى : أريد أن ارى ما نبذت أهلي وقريتي لأجله .. أريد ما وضعت في هذا التيه لأجله .

ابن النوخذة : لن أعطيك شيئاً حتى تجد لنا حلاً لهذه الورطة .

عيسى : ( غاضباً ) اعطني اللؤلؤ ، ولا تتحداني يا ناصر .

ابن النوخذة : أنا لا أتحداك ، لكن ما نفع هذا اللؤلؤ ونحن نموت .

عيسى : حتى لو متنا، لا أريد أن أموت فقيراً .. ( بتوسل ) اعطني اللؤلؤ ! .

مبارك : أنا أريد الدانة فقط .

ابن النوخذة : نخرج من هنا أولاً .. أنا لا أريد شيئاً ، كله لكم .. لكن لنخرج .

عيسى : اعطني اللؤلؤ الآن .

مبارك : ( متوسلاً ) الدانة يا ناصر .

( يدوران حول ابن النوخذة ، وهما يرددان )

عيسى : اللؤلؤ .

مبارك : الدانة .

( يتكرر دورانهما حول ابن النوخذة ، وهو يرفض .. يشتبكون .. ويدورون حول الصاري ، مع تصاعد الموسيقى ، وتصاعد أصوات التنهدات وغناء النهام الذي لا يسمع منه سوى الهمس ..تتوقف الأصوات بعد برهة ، يتوقف الدوران .. يقف ابن النوخذة عند الصاري ، يقف أمامه عيسى ومبارك يمدان أيديهما إليه .. يتلفت حوله .. وصرة اللؤلؤ في يده )

عيسى : اعطني الصرة .

مبارك : اعطه الصرة .. فأنا لا أريد سوى الدانة  أقبض عليها بيدي ، علهم يجدوني ميتاً فيأخذونها إليها لتراها .

عيسى : الصرة يا ناصر ، ولا تكن عنيداً .

مبارك : دعني أرى الدانة .. أراها ، أشعر بها حقيقة ماثلة أمام عيني ، أوقن أنها ليس حلماً .

عيسى : ( متوسلاً ) اجعلني أمتلك شعور الأغنياء للحظة .. لا تحرمني ما امتلكته أنت وأبوك .

ابن النوخذة : ( يبكي ) لا تظن أن في الغنى سعادة .. كم أكره كوني ابن نوخذة .. كم أكره الحلم الذي راودني أن أتمتع بغنى والدي .. لو كنت فلاحاً أو ابن نجار ، لكنت الآن غافياً ملأ عيني ، لا يتملكني الرعب هذا .. الموت أمامنا يفتح أبوابه لنا .. أنا لا أريد أن أموت ابن نوخذة .. لا أريد أن أموت و يداي مغموستان بعرق العشرات من المساكين .. إنه جرمي الأكبر .

عيسى : ما كنا هنا نواجه الموت إلا لأجل ما في الصرة فاتركه لنا .

ابن النوخذة : لن يكون لكم نصيب في هذا اللؤلؤ .. لا يجب أن نموت وهو بين أيدينا .

عيسى : وما الذي ستفعله ؟!

ابن النوخذة :سأرميها في البحر .. ( يهم برمي الصرة في البحر ) .

عيسى : لا تفعل أيها المجنون ! .. ستقتلنا وتقتل نفسك إن فعلت .

مبارك : ( متوسلاً ) إلا الدانة يا ناصر .

 ابن النوخذة : نحن لصوص لا نستحق هذا اللؤلؤ .

عيسى : ما الذي جعلني أثق وآتي بك معنا .. ( يغضب ) اعطني الصرة وإلا رميتك في البحر .

ابن النوخذة : ليست لنا .. ( يصرخ ) ليست لنا .. ( يرمي الصرة في البحر ) .

عيسى : ( مذهولاً ) فعلتها .. قتلت احلامنا ، وقتلتنا معها .. ( يهم بالقفز إلى البحر ) .

ابن النوخذة : ( يوقف عيسى ) ما الذي ستفعله ؟!

عيسى : سآتي بالصرة من البحر .. أعمارنا ، أرواحنا ، لا يجب أن تغيب في جوف البحر .. ابتعد عني ( يرمي ابن النوخذة جانباً ، ويقفز إلى البحر ) .

ابن النوخذة : ( يصرخ ) لا يا عيسى لا .. ستموت يا عيسى .

مبارك : ( يهم بالقفز وراء عيسى ) لن أترك الدانة له .. الدانة لي وحدي .. لفاطمة .

( يحاول ابن النوخذة إمساك مبارك ، لكنه يقفز إلى البحر )

ابن النوخذة : ( يصرخ ) لا .. مبارك .. البحر عميق هنا ، البحر مظلم هنا .. ستموت ، ستأكلك الجراجير .. لا يا مبارك .. لا يا عيسى .. لا تموتا لأجل شئٍ ليس لكما .. لا تموتا لأجل شئٍ ليس لكما .. عيسى .. مبارك ..

( تعلو أصوات التنهدات أكثر .. تتداخل مع غناء النهام الذي لم يكن يحرك ساكناً .. )

النهام : ( وهو يمد يده للبحر  .. )

لولاك لولاك مادســـــت الوعر لولاك

ولا نظــــيري   تحرَّق  و السبب لولاك
وليـــل الدجى  غثّ بالي والسبب لولاك
أبيع أنا الـــروح    واحرق شيبها  لولاك

( ينخفض صوت النهام تدريجياً …. )

 

إظلام

 

عباس الحايك 25 أيلول 2002

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s