مسرحية المعلقون

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%82%d9%88%d9%86
المعلقون إخراج خالد المفيدي- الكويت 2007
  1. أخرج النص المخرج الكويتي خالد المفيدي لفرقة جامعة الكويت وقدمت ضمن مهرجان الكويت المحلي السابع 2004.
  2. أخرج النص في عام 2005م المخرج السوري غسان الدبس في ختام دورة إعداد الممثل التي أشرف عليها لفرع جمعية الثقافة والفنون بالدمام.
  3. أخرج النص المخرج العماني يوسف البلوشي وقدمه ضمن فعاليات مهرجان المسرح العماني الثالث 2009م.

– أحداث المسرحية .. غير محددة الزمان والمكان ..

 

المشهد الأول

 

المنظر: امتداد صخري في الأعلى، نمت عليه شجرة جذعها عظيم، تتدلى عليه مجموعة من الحبال، وعلى أحدها تتعلق جثة متحللة لرجل، وفي الأسفل هوة سحيقة لا حد لها، وتبدو المنطقة الجبلية في الخلف. الوقت: ليلاً والإضاءة خفيفة، لتكن إضاءة القمر في السماء، من بعيد يُسمع صوت عواء ذئاب تقترب مختلطة بأصوات بشرية خائفة وتلهث وصوت أقدام تركض وتقترب.

صوت1:      اركضوا ‍‍‍‍!

صوت2:      إنها وراءنا، لن تتركنا أحياء!

صوت1:       لا تستسلم !!، اركض و إلا أصبحت لقمة بين أنيابها .

صوت3:      آه، أنا لا أقوى على الركض، ساقي تنزف .

صوت4:    تحمل قليلاً، لا بد من مكان آمن يعصمنا منها. اركض!!

تقترب الأصوات تدريجياً

صوت2:      يا رب ساعدنا..

صوت1:      (صارخاً) لا !!، أمامنا  الوادي !

صوت4:     يعني إما السقوط في الوادي، أو الموت بين أنياب الذئاب ؟!

صوت3:      (متألماً) آه، أو الموت بعد نزيف.

صوت2:       هناك حبال مدلاة من هذه الشجرة، لننزل ونتشبث بها ريثما تبتعد الذئاب.

صوت1:      هيا، هناك حبال كثيرة تكفينا .

تظهر المجموعة في الأعلى، يتفرقون، كل من جهة، ثم ينـزلون كل على حبل

صوت1:      (ينـزل على الحبل) ساعد أخاك، ثم انزل ..

ينزل المصاب على أحد الحبال بمساعد أخيه، ثم ينزل الآخر، وأصوات الذئاب تقترب أكثر

صوت4:      تحركوا بسرعة، إنها تقترب .

ثم ينزل متدلياً على حبل، يرى الأربعة يتدلون على الحبال، أربعة شبان يرتدون العمامات، وعلى ظهورهم بعض الأمتعة .

الثاني:        (يتشبث بقوة بالحبل وبخوف) لا تنظروا إلى الأسفل، إنه وادٍ سحيق جداً .

يتشبثون أكثر بالحبال

الأول:         (وهو يلهث) لعن الله الذئاب، كادت تقضي علينا .

الرابع:        (متألما) لو لم تخلصوني من أنيابها، لكنت ميتاً الآن .. آه يا رجلي، إنني أتألم .

الثالث:        تحمل يا أخي، المهم ألا نسقط في هذا الوادي (ينظر إلى الأسفل بحذر، ثم يتشبث بالحبل خائفاً) لا أرى حد نهايته، فتشبثوا جيداً !!

يبدو أن الذئاب قد وصلت إلى نهاية الامتداد، فالصوت صار أكثر قرباً

الرابع:        (متألماً) لقد وصلت الذئاب، لولا هذه الحبال لكنا فرائس لها.

الثاني:        وهل ستتحملنا هذه الحبال ؟!

الأول:         إنها مربوطة في جذع تلك الشجرة، إنها مربوطة بإحكام.

الثالث:               (يتأرجح قليلاً بالحبل) يبدو ذلك، حبالٌ متينة .

الثاني:                (يتفحص الحبال) وكأنها هُيأت لخلاصنا ..

يتلفت الرابع إلى الخلف وهو يتأرجح، يصعق لوجود الجثة على الحبل..

الثالث:        (يتلعثم من شدة الخوف) انظروا ما الذي يتعلق على الحبل خلفي، أترون ما رأيت ؟!

يلتفتون لما خلف الرابع، يصعقون

الأول:         إنها جثة رجل ..

الثاني:        إنه ميت !!

الثالث:                مات ممسكاً بالحبل.

الرابع:        (يتفحص الجثة) أي قدرٍ أتى بك إلى هذا المكان، لتموت معلقاً على حبل؟!

الثاني:                هو القدر ذاته الذي أتى بنا إلى هنا .

الثالث:                وكيف مات هنا؟!

الأول:         لا أدري، أخشى أنه جاء إلى هنا هرباً من الذئاب !!

الثاني:        وبدل أن يموت بين أنيابها أو يهوي في الوادي، مات معلقاً على حبل بين السماء والأرض، منتظراً خلاصه.

الثالث:                أخشى أن يكون مصيرنا كمصيره.

الرابع:        (يشيح الفكرة بيده عن وجهه) لا .. لا .. لا أريد أن يكون موتي هنا، أريد أن أعود إلي بيتي، لا أريد كنوزاً، لا أريد مالاً ولا ذهباً، أريد أن أعود (متألماً، ساقه تنزف دماً)  آه يا ساقي، الألم حاد! .

الأول:         تحمل الألم، ستبرح الذئاب المكان بعد يأسها منا، وسنعود محملين بكنز والدك.

الثالث:                سنعالج نزف جرحك، لن نتركك تتألم .

الرابع:        (ينظر إلى الأعلى) متى ؟!، الذئاب لا زالت فوقنا، تبدو جائعة كأن لم تأكل منذ سنين، ورأت فينا طرائد سهلة .

الأول:         ستمل، وسترحل، وسنخرج من هنا.

الرابع:                لنعود إلى القرية فوراً لا أريد إكمال هذه المهمة اللعينة.

الثاني:        ما جئنا إلا لنثبت له أننا رجال، ولنحظى بثقته، ثم إنه كنز، ذهب، مال.

الرابع:        لا أريد أن أصبح رجلاً، لا أريد مالاً ولا ذهباً، فقط خلصوني من هذا الألم الذي سيقتلني ..

الثالث:                آه يا أخي، ليت هذا الألم فيّ أنا !!

الثاني:                لا فرق الآن بينكما .. !

الأول:         (يبلع ريقه) جوفي تقطع من شدة العطش، مع من قربة الماء؟!

الرابع:        معي، في ما أحمل على ظهري من أمتعة، سأحاول إخراجها .

الثالث:                لكن كن حذراً !!

الرابع:                لا تخف ..

بيد واحدة يمسك ما على ظهره من أمتعة، يخرج القربة، يفتحها بصعوبة بيده الحرة، يشرب، ثم يحكم إغلاقها

الأول:         الآن ارمها لي !

الرابع:        ألن تهوي؟!، أخاف أن أرميها لك فلا تتلقفها، فيزداد أمرنا سوءً على سوء بدون ماء.

الأول:         والحل؟، أضحى حلقي كالحجر من شدة العطش.

الثالث:                سأقترب منه أكثر، وسأتناول القربة منه.

يتأرجح قليلاً

الثاني:                احذر أن تزل، أو يفلت الحبل فتهوي.

الثالث:        (وهو يتأرجح) الحبال مثبتة بشكل محكم (يتأرجح أكثر، يحاول الوصول إلى الثالث) سأصل (يتأرجح أقوى، يقترب أكثر من أخيه) مد يدك بالقربة، سأخطفها منك.

يمد الثالث يده بالقربة، ويتأرجح الرابع أقوى وأقوى، يصل، يعود ثانية، ويقوى تأرجحه حتى يخطف القربة من أخيه

الثالث:        (سعيداً) ها قد نجحت!، (يفتح سدادة القربة ويعب الماء بلهفة) والآن حاول أنت الوصول مثـلي (للأول).

الأول:         لمَ لا ترمها لي، فأتلقفها بدل هذا التأرجح المخيف الذي سيهوي بنا إلى قاع الوادي (غاضباً يأمره) هيا ارمها !!

الثالث:                كف عن مزاحك، لن أرميها لنموت عطشاً هنا.

الثاني:                طيب!، ارمها لي أنا!

الثالث:                (بإصرار) لن ارميها، عليكم فعل ما فعلت.

الرابع:        (متألماً للأول) أيها الأخ العزيز، ليس مجالاً للمشاحنة الآن.

الثاني:                (للأول) سآتيك بالقربة أنا.

يتأرجح، ثم يتأرجح أقوى 

الثالث:                هكذا ستصل، سأمد لك يدي بالقربة.

يمد يده حد امتدادها بالقربة، ويصل الثاني بعد تأرجحه القوي، ويخطف القربة، يحتضنها، يفتحها، ثم يشرب

الأول:         (غاضباً) ما الذي تفعلونه؟!، أنا من طلبت الماء أولاً، وأكون آخر من يشرب؟!!

الثاني:                لا عليك، مد يدك فقط، سأوصلها لك.

يتأرجح الثاني، ويوصل القربة للأول الذي يمسك بها، يحتضنها، ثم يشرب بلهفة

الأول:         (يتنفس عميقاً) ما أعذب الماء بعد ظمأ.

الرابع:        والآن ما الذي يجب علينا فعله، يبدو أننا وقعنا في مأزق، فرغم خفوت عواء الذئاب إلا أن الكثير منها لازال يرابط فوقنا، متى ترحل هذه الذئاب الكريهة؟!

الثاني:                لا بد من فرج بعد شدة ..

الرابع:        ومتى؟، أنا أموت ألماً (يبكي) لم يبقَ في ساقي دمٌ يكفيني للبقاء، فأي فرج تعنيه؟

الثالث:                لا تقنط، إنشاء الله خاتمتنا سعادة.

الرابع:                أخشى أن تكون خاتمتنا كخاتمة من وراءك.

الأول:         (غاضباً) كف قليلاً عن التبرم، إنك تزرع اليأس في أرواحنا.

الرابع:                سأصمت، إن كان صمتي يريحكم.

صمت، يخفت عواء الذئاب قليلاً

الثاني:                (بعد برهة يتثاءب) الصمت يحرك فيّ شهوة النوم.

الأول:         إياك!!، نومك يعني هلاكك.

الثالث:                الذئاب صمتت، هل رحلت ؟!

الرابع:        (يطل بنظره إلى الأعلى) لا، لا يزال الكثير منها يملأ المكان.

الثاني:        أي ورطة نحن فيها، تعبٌ و نعاسٌ، وخوف من الآتي، متى تترك الذئاب هذا المكان ؟!

الثالث:        (يضحك) بل أي سخرية نحن فيها، الذئاب وجدت فينا ما يملأ كروشها الخاوية.

الأول:         لا تقلقوا، الوحوش تخاف النهار.

الرابع:        أتعني أننا سنبقى على هذه الحال حتى النهار؟!، لا، لا أقوى على احتمال ألم ساقي (يتنهد) ليتني بقيت في البيت طفلاً في عيني والدي، على أن أواجه هذا العذاب.

الثالث:        صدقني، كلنا يتمنى ذات الأمنية، لكن لا فائدة من التمني الآن، نحن في ورطة حقيقية.

الأول:         نحن نعلم منذ البدء أننا نواجه الخطر في رحلتنا هذه كي نصل إلى المكان الذي ترك فيه والدكم صكوك أملاكه.

الثاني:        وليثبت أننا رجال أرسلنا للحصول عليها، لكنه وضعنا مع الموت في مواجهة.

الرابع:                بقاؤنا فقراء أفضل من فنائنا أغنياء.

الأول:         لمَ هذا القنوط؟، لقد واجهنا ظروفاً قاسية في رحلتنا.

الثالث:        لكننا نواجه الأقسى (للأول) ارفع رأسك لترى الذئاب، إنها تحتشد أكثر.

الأول:         أنا لا أزال أستشعر أملاً في خلاصنا.

الرابع:                سامحك الله يا والدي، سقتنا إلى  حتفنا.

الأول:         (يقاطعه) أي حتف؟!

الرابع:        أنا لا أرى أننا سنبقى أحياء، ربما نموت كصاحبنا (يشير إلى الجثة المعلقة، ثم يضحك بسخرية) ولكنه مات شامخاً، رجلاً، كما تشتهون، ويشتهي والدكم أن تكونوا (يتنهد) أي حكاية هي حكايتك أيها الرجل المسكين؟!

الثالث:        منذ وصولنا إلى هنا ووجدنا هذه الحبال المدلاة، وأسئلة كثيرة تدور في رأسي عنها،  وعن هذا الرجل الجثة.

الثاني:        من الواضح أنها معدة للهرب من الحيوانات المفترسة، إنها مربوطة بإحكام حول جذع الشجرة.

الأول:         عدد الحبال!!، تبدو لنفر من البشر.

الرابع:                لا بد أن الذئاب هاجمتهم، وآووا إلى هذه الحبال.

الثالث:                هل عاشوا؟!، هل خرجوا من ورطتهم؟!.

الأول:         يبدو ذلك، لا أثر لأحدهم.

الرابع:                وربما هووا في الوادي.

الثاني:                (يشير إلى الجثة) وصاحبهم؟؟، لم تركوه ميتاً هنا؟

الأول:         ربما ليس صاحبهم، ربما جاء بعدهم ومات معلقاً على الحبل.

الرابع:        لا أريد أن يكون مصيري كمصيره، ولا مصير من هووا في الوادي، لا أريد أن أموت.

الثالث:        ولا أنا (للأول) أنت سبب ما نحن فيه، لأنك أخونا الأكبر، سقتنا خلفك دون أن تعير اهتماماً لرأينا لنسلك طريقاً أأمن، قلنا لك أن الطريق يبدو وعراً، ومليئاً بالوحوش، لكنك لم تسمع.

الأول:         (غاضباً) لا تحاسبني الآن.

الرابع:                (للأول) كذلك أنت السبب أيضاً في فقداننا لأسلحتنا.

الأول:         (يضحك ساخراً) أتسمي تلك أسلحة؟!.

الرابع:        (يبدو الضعف يتسرب إليه) كنا صددنا بها حشود الذئاب.

الأول:         ها أنت قلتها، حشود، أتعتقد بالخنجر والقوس ستقدر على صد  شهوة الدم عند تلك الذئاب؟.

الثالث:                أقلُها، خلصنا أخاك قبل أن تنهش الذئاب ساقه.

الثاني:        حقاً، غارقنا الوقت ونحن ندافع عنه بأغصان الشجر اليابسة.

الأول:         (محتداً) أووه، إنكم تضعون كل اللوم عليّ وحدي، كلنا شركاء فيما حدث.

الثالث:        لكننا لم نكن شركاء في الرأي، كان الرأي والقرار لك وحدك.

الأول:         لأنني أكبركم.

الثالث:        لكنك لست أكثرنا فهماً ودراية، إنما الأنانية وحب التسلط هما اللذان يحركانك.

الأول:         (يثور غضباً) أنا أناني؟..وأحب الزعامة؟. إنك تهينني (يتأرجح بغضب) سوف أعلمك كيف تحترم من هو أكبر منك (يتأرجح بقوة متوجهاً للرابع).

الثاني:                ما الذي ستفعله؟!

بعد تأرجح قوي يصل الأول للرابع و يلتحم به، يمسك بخناقه

الأول:         في يدي موتك.

الثاني:        (يصرخ) لا، إنه أخوك!

الثالث:                لن أموت وحدي، إذا مت ستموت معي.

الثاني:        كفى عراكاً، نحن في أمس الحاجة إلى الهدوء، دعونا نفكر في وسيلة للخلاص  بدل أن تتقاتلا كعدوين.

الرابع:        (ينتحب بصوت ضعيف) ليتني مت قبل أن أراكما تتقاتلان ونحن على هذه الحال (للأول) أنت أكبرنا، قدوتنا المفترضة، ونراك تستشيط فينا غضباً على الدوام.

الأول:         (ممسكاً بخناق الرابع) ليكف عني لسانه.

الثالث:                وأنت كف عن فرضك لرأيك وحدك علينا.

الأول:         حسناً، (بسخرية) سوف نرى كيف تخلصنا بآرائك الحكيمة.

يبتعد الأول عن الرابع، يعود إلى مكانه متأرجحاً، يعود الرابع إلى الخلف، ويصطدم بالجثة المعلقة، تهتز قليلاً ثم تسقط في الوادي

الرابع:                (بصوت ضعيف) لا!.

الثاني:                لقد هوى في الوادي.

الرابع:        (بحزن) نهاية مؤلمة لرجل صمد طويلاً، ليتنا نصمد مثلك يا صاحب الجسد المعلق، الذي لم نعرف حكايتك بعد.

الثالث:                مسكين، صمد حتى بعد موته!

الرابع:        كان خامسنا في محنتنا، كنت أشعر بوجوده معنا، أرى في عينيه الألم لما نحن فيه (للأول) لقد تسببت في سقوطه إلى الوادي دون أن يقترف ذنباً.

الثاني:        زمن طويل مر على بقائه على الحبل، يشهدنا على شجاعته، وعلى قسوة ما واجه.

الثالث:                وجودنا هنا صار سبباً في فناء جسده.

الأول:         (يهز رأسه أسفاً) أنا لم يكن قصدي، ثم أنكم تتحسرون على رجل ميت،  جثة لا روح فيها .

الرابع:                لكنني كنت أشعر به واحداً منا.

تقاطعه أصوات عواء الذئاب التي تتعالى، وكأنها تفترس شيئاً

الرابع:        (يطل إلى الأعلى يراقب ما يجري) إنها تفترس حيواناً، ربما غزال.

الأول:         أتمنى أن تملأ كروشها فتتركنا نرحل من هذا المكان.

الثاني:                لا أظن غزالاً واحداً يكفي كل هذه الحشود.

الرابع:        ربما تشعرهم بالجوع أكبر، الوجبة لا تكفيهم، سيتربصون بنا أكثر.

الأول:         لا خيار لنا سوى الانتظار.

الرابع:                (متبرماً) أووف!، سأمت هذا الانتظار والألم.

الثالث:                ألم يخف ألمك؟!

الرابع:                (بضعف) بل يزداد، أشعر بشيء من الوهن.

الأول:         يجب أن تتقوى.

أصوات العواء تزداد، تهتز الحبال

الثاني:                (خائفاً يتشبث في الحبل) ما الذي يهز الحبال؟

يتشبثون بحبالهم

الثالث:                الذئاب بدأت تلعب بنا لعبة جديدة.

الرابع:        لعبةٌ خطرة، إنها تحاول قطع الحبال علينا، ألم أقل لكم أنها ستترصدنا؟.

الأول:         يا للجنون، ما الذي دفعها لذلك؟!، أخشى أن تقتلنا.

الثاني:                إن تمكنت من قطع الحبال فلا مفر من موتنا.

الرابع:        (يغمض عينيه، ويسند رأسه على الحبل) يا رب خلصنا من هذه المحنة (يرتجف) أنا أشعر بالبرد.

الأول:         كفى أيتها الذئاب اللعينة، كفي عن جنونك هذا، نحن لسنا باللقمة السائغة، كفى (يصرخ بقوة) كفى!!!

الثاني:                (يصرخ) كفى!!!

الثالث:                (يصرخ) كفى!!!

الرابع:                (يرتجف، وبصوت ضعيف) كفى، كفى.

الحبال تهتز، وهم يرددون معاً ذات الكلمة بصوت أعلى يرجع المكان صداه 

 

إظلام

 

 

المشهد الثاني

 

نفس المنظر. هدوء، عواء ذئاب في البعيد، الإخوة نائمون وقد ربطوا أجسادهم في الحبال بقماش عمائمهم، والثالث يرتجف

الرابع:          (يرتجف ألماً) آه يا ساقي!، الألم أشد من الاحتمال يا أبي، إننا نتعرض لأقسى ما يواجهه بشر، فقط من أجل الحصول على صكوك أملاكك، تسوقنا لامتحان الموت، فها نحن معلقون في الهواء بين أنياب الذئاب الشرهة وبين وادٍ سحيق، لن نصل إلى نهايته سوى أشلاء لو هوينا، ليت الرياح تنقل إليك آهاتنا لتصليَ لأجلنا صلاة البقاء، صلِّ لأجل عودتنا من رحلة الألم، صلّ لأجل بقائي بعد عذاب جسدي وروحي، صلّ لأجل بقاء أخوتي أحياء، أتسمع يا أبي عواء الذئاب؟!، إنها نُذر الموت إلينا، ها نحن معلقون على هذي الحبال لا سماء لنا ولا أرض، أيرضيك ما نحن فيه؟‍‍!!، أكنت تكره بقاءنا معك لترسلنا في رحلة الموت هذي؟، ولمَ أبقيت صكوك أملاكك في ذلك المكان القصي؟، ألتختبر احتمالنا؟، لترفع بنا رأسك عالياً؟، لتزين بنا صدرك نياشين نصر؟، وماذا لو عدنا إليك ذكرى رجال؟، ألن نكون ذكرى تمحوها الأيام؟ (يقاطعه الألم المفاجئ) آه يا ساقي، الألم سيخرج روحي من جسدي (يصرخ بقوة) آآآآآه!!.

يفيق الثلاثة على صراخ الثالث، كمن يفاجئون لوجودهم على الحبال

الثالث:          ما الذي حدث؟.

الرابع:        (متألماً) إنها ساقي، الألم أقوى مني، إنه فظيع، كالسكاكين، كما أني شعر بالبرد والخدر.

الثاني:        ألا زلنا معلقين على هذه الحبال؟، حلمت أننا في مكان آمن آخر.

الأول:         إنه مجرد حلم، الحقيقة كما تراها.

الثالث:        يجب فعل شيء، لا يجب ترك أخيكم في هذه الحال، إنه يتألم، وينزف دون أن نضمد جرحه.

الأول:         كيف لنا أن نضمد جرحه؟، نحن في هذه الحال، والوصول إليه صعب.

الثاني:                كما أن الوهن أصابنا كلنا.

الثالث:        (للأول) لكنك وصلت حتى عندي، وكنت تنوي قتلي.فكيف يصعب الوصول إليه ؟!، لن نهوي، خاصة أننا ربطنا أجسادنا بالحبال، لنحاول.

الرابع:        (يرتجف) أشعر بالحمى تتسرب إلى جسدي، أشعر بالخدر، أرجوكم ساعدوني.

الثالث:        (يصرخ فيهم) لنفعل شيئاً (للثاني) أظنك تحتفظ ببعض الأعشاب الطبية في أمتعتك، هل لك أن تعطيني إياها، سأحاول وحدي ما دمتما ستتفرجان عليه.

يخرج الثاني صرة من أمتعته، يفتحها، يشمها

الثاني:                هي الأعشاب ذاتها (يقفل الصرة) هل ستتلقفها؟

الثالث:        لا، ربما لن أتمكن منها وتهوي، سآتيك أنا لأخذها (يتأرجح، ويتأرجح بقوة، ثم يخطف الصرة، يضعها في جيبه) مع من بقيت قربة الماء ؟!

الأول:         معي؟!

الثالث:                هل لي بأخذها؟

الأول:         ولماذا؟

الثالث:                لأضمد جرح أخيك، ألم تسمع؟

الأول:         حذار من أن تضيع الماء فيما لا يجدي.

الثالث:                وهل تضميد جراحه لا يجدي (يحتد) إنك أخٌ قاسٍ.

الأول:         (يحاول تهدئة الوضع) حسناً، أنا سآتيك بها.

يتأرجح، يصل إلى الرابع ويعطيه القربة

الثالث:       أشكر لك أخوّتك (يضع القربة على رقبته) يجب ألا نتركه يتألم ونحن نتفرج.

يفك الرابع عمامته من خصره والحبل، يعقدها من طرفها، الآخرون يتابعون

الثالث:        (للثالث) سأرمي لك طرف العمامة، أرجو أن تمسكها جيداً.

الرابع:                (متألماً، يرتجف) حسناً (يمد يده).

يرمي الرابع طرف العمامة

الثالث:                الآن!

يحاول الثالث إمساكها، لكنه يفشل

الرابع:                مرة أخرى، حاول.

يرمي الرابع العمامة، لكنه يفشل بإيصالها، يحاول مرة أخرى، تصل ليد الثالث، لكنها تفلت منه

الثاني:                ما الذي ستفعله بالضبط؟!

الثالث:                سترى.

يرمي العمامة من جديد بقوة، يمسكه الثالث، يتشبث فيه

الرابع:                (يبتسم بصعوبة) أمسكتها، والآن!

الثالث:                تشبث بها بقوة سآتيك حالاً.

يسحب الرابع العمامة ناحيته، يتحركان بإتجاه بعضهما، يلتقيان، يمسك الرابع حبل الثالث ويربطه بحبله بقماش العمامة

الثالث:        (للأول) أرأيت؟!، لم يكن وصولي إليه صعباً (للثالث) تتألم كثيراً، أليس كذلك ؟!

الرابع:                (بألم) أشد مما تتصور.

الثالث:                لا عليك، سأعالج جرحك.

يفتح الرابع قربة الماء، يغسل وجه أخيه، ينزل للأسفل بحذر

الثالث:        (مصعوقاً) أي جرح غزير هذا، لم يبقوا من لحم ساقك شيء (يفتح القربة، يصب الماء على الجرح).

الرابع:                (يصرخ متألماً) آآآآآآه، ساقي!!

تزداد أصوات عواء الذئاب، وتسمع جلبة في الأعلى

الثاني:                كأنك أيقظت الذئاب من غفوتها.

الأول:         مضى وقت طويل وهي تترصدنا، لم تيأس بعد، حتى محاولاتها قطع الحبال علينا لم تفلح، ولا زالت مصرة على البقاء.

ينتهي الرابع من غسل الجرح، يضع بعض الأعشاب عليه، يلف الساق بعمامة الثالث التي فكها عنه، يربط الجرح، يحاول الوقوف والإمساك بالحبل، لكنه يفلت منه ويكاد أن يهوي، لكن الثالث يمسك بيده

الجميع:               (يصرخون) لا!!

تسقط قربة الماء من الرابع وهو يحاول التشبث بالحبل مرة أخرى

الرابع:                (يسند الثالث) كن حذراً، كدت تهوي في الوادي.

الثالث:        (يلهث خائفاً، يحاول تصنع ابتسامة) وأنت أنقذتني (يقف على الحبل مرة أخرى) المهم أن تكون أنت بخير ..

الرابع:                سيخف الألم إنشاء الله.

الأول:         (للرابع) قتلتنا رعباً عليك.

الثالث:                (يلتفت للأول) حقاً، ألم يكن هذا ما تتمناه؟!

الثاني:        لا أظن أن أحداً فينا يتمنى موت آخر، أنسيتم أننا إخوة من أم وأب؟

الأول:         كيف لي أن أتمنى موتك؟!، الدم الذي يجري في عروقي هو نفس الدم في عروقك (يهز رأسه أسفاً) لكنه الغضب المقيت الذي يحولنا إلى أشخاص آخرين لا نعرفهم.

الثالث:                الغضب يعمي!!

الثاني:        والآن لا تترك أخاك هكذا، شده إلى الحبل، ليكون الوضع أكثر راحة له (يفك عمامته) شده بعمامتي.

الأول:         (يفك عمامته من خصره) بل بعمامتي أنا.

يربط طرفها، ويرميها إلى الرابع، يتلقفها، ويسحبها منه، ثم يربط نفسه وأخيه بالحبل، يفتح عمامته التي كانت تربط الحبلين، يرميها للأول

الثالث:                خذ تشبث بالحبل، أنا سأبقى معه.

الرابع:        (بضعف مرتجفاً) أفضل، لا أريدك بعيداً عني، إبقَ إلى جانبي.

الثالث:                لن أتركك وحدك تتألم.

الأول:         (بعد شد نفسه بالحبل) كيف تشعر الآن؟!

الرابع:        أشعر بالوهن، أشعر بالألم يتسرب إلى جسدي كله، وأشعر بالعطش.

الثالث:        (مصعوقاً) الماء؟!، لقد سقطت القربة من يدي إلى الوادي.

الثاني:                كيف سنبقى بدون ماء.

الرابع:                كله بسببي.

الأول:         ليس بسببك، إنها المحنة تكتمل فصولها.

الرابع:        (يبكي) أي جرمٍ اقترفناه لنحصد الألم والخوف؟!، ليطاردنا الموت كما تطاردنا الذئاب؟، إلى أين سيقودنا القدر؟، أنبقى هكذا معلقين لنموت، وتتعفن أجسادنا كما صاحبنا الذي هوى؟، أم نخرج لتفترسنا الذئاب؟، أي أبٍ قاسٍ أنت يا أبي لتتركنا في محنتنا، ألا تشعر بنا كم نعاني الآن؟!.

الثالث:        (يضم الرابع) كفاك بكاءً، يكفي الألم والدم الذي نزفت، لا تتعب نفسك أكثر (يمسح ما نضح من عرق على جبينه) أنت تلتهب كالجمر.

الرابع:        إنها الحمى، أشعر برغبة في النوم، هل لي أن أنام على كتفك؟.

الثالث:        (يضع رأس الرابع على كتفه) إذا كان هذا سيريحك، نم.

ينام الثالث على كتف الرابع

الثاني:        كم أنا خائف عليه، مسكين لقد عانى كثيراً في هذه الرحلة، لا زال عوده طرياً ليحتمل كل هذه القسوة.

الأول:         قسونا عليه قدر قسوة والدنا علينا، ليته لم يكن معنا.

الثاني:                لن يغير التمني شيئاً.

الأول:         كم أكره نفسي لأني لم اشعر به قريباً كالآن، أتمنى أن يصحو ليحدثني كما يحدث الأخ الأصغر أخاه الأكبر، يحدثني عن نفسه، عن أحلامه، عن أي شيء،  المهم أن نتحدث.

الثالث:        إنه محموم ويرجف، إلهي ساعد هذا الفتى المريض، ساعده كي يقوى على ألمه.

الأول:         (يردد) إلهي ساعد أخانا المريض، ساعده كي يقوى على ألمه.

الثاني:        (يردد) إلهي ساعد أخانا المريض، ساعده كي يقوى على ألمه.

يرددون جميعاً ذات الجملة

إظلام

 

 

المشهد الثالث

نفس المنظر، تتعالى جلبة الذئاب وأصوات عوائها، ويبدو الوهن على الجميع، الثالث لا يزال نائماً

الأول: الذئاب تحتشد أكثر، إنها تملأ المكان.

الثاني:        والنهار لا نعلم متى يأتي، متى تؤوب الذئاب إلى مكامنها؟!، علنا نجد طريقاً آمناً يفضي بنا إلى القرية، لقد زهدت في كل أموال الدنيا وصكوك الأملاك،  فقط نعود سالمين إلى الوطن.

الأول:         وأنا مثلك، لقد غرتنا الأموال والأملاك، غرنا وهم الرجولة، أمعنى الرجولة أن نموت هكذا؟، كالطرائد؟، كم أكره كوني رجلاً، ما التي ستنفعنا هذه الرجولة والذئاب الجائعة تنتظرنا كالفرائس؟!، لن آخذ الرجولة إلى فنائي.

الثاني:        تعبت من تعلقي على هذا الحبل، أنهكني الظمأ والجوع والإنتظار، آآآخ، يا له من عذاب.

الثالث:        وأنا أنهكتني الحياة كلها، لو أنني مت لخلصت وما قاسيت ما أقاسي الآن.

صوت جلبة أكثر في الأعلى وأصوات العواء تتعالى

الأول:         (ينظر إلى الأعلى) أتت الذئاب بفريسة أخرى، إحتوشتها، إنها تمزقها.

الثاني:                أهي غزال؟!

الأول:         لا أدري أهي لحيوان أم لبشر؟

الثالث:        ما الذي يجعلها تبقى في الأعلى؟، وتحضر فرائسها إلى ذات المكان، لابد أننا وقعنا تحت مكمن من مكامن الذئاب.

الأول:         لا أظن، بل هي تنتظر خروجنا، ربما تكون لحومنا أشهى، نحن أربعة، سنملأ كروشها.

تبدأ الحبال بالاهتزاز

الثالث:                (خائفاً يمسك بأخيه النائم) ما الذي يحدث؟

الأول:         ذئاب كثيرة تهز الشجرة، والحبال مربوطة فيها.

الثاني:        هناك حيوان ما على الشجرة، إن الذئاب تحاول إسقاطه من عليها.

الثالث:                (والحبال لا زالت تهتز) أخشى أن يسقطونا قبله.

صوت العواء، و الإهتزاز يشتدان

الأول:         ألا تكف هذه الذئاب عن الجنون؟

الثاني:                لن تهدأ حتى يسقط من على الشجرة.

الثالث:                انظروا إنه يهوي.

تخف الاهتزازات، وأصوات العواء

الثاني:                إنها تفترسه (يغطي وجهه) لا أتمنى أن أكون مكانه.

الأول:         يجب أن تشبعها الفريستين، وتتركنا في حالنا نمضي.

الثالث:        الفريستان لا تكفيان كل هذا الحشد، أظنها ستطلب أكثر.

الأول:         كم أكره الذئاب والفرائس.

يستيقظ الرابع، يفتح عينيه

الرابع:                ألا زلنا هنا؟

الثاني:                وأين سنكون.

الرابع:                كنت أحلم، كم كان الحلم جميلاً، ليتني لم أفق.

الأول:         وماذا رأيت ؟!

الرابع:                (يبتسم، وبكل حنان) أمي.

الثالث:                حقاً؟

الرابع:                نعم، كنت أنام في حضنها، كان المكان جميلاً، لم أرَ مثله.

الأول:         عليها رحمة الله.

الثاني:                كم اشتقنا لها.

الرابع:                أعطتني كأساً من الماء، لا أشعر بالظمأ الآن.

الثالث:                وساقك؟، كيف هي؟.

الرابع:                لا أشعر بها.

الأول:                 حقاً؟، والحمى؟.

الرابع:                (يضحك) أنا بخير.

الثالث:                (سعيداً) يبدو أن العشبة فعلت فعلها، لقد تشافى.

الرابع:        كانت أمي تحكي لي حكاية أربعة شبان، ذهبوا في رحلة قاسية ليتحصلوا على أملاك والدهم الذي خبأها في مكان قصي، عانوا وقاسوا ما لا يحتمل، حتى طاردتهم ذئاب الجبال، وبقوا معلقين بين الجبل والوادي.

الأول:         إنها حكايتنا، ألم تخبرك عن نهاية رحلتهم؟.

الرابع:        لم تكمل الحكاية. غادرت المكان بعد أن ضمتني ومسحت على رأسي.

الثاني:        لو كانت موجودة، لما سمحت بأن نغادرها إلى هذه الرحلة التعيسة.

الأول:         كانت أكثر حنواً علينا من والدنا.

الثالث:                كنا نشعر وهي معنا بالأمن والدفء.

الثاني:                غادرت وتركتنا وحدنا، غادرت سريعاً، كنجمة الصباح.

الرابع:        كانت جميلة في الحلم وسعيدة، كانت كملاك بردائها الأبيض الفضفاض، وكانت تردد، قلبي معكم يا أولادي.

الثالث:                (يتنهد) آآآآه، ما أجمل الأم، وما أبأس الحياة بدونها.

الأول:         صدقوني، اشتقت إلى رائحة خبزها الصباحي، إنه يعطي للوجود معنى.

الرابع:                وهي اشتاقت لنا جميعاً.

الثاني:        يقولون أن دعوة الأم في حق أولادها مستجابة، لمَ لم تطلب منها أن تدعو الله لأجل خلاصنا من محنتنا.

الرابع:                سأطلب منها حين أراها ثانية.

الثالث:                (مندهشاً) تراها ثانية؟!.

الرابع:        نعم، ستعود لتخبرني ببقية الحكاية. تعلمون، حكاياها جميلة ومشوقة.

الأول:         ألازلت تحلم، أم أن هذا من أثر الحمى ؟

الرابع:        لست محموماً، ولا أحلم. لقد وعدتني أنها ستأتي لتكمل الحكاية، حكاية الشبان الأربعة المعلقين على الحبال.

الأول:         (يضحك) أتمنى أن تنام في مكان أأمن، عندما يطلع الفجر، وتتقهقر حشود الذئاب، ننـزوي في أحد الكهوف القريبة، فقد سأمت وتعبت من وقوفي الطويل على هذا الحبل، هناك، يمكنك أن تنام هانئاً وتحلم.

الرابع:        ولكني لن أراها في الحلم، سأراها حقيقة ماثلة أمام عيني، ستأخذني من هنا إلى حيث كانت.

الثالث:                (مصعوقاً) ما الذي تقوله؟

الرابع:        سأرحل معها حيث هي، هناك العيش أجمل، لا يشعر المرء بالتعاسة، لا يشعر بقسوة الحياة.

الثاني:                هناك أين؟

الرابع:                لا ادري، لكنه مكان أخاّذ، يأسر العقل والقلب.

الأول:         هذا الفتى يخيفني.

الثالث:                (خائفاً) ولمَ؟

الأول:         إلمس جبينه، أهو محموم؟

الثالث:                (يلمس جبين الرابع) لا.

الأول:         إذن ما الذي يجعله يهذي هكذا؟

الثاني:        ساقه لا زالت تنزف، تحول لون العمامة إلى أحمر، وهو يقول، لا يشعر بألم، ما الذي أصابه؟

الرابع:        (ينظر إلى السماء) من هناك ستأتي، من السماء، تطل علينا بوجهها الملائكي.

الأول:         (محتداً) أمك لن تأتي، أمك ماتت.

الرابع:        ستأتي، هي قالت، أبداً لم تكذب أمي على أحد، فكيف ستكذب علي.

الثاني:                إنه حلم وليس حقيقة.

الرابع:                بل حقيقة، ستأتي.

الثالث:                ألا تشعر بألم في ساقك؟، إنه ينزف دماً.

الرابع:        لا، لا أشعر بوجود ساقي، لا أشعر بوجود جسدي، أشعر به كالطيف (يفتح يديه على امتدادهما) يسبح في الفضاء، لا يُسْكِنه الجسد البشري في مكان.

الأول:         (للثالث) تمسك به جيداً كيلا تسقطا.

الثالث:                (مدهوشاً) ما الذي أصابك؟، إنك تهذي.

الرابع:                (تنفرج أساريره) أمي، أتيتِ أخيراً.

ينظرون إلى السماء.. لا يجدون شيئاً

الثاني:                أنا لا أفهم شيئاً، ما الذي يحدث؟

الثالث:        (يحاول إفاقة الرابع، بضربات خفيفة على صدغيه) أفق من هذا الهذيان.

الرابع:        (في حالة كمن يستقبل أحداً) كنت في انتظارك، هل ستأخذينني إلى حيث لا أشعر بألم النزف. أمي!!

الثالث:                (يهزه خائفاً) لا تذهب. ابق مكانك هنا!، إنه مجرد حلم!

الرابع:        أمي!، تعبت كثيراً دونك، كانت الأيام قاسية بعد عينك، تعالي خذيني، تعالي .. أمي.أمــــــ. .

يصمت فجأة، يسقط على جسد الثالث

الثالث:                (يرفع الرابع من على جسده) أخي؟، ما الذي أصابك؟

الأول:         ما الذي يحدث، ما الذي أصاب أخاك؟

الثاني:                سآتيك هناك.

يتأرجح، يصل إلى مكان الثالث والرابع، يمسك بحبليهما، يهزان الرابع، لا يتحرك

الثاني:                (الخوف بينٌ على ملامح وجهه) قل شيئاً، ما بك؟

الثالث:                (خائفاً) جسده يبرد، أيكون؟

الأول:         (يصرخ) لا، لا يمكن.

يتأرجح، يشتبك معهم في ذات المكان، يربط الحبال الأربعة ببعضهم

الثالث:                (يبكي وهو يهز الرابع) قل شيئاً أرجوك.

الثاني:                (يهز الثالث) إنه لا يتكلم، لا نفَس له.

الأول:         (يتلقف رأس الرابع ويبكي) لا، أمك كانت حلماً، لا تذهب معها، ابق معنا، أرجوك.

الثالث:        (يبكي بحرقة) فعلها، ذهب إليها (يصرخ) أخوكم مــــــات!!

الثاني:                (يصرخ) لا!

الأول:         (يحتضن الرابع باكياً) لا تتركنا وحدنا، أنا بحاجة إليك يا أخي الأصغر.

الثالث:                (باكياً) أكانت رؤية أمك نبوءة موتك؟!

الثاني:        (يصرخ بقوة) عليك اللعنة أيتها الذئاب، لقد مات أخي ممتحناً بساق تنزف دماً وبحصارك.

تبدأ جلبة في الأعلى، وتزداد أصوات عواء الذئاب، تبدأ الحبال بالاهتزاز

الثالث:                لقد عادوا ثانية للحبال.

الأول:         أخشى أن تقتلنا جميعاً.

الثالث:        (ينتحب) لا خوف عندي من الموت وأخي ميتٌ على كتفي، يا موت خذني فلا طاقة لي على الاحتمال.

تهتز الحبال أكثر

الأول:         كفي عن جنونك يا ذئاب الموت، كفــــي.

الثاني:                (يصرخ عالياً) كفـي.

يتردد الصوت في كل مكان ..

 

إظلام

انتهت  15 /1/2003م

 

 

 

 

3 Comments Add yours

  1. حسين الأسمري says:

    تذكرت هذا النص أبوجواد
    أنا أحد أولئك المساكين المعلقين بالحبال فترة غسان الدبس ( نص جميل جداً وواضح ومفتوح لإبداع المخرج والممثل والمشاهد )
    تحتفظ ذاكرتي الضعيفة بذكرى تجربة جميلة
    سعيد جداً بها

  2. روتي says:

    اذا بكتب نصمسرحي مافي عدد معين من المشاهد ؟

    1. abbashayek says:

      لا يوجد عدد معين، حسب قصة المسرحية وتتابع الاحداث

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s