الجائزة والصدى

 

الفائزون في الدورة الخامسة 2002م.

*الورقة التي ألقيت في إحتفالية جائزة الشارقة للإبداع العربي -الاصدار الأول بالدورة العشرين.

قبل العام 2001 لم يكن كما بعده، فبعد أن قرأت عن جائزة الشارقة للإبداع العربي -الإصدار الأول وأنا في مقتبل تجربتي المسرحية، أحاول وقتها  أن أتلمس الطريق الصحيح لعالم المسرح عبر بوابة الكتابة، حفزتني الجائزة أن أكتب نصي الذي كان يسكن رأسي لسنوات لكنني لم أستطع أن أطلقه من قمقمه. كانت الفكرة محرضة على الكتابة ووجدت فيها ما يمكن أن يكون مسرحية، بدأت البحث والاطلاع لأشهر عدة تجاوزت الخمسة، البحث في كتب تاريخية تحدثت عن تاريخ منطقة الخليج وبالتحديد في زمن الاحتلال البرتغالي، قرأت وتعمقت في هذا العالم الذي كان جديداً علي، ملأت خزانة ذاكرتي بمعلومات وحكايات عن تاريخ يمتد لخمسمائة سنة ماضية، كيف كان الناس يعيشون وكيف تعايشوا مع الاحتلال بل كيف قاوموه، فالنص كان يدور حول مقاوم في وجه الاقطاع الاجتماعي وفي وجه الاحتلال البرتغالي الذي بدأ في منطقة الخليج العربي في العام 1507م. بعدها شرعت في كتابة نص (فصول من عذابات الشيخ أحمد) وأنجزته رغم ضغط الوظيفة وسخرية زملاء العمل مما كنت أكتبه باعتبار أن المسرح مجرد خزعبلات كما كانوا يرددون، تقدمت بالنص للمشاركة بالجائزة، ولم يدر في ذهني آنذاك أنها العتبة الأولى للباب الواسع المفضي لعالم المسرح.

كنت في الطريق بين المدينة ومكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وصلني اتصال من أخي يخبرني بفوزي بالجائزة الأولى لجائزة الشارقة للإبداع العربي في مجال المسرح عن نصي فصول من عذابات الشيخ أحمد، لم أصدق إلا بقراءة الخبر بنفسي. مشيت طويلاً حتى الوصول لأقرب مقهى انترنت، فلم تكن شبكة الانترنت متاحة كما هو الحال الآن. طبعت الخبر في جريدة البيان الاماراتية واتجهت لسكن الحجاج، لا أشعر بخطواتي التي تحولت لجناحين، هناك كان أول احتفاء، احتفى بي زملائي في الحج، فكان للجائزة طعماً آخراً مختلفاً، يظل محفوراً في الذاكرة.

قبل الفوز بالجائزة لم يكن أحد يعرف عباس الحايك الكاتب المسرحي فقد كانت تجاربي بسيطة ومحدودة بنصوص بدايات، لم تنشر ولم تنفذ ولكن كانت نصوصاً أتدرب فيها وأحاول اكتشاف إمكاناتي في كتابة النص المسرحي، حتى تلك النصوص المسرحية التي كتبتها ونفذتها فرقة أسستها لا يمكن اعتبارها نصوصاً مسرحية معتبرة، فقد كانت نصوص اجتماعية وعظية مباشرة، فالنص الأول الحقيقي الذي امتلك كل عناصر الكتابة المسرحية، هو نص فصول من عذابات الشيخ أحمد.

قبل الحضور إلى الشارقة للمشاركة في احتفال تسليم الجائزة ، كتبت ورقة حول تداخل الأجناس الأدبية بطلب من إدارة الجائزة للمشاركة في الورشة التي أدارها الدكتور عبد الله ابراهيم، كان الموضوع جديداً علي أو لم ألتفت له سابقاً، الورقة حفزتني للبحث والقراءة المتعمقة للوصول لفهم مستوى التداخل وعلاقة الأجناس بعضها ببعض، فخرجت الورقة تحت عنوان (التصور النظري لقضية الأجناس الأدبية). حضوري للشارقة كان الأول بعيداً عن الحضور السياحي الذي اعتدته سابقاً، هذا الحضور كان نافذة اكتشاف جديدة لمدينة لم أعهدها بهذا الجمال، لم أنظر لها سابقاً من زاوية أخرى، فأصبحت المدينة التي أحب وارتبطت بذاكرة لا تضيع.

من الورشة تعرفت على أصدقاء ما زالوا في مرمى التواصل وإن أبعدتنا الجغرافيا، فوسائل التواصل تقربنا مهما ابتعدنا، تعرفت على المسرحي والقاص والشاعر، أصدقاء جمعتنا الشارقة بلياليها ونهاراتها، أصدقاء ما زلنا نتذكر الشارقة حين نلتقي في بلاد ما، في الورشة تعرفت على أيمن بكر، ومفلح العدوان، وسمر شيشكلي، ولينا تقلا، وأنور عمران، ومحمود تراوري، ومعاوية كوجان.. أصدقاء أصبحنا بعد أن جمعتنا الجائزة وجمعتنا دائرة الثقافة والإعلام في شارقة الثقافة.

سأحدثكم أيضاً عن لحظة الدهشة، لحظة اللقاء بمسرحي قرأت له وعنه، صرت أتابع أخباره وشغفت بلقائه، كان الراحل العزيز قاسم محمد المسرحي العراقي الذي وجد الشارقة وطناً له فتحت له ذراعاها وحضنها، التقيت به وكانت الدهشة أن يكون محكماً واختار نصي ليفوز ويختاره مرة أخرى للتنفيذ على الخشبة، قاسم محمد يرافقني طيفه كلما تذكرت الشارقة بكل ما فيها، أتذكر لقاءنا الأول وحديثه عن نصي الذي كان دفعة جديدة لي وحافزاً لمواصلة الشغف المسرحي، والذي أسر لي يومها برغبته في تنفيذ النص.

المسرحي الكبير الراحل قاسم محمد

عدت للسعودية من الشارقة محملاً بالصور والذكريات، محملاً بصداقات جديدة، وبحياة مسرحية جديدة، كان أولها تكريمي في فرع جمعية الثقافة والفنون بالدمام الذي يكن يعرفني فيه أحد قبل الجائزة، ومن التكريم بدأت علاقتي الطويلة بالفرع وبنشاطاته وفعالياته، وبدأت علاقتي بالمسرح السعودي بشكل عضوي، بل بالمسرح العربي.

والدهشة الأخرى، لحظة اللمسة الأولى لكتابي الذي طبعته دائرة الثقافة والإعلام، الكتاب الذي أمسكته كما يمسك أب طفله الجديد، كان شعوراً لا يوصف، الكتاب الأول كالطفل الأول. كان ذلك في معرض الكتاب بالشارقة حيث تزودت بالكتب المسرحية التي رفدت تجربتي وتكويني المعرفي. عدت بنسخي فرحاً أجرب نكهة التوقيع على الكتاب.

بعد عام نفذ النص وكان عرض افتتاح أيام الشارقة المسرحية، ولكن لم يكن قاسم محمد مخرجه كما أراد، بل أسندت مهمة الإخراج للفنان الاماراتي حسن رجب لمسرح الشارقة الوطني، مع هذا بقي دور الفنان الكبير قاسم محمد رحمة الله عليه، دوراً مهماً في العرض فقد كان الدراماتورغ الذي أعطى النص ملامحاً مسرحية أكثر وضوحاً بعد أن كان فائضاً بالملامح الأدبية، ومن دوره هذا تعلمت درساً جديداً في المسرح، درس اللغة المسرحية المفترضة وكيف يكون للمسرح لغته الخاصة البعيدة عن لغة الأدب، فقد كان يقول أن (اللغة المسرحية بها ماء)، ويعني أن اللغة المسرحية يجب أن تكون ندية لا قسوة فيها ولا تخشب. ليلة العرض كانت ليلة استثنائية بالنسبة لي، بداية بتجسد كلماتي وتحولها لبشر يتحركون على الخشبة، وثانيها صعودي على الخشبة مع طاقم العمل لتحية الجمهور الذي كان منهم العديد من الأسماء المسرحية المهمة التي أكن لها كل الاحترام والتقدير، وأهم من هذا كله هو الحضور المبهج لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حفظه الله وحديثه عن العرض الذي يتقاطع مع اهتماماته التاريخية.

مسرحية (فصول من عذابات الشيخ أحمد)
مسرحية (فصول من عذابات الشيخ أحمد)

جائزة الشارقة للإبداع العربي عرفتني على عوالم لم آلفها قبل ذلك، عوالم كنت أقرأ عنها وأتابعها من بعد، ولكن الجائزة وضعتني في لجتها وأصبحت الكاتب المسرحي التي تسافر نصوصه وتنفذ في خشبات مسرح عربية، خاصة عند جيل من المسرحيين الشباب، وكل هذا لم يكن لو لم اوفق لحصد الجائزة الأولى في جائزة الشارقة للإبداع العربي، فكل ما أنا فيه الآن، وكل ما حققته كانت البداية الشارقة وجائزتها النوعية. الشارقة التي احتضنت خشباتها ثلاثة نصوص أخرى بعد (فصول من عذابات الشيخ أحمد)، (المزبلة الفاضلة)، و(التيه) الذي تحول إلى (الصرة)، وآخرها (ولاية الأحلام) الذي تحول إلى (حلم وردي) وقدم في أيام الشارقة المسرحية الأخيرة.

فشكراً لشارقة الثقافة، شارقة المحبة، شارقة الفنون والآداب، الشارقة مدينتي الثانية التي أحب، نعم مدينتي الثانية بعد مدينة ولادتي القطيف، فالشارقة بوابتي لعالم المسرح، وشكراً بحجم السماء لراعي الثقافة العربية الذي يمد يداه كرماً على المسرح والثقافة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حفظه الله ورعاه، شكراً لكل شيء.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s