إعلان زين، النية والنتيجة

يقولون “راحت السكرة وجاءت الفكرة”، وهذا ما حدث لي بالتحديد بعد مشاهدتي لإعلان زين الذي تناول قضايا العالم الاسلامي من سوريا إلى بورما وختمها بفلسطين. وربما سأركز على القضية الفلسطينية وهي الحاضرة في الوجدان رغم محاولات تقزيمها ووضعها في خانة الهامش منذ سنوات بشكل ممنهج.

ربما أكون كغيري الذين تربوا منذ الطفولة على قضية فلسطين فصارت بوصلة كل القضايا، والأهم رغم كل ما يحدث في عالمنا العربي من فوضى، فهي الحاضرة في الوجدان، حتى باتت جزءً من توجهاتنا وفهمنا لهذا العالم. كانت حالة الاعجاب الأولى بالإعلان نابعة من هذا الحضور الوجداني لقضية فلسطين خاصة في هذا الوقت الذي يواجه الفلسطينيون المنتفضون ضد انتهاك القدس الذي كانت ومازالت وتبقى العاصمة الأبدية لفلسطين رغم عنجهية الولايات المتحدة ولقطيتها الكيان الصهيوني. الفلسطينيون الذين وجدوا أنفسهم وحدهم يواجهون مصيرهم دون أن يرف لأحد جفن، بل صرنا نسمع اسطوانات هجينة بأن الانتفاضة ضد تهويد القدس مجرد ترف ومغامرات لا طائل منها، بل يصل الأمر في أن يردد بعض الشباب العربي الجديد بأن هذه القضية لا تعنيه ولا أثر لها في وجدانه حتى، وهو ما أفرزه التهميش الممنهج.

الإعلان استفز مشاعرنا وسط هذا الصمت، فأن تستحضر شركة زين في إعلانها هذه القضية، بالتأكيد سيكون الاعجاب نتيجة المشاهدة الأولى. ولكن بعد عدة مشاهدات تغير الأمر تماماً. فالإعلان أولاً هو أغنية كتبتها هبة مشاري حمادة ولحنها بشار الشطي، وهو الثنائي الذي قدم إعلانات زين في السنوات الأخيرة، لذا تكتشف أن اللحن لا يخرج عن نمط الألحان التي قدمها الشطي في إعلاناته أو المسرحيات التي أنتجتها زين. وإذا عرجنا على كلمات الإعلان/الأغنية فإننا سنلاحظ ركاكة الكلمات وعدم اتساقها مع موسيقى الشعر الفصيح، ولا حتى مع اللحن. فالكلام أقرب للنثر المقفى منه إلى الشعر، وهناك فارق كبير بينهما. وهذا ما يمكن ملاحظته من أداء الطفل الذي خرجت الكلمات التي غناها عن اللحن، وصارت نشازاً. وهو ما يتكرر في إعلانات زين التي تكتيها حمادة، ولا ننسى الضجة التي أحدثها إعلان العام الماضي الذي تحولت إلى معنى مغاير لنية الكاتبة والشكرة المعلنة.

وبعيداً عن التفاصيل الفنية، فإني وبعد ملاحظة مجموعة من الأصدقاء، تنبهت أن الإعلان يحمل مهانة كبيرة للمسلمين وللقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، فأولا مناداة ترامب بسيدي الرئيس لا يجعل الطفل نداً له، ويجعل من كل ما جاء في الأغنية اشبه بالتوسل له ليعيد الحق للفلسطينيين. ترامب ليس كفة منصفة ولا قاضياً يحكم بالعدل، هو طرف في هذه القضية. أليس هو من أساء لكل العرب والمسلمين وتجاوزهم وتجاوز مشاعرهم المفترضة وأصر على نقل سفارة بلده إلى القدس الشريف معلنا أنها عاصمة الكيان الصهيوني اللقيط. هو لا يختلف أبداً عن قادة الكيان وإرهابييه، هو إرهابي مثلهم تماماً، فكيف يطلب منه ويتوسل إليه بأن يعيد القدس عربية.

ربما يحضرني الآن أغنية Declan Galbraith والتي كان عنوانها Tell my why?، الأغنية التي شاهدها الملايين حول العالم، ورغم بساطة كلماتها التي تتساءل عن جدوى كل الحروب التي تفتعل حول العالم، كان الطفل بأدائه يغني دون أن يشعرك بالإنهزام، بل بالندية لكل مشعلي الحروب. هو يسائلهم ولا يتوسل إليهم. بينما في إعلان زين مهانة للفلسطيني والعربي الذي يستجدي من ترامب أكثر من حضور القدس وقضية فلسطين والذي توهمناه في المشاهدة الأولى، حضور القضية لا يعني الاستجداء وطلب الحق من غير أهله، بل أن يسائل الإعلان ترامب وقادة الكيان، يحاكمهم ولا يستجدي منهم، فالفلسطيني صاحب حق رغماً عنهم.

ستكون “القدس حاضرة أكثر باستحضار صور عهد التميمي والشهيد المقعد فادي أبو صلاح” كما قالت الكاتبة البحرينية شيماء الوطني، باستحضار حق العودة، باستحضار أيقونات فلسطينية من شهداء ومناضلين وأسرى وأغنيات، باستحضار فلسطين بأنفة وكرامة لا بتوسل ومهانة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s