مجرد أرقام

 

الشخصيات:

عنتر: عشريني، يعتقد بأنه عنتر بن شداد.

إسراء: شاعرة في الثلاثينيات.

الحاج أيوب: ستيني، عصبي يختلف مع زوجته الحاجة أسماء على الدوام.

الحاجة أسماء:  خمسينية، هادئة جداً وعلى خلاف دائم مع أفكار زوجها الحاج أيوب.

أزهار: عشرينية زوجة وأم لطفل رضيع.

بائع التحف: أبو راشد بائع التحف القديمة.

 ملاحظة: الأبيات الشعرية العمودية من قصائد عنترة بن شداد.

المشهد الأول

 

ظلام، فجأة يسمع صوت غارة طائرة حربية، صوت قصف متقطع، تتبعه أصوات سيارات إسعاف وأصوات مسعفين مختلطة، صوت صراخ وشبه فوضى. تهدأ كل الأصوات، يضاء المسرح تدريجياً على بقايا بيوت، ركام، المكان مهدم من أثر القصف. أجساد مرمية على الأرض. بعضها علتها بعض أكوام الحجارة. موسيقى تتناسب مع الجو العام. بعد لحظات، تتحرك الأجساد بتناسق، حركات موحدة، كأنهم في قيامة واحدة، يقومون من رقدتهم، رقص تعبيري يوحي بعودة الحياة لأجسادهم، يتنفسون بعمق، صوت دقات قلب كأن الحياة دبت في أجسادهم تترافق مع الموسيقى.

 

-إظلام-

 

 

المشهد الثاني

 

يضاء المسرح على نفس المنظر ولكن يبدو في يسار المسرح طاولة وعليها بعض التحف أبو راشد بائع التحف يمسح الغبار عن التحف تارة وتارة أخرى عن ملابسه، بينما تجلس إسراء بملابس مغبرة على حجرة من الأحجار وهي تكتب في دفتر صغير. في العمق عنتر نائم وفي يده عصا وحوله ركام مبنى. يبدو مرتدياً عمامة من قماش ممزق. تسقط إحدى تحف أبي راشد على الأرض ويسمع صوت ضجيجها. يصحو عنتر صارخا. يقف ويتجه لمنتصف المسرح وهو يشهر عصاه في الهواء وهو ينظر للأعلى.

عنتر:           أين أنت أيها العفريت الطائر؟، لو كنت رجلاً اهبط إلي الأرض وتعال قاتلني. مجرد ضربة واحدة من ستشج رأسك نصفين (يصرخ مهدداً بسيفه) أتعرف من أنا؟. أنا عنترة. مَلَأتُ الأَرضَ خَوفاً مِن حُسامي ::: وَخَـصمي لَم يَجِد فيها اِتِّساعا

إِذا الأَبطالُ فَرَّت خَوفَ بَأسي ::: تَـرى الأَقـطارَ باعاً أَو ذِراعا

أبو راشد:       (غاضباً) هي أنت أيها المخبول، كف عن صراخك. لا تقلق راحتنا.

إسراء:          (لأبي راشد) لا يا أبا راشد، لا يجدر بك أن تصف عنتر بالمخبول. إنه شاب مسكين، أذهب الحب والحرب عقله.

أبو راشد:                وهل أبقت هذه الحرب اللعينة شيئاً يسكن رؤوسنا؟.

إسراء:          (تتنهد) أعرف يا أبا راشد. لم تبق منا شيئاً.

يرفع أبو راشد تحفته عن الأرض، يتصفحها، ويضعها على الطاولة.

أبو راشد:       الحمد لله، لم تنكسر (لعنتر) كل هذا لأجل تحفة سقطت على الأرض؟.

عنتر:           (يوجه عصاه لأبي راشد) هل أنت مع الأعداء؟، مهما كانت بسالتك ستهرب من ضربات سيفي.

أبو راشد:       (وهو يختبئ خلف الطاولة) أمسكوه عني (لعنتر) يا حبيبي يا عنتر. أنا عمك أبو راشد. بائع التحف. أنا معك في معسكرك.

عنتر:           (يتوقف عن إشهار عصاه) حقاً؟. أين سيفك لنحارب معاً؟.

أبو راشد:       يا إسراء، امسكيه عني.

تقترب إسراء من عنتر، وتمسكه.

إسراء:          تعال يا عنتر. لن يأتي العفريت بعد الآن، يمكنك أن ترتاح. إذا جاء سأخبرك.

عنتر:           هذا العفريت الجبان، ينفث النار علينا وهو يطير في السماء. لو كان شجاعاً لجابهني مجابهة الشجعان. لكنه يخاف من عنترة بن شداد.

إسراء:          أنت لم يذهب عقلك سوى عنترة، وصرت تردد قصائده. تقمصت شخصيته وصدقت أنك هو، لماذا لم تختر غير عنترة، لماذا لم تكن الزير سالم مثلاً؟

عنتر:           أنا عنترة ولست الزير سالم (يشير لأبي راشد) ربما يكون هو الزير سالم.

إسراء:          لا إنه العم أبو راشد. لا عليك، ما رأيك يا عنتر أن أسمعك قصيدتي الجديدة. للتو كتبتها.

عنتر:           (سعيداً) أنا أتوق لسماع القصائد. هذه العفاريت اللعينة منعتنا حتى من متعة القصائد. نضبت قريحتي الشعرية منذ جاءت العفاريت إلينا.

أبو راشد:       (وهو يخرج من تحت الطاولة) خذيه بعيداً حتى لا يتهور ويضربني بعصاه.

تسحب إسراء عنتر، وتجلسه مكانه، وتخرج الدفتر الصغير من جيبها.

إسراء:          (وفي يدها الدفتر) اسمع، سأقرأ لك قصيدة.

تبدأ إسراء بالقراءة

إسراء:          “حين صحوت نفضت سريري، فلم تعلق الأحلام فوق الوسادة. كانت خاوية من الكوابيس. كان النوم فائضاً. فاض عن حاجة رأسي الفارغ من كل شيء”. ما رأيك؟

عنتر:           (باستغراب) أنتهت؟

إسراء:          نعم، إنها قصيدة قصيرة، هل أقرأ لك أخرى؟

عنتر:           لا، أنا لم أفهم شيئاً. أتسمين هذه قصيدة؟. إنها مجرد كلام عادي وليس شعراً. اسمعي قصيدتي التي قلتها في حبيبتي عبلة (يتلو شعراً) زارَ الخيالُ خيالُ عَبلَة َ في الكَرى:: لمتِّيم نشوانَ محلول العرى، فنهضتُ أشكو ما لقيتُ لبعدها::فتنفَّسَتْ مِسكاً يخالطُ عَنْبَرا

إسراء:          (تقاطعه) لكنها قصيدة عنترة بن شداد وليست قصيدتك يا عنتر.

عنتر:           (غاضباً) وأنا عنترة بن شداد نفسه، أنا الفارس الذي أجدل الأعداء، وأنظم أجمل القصائد في حبيبتي عبلة. أجمل من قصائدك تلك (ساخراً) نفضت سريري، وتعلقت الأحلام.

يبدو على وجه إسراء التذمر والخيبة.

أبو راشد:     (وهو ينظف التحف) ما ضيعك غير عنترة بن شداد. مسكين أنت يا عنتر. تحمل سيفك الخشبي تريد أن تحارب العالم به، وهذا العالم لا ينفع معه لا سيوف ولا عصي.

إسراء:          إنه أكثرنا راحة يا أبا راشد. لا همَّ ولا هم يحزنون. دماغه خاوٍ من الآلام التي تسكن أدمغتنا.

يسمع صوت الحاجة أسماء من الخارج وهي تنادي، ينتبه الجميع ويتجهون جهة الصوت.

ص. أسماء:    يا حجي أيوب، يا حجي أيوب. أين ذهبت وتركتني؟.

تدخل الحاجة أسماء من يمين المسرح. بخطى متثاقلة جراء العمر، ويعتلي جسدها غبار جراء القصف. تقترب من أبي راشد

أسماء:          (لأبي راشد) ألم ترَ الحاج يا أبا راشد؟. أفقت بعد القصف. فتشت عنه ولم أجده. كنا في غرفة واحدة نشرب الشاي، وفجأة بدأ حمم الطائرات (تبدأ بالبكاء) خائفة من أن مكروها أصابه.

إسراء:          (تحاول تهدئتها) لا تخافي يا حاجة أسماء، سنحاول البحث عنه، إن شاء الله سنجده بين ركام البيت. سنحاول إبعاد الركام واستخراجه.

أبي راشد يقترب من أسماء هامساً.

أبو راشد:       كيف نبحث عنه؟، لا ندري من مات ومن بقي حياً في هذا القصف من أهل الحي. الحي لم يعد كما كان. مجرد بقايا بيوت.

إسراء:          وما المشكلة أن نبحث عن الحاج أيوب. سأبحث أنا وعنتر (لعنتر) يا عنتر، تعال معي نبحث عن الحاج أيوب، هيا أيها البطل الهمام.

يقترب عنتر سعيداً، ويلوح بعصاه.

عنتر:           سأبحث عنه بسيفي، وأقتل العفاريت الجبانة.

يهمان بالخروج من المسرح، لكن لحظتها يسمع صوت أحجار تسقط على الأرض من الخارج، يتوقفان، ينتظر الجميع برهة، يشهر عنتر سيفه استعداداً ودفاعاً، تُسمع كحة الحاج أيوب من خارج المسرح، تنتبه أسماء لصوت الكحة، يتهلل وجهها.

أسماء:          (فرحة) إنه الحاج

يقترب الجميع منها، عنتر وإسراء وأبو راشد. يدخل الحاج أيوب يمشي بعكازه الخشبي وملابسه يعتليها الغبار. يقترب أكثر وأكثر من أسماء التي يبدو عليها الفرح

أيوب:           (بعصبية) كيف تركتِني في مكاني وغادرتِ؟. تريدينني أن أموت لتتخلصي مني. أليس كذلك؟.

أسماء:          (باستكانة) لا يا حاج، جئت هنا بحثاً عنك، أفقت بعد القصف ولم أجدك بجانبي، وجدت كوب شايك محطماً وأنت لست بقربه. خفت عليك وجئت أركض ربما الجيران وجدوك، أو أن أحداً يساعدني في البحث عنك.

إسراء:          (للحاج أيوب) كانت الحاجة أسماء تبحث عنك بلهفة الخائف. كلنا لاحظنا خوفها عليك.

أيوب:           لو كانت قلقة لما تركتني، هي هكذا، لا تتغير. تتمنى موتي.

أسماء:          (بدهشة) أنا أتمنى موتك يا حاج؟، لو متَ لن أقوى على العيش بعدك أبداً.

أبو راشد:      مسكينة الحاجة أسماء يا حاج أيوب، كانت خائفة عليك وأنت لا تتوقف عن القسوة عليها بعصبيتك؟.

إسراء:          يا حاج يكفينا ما بنا، حرب وقصف لا يتوقف، موت يتربص بنا وأنت ما زلت تشاكس هذه الطيبة؟

أسماء:          (باستكانة) لا بأس، أنا أتقبل من الحاج أي ردة فعل، لقد اعتدت عليه.

يبتعد أبو راشد ويبحث في المكان وبين الركام، يجد كرسياً، ينظفه ويقربه من الحاج أيوب. يضع الكرسي على الأرض، ويجلس الحاج أيوب عليه.

أبو راشد:       استرح يا حاج. واهدأ. سأجلب لك كأساً من الماء.

أبو راشد يبتعد عن الحاج أيوب. ويبدأ بالبحث.

إسراء:          أبو راشد، يبدو أنك نسيت أننا مدفونون تحت أنقاض العمارة. من أين ستجد له الماء؟

أبو راشد يتوقف عن البحث. ويقترب ثانية من الحاج أيوب.

أبو راشد:       أعتذر يا حاج. لم أجد الماء.

أيوب:           لا عليك لا أريد الماء. (بعصبية) ومتى ينتشلوننا من هنا. هل سنبقى طويلاً تحت الأنقاض؟

إسراء:          سينقذوننا بالتأكيد، لن يتركوننا هنا. لا بد أن تتوقف الغارات أولاً ثم يبدؤون بالبحث. في الغارات السابقة كانوا يفعلون ذلك.

أيوب:           (لأسماء بعصبية) كل هذا بسببك. لو أنك رضيتِ أن نترك المكان ونخرج مع من خرجوا لما كان هذا وضعنا. ما كنا تعرضنا للدفن تحت أنقاض العمارة.

أسماء:          (بحزم) أنا لن أترك هذا المكان يا حاج أيوب. وقلت لك مراراً أن أرض الله واسعة يمكنك أن تهجر المكان وتتركني فيه. طفولتي في هذا المكان ومماتي أيضاً.

أيوب:           (غاضباً) أنت عنيدة منذ تزوجتك، لم تتغيري. ها نحن سنموت تحت الأنقاض. هل ارتحتِ الآن؟.

أسماء:          نعم مرتاحة جداً. يكفي أنني إن مت ستكون جدران بيتي هي آخر ما ستغمض عيني عنها.

أيوب:           (بعصبية) أي بيت؟ البيوت جميعها تهدمت. لا جدران سوى أنقاض.

أسماء:          أنت لم تع أنني مشدودة جذوري لهذه الأرض. إنها وطني يا حاج.

أيوب:           وما نفع وطن لا أمان فيه.

أبو راشد في محاولة لتهدئة الحاج أيوب، يأتي له بتحفة.

أبو راشد:       (يريه التحفة) ما رأيك بهذه التحفة؟، إنها جديدة، ومصنوعة باليد بكل إتقان. ستكون جميلة جداً حين نعلقها…

أيوب:           (يقاطعه بعصبية) هل هذا وقت تحف؟، غريب أنت. قصف ورائحة موت، وركام بيوت. وأنت تبيع التحف. من سيشتري تحفك هذه؟ وعلى أي جدران سنعلقها؟

أبو راشد:       (بأسى) لا أحد، ولكن ربما يمر شخص ما يريد أن يشتري تحفة، أقول ربما. سيجدني تحت الطلب. أعرف أن لا أحد يملك وقتاً ولا مالاً لشراء التحف، وأعرف أن لا وقت سوى للخوف، والموت والحرب، وأعرف تماماً أننا محشورون تحت أنقاض العمارة. ولكن يا حاج أيوب، أنا لا أعرف في حياتي سوى بيع التحف، ورثت المهنة عن أبي عن جدي. منذ أيام الرخاء. رضيت بالمكسب القليل وعزوف الناس عن الشراء قبل الحرب ومع هذا بقيت أبيع التحف، لأنني لا أعرف مهنة غيرها. لم يعلمني أبي حرفة غيرها. اتركني أعرض بضاعتي، لا بأس وإن لم يشتر أحد شيئاً.

إسراء:          كلنا نعرف ذلك يا أبا راشد. أنت فاكهة الحي ولست مجرد بائع تحف. ورغم أن للتحف روح عتيقة، إلا أن روحك أنت متجددة يا بائع التحف. روحك تقودنا لبعض نور، لبعض أمل.

تقترب أسماء من أبي راشد، وعلى وجهها ابتسامة استرضاء.

أسماء:                   لا تغضب من الحاج أيوب يا أبا راشد. تعرفه عصبي المزاج.

أبو راشد:       (لأسماء) لا بأس يا حاجة، أعرف الحاج جيداً. وأعرف أن قلبه كبياض غيمة. لو يخفف من عصبيته وجداله الدائم لكان أفضل له ولمن حوله.

أسماء:          وكيف يستطيع أن يخفف عصبيته وسط كل هذا الدمار الذي يحيطنا. الحرب تأكل من أرواحنا يا أبا راشد. أنا لا ألومه.

عنتر يرفع عصاه في الهواء ويلوح بها في الهواء

عنتر:           الحرب؟، من للحرب غير عنترة، خُلِقتُ لِلحَربِ أُحميها إِذا بَرَدَت:: وَأَصطَلي نارَها في شِدَّةِ اللَهَبِ، بِصارِمٍ حَيثُما جَرَّدتُهُ سَجَدَت:: لَهُ جَبابِرَةُ الأَعجامِ وَالعَرَبِ.

إسراء:          (تضرب كفاً بكف) عاد عنتر لعنترياته.

يقف أيوب ويقترب من عنتر، ويرفع عكازه في وجهه.

أيوب:           (ممازحاً) أرني شجاعتك يا عنتر. تعال حاربني أنا. لديك عصاك ولدي عصاي. هيا أيها البطل.

يتقهقر عنتر، ويخفض عصاه.

عنتر:           (بحيرة) لا، أنا لا أحارب كبار السن. ثم أنت صديقي الحاج أيوب. أنا أحارب الأعداء والعفاريت.

أحجار تتساقط من عمق المسرح، ينتبهون لها، يشهر عنتر عصاه استعداداً للقتال.

عنتر:           (وهو في وضع الاستعداد) من هناك، تعال أيها العدو. تعال ولا تختبئ خلف الأحجار كالفأر الجبان. أنت خائف من عنتر أليس كذلك؟

تخرج يد من بين الحجارة تحاول الخروج، يسمع صوت أزهار خلف الحجارة.

أزهار:           ساعدوني، أنا أزهار (تصرخ) ساعدوني، وساعدوا طفلي. أرجوكم

يتجهون بسرعة جهة أزهار، ويحاولون مساعدتها برفع الحجارة. تأخذ إسراء طفل أزهار الصغير، وتبعده. تعدل غطاءه وتنفض عنه الغبار.

أزهار:           (تصرخ) طفلي، أين طفلي.

إسراء:          (بارتباك) طفلك معي يا أزهار، إنه بخير.

يخرجون أزهار من وسط الأنقاض، تجلس على الأرض، تتنفس بسرعة.

أسماء:                   (بفرح) الحمد لله أنك بخير يا أزهار.

أبو راشد:       الحمد لله على سلامتك يا أم خالد، خفنا أنك كنت ممن قضوا تحت الأنقاض.

أزهار تقف بفزع

أزهار:           خالد، أين ولدي خالد؟.

تنتبه له بين يدي إسراء، تتجه له مسرعة وتأخذه من إسراء.

أزهار:           (وهي تحتضن صغيرها) الحمد لله إنه بخير. نعم، إنه بخير (تضحك وتبكي في آن) خفت أن يخطفه الموت كما خطف أباه. كيف أعيش بعدهما، يكفي حزني على أبيه الذي هزمني.

أيوب:           لا بأس يا ابنتي، الحمد لله الذي طمأنك عليه.

عنتر:           لا تخشي شيئاً يا أزهار، أنا سأكون بجانبك سأنتقم لك من كل الأعداء. بسيفي هذا سأقتلهم واحداً واحداً. لن أبقي أياً منهم.

أزهار تبكي بحرقة وهي على الأرض.

أزهار:           اللعنة على الحرب وعلى من يشعلها، كل يوم نموت خوفاً وقلقاً. خوفاً من قصف أو رصاصة قناص. أي لعنة أصابتنا. لماذا لسنا كباقي البشر، نعيش بسلام. نتزوج، ونربي أطفالنا، لا يموت رجالنا برصاصة غادرة. يكبر أطفالنا بين أيدينا وتكبر أحلامنا بهم؟. لماذا كل هذا؟.

إسراء:          إنه مصيرنا، قدرنا أننا أصبحنا من هنا، نواجه عدواً بلا ضمير، جعل منا مجرد أرقام في حصاد الضحايا.

أيوب:           قلت لكم مراراً أن تخرجوا. المكان خطير ولا يصلح للحياة وسط هذا الجنون. ما الذي سيحدث لو غادرنا؟. نعود حين تنتهي الحرب.

أبو راشد:       الحروب لا تنتهي يا حاج. الحروب يزيد اشتعالها يوماً بعد يوم. إن خرجنا لن نعود.

أسماء:          أنا لا أتصور نفسي بعيدةً عن هنا، أنا لا أعرف غير هذا المكان، وهذا البيت، وهذا الحي، وهذه الوجوه الطيبة (بأسى) وأعرف أن الكثير منهم غادر. إما إلى مكان ما أو لعالم آخر.

أزهار:           قلت لزوجي دعنا نذهب بعيداً في مكان آمن، بلا موت مجاني، ولا حرائق ولا قصف. كان يقول أنه سيدافع عن الأرض وعنا، وكان يقول أيضاً، لو كلنا غادرنا من سيبقى ليدافع عن هذه الأرض. كان يريد أن يقاوم، لكن رصاصة غادرة أردته. فكرت أن أغادر وحدي وطفلي، لكن لم أستطع. فكيف أتجاوز الحصار.

عنتر:           لا يجب أن تغادروا، احملوا سيوفكم مثلي وحاربوا. كونوا كلكم عناتر. أنت عنتر، وأنت، وأنتِ عنتر أيضاً وأنتِ. سنهزم الأعداء. صدقوني.

إسراء:          هل نحاربهم بسيوف خشبية مثل سيفك يا عنتر؟. نحن لا نقوى على صد الرصاص والنيران. لن نصمد.

عنتر:           بل نستطيع، لو تكاتفنا، وضعنا سيوفنا جنباً إلى جنب. ستتحول إلى سيف واحد كبير يستطيع أن يقتل عفاريت السماء.

إسراء:          ما أجمل أحلامك يا عنتر.

أزهار:           السيوف لا تهزم الطائرات الحربية والقنابل.

أبو راشد:       (لعنتر) ليتنا نمتلك ثقتك. لكنا حررنا الأرض منذ زمن. ليت سيوفنا كما تراها، سيوفنا من قش وليست خشبية حتى.

أيوب:           (بعصبية) هل سنبقى هنا لوقت طويل، سنموت بلا هواء ولا ماء أو طعام. ألن يتحركوا لانتشالنا؟.

أسماء:          إصبر قليلاً، لا بد أنه سيبدؤون بإزالة الأنقاض. أكيد أن المكان ليس آمناً، والطائرات تتربص بالجميع.

أزهار:           يجب أن نحاول بأنفسنا إن تأخروا. بقاؤنا هنا يعني موتنا.

أيوب:           المشكلة أن لا شباب بيننا سوى عنتر.

أبو راشد:       أنا ما زلت شاباً يا حاج أيوب.

إسراء:          وأنا شابة، لا أختلف عن الرجال.

أيوب:           أنت فتاة، لا تستطيعين أن تفعلي ما يفعل شاب.

إسراء:          (باستنكار) ومن قال ذلك؟، أستطيع أن أفعل أي شيء. أحفر، أهدم، أبني. لا نختلف عن الشباب يا حاج.

أيوب:           أنت شاعرة، تكتبين الشعر وتقرأين الكتب طوال يومك. أنت لا تتقنين غير ذلك.

إسراء:          أنت تستفزني يا حاج أيوب. الفتيات لا ينقصهم شيء. لا تنس أنهن حملن السلاح أيضاً في وجه الأعداء.

أسماء:                   (لأيوب) أنت لا تكف عن مناكفتك أبداً. لا أحد يسلم من لسانك.

أيوب:           (بعصبية) أنا، وما الذي قلته لها؟. هل تريدينها أن ترفع الأنقاض وهي بهذا الجسد الضعيف؟.

أزهار:           (وهي تهدهد طفلها، تضع أصبعها على فمها) أشش.. اخفضوا أصواتكم حتى لا تقلقوا نوم صغيري. كفوا عن الصراخ.

تبدأ أزهار بهدهدة رضيعها وهي تغني يصمت الجميع ويركزون نظرهم فيها.

أزهار:           (تغني) ننّي يا عين خالد يا عين الحمام / خالد بدو ينام عاريش النعام / نام يمّا نام / لا ذبح لك طير الحمام / لا تصدّقي يا حمامه / بضحك على خالد تينام / صباح الخير يا لوز / بدّي لحبيبي جوز / يكون غني وفرحان / ويملّي الخوابي جوز / صباح الخير بزياده / يقلع عين الحسّادِه.

-إظلام-

 

المشهد الثالث

 

نفس المنظر، الجميع يجلسون، على الأرض أو على حجر من أنقاض البيوت، أيوب يجلس على الكرسي. وعنتر يقف في منتصف المسرح شاهراً عصاه ويجول بنظره للأعلى. إسراء تقرأ قصيدة من دفترها ويبدو عليها التململ.

إسراء:          (تقرأ من دفترها) “قالت لي أمي أن لا أخبر أحداً عن حلمي/ وأن أغلق صندوق الصدر على الأحلام/ بعض الأحلام/ وأرمي كل مفاتيح الصدر إلى جوف البحر”.

أسماء:          (بأسى لإسراء) يا الله، لماذا تضعين كل هذا الهم على صدرك يا ابنتي؟. لا شيء يستحق.

أيوب:           وهل تريدينها أن ترقص؟، تفرح ونحن منذ ساعات طويلة محبوسون هنا، لا نعرف أي مصير ينتظرنا.

أسماء:                   تصبر، ولا بد أن ينفرج الهم بالصبر.

أيوب:           استغرب من برودك يا امرأة. نحن مدفونون تحت أنقاض العمارة. وأنتِ تتحدثين عن الفرج والصبر. نحن نموت ببطء.

أبو راشد:       أشعر أني اختنق هنا، أنا مستعد أن أهب كل التحف لأي أحد يخرجني من هذا المكان.

أزهار:           (وهي تهدهد رضيعها) لا أحد بحاجة للتحف يا أبا راشد، فلا قيمة لها وقت الحرب. لو كنت تبيع الحليب أو الخبز، لكانت قيمتها أعلى.

أيوب:           صحيح، الناس يبحثون عن الطعام لا التحف. حين ننتهي من حصارنا تحت الأنقاض. حول محل تحفك لبقالة.

أبو راشد:       لكنني خبير تحف، ولست خبير خبز وحليب.

إسراء:          الناس بحاجة للطعام والماء فعلاً، ليست بحاجة حتى للشعر. هل سأطعم الناس لاحقاً قصيدة؟.

عنتر:           (بسخرية) وهل تسمين الكلام الذي تقولينه شعراً. شعري سيطعمهم.

إسراء:          ولا شعرك. أقصد شعر عنترة. هيا أعطني قصيدة لأني جائعة وعطشة. هل سأشعر بالشبع بعد قصيدتك؟

عنتر:           نعم، أنا لا أشعر بالجوع ولا العطش بسبب قصائدي.

أسماء:          (تضحك) والله أنت وحدك من تفهم للحياة يا عنتر، مرتاح لا يشغلك هم ولا يوجعك قلق.

تهدهد أزهار طفلها.

إسراء:          نم يا حبيبي نم، سيجدوننا ونخرج من هنا. لا تبكِ. سنخرج قريباً.

أسماء تشير لإسراء أن تقترب، تقترب إسراء من أسماء، تهمس أسماء

أسماء:                   لم أسمع صوت أبن أزهار. لا صوت له منذ وجدناهما تحت الأنقاض

إسراء:          (بارتباك) لا أدري، ربما يكون نائماً. الأطفال نومهم عميق.

أسماء:          (تتنهد) مسكينة إسراء، بعد أن فقدت أهلها، لم تمض سنة وبضعة أشهر حتى تفقد زوجها. لم يمضِ على زواجهما سنة ونصف. هل تذكرين عرسها؟

إسراء:          نعم، أتذكره جيداً (تضحك) رقصت فيه بكل فرح. كلنا بنات الحي رقصنا. رقصنا وغنينا لإسراء (تغني) اعطونا عروستنا يا دار الأمير/ اعطونا عروستنا البسها حرير.

تتحمس أسماء وتبدأ بالغناء مع إسراء

أسماء وإسراء: (تغنيان) اعطونا عروستنا يا دار الأجاويد/ اعطونا عروستنا خلي فرحتنا تزيد

تضحكان..

إسراء:          ليلة لا تنسى.

أسماء:          وأنا أيضاً لا أنساها، لا أنسى دموع أمها. كانت تبكي فرحاً لأنها زوجتها. كانت تخاف عليها لأنها طفلتها الوحيدة. لا إخوة ولا أخوات. لم تقبل بأي عريس طرق بابها. لكن المحزن أنها لم تكمل شهراً على زواج ابنتها حتى استشهدت في قصف، هي وزوجها.

إسراء:          مسكينة أزهار، زوجها استشهد أيضاً.. لم يبق لها في هذا العالم سوى ابنها خالد.

أسماء:                   (باستنكار) لا، نحن لها، هي ابنتنا. ولن نتركها أبداً.

إسراء:          أعرفك يا حاجة أسماء، أنت حنونة على الجميع. علينا كلنا. كل بنات الحي بناتك.

أسماء:                   وأنت ابنتي ولكنك لا تطيعينني.

إسراء:          (باستغراب) أنا؟، ولم يا حاجة أسماء؟

أسماء:                   رفضك للزواج يغضبني. لم يطرق بابك قلبك أحد حتى الآن؟

إسراء:          (تتنهد) وهل ثمة وقت للحب، ووقت لأحد يطرق باب قلبي؟، الحرب اللعينة تجعلني أخاف من الغد، لا أدري كيف يكون غدنا؟، أخاف أن أترك باب قلبي موارباً فأتورط. لا أريد أن أعشق، ولا أن أتزوج، ولا أنجب أطفالاً يموتون بقذيفة أو برصاصة أو قصف.

أسماء:          كل البنات تزوجن وأنجبن رغم الحرب. لم يخفن من الموت الذي يترصد للجميع. ألا تحلمين بطفل يخرج من رحمك؟

إسراء:          أحيانا، لكن يظل الخوف يلاحقني، أبدد حلم الأمومة بحلم الشعر، كان حلمي أن أكتب الشعر وأصدر دواوين، أوصل شعري لكل الناس. شعر يردده الناس ويغنيه المغنون، تردده الفتيات في الأعراس، يردده المشيعون حينما يحملون الشهداء لجنتهم. كان هذا الحلم كل شيء.

فجأة يقف أيوب بعصبية. وبضيق يصرخ

أيوب:           (بعصبية) أين ذهبوا؟، هل تركونا هنا. ألم يحاول أحد الوصول إلينا؟. كيف نعلمهم بوجودنا تحت الأنقاض؟. سئمت الانتظار. نحن نموت تحت الأنقاض، ولا أحد انتبه لوجودنا.

أزهار:           (وهي تضع يدها على فمها) أشششش، لا تزعج صغيري. دعه ينام أرجوك.

أيوب:           (بعصبية) ما لي أنا وصغيرك، نحن نموت تحت الأنقاض وأنت لا هم لك سوى صغيرك.

أزهار:           نعم، لا هم لي إلا هو. ومن بقي لي في هذه الدنيا سواه. دعه ينام أرجوك يا حاج. إذا استيقظ من نومه لن يهدأ. أعرفه لا يهدأ بسرعة. يتعبني في الهدهدة، لا أترك أغنية إلا أغنيها له. أرجوك يا حاج.

أسماء:          (لأيوب) الوقت ليس وقت عصبيتك. لا مبرر لصراخك. كلنا في الهم سواء. كلنا ننتظر أن يخرجنا أحد من تحت الأنقاض. ما بالك يا رجل؟. تخفف من هذه العصبية، إنها تقتلك.

أيوب:           وما الذي يجعلني أهدأ يا أسماء. ألا تشعرين بما نحن فيه؟

أبو راشد:       كلنا نشعر يا حاج، لكن ما الذي يمكننا فعله. هل تعتقد بأن بالعصبية سنخرج من هنا. سيأتون. أنا متأكد من ذلك.

عنتر:           سيأتون، أكيد حبيبتي عبلة ستفتقدني، أكيد ستفتقد قصائدي لها، وستخبرهم. وحين نخرج سأريكم ما أفعله بتلك العفاريت الحديدية. سأحاربها كما حاربت أبطال العرب.

أيوب:           (بعصبية لعنتر) وهل هذا وقت خرافاتك أنت؟

أسماء:          (بعصبية) ما هذا يا حاج أيوب، لا تغضب في وجه هذا المسكين، لا ذنب له بما نحن فيه. اتركه في خيالاته.

أيوب:           وذنب من إذن؟، ذنبك أنت.

أسماء:                   وهل ستعيد نفس الاسطوانة؟.

أيوب:           أولادنا أخذتهم البلدان البعيدة في أحضانها. ونحن ظللنا تحت غضب الطائرات الحربية والقناصة والموت اليومي. لو تركتِنا نرحل معهم ما كان هذا حالنا.

أبو راشد:       أولادي أيضاً غادروا، لكنني لا أستطيع ترك هذا المكان. تقتلني فكرة الخروج. حين بدأ البعض بالمغادرة، شعرت بأن حبلاً قويا يشدني إلى هذا المكان أكثر وأكثر. صرت أتشبث بوجودي هنا. أحببت التحف لأنها تشبه حكايا بلدي (لأيوب) وأنا متيقن أنك لن تستطيع أيضاً.

أسماء:          صدقت يا أبا راشد، إنه مجرد كلام لسان، فقط يريد أن يرمي الملامة علي، ولو غادر البلد لمات من فوره. أعرفه. حبله أكثر صلابة مما تصورون.

أيوب:           (مرتبكاً) غير صحيح، أنا أريد المغادرة، لأنني مللت هذه الحرب التي لا علاقة لنا فيها.

أزهار:           كلنا مللنا الحرب، كلنا كرهناها. الحرب التي أخذت أعز ما نملك. أخذت أحبتنا، بيوتنا، شوارعنا وذكرياتنا. لم يعد للحياة معنى بسببها.

إسراء:          اللعنة على الحرب، اللعنة على الأعداء الذين جاءوا من حضيض الدنيا ليستوطنوا أرضنا، لنكون نحن الغرباء وهم أبناء البلد. اللعنة عليهم جميعاً. حولونا لمجرد أرقام في لعبة الحرب القذرة، أرقام يقرأها مذيع الأخبار حين تغتالنا رصاصاتهم. لن يقول استشهدت إسراء، أو أيوب، أو عنتر أو .. أو .. سيقول قتل ستة بينهم طفل. لن يقولوا شهداء حتى.

أزهار:           (بفزع) لا، إلا طفلي.. لن يموت، أنا أموت ويبقى هو. لا يا إسراء لا تقوليها.

تقترب إسراء من أزهار تحاول تهدئتها.

إسراء:          هذا مجرد افتراض يا إسراء. كنت أفترض أننا لو متنا لن يقولوا استشهدت الشاعرة إسراء ولا بائع التحف. نحن مجرد أرقام، كأننا نفقد حتى هوياتنا في مطحنة الحرب.

أزهار:           (تمسك صغيرها وتحتضنه وهي تبكي) لا أريد أن أفقده، يكفيني وجع الفقد، أمي وأبي وزوجي. يا رب لا طاقة لي بعد على فقد جديد.

إسراء تحتضنها وتحاول تهدئتها. بينما يراقب عنتر ما يحدث ويبدأ بالبكاء، يمسح دموعه ويحاول أن يهدأ بكاءه.

عنتر:           (وهو يغالب بكاءه) لا، الفرسان مثلي لا يبكون. يجب أن أظل قوياً (لأزهار) لا تبكي يا أزهار، أنا لا أريد أن أبكي. (لأبي راشد) قل لها يا أبا راشد أن لا تبكي. أن لا أقوى.

أبو راشد يربت على كتف عنتر

أبو راشد:       ستهدأ الآن يا عنتر. يجب أن لا تكون هشاً هكذا. تدعي أنك عنترة ويبكيك بكاء امرأة. ماذا ستقول عنك عبلة لو شاهدتك تبكي؟.

يمسح عينيه بكمه ويغالب دموعه.

عنتر:           نعم، لن أبكي، ولا تخبر عبلة بالأمر يا أبا راشد. حبيبتي لا تريدني ضعيفاً.

أبو راشد:       (يضحك) نعم هي كذلك، وأعدك أني لن أخبرها بالأمر. ما رأيك الآن أن نذهب للبحث عن أي شيء بين الأنقاض، طعام، زجاجة ماء. لقد جف حلقي من العطش. وأشعر بالجوع.

عنتر:           وأنا أيضا.

يبتسم عنتر، ويخرجان من المسرح. يراقب أيوب ما يدور وعلى وجهه الاستغراب. يتوجه ناحية أسماء، ويناديها.

أيوب:           أسماء، أسماء.

أسماء:                   نعم يا حاج، أي أسطوانة ستعيدها على رأسي الآن؟.

أيوب:           لا، لا أسطوانات. فقط عندي سؤال.

أسماء:                   تفضل.

أيوب:           هل هناك فتاة حقيقية اسمها عبلة يحبها عنتر؟. أم أن الموضوع مجرد خرافات؟.

أسماء:                   (باستنكار) ما لك ومال هذا المسكين؟. اتركه لحاله.

أيوب:           أنا أسأل فقط.

أسماء:                   كان يحب فتاة من الحي المجاور، ألا تذكر القصة.

أيوب:           من كثرة الحكايات نسيت كل شيء. لم تعد في ذاكرتي حكاية سوى حكاية الحرب.

أسماء:          كان يحب الفتاة، وهي تحبه، ولكن كما تعرف، لم يتزوجا لأن ابن عمها رفض. كان يريدها لنفسه، أجبرها على الزواج منه. وعنتر فقد عقله. ألا تذكر يوم تزوجت كيف ضج الحي بصراخه ونحيبه؟.

أيوب:           كأني أتذكر بعض الشيء. غبي.

أسماء:                   (مستنكرة) الله يسامحك يا حاج. لماذا تصفه بالغبي؟.

أيوب:           الرجل الذي يفقد عقله لأجل امرأة غبي. هل خلت البلد من الفتيات؟. تذهب فتاة وتأتي غيرها.

أسماء:                   أنت لم تجرب العشق. لو جربته لما قلت هذا.

أيوب:           (بسخرية) أي عشق تتحدثين عنه؟. العشق يأتي بعد العشرة، شباب هذا الزمن مجانين، يحبون ويحلمون. الحب الحقيقي بعد الزواج. العشرة هي التي تصنع الحب.

أسماء:                   المهم أن الحب موجود.

إسراء تقترب من أيوب وأسماء. وعلى وجهها ابتسامة.

إسراء:          (لأيوب) حاج؟.

أيوب:           نعم. ماذا تريدين أيتها الشاعرة؟

إسراء:          هل تعشق الحاجة أسماء يا حاج؟.

أيوب:           (بارتباك) أنا، نعم.. أقصد.. العشرة التي بيننا تجعلني أعشقها، أقصد أحبها.

إسراء:          إذا لماذا دائماً ما تناكفها؟. كلنا يعرف أنكما تحبان بعضكما البعض. مع هذا دائماً ما تلومها على كل شيء. ألم تضع اللوم عليها بسبب الحرب؟

أيوب:           يا إسراء. ما علاقتها بالحرب؟. نحن الاثنان ضحايا هذه الحرب. مثلكم تماماً.

يعود أبو راشد وعنتر، يدخلان المسرح وفي يدي أبي راشد راديو صغير وتبدو على ملامحه الفرح.

أبو راشد:       انظروا ماذا وجدت؟.

أيوب:           (بعد أن ينتبه لدخول أبي راشد) ماذا وجدت؟، طعام؟ ماء؟.

أبو راشد:       لا، راديو صغير.

إسراء:          (بفرح) وهل يعمل؟

أبو راشد:       لا أدري، لكن جيد أنه راديو يعمل بالبطارية. سأحاول تشغيله، ربما نسمع شيئاً في الأخبار عن ما يدور خارجاً.

يحاول تشغيله، يعمل، يتهلل الجميع، بينما تبدو أزهار غافية مستندة على الأنقاض. يسمع صوت التشويش، يغير أبو راشد المحطات، يحاول ذهاباً وإياباً وسط انتظار الجميع. يلتقط محطة. يحاول ضبط المؤشر، لكنه يلتقط موسيقى كلاسيكية. ينتظرون.

أبو راشد:       ما هذا، فقط موسيقى؟.

إسراء:          انتظر يا أبا راشد. ربما هي موسيقى الأخبار. ننتظر قليلاً.

أيوب:           أبحث عن محطة أخرى.

أبو راشد:       لا يوجد، لم أستطع التقاط أي محطة. غريب. ربما لأننا تحت الأنقاض

ينتظرون. يجلسون على الأرض. تنتبه أسماء لأزهار النائمة. تشير لإسراء. أن تأخذ صغير أزهار. تتجه إسراء لأزهار، وبكل هدوء تأخذ الصغير منها، تحمله وتقترب من أسماء. تنظر للصغير بريبة. تتفحصه، وتبدو عليها الصدمة. تقترب بقلق من أسماء، تنتبه أسماء لملامح إسراء بينما الجميع ينتظرون الراديو.

أسماء:                   (لإسراء) إسراء، ما بك. ما به الصغير؟.

إسراء تبكي وتعطي الصغير لأسماء. تأخذ أسماء الصغير، تتفحصه تضع صدره على أذنها، تفزع.

أسماء:                   (مفزوعة) ميت.

ينتبهون جميعاً.

أيوب:           من هو الميت؟.

عنتر:           من الميت يا حاجة. من؟

أسماء. تصمت مذهولة. عنتر ينتبه لبكاء إسراء. ويبدأ بالبكاء.

أسماء:                   (تبلع ريقها وبصوت خافت) ابن أزهار ميت.

صدمة على الجميع.

أيوب:           ما الذي تقولينه يا أسماء؟، يا لها من فجيعة.

أبو راشد:       قد يقتلها الأمر.

إسراء:          (وهي تبكي) منذ أمسكت به حين أخرجناها من الأنقاض. شعرت بأن الصغير ليس بخير. لم يكن يبكي. عيناه كانتا غائرتين. لكنها انقضت علي وأخذته. كنت أحاول أن أتناسى الأمر. فربما أكون واهمة.

أيوب:           ربما تكونان واهمتان. أريني إياه.

يمسك الطفل بين يديه ويتفحصه، يضع صدره على أذنه.

أيوب:           لا نفس، لا نبض (لإسراء) هل تقصدين أنه كان ميتاً حينما أخرجناها؟

تهز إسراء رأسها إيجاباً وهي تبكي.

أسماء:         كيف لم تنتبه له؟، ساعات طويلة ونحن هنا. لم تشعر بأن صغيرها ميت. لم تسمع بكاءه. هل كانت تظنه نائماَ؟.

إسراء:          لا أدري، المهم كيف نخبرها بالأمر؟. الأمر سيكون صادماً.

أيوب:           الأمر بيدكما، أنت وأسماء. حاولا بهدوء أن تخبراها.

أسماء:                   أنا سأخبرها.

تتحرك أزهار أثناء نومها، تتحس حضنها، لا تجد صغيرها، تستيقظ فزعة.. وتتجه للبقية.

أزهار:           (بفزع) أين صغيري؟، أين خالد؟.

تنتبه لوجوده بين يدي أيوب، تذهب مسرعة وتخطفه من يده. تلثمه وتقبله وتحتضنه وهي تبكي.

أزهار:           (وهي تبكي) لقد خفت عليك يا حبيبي، لم أجدك في حضني.

ينظر الجميع لبعضهما البعض بقلق.. يشير أيوب لأسماء بأن تخبرها. لكن أسماء تبتعد عن المكان. يبدو الارتباك جلياً. تنتبه أزهار لارتباكهم.

أزهار:           ما بكم؟، لم أنتم واجمون هكذا؟، هل حدث أمر ما؟.

صمت، ولا أحد ينبس ببنت شفة. تنتبه لعنتر الذي يمسح دموعه.

أزهار:           (لعنتر) لماذا تبكي يا عنتر؟، ما الذي حدث.

أيوب:           لا شيء يا أزهار، كان يبكي لأنه تذكر حبيبته عبلة.

عنتر:           (ينفجر بالبكاء) لا ليس صحيحاً، بل أبكي عليك يا أزهار، وعلى صغيرك.

أبو راشد:       (مرتبكاً) ما الذي تقوله يا عنتر (في محاول تهرب) لا عليك منه، تعرفينه عقله بسيط.

عنتر:           لمَ تكذب؟، نعم أنا أبكي لأجلها ولأجل صغيرها. أنا عنتر لا أكذب. الفرسان لا يكذبون.

أزهار:           (بريبة) أخبرني، لماذا تبكي لأجلي ولأجل صغيري؟.

عنتر:           لأن صغيرك ميت. ألا ترين، إنه لا يبكي ولا يتنفس. إنه بلا حياة.

أزهار:           (تضحك) من قال لك. إنه نائم. خالد ينام بعمق. لا تواصل خرافاتك يا عنتر.

أيوب:           لا يخرف يا أزهار، إنها الحقيقة. صغيرك ميت منذ ساعات طويلة. لا أدري كيف لم تشعري به؟.

أزهار:           (تصرخ) طفلي لم يمت. طفلي نائم (تحتضنه بقوة) أشش، لا توقظه بصراخك.

إسراء:          (تقترب من أزهار) حبيبتي أزهار، إنهم يقولون الحقيقة، منذ أخذته منك أثناء انتشالك من الأنقاض والصغير بلا روح. ميت.

أزهار:           أنت واهمة يا إسراء. طفلي لن يموت، سيكبر، سيتعلم ويدخل الجامعة، ويعمل في وظيفة كنا أنا وأبوه نحلم بها، سيكون سندي الذي أحمي ظهري به.

أسماء:                   نعرف أن الخبر محزن، لكن الطفل ميت منذ وقت طويل.

أزهار:           (بغضب، تصرخ) لم يمت، طفلي ما زال حياً ولن يموت، أتفهمين؟.

تصمت أسماء، وعليها يبدو الحزن. تقترب منها معتذرة.

أزهار:           (معتذرة) أنا آسفة يا حاجة أسماء. لكن لا تقولي أن صغيري ميت. انظري (تمد صغيرها لأسماء) إنه يتنفس، لم يتغير صغيري.

أسماء:          أزهار حبيبتي، يجب أن تستوعبي بأن الصغير مات. غداً، سيأتيك رجل أخر يملأ فراغ زوجك الشهيد، ستنجبين أطفالاً ويكبرون. أكيد لن تنسي خالد، هو طفلك البكر.

أزهار:           (لإسراء) إسراء، اخبريها بأن طفلي لم يمت. إنها تتوهم.

عنتر:           (وهو يبكي) يا الله أنا حزين. الطفل ميت يا إسراء. لقد تفحصوه.

أزهار:           (غاضبة) اصمت أيها المخبول. أنت بلا عقل وتريدني أن أصدقك.

عنتر:           أنا لست مخبولا. أنا عنترة بن شداد. أنا الفارس الذي يواجه الأعداء دون خوف. أتفهمين؟.

أزهار:           بلا عنتر بلا شداد. (للجميع بغضب) اسمعوا جميعا، صغيري لم يمت. ولن أسمح لأي منكم أن يتفوه بكلمة عن هذا الأمر. تريدون أن توهموني بموت صغيري. لم يمت، أتفهمون؟، لم يمت. إنه حي (تضع أذنها على صدره) الحياة تنبض داخله، هو فقط نائم. نائم. أتفهمون.

أيوب:           بل ميت يا أزهار. يجب أن تتيقني بأن الاتصال بين حياتك وحياته انتهى، هو في عالم آخر الآن.

أزهار:           (تصرخ بهستيريا) يقيني بأنه حي. حي يرزق، حي. أتفهمون. أنا أمه وأعرفه أكثر منكم. هو نائم. سيصحو، وأداعبه كالعادة، سأسمعه أغنية جديدة.

أسماء           (وهي تقترب منها لتحتضنها) لا بأس يا حبيبتي، إهدأي. إنها الحرب تفقدنا أعز ما نملك. أنا لا أمل عندي لرؤية أبنائي.

تبتعد أزهار عن أسماء وهي تحتضن إبنها بقوة.

أزهار:           ابتعدي عني. لا تقتربي. إنكم واهمون. لن يلحق خالد بأبيه. سيبقى. نعم سيبقى.

إسراء:          كلنا أفقدنا أحبتنا. الحرب كالطوفان يأخذ كل ما أمامه. تحت نحن، لا نعرف إن كنا سنخرج أحياءً أم لا.

أزهار:           لكني لا أريد أن أفقد طفلي. (يزيد بكاءها وهي تحتضن الطفل) ليس لي سواه في هذا العالم.

يسمع صوت طائرة حربية تقترب من البعيد، يصمتون جميعاً، يرفع عنتر عصاه.

عنتر:           لقد عادت العفاريت الطائرة، هذه المرة لن تأمن ضربات سيفي.. تعالي أيتها العفاريت.

تقترب الطائرات أكثر فأكثر. إظلام مفاجئ، وأصوات قصف، يتوقف القصف. يسمع صوت الناس يصرخون، أصوات مسعفين، وأصوات فزع مختلطة. فجأة يسمع صوت رضيع صغير يبكي. ثم يتبعه صوت مذيع الأخبار من الراديو.

المذيع:          أسفر قصف طائرات العدو عن إزاحة أنقاض بعض البنايات التي سقطت في القصف الأول مساء أمس. وكشفت أنقاض إحدى البنايات عن ست جثث يبدو أنهم لقوا حتفهم في أمس، وهي لثلاث نساء وثلاثة رجال، بينما انتشل المسعفون رضيعاً كان في حضن أمه الميتة، وهو بصحة جيدة ولم يصب بأي أذى.

يختلط صوت المذيع في النهاية مع صوت الرضيع يبكي وصوت أزهار وهي تغني

صوت أزهار:   (تغني) ننّي يا عين خالد يا عين الحمام / خالد بدو ينام عاريش النعام / نام يمّا نام / لا ذبح لك طير الحمام / لا تصدّقي يا حمامه / بضحك على خالد تينام

-انتهت-

20 يناير 2018

 

3 Comments Add yours

  1. jnoonps says:

    شكرا جزيلا لك

    1. abbashayek says:

      العفو.. شكرا لمرورك

  2. خالد المطيري says:

    اذا ما عليك امر راح امثلها كل شخصيات عنتر وابو راشد واسراء في الستائر الحمراء قريب من كورال بيتش الساعه ٦ المساء في جده

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s