الدراما والصورة النمطية

Manal Deeb’s “Golden”
Manal Deeb’s “Golden”

 

نشرت في القافلة الاسبوعية، الخميس 31 يناير 2019

 

حين نسمع كلمة مثقف، يتبادر لأذهاننا صورة شخص بشعر طويل ولحية غير مهذبة ويعتمر قبعة، يحتسي القهوة وهو يقرأ كتابًا، يرتدي نظارة بينما ملابسه غير أنيقة ولا متناسقة. هذه الصورة التي تكرّست في ذهن الناس عن المثقف فأصبحت صورة نمطية له، أو كما تسمى بالإنجليزية Stereotype . ليست صورة المثقف وحدها التي باتت نمطية، بل إن ذهن الناس مليء بالصور النمطية، لبشر مثلهم أو أشياء حولهم.

ويمكن أن تتشكّل الصور النمطية عبر عدة وسائل، منها ما يُقال أو يُتداول شفهيًا كالنكات، فثمة شعوب في هذا العالم تشكّلت حولها صورة نمطية عن بخلهم، أو بساطة تفكيرهم، وغيرها من الصفات أو السلوكيات التي انطبعت عنهم. وتتشكّل أيضًا من خلال الإعلام الذي يكرسها عبر التكرار والتأكيد، أو من خلال السينما والدراما، فالسينما الأمريكية، على سبيل المثال، أسهمت في تشكيل صورة نمطية عن أفضلية الأمريكي، وقدراته الخارقة، وصورة نمطية عن أمريكا كبلد حلم. وأسهمت الدراما التركية، كمثال آخر، في تشكيل صورة نمطية عن التركي الوسيم اللطيف والتركية الجميلة، وعن مدنها الجميلة وتفاصيلها الرومانسية، وهو ما أفاد تركيا سياحيًا واقتصاديًا. وقد تتشكل الصورة النمطية أيضًا من مواقف نمر بها، فحين نتعرَّض لأذى ما من شخص من جنسية معينة، فإننا بشكل غير واع نجد أنفسنا قد عممنا صورة نمطية عن أبناء هذه الجنسية.

بعض هذه الصور النمطية تكون إيجابية في سماحها لنا بالتعاطي مع هذا النمط بشكل أفضل، فحين تكون الصورة النمطية عن شعب ما جيدة وإيجابية، فإن إيجابية الصورة هذه تدفعنا للتعامل مع هذا الشعب على أساس هذه النظرة ونبدو أكثر انجذابًا للتعامل معهم، بينما نبدو أكثر نفورًا من التعامل مع الشعوب التي تتكرّس في أذهاننا صور نمطية سلبية عنهم.

كسعوديين، عانينا كثيرًا من الصورة النمطية عنا، على المستوى السلوكي والاجتماعي وحتى الثقافي؛ فنحن (أبناء صحراء)، لا نبدع ولا نقدّم ما يستحق! صور في أغلبها سلبية. صور ظالمة تكرّست منذ سنوات طويلة، وربما أسست تطبيقات التواصل الاجتماعي صورًا نمطية جديدة مغايرة، وعبر ما قدّمته الدراما أيضًا من نماذج للسعودي من صور هزيلة كاريكاتورية، للتركيز على الكوميديا ذات المحتوى السطحي والمتكئة على التهريج بمعناه السلبي، وهذا عكس ما يمكن للدراما أن تقدّمه لأي مجتمع. فكما قدّمت الدراما التركية للصورة التركية فزينتها وزينت مدنها، فلا بد للدراما السعودية أن تزين صورة السعودي، ولا بد أن تُسهم في تغيير الصور النمطية المكرسة. فنحن كسعوديين نملك الطاقات والقدرات ونملك القصص والقضايا التي يمكن أن ترفد منها الدراما المحلية وتقدّمنا بصورة مشرقة بعيدة عن الصور النمطية المصطنعة، التي أثّرت طويلاً على مستوى التعاطي معنا كسعوديين. الدراما كفيلة بتغيير الصورة النمطية، وتثبيت صورة بديلة ناصعة متى ما وعينا لأهميتها، فالحاجة ماسة، وبالتحديد الآن، لهذا التغيير.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s