المسرحيون السعوديون يناضلون ضد التهميش

ميدل إيست أونلايم – محمد الحمامصي

يعد الكاتب المسرحي السعودي عباس الحايك واحدا من أهم المسرحيين في الخليج العربي، حيث تشتبك أعماله وتتفاعل مع واقع المجتمعات في هذه المنطقة وانعكاسات ما يجري في محيطها الإقليمي وعالميا عليها، الأمر الذي جعلها موضع إقبال المخرجين من الكويت وسلطنة عمان والإمارات والبحرين وبالطبع السعودية، فمثلا نصه “المزبلة الفاضلة” قدمه العديد من المخرجين المسرحيين مثل: السوري هاشم غزال، والمغربي عبدالواحد الخلفي، والكويتيان علي المذن وعلي حسن، والعراقي نشأت مبارك، والقطري عبدالله البكري لفرقة جلجامش البحرينية، وغيرهم في عدد من الدول العربية منها: السعودية، عمان، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، الأردن، العراق، المغرب، ليبيا، سوريا، الجزائر.
وقدم له الكويتي عبدالله السعداوي نص “فصول من عذابات الشيخ أحمد”، ونص “المعلقون” أخرجه الكويتي خالد المفيدي، والسوري غسان الدبس في الدمام، وقدم في سلطنة عمان إخراج يوسف البلوشي الذي قدم له أخيرا عرض “مدق الحنّاء” الفائز بجائزة أفضل عرض متكامل في مهرجان المسرح الخليجي في دورته الثالثة. إن قائمة نصوص الحايك التي قدمت على خشبات المسارع العربية عامة والخليجية كثيرة. وفي هذا الحوار نتعرف على تجليات تجربته ورؤاه الفكرية وآرائه فيما يجري الآن.
بدأ الحايك رساما ثم قاصا وشاعرا وأخيرا مسرحيا وكاتب سيناريو أفلام، وقد أكد أنه في كل هذه المراحل كان ساعيا وباحثا عما هو عليه، وقال “مراحل اكتشاف لممكناتي وذاتي، هل أنا رسام فعلاً؟ بدأت أرسم وطورت أدواتي في الرسم عبر ثلاث دورات احترافية، وشاركت في معارض تشكيلية، لكنني لم أجد ذاتي في عالم التشكيل، وجربت كتابة القصة القصيرة وشاركت في مسابقات، ولم أجد ذاتي هناك أيضاً، كتبت الشعر وشاركت في أمسيات ونشرت نصوصاً، ولم أجد ذاتي أيضاً في الشعر، حتى اكتشفت عالم المسرح عبر نصوص سعدالله ونوس، ولاحقاً كتابات جواد الأسدي عن المسرح. فوجدت أن هذا عالمي الخاص الذي أبحث عنه، وهكذا أرسيت سفني على مرافئ المسرح. أما بالنسبة لكتابة السيناريو، فهو امتداد للكتابة المسرحية، ولم أجد تعارضا بينها وبين كتابة المسرح.

وأوضح الحايك “كان توجهي للمسرح عبر قراءة النصوص، فحين كنت عضواً في ملتقى القديح الأدبي، والذي أسسناه مع ثلة من الأصدقاء في قريتي “القديح”، كنا نجتمع أسبوعياً في أصبوحات لمناقشة نصوصنا الشعرية، فوقعت في يدي نصوص سعدالله ونوس منسوخة، قرأتها فوجدتني مشدوداً للمسرح، لعوالمه، لشخصياته، ولأن رأسي كان مليئاً بالحكايات والشخوص، وجدت في المسرح ضالتي، والكتابة له منصتي.
المسرح كما يقولون هو أبو الفنون، المسرح يشمل فنوناً وآداباً مختلفة، يشمل الرسم والموسيقى والرقص والكتابة، فأن أكون مررت على هذه الفنون كممارس، فأنا تمكنت من إدراك تفاصيل العرض المسرحي، وتمكنت من الكتابة للمسرح بنفس مسرحي، وبلغة مسرحية تتجاوز اللغة الأدبية التي يتورط فيها بعض كتاب المسرح.
وحول رؤيته لإخراج نصه “مدق الحناء” وأسباب اختياره لمخرج عماني وفرقة عمانية، قال “مدق الحناء، هو العنوان الذي اختاره المخرج العماني يوسف البلوشي لنصي “أم الخير”، نصي الذي كتبته قبل ثلاث سنوت للمشاركة في مسابقة تأليف مسرحي خليجية، لم يحالفني الحظ يومها للفوز بأية جائزة. فآثرت أن أنشر النص على مدونتي، اطلع عليه أحد ممثلي “فرقة مزون” فأعجب به، ففاتحني بأمر تنفيذه. لم ينفذ النص آنذاك ويبدو أنه كان مشروعاً مؤجلاً. وبعد أن تم الاعلان عن الدورة الثالثة من المهرجان الخليجي، بدأت الفرقة التحضير للعرض، وبدأنا التواصل، لتطوير النص والوقوف على رؤية المخرج الذي كانت لي معه عدة تجارب سابقة من بينها إخراجه نصي “زهرة الحكايا”.
والنص يتناول موضوعة الحرية، وكيف أن الإنسان مهما كانت طبقته أو خلفيته تواق للحرية ويرفض أن يكون تحت العبودية والوصاية. هي حكاية لا مكان محدد لها ولا زمان، مفتوحة لأنها تمس كل الناس. وهو ما أغرى البلوشي لتقديم النص وتقديمه بثيمات عمانية. وكان من المفترض أن أحضر العرض في الشارقة، لكن وفاة والدي منعني من ذلك.

كاتب مسرح سعودي
بدأ رساما ثم قاصا وشاعرا وأخيرا مسرحيا 

وأشار الحايك إلى أن المسرح السعودي منذ نشأته وهو يعاني، فقد واجه التهميش والرفض من البدايات، خاصة بعض سطوة المتدينين الذين رأوا في المسرح فنا تغريبياً محرضاً على فساد المجتمع. فوقفوا ضده ومنعوا كل محاولات تكريسه في وجدان السعوديين. إضافة لذلك واجه عدم الاهتمام من قبل الجهات الرسمية، مما حال دون تشكل حركة مسرحية نابضة كما هو الحال في الكويت، ويكون فنا شعبياً. فالمسرحيون يمارسون المسرح دون ميزانيات بعد إعلان حالة التقشف من قبل جمعية الثقافة والفنون، والتقتير على هذا الفن بالتحديد، كمكون ثقافي بينما يجد مسرح التهريج الاهتمام والمساحة الواسعة ليقدم للجمهور عروضاً بلا قيمة، سوى الضحك.
المسرحيون السعوديون يناضلون من أجل شغفهم، يدفعون من جيوبهم لتنفيذ عروض مسرحية تمكنهم من المشاركة في المهرجانات، والعديد من هذه العروض شرفت الثقافة السعودية، وحصدت جوائز. ومع هذا لم تجد أي التفاتة من المسؤولين. وكنا كمسرحيين استبشرنا بهيئة الثقافة ثم بوزارة الثقافة، وحتى الآن وضع المسرح مكانك سر.
ولفت الحايك إلى أن تجربته تواجه العديد من التحديات، وأضاف “أنا كاتب مستقل لست منضماً لأي فرقة، أكتب نصوصي لتجد طريقها إلى الخشبة. كنت أمام خيارين، إما أن أركن نصوصي في الأدراج بحثاً عن مخرج بمقاسي، أتفاهم وأتواصل معه، وهذا صعب إذا لم يكن لي علاقات تربطني بمخرجين أضمن تنفيذ نصوصي من خلال رؤاهم، أو أن أضطر لنشر نصوصي حتى تكون متاحة للمخرجين من خارج حدود بلدي. وقد اخترت طريق النشر، وهذا الخيار حقق لي انتشاراً لاسمي ولنصوصي أيضاً. فنصوصي تقدم في كل دول الخليج بفضل نشرها في مدونتي التي يزورها أسبوعياً أكثر من 3000 زائر، من الباحثين عن النصوص. لذا وجدت نصوصي طريقها للخشبات العربية، وترجمت لي نصوص للغات مثل السريانية والفرنسية والكردية. ولولا فكرة النشر لما وصلت نصوصي لكل مكان. لكن هذا الخيار له ثمن أيضاً، حيث إن أدبيات بعض المخرجين لم ترتق إلى مبدأ أخذ الإذن الخطي مني ككاتب نص لتنفيذ نصوصي، فكثيراً ما أفاجأ بتنفيذ نصوصي في معاهد تمثيل أو في مهرجانات تقدمها فرق دون الرجوع لي وأخذ الإذن، أو حتى من باب المعلومية، وهذا أكثر تحد يواجهني.
وأكد الحايك أن حجم الحرية متباين من بلد خليجي أو عربي لآخر، وفق المناخ السياسي أو الظروف الاجتماعية للبلد، فما يصلح مثلاً في المسرح المغربي، قد لا يصلح في المسرح السعودي، وما يمكن طرحه في المسرح البحريني قد يبدو خارجاً عن حدود القبول في بلد آخر وهكذا. وأرى أن المسرح يحتاج لحرية أكبر، حتى يكون له دور حقيقي، دور جمالي ودور عضوي في المنظومة الإجتماعية. المسرح لا يمكنه أن يكون فاعلاً بلا حرية حقيقية. بلا نظرات خشية مما سيقدمه، ودون النظر للمسرحيين بأنهم متهمون. الغريب أن دولاً كانت معروفة بهامش الحرية الكبيرة، تجدها تتراجع وتبدأ بحملة رقابة شديدة على كل أشكال الفنون والآداب، بينما دول أخرى لها سجل في التضييق على الحريات، تجد أن سقف الحرية فيها قد ارتفع، وبات مسرحيوها لا يجدون صعوبة في إخراج نصوصهم.
وأسف الحايك على تراجع دور المسرح الجمالي والفني الجاد على مستوى الجمهور، وقال “حل محله المسرحيات الجاهزة التي لا تقدم قيماً، بل تقدم تهريجاً سطحياً بلا معنى، وحلت محله مقاطع السوشيال ميديا السريعة التي باتت أقرب للناس، في هواتفهم وجعلتهم لا يفكرون بحضور عرض مسرحي، وكل ما يقدم له الضحك متاح في هواتفهم”.
ورأى أن المسألة ليست متعلقة بالحريات، بل متعلقة بالبحث عن الجاهز والسهل، وعن عدم قدرة المسرحيين على بناء علاقة وطيدة مع الجمهور، فهجر الجمهور المسرح. وصار من الصعوبة الآن إقناع الناس بحضور العروض المسرحية.
ورأى الحايك أن مشاكل المسرح العربي يمكن تقسيمها لعدة أقسام، وهي أيضاً تصدق على دولة دون أخرى. مسألة الاهتمام بالمسرح كمكون ثقافي أو حتى مكون ترفيهي يقدم قيمة فكرية موازية لقيمة الضحك. فالمؤسسات الرسمية لم تقتنع بالمسرح، ولا تجد غضاضة في تهميشه. فالمسرح ليس منصة جيدة أيضاً ليكون سوط الحكومات والمتحدث باسمها، ولو كان كذلك لوجدت جل الاهتمام به.

أضف إلى ذلك أن المسرح لم يمس قضايا الناس، ويقدم أعمالا مسرحية يجد فيها الجمهور محاكاة لهمومهم وقضاياهم. المسرح تغرب عن الناس وابتعد، صار يدور في تهويمات بعيدة عن واقعهم، فالكتاب صاروا يكتبون نصوصاً هي أقرب لقصائد نثر، وليست نصوصاً مسرحية تحمل دراما. والدراما هي ما يبحث عنه الناس، ويبحثون عن الفرجة التي غيبها البحث عن مفردات تجريبية في العرض المسرحي. مثل هذه العروض تبدو نافرة عن ما يتناسب مع الجمهور العادي، وتصلح فقط للمهرجانات. المسرح الحقيقي انزوى في دائرة المهرجانات التي لا يحضرها سوى الوجوه ذاتها التي تسافر من مهرجان لمهرجان، وانزوى بعيداً عن الجمهور الحقيقي الذي يمكن أن يحقق معادلة التلقي.

وحول ما إذا كانت المسارح القائمة حاليا في دول الخليج كافية لخلق نهضة مسرحية أم أن الأمر يتطلب المزيد من بناء مسارح جديدة، قال “بالتأكيد لا تكفي، في منطقة شاسعة جداً كالمنطقة التي أعيش فيها “المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية” لا توجد سوى قاعتين أو ثلاث من القاعات التي يمكن أن نطلق عليها صالة عرض مسرحي، مجهزة بتقنيات جيدة تصلح للعرض. لا يمكن لهذه الصالات أن تخلق نهضة مسرحية. الحاجة ماسة لبناء المزيد من القاعات المسرحية، تحتاج كل مدينة لأكثر من 3 صالات لننهض بهذا الفن الضرورة.
وللخروج بالمسرح مما هو فيه وعودته لمناقشة قضايا الانسان المصيرية، أكد الحايك الحرية أولا وأخيراً، أن يترك المسرحيون ليكونوا أكثر شجاعة من كاتب العمود الصحفي، يجادلون في القضايا دون خوف ولا توجس. يحتاج لدعم مالي يكفي لتقديم عروض جيدة، تقدم فرجة مسرحية ووجبة فنية تظل في ذاكرة الناس. يحتاج لصالات مهيأة، ويحتاج أن يعترف بالمسرح ولا ينظر له كعبث مجرد. يحتاج لمسؤول واع يعي أهمية هذا الفن، ويحتاج أن يدار عبر مؤسسات مسرحية مستقلة دون أن يكون تابعاً لجهات رسمية لا علاقة لها بالمسرح. وغيرها من الاحتياجات التي لو توفرت لكان المسرح حاضراً.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s