مسرحية صانع الفرح

 

مقدمة

تدور أحداث المسرحية في مدينة أمانوس، قبل سنتنا هذه بآلاف السنين، مدينة حلت بها لعنة الحزن، فبات أهلها حزينين بائسين لا طريق للفرح يدخل اليهم، ولا لأرواحهم المتعبة من فرط الحزن. حلت اللعنة منذ غادر صانع الفرح المدينة، غادر مطروداً منبوذا. فصاروا يجهدون ليبحثوا عن صانع الفرح ليعيد لهم الفرح الذي غاب منذ حلت لعنة الحزن.

ملاحظة: المدينة والأحداث وأسماء الشخصيات، كلها متخيلة، وربما يكون ثمة تشابه بين هذه الأسماء وأسماء في حضارات أخرى مثل الحضارة الفينيقية.

الشخصيات:

أدون:           حارس الأخلاق في المدينة، يتبع الناس وصاياه. ستيني، يسعى لتطهير المدينة من كل ما يفسد. عصبي.

أشميم:                   خمسيني، من كبار أهل المدينة. ووالد حيرام.

أميون:                   من أهل المدينة، خمسيني

آرام:            ثلاثيني، يحب أهله ومدينته. حريص على أهل مدينته.

حيرام:          شاب عشريني، يحب الحياة. ومتمرد.

لاما:             زوجة حيرام، مثله تحب الحياة، ومتمردة. تشببه في كثير من المواصفات.

صانع الفرح:   ممثل ومغني، يصنع الفرح في المدينة، من أبناء المدينة، يتعرض للطرد.

التاجر1:        من تجار المدينة.

التاجر2:        من تجار المدينة.

الرجل1:        من أهل المدينة

الرجل2:        من أهل المدينة

أهل المدينة

 

المشهد الأول

ساحة مدينة أمانوس التي تفشى فيها الحزن كمرض لا شفاء منه، الساحة واسعة تتجاور فيها الحوانيت المتقابلة والمغلقة. الوقت نهار. أصوات من بعيد تقترب، أصوات تشييع جنازة، ضربات إيقاعية متلاحقة على الأرض، ضربات متناسقة من مجموعة أرجل، تشكل ايقاعا جنائزياً. أصوات زغاريد حزينة، تدخل مجموعة من أهالي المدينة، وهم يزفون حيرام الذي يبدو بكامل زينته، يبدو أنه عريس. الوضع يبدو متناقضاً جداً فالمناسبة مناسبة عرس بينما الأهازيج أهازيج جنائزية. تتوقف الأهازيج، يقترب السيد أشميم من ابنه العريس حيرام. يحتضنه بحزن.

أشميم:          اغفر لي يا ولدي. كان يفترض أن نشعل أيامنا وليالينا فوانيس فرح بزفافك. لكن منذ غاب، اصبحت الزينات وحدها ما يفرق بين الفرح والمآتم.

حيرام:          (يمسك يد والده) مقدر للأمر يا أبي. ليس باليد حيلة. المدينة كلها غرقت في الحزن منذ غاب.

يقترب أميون منهما ويقاطعهما

أميون:          بل غيب، طرد. طردوه حتى يموت الفرح فينا.

أشميم:          سنبحث عنه ونجده. سنعيده لنعيد الفرح. لقد أتعتبنا الكآبة. أرهقت أرواحنا.

أميون:          (يتنهد) صدقت. فكيف يكون هذا عرساً؟. لا فرح هب بنسماته منذ أن طردوه.

يربت أشميم على كتف ابنه حيرام.

أشميم:          انتبه لنفسك، ولأمك واخوتك. دارِ امرأتك. سنعيد كل شيء كما كان.

حيرام:          وأنا واثق من ذلك. كنت أرغب أن أكون رفقتكم. ومعكم نعيده.

أميون:          لا، أنت عريس مدينة أمانوس الجديد، ولا بد أن تبقى مع عروسك؟

يقترب منهم السيد آرام

آرام:            لننته من زفافه الآن، وهيا لنتهيأ لمغادرة المدينة. لا بد أن نجده، فقد صار الحزن ثقلاً على صدورنا. هيا.

يبتعدان عن العريس حيرام. ويعودون لما كانوا. يستأنفون ذات الأهازيج الحزينة. يدخل السيد أدون وخلفه اثنان من التجار. يقف أدون أمام موكب العرس الجنائزى، يوقفهم بغضب.

أدون:           ما الذي تفعلونه أنتم؟.

أشميم:          كما ترى، نحن نزف ابني لعروسه.

التاجر1:        زفاف؟.. أتسمي هذا زفافاً يا سيد أشميم. إنه أقرب للجنازة.

التاجر2:        ظننا أن أحداً مات. جئنا لنتحرى الأمر.

أدون:           إنه عرس. يعني زغاريد فرح وأهازيج. الأعراس ولّادة فرح. أنسيت طقوس المدينة يا اشميم؟.

التاجر1:        أتسمي هذا عرساً، حتى أنك لم تطعم أهل أمانوس.

أشميم:          (بحزن) لم يعد للفرح مطرح، صرنا لا نطعم الناس إلا في المآتم.

أدون:           ولماذا كل هذا يا سيد أشميم. اخبروني يا أهل مدينتنا. ما الذي غيركم؟. أي لعنة حلت بكم؟.

أشميم:          أنت تعرف ما حل بنا. تعرف اللعنة التي حلت. وربما تكون أنت سبباً بها.

أدون:           (مصدوماً) أنا؟.. وما شأني أنا بلعناتكم. ما الذي تقوله يا سيد أشميم؟.

التاجر1:        لا تضع اللوم على الرجل. انتم من استأنستم الحزن. حتى لا تعملوا وتتوقف أعمالنا.

التاجر2:        منذ أن حلت لعنة الحزن، كل من يعمل عندي يبقى حزيناً على رأسه تحلق طيور الأسى. ما ذنب السيد أدون في كل هذا؟.

أميون:          بسببكم غادر المدينة، وغادر معه الفرح. كنا ككل الناس، نفرح، نحزن. لكنكم سرقتم فرحنا.

أدون:           أنا لا أفهمكم. ما شأن كل هذا بوجوده أو عدمه. هو شخص لا علاقة له بفرحكم وحزنكم.

أشميم:          لن نكثر الكلام معك. لأننا تعبنا من الكلام. سنعيد ونكرر ذات الحديث الذي لن ينتهي (لأميون) هيا يا سيد أميون. علينا أن نغادر مبكراً.

التاجر1:        إلى أين تغادرون؟.

أميون:          مغادرون، من أرض لأرض، من طريق لطريق، من بلد لبلد. نبحث عنه في كل مكان. ربما يكون استقر على جبل أو بجانب سهل. سنجده ونعيده للمدينة. ونعيد الزغاريد والأهازيج.

أدون:           وأين ستجدونه؟. كأنكم تبحثون عن مستحيل.

أشميم:          سنجده، حتى لو كنتم لا تريدونه بيننا، سيعود بالحكايات (يهم بالمغادرة، ثم لأميون) هيا لا بد أن ننتهي من الزفاف لنغادر.

يكملون أهازيجهم الحزينة .. ويغادرون وسط استغراب أدون والتاجرين اللذين يبقون وحدهم.

التاجر1:        (لأدون) أتظن أنهم سيجدونه؟.

أدون:           بل متيقن أنهم لن يجدونه. وحتى لو وجدوه لن يعود لهذه المدينة.

التاجر2:        المشكلة أنهم سيغادرون، سيتركون المدينة (بضيق شديد) أعمالنا توقفت بسببه.

التاجر1:        يأتون للعمل وعلى رؤوسهم غمام الهم. يحولون المكان لمأتم حزن. ما فعلته بنا ليس قليلاً.

أدون:           (باستغراب) أنا؟. وما ذنبي؟.

التاجر1:        بل الذنب كله ذنبك. أنت من ضايقته وطردته.

أدون:           وأنتم من حرضني. نحن شركاء (يصمت قليلاً) ليس الوقت وقت عتب. لا بد أن نفعل شيئاً. لا بد أن نقنعهم بأن الأمر لا علاقة له به. هو مجرد شخص عادي، صحيح أنه ابن المدينة. لكن ما علاقته بفرحهم أو حزنهم.

التاجر2:        وما الذي ستفعله يا سيد أدون؟. الناس عازمون على الرحيل والبحث عنه. كيف ستمنعهم؟.

التاجر1:        إذا كانوا سيرحلون ويعودون به، فلا بأس. لن نمنعهم.

أدون تبدو عليه الدهشة. يصمت التاجر1 قليلاً.. ينتبه أدون له.

أدون:           ما الذي تفكر به؟. أراك أخذك التفكير.

التاجر1:        افكر في أن أرافقهم.

التاجر2:        (مصدوماً) ترافقهم؟. هل جننت؟.

أدون:           أنت لست جاداً. أليس كذلك؟.

التاجر1:        بل جاد. لن أقف مكتوف الأيدي والمدينة غممها الحزن. حتى بيتي دخلته ريح الكآبة. أطفالي ما عادوا يضحكون، وهربت الابتسامات عن وجوه الناس. ألم تسأموا كل هذا الحزن؟. ألم تسأموا وأيامنا تحولت من مأتم يتلوه مأتم؟ (بضيق) أنا سئمت من كل هذا.

أدون:           ونحن سئمنا، لكن هل تريدنا جميعنا أن نرحل لنبحث عنه؟. ابق هنا وسيعودون. كيف تريدنا أن نخضع لهم. ثم كيف تترك حوانيتك وتجارتك؟.

التاجر1:        سأعود معهم بعد أن نعود به. لا بد أن يعود الفرح لمدينتنا، حينها أفتح حوانيتي، أزينها بالفوانيس والألوان. لا بد للمدينة التي أرهقها الحزن أن تفرح.

التاجر2:        وهل سيغير وجودك معهم في الأمر؟. معهم أو بدونهم، إذا وجدوه سيعودون به. مع أني أشك في أن سيرضى.

التاجر1:        (بإصرار) وأنا مصمم على مرافقتهم. أنسيت أنهم أبناء مدينتي؟. أنا منهم. أنتمي لهذه المدينة. سأجهز أغراض سفري.

يغادر المكان بسرعة.

أدون:           إنه مجنون. كيف يترك المدينة ويرافق هؤلاء المجانين؟. لن يجدوه. وإن وجدوه لن يعود. أنا متأكد من ذلك.

التاجر2:        لا أظن أنه سيعود بعد ما طردناه. كنت تحاربه بسلاح الأخلاق. أنسيت؟.

أدون:           لم أنس. ومصر على وصيتي. صحيح أنه قدم للناس الفرح. لكنه أفسدهم. انتابت الميوعة الناس. يضحكون طوال الوقت يتوزعون النكات، يفرحون ويصفقون. أهذا ما تريدونه؟، أين هي الأخلاق التي رباكم السيد العظيم عليها؟. الأخلاق كانت عرضة لطعناته.

يدخل آرام المسرح وخلفه يدخل بعض الرجال الذين كانوا مشاركين في الزفاف. يتوقف آرام عند أدون والتاجر2

آرام:            أما زلتم هنا؟ (للتاجر2) هل سترافقنا للبحث عنه؟.

التاجر2:        ولمَ أرافقكم؟. من تكونون ومن أكون؟. أنسيت من أنا؟.

آرام:            لم أنس، أنت التاجر الكبير بينما نحن أهل المدينة الفقراء. لمَ ترافقنا لتبحث عما نبحث عنه؟ أنا متأكد أنكم سبب ما بلينا به.

أدون:           (غاضباً وبعصبية) أووه، كلكم تتهمونني بما حدث لكم. ابحثوا عن المشكلة داخلكم. لا تعلقوها علي. كفوا عن هذا الجزع الذي أنتم فيه. هذا الحزن منكم ولكم. لا شأن لي بأحد. افعلوا ما بدا لكم..

آرام:            (بسخرية) حارس الأخلاق فقد اتزانه. لا يليق بك يا سيد أدون هذه العصبية.

يخرج أدون غاضباً ويلحق به التاجر2

آرام:            (لمن معه من الرجال) يدعون البراءة وهم وراء كل ما حدث.

الرجل1:        هم لا يريدون له أن يعود. ولا يريدون للفرح أن يعود. حارس الأخلاق وراء كل شيء. أنسيت كيف كان يحاربه، ويحارب وجوده. كان يردد أن ما يفعله مناف للأخلاق. كل كلماته عالقة في رأسي.

آرام:            لن أنسى ما فعلوه.

الرجل1:        (لآرام) هل تجهزت للمغادرة.

آرام:            نعم، الجميع جاهز. أنتظر السيد أشميم والبقية حتى ينتهي الزفاف.

الرجل2:        نحن نتكل عليكم، أعيدوا لنا الفرح يا آرام.

يربت آرام على كتف الرجل2 ويهز رأسه ثم يدخل أشميم وفي يده كيس سفر.. يقترب منهم

أشميم:          ودعت العريس والعروس، وودعت أمه.. أنا جاهز للرحيل معكم.

يدخل أميون ومعه كيس سفره.

أميون: حان وقت الرحيل.

آرام:            سنترك مدينتنا الحزينة، لنبحث عن الفرح. ننثره على جدران البيوت.

أشميم ينظر حوله يطالع المكان.

أشميم:          لم نغادر المدينة أبداً، وها نحن نتركها للحزن. نتركها للأسى. حزينون نحن، بائسون نحن ونبحث عن دفقة نور تبعث فينا الروح من جديد.

الرجل2:        لا تضيعوا الوقت في الكلام، فأمامكم المزيد من الكلام.

آرام:            (لأشميم) وأين سنبدأ بالبحث؟.

أميون:          نبحث أولاً عن المدن التي تتزين لياليها بالحكايات، من بعيد تعرف المدن السعيدة، مدن تعلوها أصوات الموسيقى وأصوات الأغاني والرقص. أكيد سيكون في مدينة من هذه المدن.

يبدأون بالتحرك من جهة من جهات المسرح، يسمعون من بعيد التاجر 1 يناديهم من البعيد

التاجر1:        توقفوا.. انتظروني.

يتوقفون، ينظرون جهة الصوت.. يدخل التاجر1 المكان وفي يده كيس سفر. يبدو عليهم الاستغراب

أشميم:          أنت؟.

آرام:            التاجر؟.

التاجر1:        نعم، أنا هو. وأرغب في مرافقتكم.

أميون:          (باستغراب) مرافقتنا؟. ما الذي يدفعك لمرافقتنا؟.

التاجر1:        (حزيناً) وهل ما حدث للمدينة يرضيني؟، أنسيت أني ابن هذه المدينة. لم أعد أحتمل كل هذا. سأبحث عنه معكم. أنا مثلكم أنتظر عودة الفرح. عودة الابتسامات والضحكات وحكايا المساء.

أشميم:          لكنك شاركت في ما يحدث.

التاجر1:        (منكسراً) وندمت. نعم ندمت. لم أتصور أن الأمر سيصل بنا لهذا الحزن. كل يوم يمر يكبر الحزن ويكبر الهم. كل يوم يمر ونحن ضائعون في دوامة البؤس.

أشميم:          (يتنهد) صدقت. أي بؤساء نحن. أي بؤساء أولادنا ونساؤنا.

التاجر1:        أتقبلوني معكم؟.

يهزون رؤسهم .. يمد يده لهم، يصافحونه. ويقفون، يطالعون المكان، يحركون رؤوسهم بتناغم، جميعهم. كأنهم يملأون عيونهم من المدينة وجدران بيوتها. ينتهون من تصفحهم للمكان. يحملون أكياس سفرهم.. يغادرون..

إظلام

 

 

المشهد الثاني

بعد شهرين من مغادرة أهل المدينة.. في بيت أشميم، الوقت نهاراً، تسمع طرقات على الباب، لحظات ويدخل حيرام ابن أشميم، وخلفه زوجته.. يفتح حيرام الباب، فيدخل أدون وخلفه التاجر2

أدون:           كيف حالك يا ولدي؟.

حيرام:          الحمد لله بخير. خيرا يا سيد أدون؟.

أدون:           كل الخير يا حيرام. كيف حالك يا لاما؟.

لاما:             بخير. أنتظر مثلي مثل كل الناس أن يعودوا بالفرح.

حيرام:          سيعودون بصانع الفرح. أنا واثق من أبي وأهل المدينة.

التاجر2:        وهل تظن أنه سيعود معهم؟.

حيرام:          ولم لا يعود. هذه مدينته.

أدون:           لكنه تركها منبوذا. تركها مطروداً. كيف سيعود إليها؟.

لاما:             من كان يصنع فرح المدينة، لن يتركها تغرق في الحزن الطويل.

التاجر2:        لقد طال بحثهم. أكثر من شهرين منذ غادروا. لا ندري أي أرض هم عليها. لا ندري ما حالهم. هؤلاء أهلنا، غادروا المدينة ولم يعودوا. نحن قلقون عليهم.

حيرام:          أظن يا سيدي أنك والسيد أدون قلقون من عودتهم بصانع الفرح.

أدون:           وما الذي يقلقنا في الأمر؟.

حيرام:          ألم تكن ضد وجوده؟. ألم تحرض الناس؟. إذا كنت نسيت، فإن ذاكرتنا لا تنسى. لا تنسى ما فعلت، ولا ما قلت ضده.

التاجر2:        لقد تفشى الخراب في المدينة بسببه.

لاما:             بل تفشى الفرح، وأنتم أعداء الفرح. تخافون من الناس إذا فرحوا، تخافون من ضحكاتهم.

أدون:           لا علاقة للأمر بالفرح، أنتم من عمدتموه صانع فرحكم. لكن ما كان يفعله خراب. لقد أفسد المدينة. وأخلاق أهل المدينة.

حيرام:          ونحن من عمدناك حارس الأخلاق.

أدون:           بل عمدني السيد العظيم. اختارني لأكون حارس الأخلاق.

لاما:             واصبحت حارساً على أنفاسنا. تخنقنا.

التاجر2:        ما لكم يا ناس. كلكم تضعون اللوم على السيد أدون. وكأنه سبب أحزانكم وبؤسكم. أنسيتم كيف كنتم تلجؤون له إن عصفت بكم حيرة؟. أنسيتم كيف كان ينتشلكم من مشاكلكم.

أدون:           (باستكانة) لا بأس. اعتدت منهم هذا النكران. أنا يا حيرام أصبحت حارس الأخلاق لأني تعلمت، وقرأت، وعاشرت الحكماء. اختارني السيد العظيم وأنتم وجدتم في أهلاً لأكون حارس أخلاق المدينة. لم أطرق أبوابكم لتعمدوني.

حيرام:          لكن لم تفعل الخير بنا. كنا نعيش حياة بلا منغصات. حياة طبيعية، نفرح ونحزن ونعمل.

أدون:           حياة طبيعية بالرقص والأغاني وتشخيصات صاحبكم؟.

لاما:             ما المشكلة في الأغاني، ما المشكلة في الرقص والفرح؟. ما المشكلة في مشاهدة صانع الفرح وهو يشخص لنا الحكايات؟.

التاجر2:        لم تكن حياة طبيعية كحياة باقي المدن القريبة. لم يكن ثمة فرح زائد ومساءات موسيقى وتشخيصات هناك. كانوا يعملون ويعملون فقط. يعيشون حياتهم بلا ترف زائد.

حيرام:          وهل ضركم أن نفرح. (للتاجر2) هل ضرتك يا سيدي؟. هل ضرت تجارتك أن نأتيك كل يوم محملين بطاقة الفرح؟. كنا نأتيك كل يوم نعمل بحب. هذا ما فعله صانع الفرح.

أدون:           لقد ظننتك عاقلاً يا حيرام، قلت في نفسي هو شاب يفكر بشكل أفضل، أكثر تعقلاً من بقية مجانين المدينة الذين غادروها ليبحثوا عن مجنون آخر يرقص ويغني ويشخص لهم الحكايات.

لاما:             جئت ظناً أن حيرام سيذهب إليهم ويعيدهم للمدينة؟.

التاجر2:        هذا ما ظنناه، أحزننا ما حدث في عرسك. ليس من العدل أن يزف شاب على زوجته بطقوس الجنائز كما فعل أبوك وأهل المدينة.

حيرام:          (بغضب) فعلوا ذلك لأنكم سرقتم الفرح من أرواحنا.

أدون:           (بغضب) بل انتم من انتزعتموه. ليس هو من يصنع لكم الفرح. ولست أنا من سرقه.

لاما:             هل تريد أن نذكرك بما فعلته؟. لا ننسى أبداً ما فعلته بالمدينة، وبالمسكين.

حيرام:          وأنا لن أنسى حين كسرت أحلامنا. أنا وشباب المدينة الآخرين. أتذكر حين منعتنا من أن نتعلم صناعة الفرح؟. إن كنت نسيت، فنحن لا ننسى.

إظلام

 

 

 

المشهد الثالث

قبل سنوات.. ساحة المدينة، حيث يتجمع الناس ومنهم أشميم وأميون وآرام وبقية أهل المدينة، نساء ورجالاً.. المدينة مزينة بالأنوار والألوان، موسيقى فرح تتعالى.. الناس يرقصون على الموسيقى. في العمق نشاهد صانع الفرح يعزف على آلة موسيقية موسيقى فرح. يتفاعل أهل المدينة معه، ويغنون معه أغنية

ص. الفرح:     (يغني) السعادة، حين يكون القلب بلا أعباء

بلا قلق أو خوف.

وحين تطير بك خفة روحك للغيم

وليس ثمة من يغضب منك

ويكون لديك يد تحنو، وتمسح دمع العين

السعادة، حين يكون المطر شفيفاً في عينيك

وأشعة شمس نهاراتك غافية فوق مداك

كحلم لا يقظة منه

حين ترى الدنيا كأزهار الشمس

اغمض عينيك وسافر عبر الحلم

سترى أنك صرت سعيدا

يقترب أدون مع التاجرين، من الناس.. أدون يبدو عليه الغضب

أدون:           (للتاجرين) ما الذي يفعله هذا البغيض؟.

التاجر1:        أغنية رائعة، كلماتها محفزة أيضاً.

أدون:           (للتاجر1 بغضب) أأنت معنا أم معهم؟.

التاجر1:        (بارتباك) معك، لكني أعبر عن إعجابي بأغنيته.

أدون:           تعجب بأغنية، ثم تعجب بما يفعله. ثم تكون تابعاً له. ستكون أكثر المتضررين منذ لك.

التاجر2:        ما الذي سنفعله؟. هل سنقف مكتوفي الأيدي وهو يفسد أخلاق أهل المدينة؟.

أدون:           حين نسكت عنه، سيتوقف الناس عن العمل. سيتفرغون لتفاهاته. لم تجدا من يعمل معكما. وستغلق حوانيتكم. أنا حذرتكم مراراً. لكني لم أتصور أن أحدكما يعجبه ما يفعله.

التاجر1:        (مرتبكاً) آسف. أنا معك في كل ما تخطط له.

أدون:           لا بد أن يتوقف كل هذا الهراء، لن ندري كيف سيتمادون وإلى أين سيصلون بكل هذا. إنهم يغبون السيد العظيم.

التاجر2:        اصدر وصيتك ضده، الناس يتبعونك. ألست حارس أخلاق مدينة امانوس؟. ألست من يهتدون بوصاياك؟.

أدون:           لن أقف عاجزاً، وصيتي واضحة للجميع، ما يفعله مخالف لنظام أخلاقنا. الموسيقى والتشخيص من المحرمات.

في أثناء حديث أدون والتاجرين تستمر حركة الناس ورقصهم على صوت الموسيقى. تتوقف الموسيقى، يقف صانع الفرح وسط الناس.

ص.الفرح:      يا أهل مدينتي، ما زال هناك مزيد من الفرح. مزيد من المتعة. سأقدم لكم مفاجأة جديدة.

يبدو على الناس الترقب ..

ص.الفرح:      لن أكون وحدي صانع الفرح، من بينكم شباب يضجون حياة، سيصنعون لكم الفرح أيضاً. شباب مدينتكم سيشخصون الحكاية، لن أشخصها وحدي كما اعتدتم، ففي مدينتكم صناع فرح آخرين. حيوهم.

يتعالى التصفيق، ويدخل حيرام ولاما ارتديا ملابس التشخيص استعداداً لتمثيل الحكاية. ينسحب صانع الفرح قليلاً ليترك المجال للشباب، يبدو الغيض واضحاً على أدون. يبدأ الشباب بتمثيل الحكاية. حيرام يقف وهو ينظر حوله، يبدو عليه الضيق.

حيرام:          (بأداء مسرحي مفتعل) لقد أصبح البيت قديماً. مرت سنوات طويلة منذ قطنه جدي ثم أبي، ثم وصل لي. لا بد من بيعه وشراء بيت جديد.

تدخل لاما مشاركة في تمثيل الحكاية

لاما:             (تمثل شخصية زوجة حيرام) ماذا تقول يا زوجي؟. تبيع البيت؟. وأين سنقطن إن بعته؟.

حيرام:          نبحث عن بيت آخر، بيت أجمل من هذا البيت. صرت أكره هذا البيت، يشعرني بالضيق كلما دخلته. ألا ترين بيوت جيراننا كيف هي. بيوت حديثة، ألوان زاهية، أشجار خضراء.

لاما:             وبيتنا لا يختلف عن بيوتهم. فقط لو أنك ترضى بما عندك. أتريد أن تغرقنا في ديون لا طاقة لنا بها من أجل بيت جديد؟.

حيرام:          أنا مصمم على بيعه. لن أتوانى عن ذلك.

لاما يبدو عليها الضيق

حيرام:          سأذهب لصديقي حتى يعلن عن البيت وبيعه.

يبدو الاهتمام واضحاً على الجميع وهم يتابعون ما يقدمه حيرام ولاما. حتى التاجران وأدون يتابعون باهتمام. لكن فجأة ينتفض أدون.

أدون:           (يصرخ) لا بد من إيقاف هذه المهزلة. لقد أفسد عقول شباب مدينتنا.

التاجر1:        دعهم يكملون الحكاية ولا تفسدها علينا.

ينظر بغضب للتاجر1 ثم يقترب منقضاً على صانع الفرح

أدون:           ما الذي تفعله أيها البغيض؟.

ص.الفرح:      (باستغراب) أتقصدني يا سيد أدون؟.

أدون:           ومن غيرك. لقد افسدت أخلاق أهل أمانوس بتفاهاتك. موسيقى وأغاني ورقص وتشخيص. أعندك أكثر من ذلك؟.

أدون:           أنا فقط اصنع لهم الفرح. أيؤذيك ذلك يا سيد أدون؟.

أشميم يقترب من أدون وصانع الفرح.

أشميم:          ما بك يا سيد أدون. لقد قطعت علينا متعة مشاهدة تشخيص الحكاية.

أدون:           (بغضب) ألا تخجل يا رجل من مشاركة الناس هذه التفاهات. كأنك طفل صغير. أو شاب غر.

أميون:          وهل ننهي أعمارنا بعد أن نكبر؟. ألا يحق لنا أن نفرح كما يفرح الناس. ثم ما بك غاضب وتزفر يا سيد أدون. أنت حارس الأخلاق لا يجدر بك أن تنفعل وتغضب هكذا.

أدون:           (يتصاعد غضبه) أتريد أن تعلمني ماذا أفعل؟. أنا من يعلمكم. أنا حارس أخلاق المدينة. ولا بد أن تتبعوا وصاياي لا أن تخالفوها. مخالفة وصاياي من المحرمات التي تغضب السيد العظيم.

آرام:            نحن لم نرتكب خطيئة. فقط نبحث عن بعض فرح.

أدون:           ما يفعله هذا (يشير لصانع الفرح) هو أس الخطيئة. أنتم لا تعلمون ما سيجره عليكم من عذابات. إنكم تتمادون.

حيرام:          لم نفعل شيئاً يسئ للأخلاق. كنا نغني ونرقص، ثم أن صانع الفرح علمنا أن نشخص الحكايات.

لاما:             هي حكاية فيها من العبرة الكثير، لو تركتنا نكملها.

ص.الفرح:      دعنا نكمل الحكاية يا سيد أدون، ولك ما تريد إن وجدت فيها ما يسئ.

أدون:           (بإصرار) بل يجب أن يتوقف كل هذا. يجب أن تطفأ الزينات، ويتوقف صوت الموسيقى. عودوا لبيوتكم وإلا انتظركم العذاب من السيد العظيم.

يبدأ بعض الناس بالانسحاب من المكان.

التاجر2:        إن ما تفعلونه يضر بأعمالنا. إنكم تسهرون وتأتون بلا مزاج للعمل.

التاجر1:        يضركم أنتم أيضاً، يضر أرزاقكم. لا تقفوا مع هذا الرجل الذي لا هم له سوى المتعة. والمتعة أمر زائل.

ينسحب الباقي من الناس.

ص.الفرح:      حتى لو كانت متعة زائلة، لكنها تنفخ في الناس أرواحاً جديدة. ستجدهم يحبون عملهم ويفرحون به. إنها علاج للأرواح الكئيبة.

أدون:           لا تتمادى كثيراً. يجب أن توقف هذه المهزلة.

ينظر للناس من حوله.

ص.الفرح:      ما الذي يؤذيك في أن يفرح الناس. لماذا تحتجون بالأخلاق وبالسيد العظيم؟. لم أفعل ما يسئ، ولم يفعل الناس ما يسئ. لا تكون وصياً على الناس يا سيد أدون. أنت حارس الأخلاق. علمهم الأخلاق، لكن لا تنزع منهم حقهم بالفرح. أنت تخوفهم بالعقاب، بدل أن تحببهم بالثواب.

أدون:           (بغضب شديد، وبلهجة مهددة) ما هذا التمادي؟. كأنك تريد أن تلقنني درساً في الأخلاق يا عديم الأخلاق.

ص.الفرح:      لا، لست أهلاً لأعلمك. لكن أنبهك فقط أن للناس حاجة. حاجتهم أن يفرحوا. لا تجعل الحياة كئيبة بحجة الأخلاق، رمادية بلا معنى.

التاجر2:        وهل ما تفعله يعطي للحياة معنى؟.

أشميم:          أنا أرى أنها أعطت لحياتنا معنى. صرنا نحب الحياة أكثر، نستمتع بكل دقيقة تمر فيها.

حيرام:          يا سيد أدون، كلنا بحاجة لفرح. فلا تحرمنا منه. نحن نحبك ونحترمك. فأنت حارس أخلاق المدينة المؤتمن عليها.

لاما:             أحببنا التشخيص، فرحنا أننا تعلمنا كيف نشخص الحكايات. لا تكسر فرحتنا يا سيدي.

أدون:           امرأة تشخص الحكايات على مرأى الناس. أنحن في آخر الزمان؟. المرأة مكانها بيتها، غداً تتزوجين وتنجبين وتربين أطفالاً. مالك والتشخيص. ألا تسمي هذا إفساداً يا هذا؟. ألا تسميه خطيئة؟. هيا، غادروا المكان. وأنت إن لم تكف يدك النجسة عن الناس، فسأقطعها لك. ولن يكون لك مكان هنا.

إظلام سريع. ثم يسمع صوت الناس وهم ينادون

صوت1:        حريق، النار التهمت بيت صانع الفرح.

صوت2:        حريق.. يا ناس، حريق..

صوت3:        حريق.. حريق..

تتكرر الأصوات وتتعالى.. ثم يضاء المكان على نفس المنظر السابق. يدخل الناس وعليهم يبدو آثار الحريق. وبعض الحزن. يدخل صانع الفرح وقد بدا منكسراً، وعليه آثار الحريق ..

ص.الفرح:      (منكسراً حزيناً) لم يبق من بيتي أي أثر، النار دمرت كل شيء. حتى وآلاتي الموسيقية، ملابس التشخيص.. كلها احترقت. لم يبق لي شيء.

أميون:          (يربت على كتبه مواسياً) لا تحزن، سيعود كل شيء كما كان.

آرام:            سنعوضك عن كل ما خسرته. ستعود صانع فرحنا.

ص.الفرح:      لن أعود كما كنت. لقد هزموا الفرح ولم يعد يهمني أن أصنع فرحكم. أيام وأنا أواجه وصية حارس الأخلاق وسلطته وحدي. لم يدافع عني وعن الفرح أحد، تركتموني وحدي.

أشميم:          الناس يخافون عقاب وعذاب السيد العظيم. يتبعون حارس الأخلاق ووصاياه. لا تلمهم.

ص.الفرح:      أنا لا ألومكم. لا ألوم أحداً

يقف ويهم بالمغادرة. يقترب منه حيرام

حيرام:          إلى أين؟.

ص.الفرح:      لم يعد لي مكان هنا. لقد وصلت الرسالة.

لاما تقترب منه وآرام

لاما:             أي رسالة. ثم من قال أن لا مكان لك هنا. بيوتنا كلها مفتوحة لك. اختر أي بيت من بيوت المدينة.

آرام:            تعال إلى بيتي، إنه كبير ويكفينا.

صانع الفرح يهز رأسه سلباً ويغادر مكسوراً.. ينظر له الناس بحزن وهو يغادر.

أشميم:          (لأميون) لقد فعلوها.

أميون:          ربما يكون الأمر صدفة. ولا علاقة لهم بالحريق.

أشميم:          أنا واثق بأنهم من أحرقوا بيته. لماذا يفعلون بنا ذلك؟.

آرام يقترب منهم.

آرام:            أتسأل لماذا؟. لأنهم يريدوننا تحت إمرتهم. يخوفوننا بالعذاب والعقاب، فنأتمر بأمرهم. يريدوننا توابع لهم لا أكثر، ويحرموننا من بعض فرح.

حيرام:          وستتركونه يغادر المدينة؟.

لاما:             لا تتركوه يذهب. نحن نستأنس وجوده، لقد كان صانع فرحنا.

أشميم:          لا أظن أن له عودة. لن يعود، وأخاف أن يغادر الفرح معه. فلا يكون له مكان في مدينتنا.

يبدو عليهم جميعاً الحزن والانكسار.. ثم إظلام

المشهد الرابع

في مكان قصي عن المدن، خاوي من أي شيء. يدخل أهل المدينة الذين غادروا للبحث عن صانع الفرح. أشميم وأميون وآرام وهم عليهم تبدو آثار السفر والتعب. يدخلون بأكياس سفرهم التي اهترأت. يضعونها على الأرض. يتفقدون المكان.

أشميم:          لنتوقف هنا. نرتاح قليلاً قبل أن نواصل الترحال من جديد.

أميون:          لقد أنهكنا الترحال يا سيد أشميم، ولا أثر لصانع الفرح.

يدخل التاجر1 وعليه يبدو التعب والانهاك.. يصل أليهم يرمي كيس سفره على الأرض.

التاجر1:        يبدو أننا نبحث عن وهم، وليس شخصاً غادر المدينة وغادر معه الفرح. أي مكان أستقر فيه؟.

آرام:            لم نترك مدينة إلا دخلناها، ولا قرية صغيرة إلا بحثنا فيها عنه، بحثنا في كل جبل وسهل.

التاجر1:        لقد سئمت البحث، ظننت أن الأمر لن يستغرق طويلاً. تركت حوانيتي تجارتي بلا أحد يرعاها. ما الذي دعاني لمرافقتكم وخسران كل شيء من أجل وهم.

أميون:          كلنا تركنا زوجاتنا وأطفالنا وأعمالنا من أجل البحث عن رجل صنع لنا الفرح. ثم تركناه يواجه النفي والحرق وكنا نتفرج. لم نحرك ساكناً.

أشميم:          أنا مؤمن بأننا سنجده، سنجده في مكان ما. ونعيده لمدينتنا حتى نعيد الفرح الغائب.

التاجر1:        وأين يكون. ثم ألم تلاحظوا أن أغلب المدن التي مررنا بها، لا يعانون ما عانينا. كان الفرح سائداً بينهم، الموسيقى تتعالى والأغاني. الأضواء والليالي الملونة. ولم يكن صانع الفرح بينهم.

آرام:            ربما مر بهم. أو ربما يكون عندهم صناع فرح آخرين. لقد غادرنا ولم يحل محله أحد.

أشميم:          كان يمكن أن يكون لدينا صناع فرح. أتذكرون حينما بدأ حيرام ولاما تشخيصهم للحكاية التي لم تنته. ولم نعرف تفاصيلها.

التاجر1:        أتذكر حين أفسد السيد أدون أمسيتكم. وخوفكم بالعذاب.

أميون:          لم ننس. لو أكمل الشباب الحكاية، لأكملوا مسيرة الفرح. لكن السيد أدون وأد المسيرة في بدايتها.

أشميم:          (بحماس) المهم، أننا لن نقعد هنا نندب حظنا ونتذكر الماضي وما كان. أمامنا مسيرة ترحال. لا بد أن نجده. لا بد أن نعود به، ليوزع في المدينة الفرح.

آرام:            لكننا مررنا على كل المدن القريبة تقريباً. أين سيأخذنا الترحال أكثر؟. ثم أن مدينتنا باتت قريبة من هنا. أظن أن العودة أفضل.

أشميم:          هل تعبت يا آرام؟. تعهدنا أن لا نعود إلا به.

آرام:            (يتنهد) نعم تعبت. لن أجاملك يا سيد أشميم. تعبت. وسئمت أيضاً. لأكثر من شهرين ونحن نجول من بلد لبلد ولا أثر للرجل. هل سنواصل الترحال لنزور كل بلاد الدنيا؟.

أميون:          ترحالنا من أجل أطفالنا، من أجل مدينتنا. من أجل أن نعيد لها الروح والحياة. نعيد لها الفرح.

آرام:            أعرف، لكن تبدو مهمتنا مستحيلة. ربما أكون تعودت على الحزن منذ غاب. وما عدت راغباً حتى في الفرح الذي نبحث عنه. أريد العودة للمدينة. أعود لحياتي وعملي، حتى دون فرح.

التاجر1:        (يتنهد) وأنا أشاطرك ذات الرغبة. لا بد من العودة لأن لا أمل في لوصول إليه.

أشميم:          لم اليأس؟.

التاجر1:        أنا يئست لأني تركت أعمالي وتجارتي وحوانيتي. أحتاج لأشهر طويلة لأعوض غيابي.

أميون:          (بحدة) ومن أجبرك على أن ترافقنا؟. كنت اشريك معهم في مأساتنا. كنت ممن حرضوا على صانع الفرح مع السيد أدون. ورافقتنا الآن طوعاً. كان لك أن تبقى مع السيد أدون وصاحبك الآخر.

التاجر1:        نعم، جئت طوعاً لأني ابن المدينة التي هالني أن أجدها بوجه حزين. وجه رمادي لا حياة فيه (منكسراً) نعم، كنت شريكاً في ما حدث. وتراجعت، ندمت على ما فعلته. ورافقتكم طوعاً. لكني هزمت الآن. نحن نبحث عن لا شيء يا سادة.

آرام:            بدأت أدرك أننا نبحث عن لا شيء. مثلك جئت طوعاً، جئت أبحث عن خلاص، تركت أمي المرأة العجوز وزوجتي وطفلي الصغير. كان قاسياً أن أراهم بلا حتى ابتسامة هاربة. بلا ضحكات، تصوروا أن ترى طفلاً متجهما بلا فرح. أي قسوة تلك التي كنا نحتملها.

أشميم:          كلنا سواء. كأن المدينة مرضت، حمى أو مرض عضال لا شفاء منه, أنا زففت ابني بلا زغاريد فرح. كلكم شهدتم عرس حيرام على لاما. ما الذي وارى حتى الشعور بالسعادة؟. شعور ولو طفيف. ابتسامة طفيفة تجعلنا نؤمن بأن ثمة أمل.

أميون:          (بحدة) ما بالكم أنتم. تندبون حظكم، ألا يكفي ما بنا. اختارنا أهل المدينة كي نعود لهم بصانع الفرح. هل ستخيبون ظنهم؟. هل سنعود مكسورين. أنا لا أستطيع، لقد قطعت وعداً لكل من أعرفه، أهلي وجيراني، أن أعود لهم بسلال معبئة بالفرح. بالابتسامات. بالبهجة التي لا تنتهي. لن أعود بدون صانع الفرح. لن أعود مكسوراً وأنا لم أعتد أن أنكسر.

أشميم:          لنسترح الآن، ثم نفكر. هل نواصل البحث. أم نعود أدراجنا للمدينة.

أميون:          أنا لن أعود. قلت أني لن أعود مهزوماً. سأواصل البحث حتى نهاية عمري. لن أعود بلا فرح.

التاجر1:        يحتاج الأمر لتفكير عميق، هو قرار فاصل. بين الهزيمة والانتصار (يمسك بطنه) أنا لا أستطيع التفكير وأنا جائع. لنأكل ونرتح قليلاً (يقف) سأبحث لكم عن طعام، في المدينة القريبة، الحوانيت ما زالت مفتوحة.

آرام:            سآتي معك.

أميون:          (بريبة) هل في الأمر هروب؟.

آرام:            (مدافعاً) لا، لو كان في الأمر هروب. لتركناكم دون مواربة أو خوف.

التاجر1:        (لأميون) يمكنك يا سيد أميون أنت تذهب أنت وتحضر لنا الطعام (يجلس على ارض) وها أنا أنتظرك هنا.

آرام يجلس بجانب التاجر1

آرام:            وها أنا أيضاً أنتظرك يا سيد أميون، بما انك تشك أننا سنهرب. هل لك أن تبحث لنا عن طعام في المدينة؟.

يبدو أميون متورطاً وهو ينظر لأشميم

أشميم:          أنا متعب ولن أرافقك. وحدك ستجلب لنا الطعام (يجلس) وها أنا سأجلس معهم أيضاً منتظرين الطعام. هيا تحرك، نحن جائعون.

يخرج أميون غاضباً. بعدها ينظر أشميم وآرام والتاجر1 لبعضهم البعض. وعلى وجه التاجر1 الاستغراب

التاجر1:        أليس الأمر مثيراً للغرابة؟.

تبدو على وجيههما ملامح التساؤل

التاجر1:        ما حدث فيه من الطرافة ما يجعلنا نضحك. نبتسم على الأقل. لكن لم نطلق ضحكة ولا ابتسمنا.

أشميم:          فعلاً، لو كان أحد غيرنا لضحك من هذا الموقف. لكننا فقدنا حتى طاقة الضحك حين فقدنا الفرح.

آرام:            كنت أنظر لأهل المدن التي نمر عليها بالغبطة، إنه يفرحون، يضحكون، يبتسمون.. لا مشكلة لديهم. يعبرون عن مشاعرهم دون أن يمنعهم مانع.

التاجر1:        أكان صانع الفرح يحمل مفاتيح سعادتنا وغادر بها؟. لا أدري ما الذي حل بالمدينة وأهلها؟.

أشميم:          أشتاق للماضي، لأمسيات الفرح والأغاني. كنا نام برأس خال من الهموم. وسائدنا كانت كغيمة تطيرنا لسماء بعيدة. لكن منذ أن غادر صانع الفرح، صارت وسائدنا غمامة هم.

آرام:            لقد اشتقت لأمي وطفلي وزوجتي، اشتقت لأهلي وجيراني. لكل الصورة العالقة في رأسي، وهم يضحكون ويبتسمون. لكني لا أريد أن أعود لهم بلا أمل، بلا سلال فرح. عبأها لنا صانع الفرح الغائب (يزفر حزنا)  كله بسبب أدون ووصاياه.

أشميم:          إنه يمارس سلطته علينا كحارس للأخلاق. يصدر وصاياه وعلينا أن نتبعها دون مناقشة. دون اعتراض (يتنهد) ربما انطلت علينا نحن الكبار، وصاياه. لكنها لن تنطلي على الصغار.

التاجر1:        إنهم أكثر تحرراً منا، لا يخشون. يجادلون دون خشية. خاصة بعد أن ثبت خطأ وصيته. وكيف جلبت للمدينة الوبال.

أشميم:          أظن أنه فقد سلطته. ومتأكد من ولدي حيرام، سيقاوم هذه السلطة، هو ولاما.

يدخل أميون لاهثاً.. مصدوماً، ينتبهون له، ويقفون.

أشميم:          ما بك، أين الطعام؟.

آرام:            أميون، ما بك تلهث؟. هل حدث مكروه؟.

أميون:          إنه.. إنه.. هو

التاجر1:        (بصدمة) ماذا؟.. صانع الفرح؟.. هل أنت جاد؟.

أميون يهز رأسه إيجاباً.. يتجهون جهة دخول أميون، يفاجئهم صوت من الخارج.

الصوت:         (ينادي) حلوى، حلوى لذيذة.. تصنع يومك، قطعة واحدة تأخذك إلى عالم من الأحلام والسعادة، حلوى لذيذة.. هيا قبل أن تنتهي سلتي من الحلوى.

يدخل صانع الفرح وقد تغير شكله، إنه بهيأة بائع حلوى. وفي يده سلة مليئة بالحلوى. يقترب من أشميم.

ص.الفرح:      (وهو يمد له قطعة حلوى) جربها يا سيدي، لن تندم. ستشعر أن الفرح دخل من فمك وتوزع لكل أجزاء جسدك. ستشعر أنك في عالم من الألوان والفرح. جرب.

آرام:            (لأميون) لقد خرفت يا رجل. أين صانع الفرح؟، هذا بائع حلوى.

أميون:          (وهو يلهث) هو، هو .. أنسيتم ملامحه؟. هو، لقد لمحته عند مدخل المدينة. طلبت منه أن يرافقني إلى هنا.

التاجر1:        هل أنت صانع الفرح؟.

ص.الفرح:      لا، أنا بائع الحلوى. ألا ترى؟، سلتي مليئة بالحلوى اللذيذة.

أشميم يتمعن في ملامح صانع الحلوى، تبدو الدهشة عليه.

أشميم:          هو، نعم .. هو. لم تتغير ملامحه، أين أنت يا رجل؟.

ص.الفرح:      ها أنا، أبيع لأهل المدينة الحلوى. حلوى بطعم الفرح. جربها. ستضحك، ستعلو وجهك ابتسامة عريضة. جرب (يقدم له الحلوى).

آرام:            ما الذي غيرك؟، كنت صانع فرح، فأصبحت بائع حلوى. ثم أني لمحتك أكثر من مرة في أكثر من مدينة. ولم أفطن أنك هو. صانع الفرح الذي تعبنا ونحن نبحث عنه.

ص.الفرح:      لا أعرف صانع الفرح الذي تبحثون عنه. ربما هو يشبهني. ثم أن لا أحد يصنع الفرح ويبيعه كالحلوى.

أميون:          لقد تعبت معه طوال الطريق. إنه مصر بأنه مجرد بائع حلوى. ونحن مصرون أنك صانع الفرح. تتنكر لنا بعد كل ما فعلناه بك. أليس كذلك؟. أنت غاضب منا؟.

ينظر صانع الفرح لهم لبرهة، وهو يفكر، ثم يبتسم

ص.الفرح:      أنا لا أغضب. تعلمت أن أصفح. تعلمت أن أنسى.

أشميم:          لكنك تتناسى. تتنكر. لا تريد أن تتذكرنا وأنت ابن مدينتنا.

ص.الفرح:      (يضحك) ليس الأمر كما تظن يا سيد أشميم. نعم، أنت أشميم. وأنت أميون، وآرام، والتاجر الكبير. كلكم، أتذكركم، لاما وحيرام وشباب المدينة. وأدون. أدون الذي نفاني من مدينتي.

آرام:            (يتنهد) إذا لماذا تتنكر بهيأة بائع حلوى؟.

ص.الفرح:      أنا لا أتنكر، أنا أبيع الحلوى اللذيذة. الحلوى التي…

أشميم:          (يردد وهو يقلد صانع الفرح) الحلوى اللذيذة.. التي تصنع يومك، قطعة واحدة تأخذك إلى عالم من الأحلام والسعادة، حلوى لذيذة.. هيا قبل أن تنتهي سلتي من الحلوى. نعرف ذلك. نحن بحاجة إليك. بحاجة لعودتك للمدينة.

التاجر1:        منذ غادرت، غادر الفرح معك. سطا الحزن على المدينة وأهلها، تعلق على جدرانها. ما برحها ولو لحظة (باستجداء) عد أرجوك.

آرام:            أنت ابن مدينتنا. أيرضيك أن يغيب الفرح عنا؟. لم نضحك، لم نبتسم حتى منذ غادرت.

ص.الفرح:      (باستغراب) وما علاقتي بالأمر؟.

أشميم:          (بحدة) ألست صانع الفرح؟، ألست من حولت أمسياتنا لضحك وموسيقى؟.

ص.الفرح:      نعم. أنا، ولكني اخترت الآن أن أبيع الحلوى. صناعة الفرح لا تطعمني ولا تطعم أطفالي. غادرتكم أبحث عن مدينة تفتح حضنها لي، صنعت للناس الفرح، شخصت لهم الحكايات. لكن لم أكن أحصل على ما يكفيني. الحلوى أجدى. أكثر نفعاً وتملأ جيبي مالا. كما تملاً بطون الناس.

أميون:          سنعطيك ما تريد، سنملأ جيوبك مالا إن عدت. نحن بحاجة للفرح يا رجل. لا تبخل علينا.

ص.الفرح:      ولماذا تنتظرون أحداً يصنع فرحكم. لماذا تنتظرون صانع الفرح، تغادرون مدينتكم وتبحثون عنه. هل وجدتم في المدن التي مررتم بها من يصنع لهم الفرح؟.

يهزون رؤوسهم سلباً 

ص.الفرح:      كنت أرافقكم دون أن تشعروا، من مدينة لأخرى. أراقب نظراتكم وهي تتطلع بحسرة لفرح الناس. كنت أنتظر أن تكونوا مثلهم. هم وجدوا الفرح دون أن يصنعه لهم أحد. كنت أنتظر ما ستنتهي به هذه الرحلة، هل ستجدون صانع الفرح الذي تبحثون عنه. بينما كان لا بد أن تبحثوا عن الفرح نفسه. ابحثوا في دواخلكم عن الفرح. ستجدونه.

أشميم:          كيف وهو غادر مدينتنا؟.

ص.الفرح:      لكنه لم يغادر دواخلكم. هناك، ينتظر من يخرجه. كل من مررتم بهم، أخرجوه، خرج على شكل ضحك وابتسامات وموسيقى. على شكل حكايات مشخصة.

أميون:          كيف نخرجه ووصايا أدون تمنعنا؟.

التاجر1:        إنه يخوفنا بعقاب السيد العظيم.

ص.الفرح:      لأنكم خائفون، جبناء. لم تواجهوه. كان يتسلط عليكم بوصاياه. حرمكم الحياة.

آرام:            وما الذي سنفعله الآن؟. هل ستأتي معنا؟.

ص.الفرح:      لا، وكيف أترك حلواي، أنا ابيع الحلوى اللذيذة.

آرام:            لكننا نتوق لأمسياتك. لموسيقاك، لتشخيصك للحكايات.

ص.الفرح:      تعلموا انتم صناعة الفرح. تعلموا الموسيقى والتشخيص. تعلموا صناعة الحياة.

أشميم:          علمنا إذا. علمنا كيف ننقب عن دواخلنا لنستخرج الفرح.

التاجر1:        نعم، علمنا. علمنا مما عندك. علمنا يا صانع الفرح.

أميون:          نعرف أنك لن تخيب ظننا، ولا ظن أطفالنا. إنهم أطفال مدينتك.

صمت وانتظار لبرهة، ينظرون لصانع الفرح الذي يقف حائراً.

ص.الفرح:      (ينادي وهو يبتسم) حلوى، حلوى لذيذة.. تصنع يومك، قطعة واحدة تأخذك إلى عالم من الأحلام والسعادة، حلوى لذيذة.. هيا قبل أن تنتهي سلتي من الحلوى.

 

إظلام

 

 

 

 

المشهد الخامس

ساحة المدينة، الوقت نهاراً، يتجمع أهل المدينة ومن بينهم حيرام ولاما. يسمع صوت موسيقى قادمة من بعيد.

حيرام:          (للاما) لقد عادوا بصانع الفرح. ستعود للمدينة ضحكتها.

لاما:             (بحماس) لقد فعلوها. بعد اشهر انتظار عادوا.

يبدو الحماس باد على أهل المدينة. في انظار دخول الغائبين. يدخل التاجر2 وأدون.

أدون:           ما الذي يحدث؟، لم كل هذا الضجيج؟.

حيرام:          ليست ضجيجاً إنها موسيقى العودة. لقد عادوا به. سيغير وجه مدينتنا الحزين. عادوا بصانع الفرح.

أدون:           (غاضباً وبعصبية) لن أسمح له بالدخول إلى مدينتنا.

حيرام:          ومن أنت لتسمح أو تمنع؟. هل صدقت أنك وصي على الناس؟. سيدخل، وسيدخلون معه.

أدون:           (مصدوماً) ما الذي تقوله؟. ما هذه الجرأة؟.

لاما:             لقد سئمنا سلطتك. أما يكفي الخراب الذي جلبته للمدينة؟.

أدون:           ما الذي تقولينه أنت؟.

لاما:             الكلام الذي كان يجب أن يقوله آباؤنا لك. وها نحن نقوله لك.

التاجر2:        عيب عليك يا إمرأة، إنه رجل أكبر منك، ثم إنه حارس الأخلاق؟.

حيرام:          العيب ما يفعله. حارس الأخلاق يجب أن يكون خلوقاً. وهو يعامل الناس كتابعين له. أهذه هي الأخلاق؟.

لاما:             لم تعد لك سلطة علينا. سيدخل صانع الفرح معهم. سنستقبله. سيعيد لنا الفرح الذي سلبته.

أدون:           (يدعو بخوف باد) سامحهم سيدي العظيم. إنه صغار ولا يفقهون شيئاً

يصمت أدون غاضباً.. وهو ينظر لدخول الرجال، يدخل آرام وهو يعزف على الآلة التي كان يعزف عليها صانع الفرح، يعزف آرام وعلى وجهه ابتسامة عريضة. يدخل خلفه التاجر1 وأميون وأشميم وهم يصفقون فرحين. يصلون لوسط المسرح وسط استغراب الناس. يبحث حيرام خلفهم، ويعود إليهم. يوقف العزف متسائلاً

حيرام:          وأين صانع الفرح؟. ظننا أنه هو من يعزف الموسيقى.

آرام:            (بفرح) نحن صناع الفرح. وأنت أيضاً ستكون صانع فرح، كلكم صناع فرح.

لاما:             لم نفهم. عدتم وملامحكم تغيرت. تضحكون، تصفقون فرحاً لكن لا يرافقكم صانع الفرح.

أشميم:          وأنت أيضاً يا لاما، ستضحكين وتفرحين. وكل أهل المدينة. كلهم. سيعيدون بأنفسهم فرحهم الغائب.

حيرام:          لم افهم يا أبي؟.

أدون غاضباً يقف في وجه أشميم

أدون:           ما الذي تفعله يا رجل. رجل في عمرك، تضحك وتصفق كشاب أرعن.

أميون:          (لأدون) ما الذي يوجعك في فرحنا؟. يكفي ما فعلته. يكفيك تسلطاً. لم تعد حارس الأخلاق. ولم نعد نهتم بوصاياك.

أدون:           (يصرخ فيهم) ما بكم. لماذا انقلبتم هكذا. لماذا تغيرتم ولم تعودوا تعتدون بوصاياي. ألا تخافون عذاب السيد العظيم؟.

التاجر1:        لم نعد نخافك أنت ولا نخاف وصاياك. أرهقتنا وصاياك (للناس) هيا أيها الناس، انزعوا عن وجوهكم الحزن، وعن أرواحكم الهم. أبحثوا داخلكم عن الفرح. لقد بحثنا عن الفرح داخلنا ووجدناه.

حيرام:          وماذا عن صانع الفرح؟.

آرام:            أنا صانع الفرح، وأنت وكل الناس. حين نتعلم كيف نصنعه. كيف نجده. سنغير وجه هذه المدينة. سنعيد أمسيات الفرح فيها.

أدون:           (بسخرية) لم يعد معكم صاحبكم إذاَ. أكيد كيف سيعود وأنتم سكتم عن إحراق بيته، وإحراق أغراضه. سكتم عن نفيه من المدينة.

أشميم:          صحيح، سكتنا عما فعلته به. كما سكتنا على خنقك إيانا. لكنه علمنا كيف نفرح. لم يعد لأنه يريدنا أن نكون نحن. لا أن يكون فرحنا به. بل بنا نحن. بحبنا للحياة.

أدون:           (يصرخ) ستفسدون المدينة (التاجر2) هل ستسكت على هذا الأمر؟، ستبور تجارتك. لن تجد من يعمل في هذه المدينة الخانعة. مدينة الميوعة.

التاجر1:        بل سيعملون بحب، حين يفرحون، سيحبون الحياة، ويحبون العمل (للتاجر2) لا يا صديقي، لا تصدقه. ستجد الناس تواقون للعمل. لن تبور تجارتنا. بل بارت حينما تآمرنا على فرحهم.

لاما:             والآن ستعلموننا كيف نخرج الفرح الذي داخلنا. كيف نحيي أرواحنا به؟.

حيرام:          انتظرناكم طويلاً. انتظرنا أن تعودوا لنا بالفرح. فأين الفرح؟.

أشميم يقترب من حيرام، يشير لصدر حيرام

أشميم:          هنا يكمن الفرح. حين تخرجه ستنطبع على وجهك ابتسامة وضحكة.

حيرام:          كيف أخرجتم الضحك؟. كيف أخرجتم الموسيقى؟.

التاجر2 وأدون يبدوان يراقبان الأمر باهتمام.  

أميون:          اغمضوا أعينكم.

يغمضون أعينهم جميعاً.. يقترب التاجر1 وفي يده سلة حلوى يوزع الحلوى عليهم. يلقمهم إياها.

التاجر1:        إنها حلوى السعادة، امضغوها بهدوء. عيشوا لحظتها. تذكروا أطفال الحي وهم يضحكون ويفرحون، يجولون في طرقات المدينة، اسمعوا أصوات ضحكاتهم (يتعالى صوت ضحكات طفولية) تذكروا الأمسيات الجميلة، برقصها، بتشخيص حكاياتها بموسيقاها الجميلة (نسمع صوت الموسيقى وأصوات من أمسيات الفرح في المدينة) بددوا كل صور الحزن، تخيلوا أن الحزن غادركم كما غادركم الفرح.

يصل إلى أدون والتاجر 2 اللذين يغمضان أعينهما. ينظر لأشميم، يتبدلان الابتسامة. يضع الحلوى في فمهما

التاجر1:        تخيلوا أن الحلوى قصة فرح، تمضغونها فتصل لبطونكم، ثم تتوزع على كل جزء في أجسامكم. تصل إلى وجوهكم، ترتسم ابتسامة على هذه الوجوه المتعبة.

نسمع صوت الموسيقى من آلة آرام. الجميع يغمض عينيه. وعلى أصوات الموسيقى. يمضغون الحلوى بهدوء. لحظات وتبدأ الابتسامات تعلوا وجوههم. أشميم وأميون وآرام والتاجر1 يراقبون الجميع بفرح غامر.

أميون:          (بفرح وحماس) رائع لقد نجحنا، كما نجح صانع الفرح معنا. ما الذي أعمانا عن هذه الحقيقة. كيف لم نفطن لها؟.

أشميم:          أعمانا الخوف، أعمانا الاعتقاد بأنه وحده من يصنع الفرح.

التاجر1:        (ينادي) هيا افتحوا أعينكم

يفتحون أعينهم، يطالعون بعضهم بعضاً.. يضحكون.

رجل1:          إنك تبتسم، تضحك.. (يشير لرجل2) وهذا أيضاً.

رجل2:          (وهو يراقب كل الوجوه) كلنا نبتسم ونضحك.

حيرام:          (للاما وهو يبتسم ابتسامة حب) يا الله، وجهك صار أجمل يا لاما.

لاما:             (تضحك) وملامحك باتت مختلفة أيضاً يا حيرام.

أدون:           (مبتسم) إنه سحر. كيف لقطعة حلوى أن تبدد كل هذا الحزن؟.

حيرام:          هل في الحلوى سحر؟.

الرجل1:        لا بد أن يكون فيها سحر. كيف غيرتنا في لحظات.

الرجل2:        صحيح، لو ندري عن الحلوى والسحر الذي فيها لكنا جلبناها منذ شهور.

أشميم:          (معترضاً) لا، ليس فيها سحر. بل هي حلوى عادية. حلوى لذيذة.

أدون:           لا أظن، إنكم تمارسون السحر بهذه الحلوى.

التاجر1:        لا علاقة للسحر بالأمر، هي حلوى عادية، يبيعها بائع الفرح. حلوى لذيذة يصنعها بحب، ويصنعها بفرح.

لاما:             (باستغراب) ما الذي حدث إذاً؟. ما الذي غير كل شيء. مجرد حلوى وإغماضة.

آرام:            إغماضة أنستنا حزن المدينة، الحزن الطويل. وعشنا فيه لحظة ضحك الأطفال والأغنيات والموسيقى، لكن في الخيال. تخيلنا لحظة تشخيص الحكايات. كل هذا كان كفيلاً بجلب الفرح من مكمنه.

حيرام:          (يضحك باستغراب) كل هذا؟. ولماذا عانينا كل هذا الحزن، إذا كان الحل في التخيل؟.

لاما:             أرقنا الحزن، أشاب رؤوسنا. والفرح يكمن داخلنا، يحتاج لبعض تخيل.

أشميم:          بل يحتاج لإرداة، يحتاج لأن نكنس الحزن كما نكنس الغبار عن بيوتنا. أتذكرون أغنية صانع الفرح.

يسمع صوت أغنية صانع الفرح في المشهد الثالث

ص.الفرح:      (صوته يغني) اغمض عينيك وسافر عبر الحلم

سترى أنك صرت سعيدا

أدون والتاجر2 يتبادلان النظرات المستغربة.

أميون:          هذا ما علمنا إياه صانع الفرح. هو منكشف لنا عن سر الفرح الغائب. ستعود المدينة كما كانت. افرحوا، غنوا. شخصوا الحكايات. اجعلوا الأمسيات أطول. فلا بد أن نزيح كل ما علق في أرواحنا من حزن.

أدون يقترب من أميون مهدداً

أدون:           (بغضب) إلا الأغاني والتشخيص. اضحكوا وافرحوا. لكن لا تعودوا لكل التفاهات هذي.

حيرام:          (مصراً) بل سنعود. سنغني، سنملأ سماء المدينة أضواءً وأغاني. سنعيد للمدينة الحكاية التي منعتنا أن نكملها.. (للاما) هل أنت جاهزة يا لاما؟.

لاما:             (بسعادة) جاهزة يا حيرام. أنا لم أنس الحكاية.

أدون:           (غاضباً) أنتم تتحدون وصاياي ووصايا السيد العظيم. يا سيدنا العظيم إنهم يخطئون، فصب عليهم غضبك.

آرام:            بل سنندم إذا تبعناك. وتبعنا وصاياك. سنتبع وصايا قلوبنا. عقولنا. لم يمنع أحد في هذا العالم الفرح عن الناس. لا شريعة منعت الفرح. وأنت باسم شريعة الأخلاق تمنعه عنا.

لاما:             لا تخوفنا بعذاب السيد العظيم وغضبه، فهو أرأف بنا منك.

التاجر1:        كلنا الآن صناع فرح. أنا صانع الفرح.

أشميم:          وأنا صانع الفرح.

أميون:          وأنا صانع الفرح أيضاً.

آرام وحيرام:    (معاً) أنا صانع الفرح

يضحكان.

لاما:             وأنا أيضاً صانعة الفرح.

أدون:           تبعتم ذلك المنبوذ، خدعكم مرة أخرى.

أشميم:          لم يكن منبوذاً، بل أنت صرت المنبوذ إن لم تكن معنا.

التاجر1:        الخيار خيارك الآن. هل ستكون معنا لنحتفي بالفرح. أم ستكون منبوذا بلا أتباع. وستتبدد وصاياك؟       .

يقف أدون مذهولاً حائراً، بينما نرى التاجر2 يقترب من التاجر1 وكأنه انضم لأهل المدينة. إظلام تدريجي، ينطلق صوت الاحتفالات كما في المشهد الثالث.. صوت الموسيقى والأغاني، وصوت تشخيص الحكاية بمشاركة لاما وحيرام.. تتردد الأصوات وتتواصل حتى الظلام التام.

إظلام

 

26 يناير 2019

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s