موت على حافة لسان

الشخصيات:

سالم: شاب في العشرينيات من عمره، وهو صديق ساري وسهيل

سهيل: في المسرحية يظهر في مرحلة العشرينيات، وفي مرحلة الخمسينيات أيضا، هو صديق قديم لسالم وساري. متزوج ولديه ابن واحد.

ساري: في المسرحية يظهر في مرحلة العشرينيات وفي مرحلة الخمسينيات، هو صديق سهيل وسالم.

زوجة سهيل: امرأة شديدة وعصبية.

نصر: ابن سهيل، شاب عشريني، ويبدو ذو عقل راجح.

سارة: ابنة سارين عشرينية 

الكائنات الثلاثة

المشهد الأول

يضاء عمق المسرح على فضاء غرائبي مجرد المعالم، فضاء حلم، ثلاث كائنات برؤوس كبيرة (يمكن استخدام الأقنعة أو الدمى) بأقدام متشابكة مع بعضها البعض، يرقصون على صوت طبول بلا إيقاع متناغم، ويرددون كلمات غير مفهومة على صوت الطبول ويحركون رؤوسهم للخلف وللأمام. بعدها تضاء مقدمة المسرح على ثلاثة أشخاص في أعمار متقاربة، في العشرينيات، يرتدون ملابس بيضاء، وأياديهم مقيدة بحبال، وأفواههم مخاطة، يتحركون مع حركة الكائنات الثلاثة ويشكلون حركة إيقاعية، ولكن يبدو على الشباب الثلاثة ملامح المعاناة والمقاومة، يقاومون القيود التي في أيديهم. يحاولون الفكاك من القيود بالتزامن مع رقص الكائنات، يتمكن سالم بعد محاولات من فك قيده، ثم يحاول أن يفك فمه المخاط بكل ما أوتي من قوة، يستطيع فك فمه، يركض بفرح، لكنه يسقط على الأرض، يتكرر الأمر مع ساري، الذي يتمكن من فك قيده، ثم يفك فمه، يركض هاربا لكنه يسقط على الأرض، يراقبهما سهيل ويبدو عليه الخوف، يتوقف عن محاولة فك قيده، في نفس الوقت يزداد صوت الطبول وتتسارع أصوات الكائنات وتتداخل كل الأصوات مع صوت نبض متسارع، يغمض سهيل عينيه وينزل على الأرض وهو يتنفس بشكل متصاعد

إظلام

المشهد الثاني

يتواصل النبض المتواصل والتنفس المتصاعد، يضاء المسرح على غرفة بسيطة، فيها سرير في المنتصف ودولاب ملابس في أحد جوانبه، حيث ينام سهيل وقد بدا في عمر أكبر، يبدو خمسينيا الآن. على سريره وهو يتنفس بشكل متصاعد، فجأة يصحو من نومه مفزوعا

سهيل:           (يصرخ) لا، لا، لن أتكلم، لن أخبر أحدا أبدا

يقوم من سريره وهو مفزوع ويتحسس رقبته

سهيل:           (بخوف يردد) لن أتكلم، لن أقول شيئا، لن أتكلم

تدخل زوجته عليه وتراه على هذا الحال وتتجه له بقلق

الزوجة:         ما بك؟، حلم آخر؟

سهيل:           (ينتبه لزوجته) الأحلام تلاحق نومي، ترهقني.

تقترب الزوجة منه

الزوجة:         ولن تخبرني ما فحوى الأحلام؟

سهيل يحاول أن يهدأ ويجلس على طرف السرير

سهيل:           لا، لكني رأيته يسقط ميتا. لم يتبق سواي.

الزوجة:         من يكون؟

سهيل:           ثالثنا

الزوجة:         رأيته في الحلم، ولم يكن واقعا. ثم ما حكايتكم أنتم الثلاثة، ما سركم الذي خبأته عني كل تلك السنوات؟

سهيل:           (بإصرار) لا أستطيع الكلام.

الزوجة:         ولماذا؟، لا أفهم سر رفضك. منذ تزوجنا وأنت تحمل ذلك السر، لماذا لا تخبرني وتستريح؟

سهيل:           لأني لا أستطيع.

الزوجة:         أنا زوجتك، رفيقة عمرك، خزانة أسرارك.

سهيل:           إلا هذا السر.

الزوجة:         ما سر هذا السر؟ (تتنهد) أشفق عليك يا زوجي، أشفق على وجعك اليومي، من أحلامك. من سر يسكن في صدرك ويصبح جمرا يضطرم داخله.

سهيل:           حين أمل من هذه الحياة، وأتمنى الموت، ولا يعود للحياة من جدوى، سأكشف السر طواعية؟.

الزوجة:         وما علاقة الموت وجدوى الحياة بالسر؟

سهيل:           لأن كشف السر هو موتي. هو نهايتي الحتمية.

الزوجة:         غير صحيح، أنت تتوهم.

سهيل:           إنه اليقين وليس الوهم. لماذا تسمينه وهماً؟

الزوجة:         لأنه يسكن رأسك، ويكبر به خوفك. انسه، لا تفكر به، عش حياتك كما هي دون تبعات ذلك السر. الحياة جميلة ولا تفسدها بالخوف.

سهيل:           هي ما أفسدها، الأصوات التي لا تبرح رأسي. غناؤهم، قرع طبولهم..

يقاطعه صوت الطبول بلا إيقاع متناغم، وأصوات الكلمات غير المفهومة من المشهد الأول، يتوقف سهيل عن الكلام ويبتعد عن زوجته ويضع يديه على اذنيه حتى لا يسمع

سهيل:           (بخوف) لن أخبرها، لن أخبر أحداً أبدا. يكفي، يكفي، غادري رأسي، غادري ذاكرتي التي تهتكت بسببك، غادري.

الزوجة تنظر لزوجها بشفقة وتعاطف

الزوجة:         أخاف عليك أن تفقد عقلك

ينتبه لها ويتجه لها برجاء

سهيل:           ليتني أفقده، حتى لا أعرف من أكون، ولا أين أنا، شخص مجرد من كل الذكريات. ليتني أفقده. هل ثمة حيلة تفقدني عقلي لأستريح؟

الزوجة:         (بحب تربت على كتفه) لنسافر؟

سهيل:           إلى أين؟

الزوجة:         أي مكان، أي بلد ينسيك كل ما في رأسك. السر الذي يلح عليك ويخدش كل لحظة صفاء. أنا أتوق لزوجي حبيبي الذي كان. دعنا نسافر لأي مكان، ننسى.

سهيل:           أتظنين أن سفرنا سيكون نسياناً؟، أتظنين أن الحلم لن يراودني ولن يفسد نومي في أي مكان آخر؟

الزوجة:         بالتأكيد. جرب، ما الضير في أن نجرب.

سهيل:           (مستسلما) إذاً خذيني من هنا، سأسافر معك إلى أي مكان، لنغادر أرجوك. المهم أن لا تلاحقني الأصوات ولا الأحلام ولا الخوف.

الزوجة:         (وهي تمسك بيده محاولة تهدئته) ستنسى، ستبدد كل مخاوفك. ستدرك أنها مجرد أوهام، سنكمل حياتنا دونها. أمامنا العمر كله، فلا تفسد ما بقي لنا من عمر.

تبتسم له وهي تمسك يديه

الزوجة:         منذ تركت عملك ولازمت البيت، صار شاغلك تلك الأحلام. لم يعد يشغلك إلا هي. ما كان لك أن تترك عملك. لا بد أن تجد عملا آخراً حتى تبدد كل ما يسكن رأسك. ترى الناس وتسمع قصصهم. لا تبقى حبيس البيت تنتظر الكوابيس.

سهيل:           (أكثر هدوءً) سأفعل كل ما تريدينه، المهم أن أهرب من كل هذا الخوف.

الزوجة:         عندما كنت تعمل، كنت تعود منهكا، تنتظر طعامك وراحتك. تفرش البيت بالحكايات. كما أفرشه بالشوق لك. كانت الحياة أجمل. الحب والحكايات والضحك.

سهيل:           كلها راحت.

الزوجة:         بل أنت من تركتها تهرب من بين يديك. كان لك أن تقبض عليها هي، وتترك الأوهام تهرب منك.

سهيل:           (بأسى) مثلك أتوق للحظات الفرح، لحظات الكلام الذي لا يؤذي ولا يجرح. أتوق لنفسي التي كانت. لا أدري لماذا تغيرت وصرت شخصا آخراً لا أشبه ما كنته.

الزوجة:         لأنك ضعفت أمام الخوف (تمسح على رأسه بحب) دعنا ننسى، ننسى كل شيء.

سهيل:           سأحاول أن أنسى، من أجلي، من أجلك، من أجل ابننا.

الزوجة:         (بنوع من الدهاء) قبل ذلك، جرب أن تخبرني، ربما الكلام يساعدك..

سهيل:           (يقاطعها) لا استطيع، قلت لك مرارا لا.

الزوجة:         الكلام راحتك

سهيل:           الكلام مشنقتي

الزوجة:         (بيأس) لن أطلب منك الكلام مرة أخرى. المهم أن ترتاح وتهدأ نفسك.

يسمع صوت طرق على الباب، ينتبهان للطرق

الزوجة:         أكيد هو ابنك، لا تجعله يرى ملامح الخوف والقلق على وجهك

يهز سهيل رأسه إيجابا، ويمسح وجهه بكفيه

الزوجة:         تفضل

يدخل الابن وعليه ملامح الحزن، يقترب منهما

الزوجة:         (وهي تراقب ملامحه) ما بك؟

الابن:            لا شيء يا أمي، لكن..

سهيل:           تكلم. ما بك؟، وجهك ينبئ عن سوء.

الابن:             (بحزن) جئت أحمل لك خبرا..

سهيل والزوجة ينظران بترقب للابن

سهيل:           عساه خير

الابن:            ليس خيرا.

الزوجة:         تحمل بين لسانك خبر فقد

يهز الابن رأسه إيجابا ويطرق رأسه حزنا

سهيل:           من؟.

الابن:            (وهو ينظر لوالده بحزن شديد) رفيقك، ساري.

سهيل يبدو مصدوما، يعود صوت الطبول والأصوات غير المفهومة، تعلو تدريجيا، وسهيل يجلس على الأرض كمن لا يستوعب ما يجري، ثم يضع يديه على أذنيه حتى لا يسمع، يتواصل صوت الطبول والأصوات الغريبة، يقترب الابن من أبيه وتقترب الزوجة، يحاولان تهدئته، لكنه يبكي وقتها

سهيل:           (وهو يبكي) تعاهدنا على الصمت، على أن لا نتكلم، لكنه خان العهد، لا بد أنه أفشى بالسر.

الزوجة:         عدت للسر مرة أخرى، لكل موت أسبابه، ولا علاقة بأحلامك وبالسر بموته.

سهيل:           بل له كل العلاقة، إفشاء السر يعني موته. وهو ما رأيته في الحلم، سقط هو الآخر. سقط ميتا. والحلم نبوءة موته (يتنهد بحزن) لماذا أفشى السر؟، كنا تواعدنا على ألا نخبر أحدا بما رأينا. لكنه لم يوفِ بوعده لي.

إظلام، ثم تفتح بقعة ضوء سهيل وساري معا، ويبدو ساري متوترا جدا

ساري:           لم أعد أستطيع التحمل، الصخرة التي على صدري تكبر كل يوم، تهشمني، تهتك أعصابي.

سهيل:           سنوات طويلة ونحن نكتم سرنا، نخبئه في خزانة ذاكرتنا ونقفل عليه قفلا أضعنا مفتاحه. فدع الخزانة مقفلة، ولا تبحث عن المفتاح

ساري:           وماذا عن الصخرة التي تكبر؟، وماذا عن هشيم روحي؟، ماذا عن الكوابيس التي تهدد ساعاتي ودقائقي. حياتي فقدت معناها.

سهيل:           وستفقد حياتك إن أفشيت السر

ساري:           (يبكي) أنا متعب ولا أقوى، لم أعد أمتلك القوة للوقوف، فأنا منهار

سهيل:           (وهو يربت على كتفه) لا أريد أن أخسرك. لا أريدك أن تتركني في هذا العالم وحيدا، أنت تشاركني الكوابيس والخوف والترقب، تشاركني الوجع. لا تتركني وحيدا في مطحنة العمر أنتظر لحظة الفكاك من قيد السر.

ساري:           أنا أخاف، أخاف يا صديقي، أخاف، أن يفلت اللسان. ليتنا لم نر، ليتنا لم نمر، ليتنا ما توقفنا بحثا عن ظل، ليتنا…

يقاطعه ساري ويغلق فمه عنوة

سهيل:           يكفي، يكفي، سيسيل الكلام من لسانك دون أن حد.

يقاوم سهيل ويفلت من يد ساري

ساري:           سأصمت، سأصمت حتى يجئ الأجل، لكني متعب يا صديقي، متعب وأبحث عن نوم بلا أحلام، بلا كوابيس.

سهيل:           (يتنهد) ليتني أملك دواءك، ليتني اقدر على التخفيف من ثقل صدرك، ووجع روحك. ليتني، فأنا مثلك يا صديقي، مثلك مثقل بالسر الذي يخنقني.

ساري:           ليتني أفقد الكلام، ليتني أصحو بلا لسان.

سهيل:           كنت أظن أن الزمن كفيل بنسياننا ما رأيناه، تمر السنوات، فتنمحي الصور من رؤوسنا حتى تتلاشى، لكنها صارت تتعتق أكثر، تتضح أكثر، صرت أستحضر التفاصيل. ويمكنني أن أسردها لك كما حدثت، لكني لا أريد أن أكون قتيل الكلام.

ساري:           ولا أنا، لماذا ذهبنا، وفكرنا أن ندخل لنرى.

سهيل:           ليس بيدنا أن نغير الماضي، لكن القادم في يدينا. عاهدني ألا تتكلم.

ساري:           (باستسلام) أعاهدك ألا تنسل الكلمات من لساني أبدا، ألا يسمع أحد ما رأيته مني.

يمد سهيل للثالث يده ليصافحه في الوقت الذي تعود فيه أصوات الطبول والتي ترافقها أغان بكلمات غير مفهومة

سهيل:           لنتعاهد

يمد ساري يده للثاني وتتصاعد الأغاني وأصوات الطبول

ساري:           نتعاهد

سهيل:           نتعاهد

يرددان الكلمة بتكرار ثم يخف الصوت تدريجيا مع أصوات الطبول والكلمات غير المفهومة، يظلم المسرح ويضاء بعدها على نفس المنظر، غرفة نوم سهيل حيث ابنه وزوجته معه في الغرفة

سهيل:           (مصدوما) خان العهد، وأفشى السر، انسلت الكلمات كنهر جار بلا حد. كنت خائفا منه ومن قدرته على تحمل ثقل المخبوء في صدره.

الابن:            ألهذه الدرجة يبدو الأمر خطيراً؟

سهيل:           أخطر مما تتصور، الموت على حافة لسان، إنهم يتربصون بي الآن، فأنا آخر الثلاثة.

الزوجة:         (بحدة) لماذا تصر أن موته له علاقة؟، هو موت كأي موت، شجرة عمره طرحت أوراقها، انتهى العمر به وحان انتقاله للعالم الآخر.

سهيل:           بسبب السر الذي أفشاه، بسبب خيانته للعهد. بسببهم مات. للموت سبب.

الزوجة:         وليس من بينها الكلام

سهيل:           بل أحد أسباب الموت، الكلام

يقترب الابن من أمه

الابن:             أمي، خففي على والدي العبء. هو لا يحتاج أن نواجهه ونكذبه، بل أن نقف معه، ليخلص من عبء الماضي الذي لا ينفك يلاحقه، أمي حبيبتي.

الزوجة:         يفترض بك أن تنهاه عن التفكير في الماضي وسر الأسرار الذي سيقتله. أنا لست متأكدة من أن الأمر حقيقي، هو مجرد وهم، كبر وكبر حتى ظنه حقيقة. لا شيء مما يعتقده حقيقي.

سهيل:           (بضيق) لست مضطرة لأن تصدقيني. كما تريدين، لكني لم أتوهم أبدا فهي الحقيقة التي مر عليها سنوات طويلة. لو كنت أقوى على البوح، لبحت لكم بالسر. لأخبرتكم كيف رأينا ما لا يرى، وسمعنا ما لا يسمع.

الابن يقترب من والده ويربت على كتفه

الابن:            أنا أصدقك

سهيل ينظر لابنه بامتنان

سهيل:           تصدقني؟، أم تخادعني؟

الابن:            أصدقك، أنت أبي وبطلي، فكيف أخادعك؟. أصدقك، فكل الوجع داخلك مرسوم على صفحة وجهك، ألم قد لا يتحمله غير الأبطال.

سهيل:           (متأثراً) ما أجمل كلامك. متى كبرت، متى صرت شابا؟

الزوجة:         لأنك لم تنتبه له وهو يشب، يصبح كما تراه، راجح العقل، بليغ اللسان. أنت لا تملك من الوقت سوى للكوابيس وأوجاعها. لا تملك وقتا لترى تلك الوجوه التي تحبك وكيف تغيرت، وكيف تجملت

سهيل:           تلومينني؟

الزوجة:         (وبحدة) ألوم من إذاً؟، لا تقل لي، كوابيسك وأحلامك. لا تقل سرك، لا تقل صاحباك. لا تقل. بل أنك الملام سالم. أنت التي ضعفت، واستسلمت.

سهيل:           (بحدة) لم أستسلم، لم أستسلم لأني ضعيف. بل استسلمت لأني أخاف من الموت، أخاف من أفقدكما، لا أراكما، لا أسمعكما، لا أشعر بيد تربت على كتفي، أخاف من ظلام أبدي.

الابن:            (بشفقة) أبي، وأنا أخاف من فقدك، أخاف عليك من نفسك، من وجعك، أخاف عليك من خوفك.

سهيل:           يا الله، احم هذا الولد فهو بَرَدٌ على جمر قلبي (للابن) حبيبي أنت، لأجلك لا أريد الرحيل، لا أريد لهذا اللسان أن يكون مشنقتي وتابوتي.

الزوجة:         (بضيق) اللسان، اللسان، يكفينا ما صنع بنا خوفك من لسانك..

تقترب منه وبهدوء أكثر

الزوجة:         تجهز الآن لتلحق بجنازة صديقك لتودعه الوداع الأخير. امش في جنازته، وابكه، ربما تحرر ما في صدرك من أحمال (للابن) ساعد أباك، وكن معه فهو بحاجة إليك

إظلام

المشهد الثالث

يبدأ المشهد بإضاءة على مقبرة، شواهد قبور، تتوزع على المقبرة، أصوات الطبول والكلمات غير المنتظمة ترافق المشهد، حيث ينتهي الناس من الدفن، ويغادرون المقبرة، لكن يبقى سهيل وبجانبه ابنه، ينظر طويلا للقبر الذي وضع عليه شاهد. يمسك ابنه يده ويسحبه، لكنه يهز رأسه رافضا التحرك

سهيل:           سأبقى. لم أكتف بعد من وداعه في المغتسل، ولا وداعه وهو على النعش يطوفون به سكك المدينة. سأبقى فلم يشف ما بصدري من وجع. سأخبره بكل ما في، سأعاتبه لأنه تركني، وحدي ونحن تعاهدنا ألا يترك أحدنا الآخر. سأبقى يا ولدي سأبقى، ففي سكون المقبرة علاج

الابن:            أمتأكد يا أبي أنك تريد أن تبقى؟

سهيل:           متأكد. سأبقى، لا تقلق علي، سأكون بخير صدقني

الابن:            سأنتظرك، هناك، بعيدا، ولكن عيني ستلاحقانك. فأنا أشعر بالأمان بك. ولا أريد أن أفقد الأمان. سأنتظرك

يغادر الابن بعيدا عن سهيل الذي يظل وحده مع القبر، يضع يده على الشاهد

سهيل:           تسمعني، متأكد أنك تسمعني، هنيئا لك، تحررت من الصخرة التي كانت تضغط على صدرك، تحررت وأنا ظللت مطحونا تحتها، صدري تهشم، روحي تهشمت، أنتظر الموت الذي يرف بجناحيه فوق رأسي.

يجلس على الأرض ليكون أقرب للقبر

سهيل:           تسمعني، متأكد أنك تسمعني، تشعر بأني قريب منك، قريب جدا. لماذا لم تعلمني شجاعة البوح، أنا جبان، جبان جدا لدرجة الخوف من الموت، ولكن يبدو أنه الراحة الحقيقية. الراحة الأفضل أن تكون تحت التراب فلا تهددك أصواتهم، ولا تلاحقك طبولهم، ولا يكون غناؤهم كظل يتبعك. حر أنت، ومقيد أنا. حر أنت أيها الحر.

يصمت قليلا ويمسك حفنة من تراب القبر

سهيل:           تسمعني، متأكد أنك تسمعني، وتسمع نبضي، تسمع أنفاسي، تسمع عتبي عليك، لأنك خنت الوعد، كنا تعاهدنا، ولكنك خنتني، وحدك هربت من خوفك، وتركتني أسير الخوف. وحدك هربت وتركتني اتآكل كل يوم. أتظن أني سأكون قادرا على مواجهة الصمت وحدي. مواجهة الخوف والترقب؟.

يقف الرجل ويهم بالمغادر لكن يوقفه صوت ساري من داخل القبر

ساري:           (صوت) سأنتظرك، سأنتظرك، لا تتركني طويلا

يدور سهيل حوله يبحث عن مصدر الصوت، يبدو خائفا

ساري:           لا تبطئ الخطوات إلي، فأنا في انتظارك.

يبدو مرتبكا وخائفا، يهم بالمغادرة، يلحق به ابنه ويلتحق به

الابن:            ما بك يا أبي، تركض سريعا، كأنك تهرب من أمر ما؟

سهيل:           لا، لست أهرب، ولكني انتهيت، نعم انتهيت من زيارة قبره. يكفي، لنتركه يرتاح في تربته، ولنرتح نحن في البيت. اليوم كان طويلا جدا

يهم بالمغادرة لكن يوقفه صوت ساري 

ساري:           (صوت) أنتظرك، أنتظرك

يعود صوت الطبول والأغاني غير المفهومة بنفس الإيقاع غير المنتظم، يبدو سهيل خائفا جدا، يهرب من المكان سريعا، ويخرج معه ابنه بينما تتعالى أصوات الطبول والأغاني بنفس الطريقة

إظلام

المشهد الرابع

تفتح الإضاءة على سهيل مع ابنه وهما في البيت البسيط الأثاث. يبدو بينهما حديث لم ينته

سهيل:           ستكبر وتفهم كل شيء

الابن:            لكني كبرت، صرت رجلا يمكنك الاتكال عليه، يمكن أن أكون لك سندا إن شئتني أن أكون.

سهيل:           أنا على يقين بذلك، أعرف أنك كبرت، لكن الوقت لم يحن لتعرف كل شيء. نعم، في الأمر حكاية. ولكن من الصعب أن أحكيها الآن، وإلا صرت بجوار ساري مدفونا، فاصبر، سيأتي اليوم الذي تعرف حكاية أبيك كاملة

الابن:            أكيد سأصبر. كما علمتني أنت الصبر، سأصبر.

يقف الأبن، يفكر قليلا

الابن:            أبي، هل لي أن أسألك عن أول حب لك.

سهيل:           ولماذا السؤال؟

الابن:            فقط لأسمع منك حكايات حبك، هل هي أمي أم امرأة أخرى؟

سهيل:           (يبتسم) ليست أمك بالتأكيد

الابن:            بالتأكيد؟ (متحمسا) من تكون؟

سهيل:           اسمها أسماء، كانت جارتنا، أعرفها منذ كنا صغارا، جاءوا إلى الحي وسكنوا فيه. منذ رأيتها للمرة الأولى أحببتها، ابتسمت لها، ابتسمت لي. كانت لغتنا الابتسامات، مرت السنوات ولم يكن بيننا كلام، بيننا الابتسامات. لم أتجرأ على الكلام، لكنها كانت أجرأ مني، هي من بادرت حين رأتني لا أتقن غير الابتسامات. اقتربت مني وسألتني: ألا تملك لسانا ينطق بالكلمات؟، دائما ما تبتسم ولابتسامتك جمال ودهشة، ولكن لم أسمعك يوما تتكلم، حتى صرت أشك في أنك أخرس.

يصمت سهيل قليلا

سهيل:           لست أخرسا، ولكن اللسان عاجز عن الكلام، عاجز أن يخرج ما في الصدر من مشاعر. حاولت وقتها أن أخبرها بأني لست أخرسا، حاولت أن أخرج الكلام من جوفي، لكنه توقف عند طرف اللسان. فلم يبق لي سوى الابتسامة. علها تنجيني من موقفي. قالت لي: اسمي أسماء، وأعرف أنك سهيل. أعرف أنك تحبني، فالابتسامة لغة، نظراتك لغة. أعرف أنك تحبني وأنا أحبك.

الابن:            أي فتاة ذكية هي، تعرف تفاصيل داخلك من ملامحك.

سهيل:           ذكية حد أنها أطلقت الكلام داخلي، فتحت نافذة الحكي، وصرت لا أتوقف عن الكلام معها، صرت أسرد لها كل يوم ما يحدث لي. صرت لا اهبها مساحة للبوح، فأنا أملك المساحة وحدي. كأنها تمكنت من إخراج المارد الذي اختبأ قرونا داخل المصباح.

الابن:            هل يمكنني أن اسألك اين هي الآن، لماذا لم تتزوجا؟

سهيل:           لأنها غادرت، لم تودعني حتى. سافرت مرة في عملي، وعدت بعد أيام، ولم أجدها. غادروا جميعا هي وأهلها ولا يعرف أحد أين ذهبوا (بحزن) لم تسأل عني أو تنتظرني. غادرت دون أن تترك حتى رسالة، لم تترك ابتسامة.

الابن:            هكذا غابت ولم تجدها؟.

سهيل:           كأنها مجرد حلم، صحوت منه فانتهى. كنت أشك أنها حقيقة، أن ما حدث لي، حدث بالفعل. أسماء كان نسمة هواء باردة في ليالي الصيف، أسماء كانت قمري في الليالي الحالكة، كانت الحب الحقيقي الذي بدأ بالابتسامات وانتهى بالغياب.

الابن:            أتعرف أمي حكايتك معها؟

سهيل:           لا، ولا أريدها أن تعرف

الابن:            ستغضب، لأنك أحببت غيرها؟

سهيل:           ستغضب، وحتى إن كان الأمر قبل أن أعرفها وأتزوجها. ستغضب، حتى لو كانت تعرف أن الأمر لا يعدو كونه مجرد حب عبر سريعا وغاب.

الابن:            أبي، أتعرف لم سألتك عن أول حب؟

سهيل:           لأنك صرت بارعا في تحفيز ملكة الكلام.

الابن:            أبي، أنا أحب

سهيل:           (يبتسم) أنت؟، صرت تحب؟

الابن:            كنت كلما أراها أضطرب، يزداد نبضي، أشعر بحبات العرق على جبيني، برودة تسري في جسدي. لم أكن أعرف ما المشاعر تلك. لم أعرف أن ما بي ليس سوى الحب الذي سمعت عنه.

سهيل:           كبرت، صرت تحب. لكن لا تكن مثلي، تمسك بها. كلمها ولا تكتف بالابتسامات، هي لغة، لكنها لا تكفي.

الابن:            لذلك سألتك يا أبي، أعرف أن الأمر يبدو غريبا أن يسأل الابن أباه عن حبه الأول، لكني لا أجد غيرك أسأله.

سهيل:           أتدري أمك بالأمر؟

الابن:            لا، كنت حائرا في أن أفصح لها، لكن قلت أن أبي الأقرب إلي، وأعرف أنه سيسمعني، وسيفتحه صدره لي.

سهيل:           لم تخبرني من تكون.  

الابن:            ابنة ساري، صديقك

سهيل يبدو مصدوما

سهيل:           لماذا اخترتها دون كل البنات؟

الابن:            وهل يختار القلب يا أبي؟، القلب يقع في الحب دون ترتيب، يجد نفسه غارقا في الحب دون مقدمات. أحببتها كما أحببت أنت أسماء. مثلك أرسلنا لبعضنا الابتسامات رسائل حب.

سهيل:           فقط الابتسامات.

الابن:            بل الكلمات. بيننا كلمات، بل بيننا حكايات

يبتسم سهيل ويربت على كتف ابنه.

سهيل:           لم أفكر يوما أن يحب إبني ابنة صديقي، ويخبرني بالأمر في اليوم الذي دفناه فيه. هل ثمة أسرار جديدة سأعرفها قريبا؟.

تدخل في هذه اللحظة الزوجة قادمة من الخارج

الزوجة:         أسرار، يبدو أن هناك أسرارأً بينكما.

سهيل:           وما الضير في أي يكون بين الابن وأبيه أسرارهما.

الزوجة:         هل يمكنني أن أعرف تلك الأسرار؟

سهيل:           هي أسرار فكيف نكشفها. ستعرفين بعضها قريبا، لكن الوقت لم يحن بعد.

الزوجة:         أسرار وأسرار. أي غموض بيننا يا سهيل. أنت لا تريد أن تشركني في أسرارك.

الابن:            ستعرفين يا امي، ولكن الوقت فعلا لم يحن. أمي حبيبتي، لا تغضبي. فأنا صاحب السر

الزوجة:         (بسخرية) انتقل السر منه إليك؟ (لسهيل) هل ودعت صديقك؟

سهيل:           (يتنهد) ودعته، وعاتبته، لأنه كان أكثر شجاعة مني.

الزوجة:         يا سهيل يكفي ما تفعله بنفسك، وتفعله بنا. ساري توفي، وانتقل إلى العالم الآخر. أنت ما زلت معنا. فلا تحفر قبرك بيدك.

سهيل:           ستعرفين لاحقا كل شيء، ستعرفين أني أحتاج فقط حضنك ورأفتك بي. أحتاج لك أكثر من احتياجي لتشكيك بي وبما أعانيه.

الزوجة:         أنت من بنيت سدا عاليا بيني وبينك. فأي امرأة تتحمل أن تعيش مع رجل محمل بالأسرار ولا يجدها أهلا لأن يفشي لها أسراره حتى يرتاح.

سهيل:           لأن أسراري ليست ككل الأسرار، أسراري إعلان موتي صدقيني. كشفي للسر، يعني أني أخطو ناحية حتفي. أتفهمين؟

الزوجة:         لم أفهم، ولا أريد أن أفهم، لا أريد سوى أن أشعر أني تزوجت رجلا يحبني ويجدني أهلا لحمل أسراره. رجلا يثق بي.

الابن:            أمي حبيبتي، أرجوك. الوقت ليس مناسبا للشجار وللاختلاف.

الزوجة:         صرت تشبه أباك، ما دام هناك أسرار بينكما، فأكيد ستدافع عنه، وتقف معه.

الابن:            يا أمي، السر يخصني أنا وليس أبي.

ينظر سهيل لابنه الذي يبدو محتارا

الابن:            أمي، أنا أخبرت أبي بأني أحب.

الزوجة:         (باستغراب) تحب؟، فتاة؟

الابن:            بالتأكيد، أحب وأريد أن أتزوج. أنا كبرت يا أمي وصرت جاهزا للارتباط

الزوجة:         (تبتسم) ومن تكون؟

الابن:            ابنة العم ساري.

الزوجة:         صديق والدك؟.

الابن:            سارة.

إظلام

المشهد الخامس

يضاء المسرح على سارة ومعها الابن وهما يقفان عند ظل شجرة

الابن:            قريبا ستكونين زوجتي.

سارة:            (بحزن) كم كنت أتمنى أن يكون أبي إلى جانبي، أن يكون شاهدا على زواجي الذي كان ينتظره. كنت أتمنى أن يمسكني هو ويزفني إليك. أن يكون معي.

الابن:            الأمر بيد الله، ليس بيدنا نحن البشر.

سارة:            ونعم بالله.

الابن:            أبي سعيد جدا لأنني اخترتك، من بين كل بنات القرية، سعيد لأنني سأرتبط بابنة صديق طفولته وشبابه وكهولته.

سارة:            لا يبدو أن أمك سعيدة، حين جاءت البيت لخطبتي، شعرت بأنها تنفر مني؟.

الابن:            (يتنهد) ليست سعيدة، لكنها قبلت لأن الأمر يخصني

سارة:            وكيف سأعيش معها وهي ترفضني، سيكون الأمر صعبا جدا.

الابن:            لا تخافي، ستتغير أمي، تعرفك جيدا، هي فقط تشعر أننا خدعناها

سارة:            وأنا ممن خدعها؟

الابن:            لا، أبي يحمل أسرارا لا نعرفها، يخاف كثيرا، يقلق، تزوره الكوابيس والأحلام. وتظن أمي أني أعرف سر هذه الأسرار وحدي دونها. وتظن أن حبي لك جزء من هذه الأسرار.

سارة:            (بصدمة) أبوك أيضا كأبي، يحمل أسرارا وخوفا وترقبا؟

الابن:            تقصدين أن أباك مثل أبي؟

سارة:            أبي في السنوات الأخيرة من حياته، لم يكن يشغله سوى الخوف من كشف سر لا نعلمه. كان يقول أن كشف السر يعني موته.

الابن:            (باستغراب) هو ذات السر الذي عند أبي، أمي تظنه واهما. هو يصر أن السر يعني موته، ويقول أن أباك مات لأنه أفشى السر.

سارة:            نعم، كلامه صحيح.

يبدو الابن مصدوما مما يسمعه

الابن:            وأي سر إفشاؤه مميت؟

سارة:            هم رأوا ما لا يرى وسمعوا ما لا يُسمع. فكان صمتهم نجاة، وكلامهم موت.

الابن:            يبدو أنك تعرفين في الأمر أكثر مما أعرف.

سارة:            خسرنا أبي، لأنه رمى صخرة السر عن صدره.

الابن:            ما الذي رأوه، ما الذي سمعوه؟

سارة:            ما لا يرى ولا يسمع.

الابن:            أتعرفين شيئاً؟

سارة تلتزم الصمت وتهز رأسها إيجابا

سارة:            أعرف كل شيء، فحين أخبرني، كنت أظنه يمزح، وما ظننت أنه كان يحمل كفنه على كتفه. وكان يحفر قبره بيده.

الابن:            ما الذي رأوه؟، ما الذي سمعوه؟

سارة:            ما لا يرى، وما لا يسمع. لا أستطيع أن أفشي لك بسر الأسرار ذاك (تبكي) بسبب السر مات أبي، كان غير قادر على تحمل العيش بسر يسكن صدره، فقرر أن يرتاح من ذلك السر. أخبرني بما رأوه، وبما سمعوه. فصرت شريكة السر.

الابن:            أخبريني أرجوك.

سارة:            لا أستطيع، فأنا لست صاحبة السر.

الابن:            لن يخبرنا أبي بسره، هو يخاف.

سارة:            من حقه أن يخاف، اثنان من أصدقائه ممن رأوا ماتوا. يعرف أن مصيره سيكون مثلهم لو أخبركم بالسر.

الابن:            (مستسلما) لن أضغط عليه أبدا. لن أفكر يوما في أن أساله. لكني أخاف عليه من أمي. هي ترفض ما يقوله، تظنه يتوهم.

سارة:            أمي كانت تقول ذلك لأبي، لم تكن تصدقه. لكنها الآن تلوم نفسها كل يوم لأنها فكرت في أن تسأله، وتضغط عليه ليبوح بالسر.

الابن:            (يتنهد) يا الله، ما الذي رأوه، ما الذي سمعوه

إظلام

المشهد السادس

سهيل مع زوجته في البيت، تبدو الزوجة غاضبة وسهيل يجلس على كرسي مستسلما

الزوجة:         (بغضب) لم أعد احتمل كل هذا، لا أحتمل أن أعيش وكأني بلا معنى عندك. بلا قيمة.

سهيل:           من اين تأتين بالكلام. أنا أحبك، أنتِ زوجتي وعشيرتي وسكني. أنت حبيبتي.

الزوجة:         لو كنت حبيبتك، لما تركتني في حيرتي وخوفي وقلقي عليك طوال هذه السنوات، لو كنت حبيبتك، لكنت خزانة أسرارك، لو كنت حبيبتك لما بقيت تتحمل ثقل السر، أو وهم السر.

سهيل:           كيف أخبرك بالسر؟، من الصعب. صديقي أخبر اهله بما رأى، فمات. أتردينني أن أموت؟.

الزوجة:         (بضجر) صديقك مات لأن موته حان موعده لا علاقة للأسرار بالأمر.

سهيل:           ولن تصدقي، حتى لو تجرأت وأخبرتك، ستضحكين، وتقولين أن ما شاهدتموه وما سمعتموه، مجرد وهم.

الزوجة:         نعم هو وهم، وليس حقيقة

سهيل:           إذا لماذا تريدين معرفة ما دار وأنت ترينه مجرد وهم لا أكثر؟.

الزوجة:         لأني لا اريد أن اشعر أني مجرد شيء بلا قيمة في حياتك. وأني لا يمكن أن أحفظ أسرارك.

سهيل:           أنا حائر في أمري معك.

الزوجة:         أنا الحائرة في أمرك، أنا التي سئمت حياتها مع مخزن أسرار لا يمكن فتحه. كوابيس تزورك، وأحلام تقض مضجعك.

سهيل:           أنت تقسين علي بكلامك، أنا متعب ومثقل ولا أحتاج لمثل هذا الكلام.

الزوجة:         ليس لدي إلا هذا الكلام، وإذا أردت أن أعيش معك، قل لي كل شيء، دون أن تترك تفصيلا واحدا. أنا لن أقبل أن أبقى معك وأنت تخبئ أسرارك.

سهيل:           تقايضين موتي بإفشاء السر، أهذا ما تريدينه؟.

الزوجة:         لن يصيبك مكروه. أنت تتوهم، قلتها مرارا، ومتأكدة منها. هو وهم، وهم.

تهم بالمغادرة في الوقت الذي يدخل الابن عليهما ومعه سارة، تنتبه لهما الزوجة، وتتراجع

سارة:            مساء الخير

الزوجة:         مساء النور، أهلا يا ابنتي. تفضلي (بارتباك) تفضلي

سهيل:           مرحبا سارة، كيف حالك؟

سارة:            بخير، جئت هنا، كي أطمئن عليك يا عمي. أعرف أن الثقل يزداد يوما عن يوم. كنت قريبة من أبي جدا واشعر بما تشعر به الآن. اشعر بكل وجعك وخوفك.

سهيل:           لتسمع زوجتي العزيزة، فهي تؤكد أنه وهم، مجرد وهم.

سارة تقترب من الزوجة وتضع يدها على كتفها

سارة:            ليس وهما، إنه حقيقة، أبي أخبرني بكل شيء.

يصدم سهيل وهو ينظر لسارة

سارة:            أخبرني، لذلك مات.

الزوجة:         أتصدقين هذه الخرافة؟

الابن:            ليست خرافة، إنها حقيقة يا أمي.

سارة:            أبي احتفظ بالسر طويلا، ولكنه حين أخبرني به، لم يكمل ساعات حتى مات. لأن كشف السر يعني موتهم، هكذا أخبروهم، بأن أي أحد منهم يخبر أحداً بما رأوا وما سمعوا فإنه إعلان موتهم.

الزوجة:         (مصدومة) لا أعرف كيف انطلت عليك تلك الخرافة. كيف صدقتي خرافة السر الذي يميت كشفه؟. وبالتأكيد اقنعتي ابني بالخرافة.

الابن:            أنا مقتنع بها. أعرف ما يعانيه أبي. أعرف ما يحمله من وجع يجثم على صدره بسبب السر.

يقترب الابن أكثر من والده كأنه يسانده

الابن:            من يقدر على أن يتحمل سرا لسنوات طويلة؟.

الزوجة:         (بغضب) كلكم ضدي إذا، أنت وهي، صرتما معه، صدقتما الخرافة. آمنتما بها. كيف تجرؤان؟.

الابن:            أمي لماذا كل هذا الغضب. أبي احتفظ بالسر لسنوات طويلة، ولا نريد أن نعرف شيئا.

الزوجة:         وأنا أريد. أريد أن أعرف كل شيء. أعرف إن كان الأمر مجرد أوهام تسكن رأس أبيك، أم هي حقيقية

سارة:            ألم تفكري في النتائج؟.

الزوجة:         لا يهمني النتائج.

سهيل:           ترتاحين إذا عرفتي؟

الزوجة:         كل الراحة. لن ارتاح قبل أن أعرف ما يحدث حولي، أريد تفسيرا لكل شيء.

نظرات متبادلة بين سهيل وسارة والابن. يقترب سهيل من الزوجة

سهيل:           (مستسلما) إذا كان الأمر سيريحك. أنا مستعد لإخبارك بكل شيء.

الصدمة تعلو وجه الابن وسارة

إظلام

المشهد السابع

المنظر عبارة عن بوابة مبنى في عمق المسرح، البوابة مغلقة. من البعيد نسمع ذات الأصوات التي نسمعها كل مرة، أصوات الطبول والأغاني الغريبة غير المفهومة وغير الإيقاعية. الصوت يروح ويجئ بشكل غير منتظم. لحظات ويدخل سهيل وسالم وساري المسرح ويبدو عليهما التعب الشديد وهم يحملون على أكتافهم بعض مستلزمات الرحلات.

ساري:           أرى أن المكان مناسب، لنرتاح فيه حتى غد.

سهيل:           متأكد يا ساري؟

ساري:           هذا ما أراه. سيكون منامنا هنا هذه الليلة.

سالم:             سأضع كل أغراضنا هنا (وهو ينظر للبوابة) ما هذا المبنى الغريب؟

ساري:           لا أدري. قد يكون مهجوراً

سهيل:           المهم ألا يكون مسكونا، ويتحول نومنا لكوابيس.

ساري:           (يمازحه) لم تتغير، تخاف.

سهيل:           ليس خوفا، بقدر رغبتي في نوم هادئ.

يضعون أغراضهم على الأرض. ويستلقون على الأرض، لكن للحظات تزداد أصوات الطبول وأصوات الغناء غير المفهوم، ينتبهون، يقفون

سالم:             من أين تأتي هذه الأصوات؟

سهيل:           (وهو يشير للمبنى) من هنا، من هذا المبنى. متأكد من ذلك.

ساري:           لكن المبنى يبدو مهجورا.

سهيل:           أنا لست مطمئنا. لنغادر المكان. هيا، فلنغادر.

ساري:           لا نستطيع، مشينا طويلا كل النهار، نحتاج للراحة. ولا أجد مكانا أنسب من هنا.

فجأة تفتح البوابة أمامهم. يخافون ويتراجعون

سهيل:           ما الذي يحدث؟، من فتحها؟

سالم:             لا أدري. قلت لكما علينا الهرب.

ساري:           لن نهرب، دعنا نستكشف الأمر.

سهيل:           أنت مجنون يا ساري، لا نريد أن نغامر. لا نعرف ما ينتظرنا هناك.

ساري:           وأنت يا سالم. هل ستجرب معي الدخول، أم أنك تخاف مثل سهيل؟.

سالم:             (بارتباك) لا، لست خائفا، سأدخل معك.

يتقدم ساري اتجاه البوابة، يمشي وراءه سالم خائفا، ثم يمشي سهيل وراءهما بكل خوفه وقلقه، ينفتح الجدار مع تصاعد أصوات الطبول والأغاني الغريبة. يخافون يتراجعون، لكنهم يجدون انفسهم في وسط المبنى، ويرون كائنات برؤوس كبيرة نفس الذين ظهروا في حلم سهيل، بأقدام متشابكة مع بعضها البعض، يرقصون على صوت طبول بلا إيقاع متناغم، ويرددون كلمات غير مفهومة على صوت الطبول ويحركون رؤوسهم للخلف وللأمام. يتراجع الثلاثة خائفين. يحاولون الهروب، لكنهم يجدون أنفسهم عاجزين عن الهرب. ثم عاجزين عن الحركة الإرادية، وبشكل لا أرادي، يرقصون ويتحركون بنفس الشكل الذي يرقص فيه الكائنات، يزداد صوت الطبول والأغاني، بمشاركة الثلاثة دون إرادتهم. بعد انتهاء الأغاني. يسقطون على الأرض منهكين. يتكومون على بعضهم البعض خائفين.

سهيل:           (بخوف شديد) قلت لك لن ندخل، لكنك تصر يا ساري.

ساري:           لم أكن أعرف بأننا سنرى ما لا يرى ونسمع ما لا يسمع

سالم:             كيف يمكن أن يصدقنا الآخرون لو أخبرناهم.

الكائنات:         (ثلاثتهم بصوت واحد) لن تخبروا أحدا بما رأيتم. هو سر سيبقى في رؤوسكم.

ساري:           حسنا، المهم أن تفلتوننا، لا نريد أن نبقى هنا.

الكائنات:         سنترككم تغادرون، لكن تأكدوا، أن كل ما رأيتموه أو سمعتموه، سيكون بيننا ولن يعرف عنه أحد، وإلا ستحكمون على أنفسكم بالموت.

سهيل:           لن نخبر أحداً أبداً. نعدكم، سيكون سرا لم يعرف عنه احد.

الكائنات:         مهما مر بكم العمر، لن تخبروا أحدا.

الثلاثة:           (يرددون) مهما مر بنا العمر، لن نخبر أحدا. مهما مر بنا العمر، لن نخبر أحدا.

إظلام سريع، ثم إضاءة على سهيل وسارة والابن والزوجة

سهيل:           (يردد) مهما مر بنا العمر، لن نخبر أحدا. مهما مر بنا العمر، لن نخبر أحدا.

الزوجة تبدو مصدومة مما سمعت، وكذلك الابن. يبدو مصدوما جدا، يقترب من والده الذي يبدو أنه ما يزال تحت تأثير السر

الابن:            ما كان يجدر بك أن تقول، لم قلت لنا السر المكنون في صدرك؟. أخاف عليك يا أبي أن افقدك. أخاف من عقابهم. أخاف

الزوجة:         (مصدومة) هل يعني أنه سيموت؟، سيغادرنا؟

سارة:            أليس هذا ما أردته منه. قال كل شيء. أخبرك بالسر، فارتحت أنتِ وسيغادر هو. ما الذي فعلته؟.

الزوجة:         تكذبون؟، صحيح، تكذبون. أنا لا أصدق كل هذا. لا أصدق أن الموت سيكون عقاب الكلام. مجرد سر لا أكثر، قاله وانتهى.

سهيل يبدو منهارا. كمن ينتظر موته.

سهيل:           لقد انتهى كل شيء. انتهى في لحظة، ما خبأته طول عمري، خرج سهلا وصار كلاما، صار مشنقة، صار موتا منتظرا، وشيكا.

تدريجيا تقترب أصوات الطبول والأغاني الغريبة، ينتبهون لها، تبدو الصدمة على الوجوه

سهيل:           جاءوا، جاءوا لأخذي، سأتبع سالم وساري. لكن، اخبروا الناس عن كل شيء. اخبروهم حكايتنا. فنحن كنا ضحايا سر.

تقترب الأصوات، ثم تدريجيا تدخل الكائنات نفسها، يتمايلون رقصا، وغناءً، فيجد الابن وسارة والزوجة وسهيل أنفسهم يرقصون ذات الرقص، تتحرك أجسادهم رقصا.. على إيقاع الطبول. تدريجيا يظلم المسرح، حتى يعم الظلام كاملا، لكن لحظتها نسمع صوت صرخة من الابن

الابن:            (صوته يصرخ) أبي!!!

نهاية المسرحية

يناير 2025

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑