الكوميديا كفن نبيل

نشر في مقالات ثقافية على منصة X:

الإنسان كائن ضاحك، يميل للمرح بفطرته وطبيعته، لذلك اخترع الفكاهة ليسلي عن نفسه، من خلال الحكايات التي يحكيها، فالفكاهة لصيقة بالإنسان، منذ بدء الخلق. فقام بتطوير الفكاهة وكيفية صناعتها، فانتقلت من الحكايات والقصص إلى المسرح ثم إلى السينما والتلفزيون حتى وصلنا لوسائل التواصل الاجتماعي.

يرى هيجل أن الضحك ينشأ “نتيجة لوجود التناقض بين المفهوم والمعنى الحقيقي الدفين الذي يقدمه هذا المفهوم”، هذا من وجهة نظر فلسفية، بينما علم النفس يرى الضحك كما يعرفه فرويد بأنه “ظاهرة، وظيفتها إطلاق الطاقة النفسية التي تم تعبئتها بشكل خاطئ أو بتوقعات كاذبة”، ويرى علم الاجتماع أن الضحك ظاهرة اجتماعية وهي لغة تواصل كما أن الكلام لغة تواصل. والضحك حاجة وليس مجرد فعل بلا معنى، فالإنسان يحتاج للضحك ليحقق توازنه النفسي، ويشكل الضحك وجوده الاجتماعي، بالإضافة لأنه يمكن ان يكون علاجا لعديد من العلل النفسية والعضوية أيضا وهو ما تؤكده الدراسات الأكاديمية، وهو ما يجعل موقعا كمايو كلينك الطبي ينشر دراسة حول الضحك وأثره في تنفيس الضغوط والتوتر، حيث تؤكد الدراسة بأنه “لن يَشفي التحلي بروح الدعابة جميع الأمراض، ولكن البيانات تتزايد بشأن الأشياء الإيجابية التي يمكن للضحك القيام بها”، وحددها بآثار قصيرة المدى مثل تحفيز الدورة الدموية وإطلاق المسكنات الطبيعية من الدماغ، واسترخاء العضلات، وآثار طويلة المدى مثل تحسين الجهاز المناعي، وتخفيف الألم، والشعر بالرضا، وتحسين الحالة المزاجية.

ويبدو أن البشر أدركوا منافع الضحك دون دراسات طبية ولا تجارب سريرية، فقد ابتكروا وسائل للضحك حتى يحققوا ذلك التنفيس وتحسين المزاج والتحرر من عب الأفكار السلبية، ومن بين تلك الوسائل الكوميديا ومن أشكالها المسرح، فحين بدأ المسرح بالطقوس الدينية آنذاك، وظهرت التراجيديا، ظهرت معها الكوميديا مترافقة معها، فكانت الكوميديا كما رآها أرسطو في كتابه فن الشعر “محاكاة لفعل مشوه، ومثير للضحك”، ولكن هذا التعريف طاله التطور والتغير كما طال الكوميديا نفسها التغير والتطور، بل حتى تشكلت أنواع من الكوميديا انتقلت من المسرح إلى السينما والتلفزيون. حيث ظهرت في البدايات الكوميديا السوداء التي تتناول موضوعات حزينة كالموت والمرض لكن بشكل كوميدي، والكوميديا الهزلية، وكوميديا الأخلاق، والكوميديا الرومانسية والكوميديا التراجيدية. وتطورت الكوميديا وظهرت أشكال وأنواع أخرى بعد الانفكاك من الكوميديا الكلاسيكية، فظهرت الكوميدي دي لارتي في إيطاليا التي ارتكزت على الارتجال، حتى وصلنا لكوميديا الفارس (المسرح التهريجي) والذي يستهدف فقط لإثارة الضحك دون أي هدف اجتماعي أو أخلاقي ولذلك تعتمد في اثارة الضحك على الحركة البهلوانية والنكتة اللفظية، أو الملابس أو سلوكيات أبطال المسرحية، وهو الشكل الذي صار أكثر شيوعا في المسرح والسينما والتلفزيون الآن وعده النقاد من أدنى أشكال الكوميديا، كما ظهرت مرافقة له أشكال عدة من الكوميديا، وكلها تصب في الغاية الأولى للكوميديا وهو الضحك، ولكن ليس الضحك المجرد من أي معنى، فالكوميديا تهدف للمبالغة والتضخيم والتركيز على سلوكيات فردية أو اجتماعية لنقدها، فيكون الضحك مغلفا بخطاب ما.

المسرح العربي والخليجي، لم يخرج منذ بداياته عن مفهوم الكوميديا السامي، وكان الوسيلة الأنجع للوصول بالمسرح للجمهور الذي كما قلنا يميل للضحك أكثر، فكانت المسرحيات مترجمة أو أصيلة تقدم خطابها عبر الفكاهة المكتوبة بعناية، دون أن يكون للممثل المساحة الكبيرة للإرتجال، فالمسرح في البدايات يعني تكامل عناصر، نص ومخرج وممثل، ولا يمكن للممثل أن يتجاوز النص كما يشاء عبر الارتجالات غير المحسوبة. لكن مع الوقت تحرر المسرح من سلطة الكلمة، سلطة النص، وصارت سلطة الممثل هي العليا، بل أقوى من سلطة المخرج نفسه، وهو ما نشهده في المسرحيات الأخيرة التي تقدم للجمهور تحت عنوان الكوميديا، وحتى المسلسلات التلفزيونية أيضا، فالممثل يملك المساحة الأكبر للتحرك ووضع لمساته عبر افيهات أو قطات أوذبات بلا مبرر درامي ولا معنى، فهو يملك الخشبة وحده، يسخر من ممثل زميله، من شكله، من طريقة كلامه، من عرقه. دون أي سياق درامي، مسرحيات بلا نص، بلا حكاية ولا بناء درامي، ولا شخصيات ذات أبعاد.

كوميديا الفارس التي كانت أدنى أشكال الكوميديا، صارت هي الشائعة والمسيطرة، وخفتت أنواع من الكوميديا التي كان لها تأثيرا اجتماعيا حقيقيا لأنها كانت أشبه بكشاف اجتماعي، بل وثيقة اجتماعية وفنية، فتحولت المسرحيات والأعمال التلفزيونية التي قدمت كوميديا الموقف مثلا، إلى أيقونات وإرثا لا ينمحي، فمن ينسى (باي باي لندن) و (فرسان المناخ)، (طاش ما طاش)، (خلك معي)، (درب الزلق) وغيرها من الأعمال الكوميدية، بينما صارت المسرحيات التي تقدم لنا التهريج ولأنها أعمال سريعة التحضير، سريعة الإنمحاء والإندثار، فهي لا تختلف أبدا عن تلك المقاطع التي نشاهدها عبر تطبيقات التواصل الاجتماعية التي لا تقدم إلا النكتة دون خطاب درامي.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑