إضاءة على غرفة واسعة مليئة بالكراسي، وأواني البوفيه المفتوح مصفوفة على جدران المكان الذي يبدو صالة كبيرة تطل على حديقة واسعة نراها عبر نافذة ضخمة، الوقت نهاراً حيث تشير الساعة المعلقة على الجدار في عمق المسرح إلى الساعة 2:15 . على أحد الكراسي يجلس ماهر الرجل الستيني الذي يرتدي ملابس أنيقة مبالغاً فيها، قلقا مترقبا. وهذا ما يبدو على حركات يديه وأصابعه ورجليه المتوترة. يقف ويتجه للنافذة، يطل منها، ثم ينظر لساعة يده، ثم للساعة على الجدار لكنه يبقى على توتره. يتمشى في المكان بخطوات قلقة ومترقبة. يتجه للساعة ينظر إليها ثم لساعة يده، يخرج جواله من جيبه وينظر له
ماهر: ظننت أن الساعة تحتاج لضبط، لكن ساعة يدي وساعة جوالي أيضا مضبوطة على ذات الساعة والدقيقة.
يبتعد قليلا
ماهر: (بنوع من القلق) ربما أرسلت الدعوة خطأ. ربما ليس اليوم موعد الحفل. ربما، ربما كبرت وأصبحت خرفاً. ربما. لكن الأمر غريب. لا أحد؟، أبداً؟
ينظر لجواله بتمعن، ويبدو عليه الخيبة
ماهر: لا خطأ في الدعوة، نفس اليوم، ونفس التوقيت. لست خرفا إذا. عقلي ما يزال ينبض حياة. لكن يبدو أن ثمة أمراً غريباً، لماذا لم يحضر أحد؟.
يلقي نظرة على النافذة، ثم يعود بقلقه وترقبه
ماهر: لا أحد، ساعة وربع مرت دون أن يظهر أحد منهم. ما الذي أخرهم؟ (يفكر قليلا) ربما موقع المكان، ربما لم أبعثه بشكل صحيح (يتوقف بخيبة) لكنهم يعرفونه جيداً، جاءوا سابقا حين أحيوا حفلا لتكريمي. لماذا حتى الآن لم يأت أحد إذاً.
يجلس على أحد الكراسي، يحرك رجليه بتوتر، يضع رجلا على أخرى، ثم يغير ويضع الرجل الأخرى، ينظر في ساعة يده، ثم في ساعة الحائط. يقوم ويتجه ناحية قدور البوفيه، يبدأ فتحها واحدا واحدا بشكل متوتر. ثم يقف في المنتصف
ماهر: 30 شخصا كان يفترض بهم أن يملؤوا هذا المكان، بفرحهم وضحكهم وضجيجهم، لكن لا أحد منهم أتى. أنا لا أفهم ما سر هذا الغياب. أليست هذه الحفلات التي كانوا يتوافدون عليها، يفعلون المستحيل لحضورها وتأكيد التواجد؟.
يقف ماهر وهو ينظر للمكان الخالي
ماهر: كانت الكراسي لا تكفي، هناك من يظل واقفا، هناك من لا يجد طعاما ولا شرابا يكفي. كان الضحك والابتسامات تؤثث المكان بالفرح. لماذا إذا غابوا ولم يأتوا؟، ولا واحد منهم. هل سأبقى وحدي في هذا المكان، أهش الذباب بعد أن كانوا هم حولي كالذباب.
يرى من النافذة شخصٌ يقترب من المكان، لكن ماهر لا ينتبه له، يقترب أكثر وأكثر، ثم يدخل على ماهر الذي ينتبه لدخوله، فيتجه له بفرح، إنه سليم، شاب في الثلاثينيات من عمره، بسيط الملابس
ماهر: (بفرح مبالغ فيه) أهلا وسهلا، شكرا لأنك لبيت الدعوة، تفضل، استرح. سيأتي الجميع، أنت أول الواصلين يا.. (يتذكر، وبحرج) اعذرني، نسيت اسمك، لكني أتذكرك تماما. أنت تعرف أن الوجوه صور لا تنمحي من الذاكرة أبداً، بينما الأسماء دائما ما تكون عرضة للنسيان.
سليم: (ببرود) سليم، ولن تعرف اسمي بالتأكيد، فأنا لا أملك منصبا ولست شخصية اعتبارية. أنا شخص بسيط ككل البسطاء.
ماهر: (بحرج) لا تقلل من شأن نفسك يا رجل. أنا اقدر لك مجيئك وتلبيتك لدعوتي، بينما البقية تأخروا.
سليم: (وهو يطالع في المكان الفارغ من البشر) وربما لن يأتوا؟.
ماهر: (باستغراب) ولماذا لا يأتون، أنا.. تعرفني من أكون، كان الجميع يلبون دعواتي
سليم: ولن يلبوها الآن.
ماهر: (مصدوما) ولماذا، ما الذي يمنعهم؟
سليم: لأنك لم تعد كما كنت.
ماهر: أنا كما كنت، لم أتغير.
سليم: بل تغيرت كثيرا. فقدت ما يجعلهم يلبون دعواتك.
ماهر: وأنت.. ما الذي جعلك تلبي دعوتي؟. كان يمكن ألا تأتي.
سليم: صحيح، ولكني اخترت أن آتي، وأراك وحيدا.
ماهر: وما الذي يجعلك تتأكد أني سأكون وحيداً؟، ربما يأتي أحدهم.
سليم: لن يأتي أحد، وستظل وحيداً. وما جئت إلا لأتشمت.
ماهر: (مصدوما) تتشمت؟
سليم: وأرى ذلك الجبروت الذي كنت تملكه، كيف هو وأنت وحيد. كل من ظننت أنهم سيحتفلون بك، لن يأتوا.
ماهر: (بإصرار) سيأتون، أنا على ثقة. مجرد وقت، وسيملأ هذا المكان بالناس، بالضجيج والفرح.
سليم: (يضحك ساخرا) لن يأتي أحد. ولا فرح ولا ضجيج، ولا تهاني.
ماهر: يبدو أنك لا تعرفني فعلا، ولا تعرف من أكون.
سليم: أعرفك جيداً، وأعرفهم جيداً. أعرف ما الذي يربطهم بك. أنت مجرد منصب، كرسي، جماد بلا روح. وبمجرد أن تستبدل، لن يروك، لن يعرفوك، لن يصفقوا لك، لن يهنئوك.
ماهر: أنت مخطئ، ربما ترى الناس من مرآة ذاتك، تتعامل مع اﻵخرين وفق مناصبهم ومكانتهم. لكن هناك من يتعامل إنسانيا وأخلاقيا.
سليم: وهل تملك رصيدا أخلاقيا يجعلهم يتعاملون معك بعيدا عن منصبك؟.
ماهر: (بضيق مكتوم) وهل أنا سيء لهذا الحد؟
سليم: ربما. ولكن لك أخطاؤك التي لا يغفرها لك الناس.
ماهر: لذلك أعاقب، ولا يلبون دعوتي؟
سليم: نعم. هم يعلمون بأنك تكلفت بنفسك ترتيب وتنظيم هذا الاحتفال، لأنك انتظرت منهم طويلا أن يبادروا. ولم يبادر أحد.
ماهر: (متهربا) أنا أعذرهم، ربما ظروفهم لا تسمح.
سليم: بل هم غير مهتمين بالاحتفاء بك. أنت مجرد عابر في طريقهم، عبرت وانتهى دورك، وستروح للنسيان.
ماهر: إذا كنت أشبعت شهيتك للشماتة، يمكنك المغادرة اﻵن. أفضل أن أبقى وحدي.
سليم: لم أنته بعد. الليلة طويلة.
ماهر يسكب لك فنجان قهوة بتوتر واضح، ثم يقترب من سليم
ماهر: (وهو يحتسي فنجان القهوة) أنا ما اعتدت على الانهزام. وما حدث اليوم مجرد صفحة، سأطويها، وأكمل حياتي كما هي.
سليم يتجه هو اﻵخر ويسكب له فنجان قهوة
سليم: ستطويها؟، ربما. لكنها ستبقى عالقة، كلما مرت نسمة هواء، ستفتح الصفحة لترى خيبتك.
ماهر: أتعرف؟، لم يهزمني شئ أبداً، فعلت كل ما يمكن أن تتوقعه حتى أصل لما وصلت إليه. كبذرة صغيرة، كبرت وكبرت، واثمرت. تجذرت فلا يمكن أن تقتلعني ريح. ولا حد فأس.
سليم: لكنك كبرت على أنقاض غيرك، بل على أجساد غيرك. تهمش وترمي وتبعد، حتى تكبر.
ماهر: حقي، أنا في معركة، وكل سلاح مشروع. المهم أن أكسب معركتي.
سليم: معركة بلا شرف.
ماهر: الشرف وهم. لا مكان له في معاركنا.
سليم: حين عرفتك أول مرة، حذروني منك. من سطوتك على اﻵخرين. من قدرتك على الولوج إلى أي مكان تجد فيه ما ينفعك شخصيا بالدرجة اﻷولى. لم أكن أتصور أن هناك شخص مثلك. لا يملك شرفا، ولا يضيره أن يدوس ويدمر أي أحد يقف في طريقه.
ماهر: ستكون مثلي لو كنت مكاني. ستفعل ربما أكثر مما فعلت.
سليم: لكني لست مثلك. ولن أكون، ما يمنعني هو أخلاقي.
ماهر: (بسخرية) أية أخلاق؟، أن تأتي هنا لتشمت بي؟، أهذه أخلاق؟.
سليم يحاول التهرب بالصمت والنظر بعيدا من النافذة
ماهر: لو لم أفعل ما فعلته، لما أصبحت ما كنت عليه. كنت سأظل شخصا بلا أجنحة أحلق بها.
سليم: لكنك حلقت بأجنحة مهترئة، لم تحافظ عليك عاليا. أنت سقطت على رأسك.
ماهر: ولم أتأذَ. أنا قادر على أن أنفض غبار السقوط. وأحلق ثانية.
ماهر يقترب من سليم بكل هدوء
ماهر: ما الذي يدفعك للشماتة بي؟.
سليم: لأني واحد من ضحاياك. أنت لا تتذكر اسمي، وبالتأكيد لا تتذكر حكايتي معك.
ماهر: كيف لي أن أتذكر وطابور طويل من البشر مر علي. ثم أني لا أريد أن أسمع حكايات. غادر اﻵن. أرغب في البقاء وحدي.
سليم: عليك أن تسمع حكايتي، لتتذكر ما قلته لك. حين بشرتك بمصيرك. حين قلت لك ستسقط. فكل من حولك يتمنون سقوطك سريعاً حين تنتهي مصلحتهم منك.
ماهر: (بحدة) وأنا لا أريد أن أستمع لك ولا لحكايتك ولا لهذاياناتك. اتركني.
سليم: أنا لن أتركك. لا بد أن تسمع، لأنك لم تسمع لأحد أبدا. أنت اﻵن في اللحظة التي يجب أن تسمع فيها.
ينتبهان للنافذة، حيث تقترب فتاة من المكان.
ماهر: (بنوع من الانتصار) هناك من لبى.
سليم يراقب الفتاة التي تقترب أكثر وأكثر دون أن تتضح ملامحها
سليم: انها فتاة.
ماهر: هي شخص. بشر، لبت دعوتي. لأثبت خطأك.
سليم: شخص واحد، لا يعني أن لك قيمة عند أحد. كل هذا التنظيم والترتيب والطعام والشراب، ليس لشخص واحد.
تدخل الفتاة عليهما، ينظران لها، لكن تبدو الصدمة على ملامح ماهر
ماهر: (للفتاة) ما الذي أتى بك؟. أنا لم أدعوك.
سليم ينظر لماهر مستغربا
الفتاة: (وهي تطالع في المكان) لا أحد. ألم يلبِ دعوتك أحد؟
ماهر: وأنتِ جئت بلا دعوة.
الفتاة: نعم، أنت لم تفكر حتى بدعوتي.
ماهر: لا تربطني بك أي علاقة حتى أدعوك.
الفتاة: (باستغراب) أي علاقة؟. نسيت كل ما كان بيننا؟.
ماهر: لم يكن بيننا أي شيء حتى أتذكره أو أنساه.
سليم: (يبتسم بخبث) يبدو أن هناك حكايات لا نعرفها عنك.
ماهر: (بعصبية) لا حكايات، أنها تدعي معرفتي بها.
سليم: لكنك عرفتها حين دخلت.
الفتاة: هو يدعي أنه لا يعرفني.
ماهر: لا أريد أن أراك هنا، هذا الحفل خاص بي، للاحتفاء بي.
الفتاة: أعرف، لكن لم أكن أعرف أن حفلك خال بلا أي أحد. لم يلبِ أحد دعوتك؟
سليم: (بسخرية) ولن يلبيها أحد.
الفتاة: (لسليم) ومن تكون أنت؟، ها أنت لبيت دعوته.
سليم: بل جئت لأرى سقوطه، وأرى كيف ينهار بعد أن سلبت منه قوته. هو الآن بلا أي قوة ولا سطوة. مجرد من كل شيء.
ماهر: (بتحد) لست ممن يسقط، ولست ممن ينهار. لم تعرفني جيداً.
سليم: (وهو يشير للكراسي الفارغة) فعلا، وهذا هو الدليل. لا أحد.
ماهر: أنت تراها سقوطا، وأنا لا أراها حتى.
الفتاة: ولماذا لم يلب أحد دعوته؟، أليس هو صاحب السطوة والوجاهة؟، الكل كان يمسح له حذاءه، ويربت على كتفه.
ماهر: الغائب عذره معه.
سليم: بل الغائبون. وغيابهم يقصهم ظهرك. كنت تظن أنهم سيأتونك مباشرة بعد الدعوة، لكنك لم تفطن إلى انهم ما عدت تعني لهم شيئاً.
ماهر: لكني كنت أعني لهم الكثير.
سليم: مكانتك، مقامك هو ما كان يعني لهم، وليس شخصك.
الفتاة: (بسخرية لماهر) لم أتخيل أن أراك وحيدا، سنوات وأنت تمشي كطاووس حولك يركض المتسلقون والباحثون عن فرص.
ماهر: (بحدة) ولم أتخيل أن تصل بك الوقاحة أن تأتي هنا بعد أن طردتك.
الفتاة: طردتني؟، بل أنا من تركتك حين اكتشفت أي رجل أنت.
سليم: (بتشفي) سأسكت لأستمع إلى هذا الحوار المليء بالحكايات التي لم ترو بعد.
يتجه لكرسي من الكراسي ويجلس كمتفرج
ماهر: ولماذا عدتِ؟، أنت خرجت من حياتي. ولم يعد لك أثر فيها.
الفتاة: لكن أثر جرحك ما يزال ينزف. أنا لست كما كنت بسببك. بسبب علاقتي بك.
ماهر: لم اقتحم عالمك، بل أنت التي حاولتِ الوصول إلي. وتقربتِ مني. ووصلت.
الفتاة: كنت أحتاج مساعدتك، ولم أتصور أن تستخدمني لتصور للآخرين، أنك الرجل الذي تلاحقه الفتيات، الرجل المرغوب. وهو في هذا العمر.
ماهر: (يضحك بثقة) ولكني رجل مرغوب فعلا، ولن يتغير الأمر.
الفتاة: إدعاء، كنت تأخذني معك في جلساتك واجتماعاتك لتبين للجميع أنك لم تكبر. وأن فتاة صغيرة ترافقك.
ماهر: لكنك لست الوحيدة. غيرك حاولن أن يصلن لي. وأثبتُ للجميع بك وبغيرك، أني الرجل المرغوب، الرجل الذي لم يغير العمر ولا الزمن منه.
الفتاة: (بحسرة) أنت خدعتني وخدعتهن. لم نحصل على شيء مما كنا نحلم به. كنت تقول لنا أنك ستفرش الأرض لنا فرصا وستفتح لنا الأبواب. وكان كل ذلك وهم ليس إلا.
ماهر: أنت ادعيتِ الشرف، فخسرتِ كل الامتيازات، خسرت الأرض المفروشة والأبواب المفتوحة.
الفتاة: لست سلعة تتنقل بها من جلسة إلى جلسة.
ماهر: هذا مفتاح الأبواب.
الفتاة: (تقاطعه محتدة) هذه خسة.
ماهر: لا تبرئي نفسك من الخسة نفسها، وجودك معي خسة، قبولك في البدء خسة.
الفتاة: لكن ما بعدها تمادي، لا يمكن القبول به. أي فتاة شريفة لا تقبل أن تكون في هذا المكان، مجرد سلعة.
ماهر: ما بيننا كان مصلحة، علاقة عابرة تحكمها الرغبة في الربح. لكل منا غايته في هذه العلاقة.
الفتاة: (بغضب وحدة) لكني لم أحصل على شيء.
ماهر: حصلتِ على السفر، المتعة.
الفتاة: لم يكن هذا يكفي. لم أتقرب منك لأحصل فقط على السفر والمتعة.
سليم يقف لحظتها مصدوماً
سليم: ما أسمعه صادم. أنت جربت كل شيء إذاً لمصلحتك.
ماهر: (بثقة) لو كنت مكاني، ستفعل أكثر مما فعلت. ومن حقي أن أستخدم كل ما أملك من أسلحة.
سليم: لكنك لست في معركة.
ماهر: بل هي حرب، وليست معركة واحدة. حرب الوصول والثبات. الحرب مع أمثالك الذين يبحثون عن سقوطي، الحرب مع من هم أكبر مني، أهادنهم، حتى يكونوا معي وفي صفي. أطوعهم لمصالحي.
سليم: إنها وضاعة.
ماهر: (يقاطعه) بل مهارة، أن تستخدم كل ما تملك.
سليم: (يصرخ) ساقط، لم أظنك بهذا السقوط. ما ذنبها؟.
ماهر: هي من كانت تبحث عني، دخلت عالمي من نافذته.
سليم: لكنك استغليتها.
ماهر: هي مجرد سلاح، أحارب به. وهي اختارت أن تكون سلاحا من ضمن أسلحتي.
الفتاة: (تبكي) لكن مصيري صار كسلاح خردة مرمي، بلا روح.
ماهر: لأنك تماديت، ظننت بأنك ِقادرة على أن تتحولي لفوهة تطلقين علي. وأنا لا أسمح.
سليم: (للفتاة) كيف صدقت شخصا مثله، كيف جرك إلى عالمه؟
الفتاة: كنت أظنه عالما جميلا، مثالياً، عالما يمكنني أن أحقق فيه ذاتي. نافذة أرى فيها ما لم أره.
ماهر: كنت سترين، لكنك غبية. ساقتك المبادئ والقيم، تلك العناوين الوهمية إلى الهامش، كنت ستكونين في متن ما.
الفتاة: القيم والمبادئ ليست وهما، كيف نعيش بلا قيم، بلا مبادئ؟.
ماهر: الحياة التي نعيشها الآن، تحتاج أن نترك كل تلك العناوين جانبا.
سليم: ما أقبح افكارك، وأقبح عملك.
ماهر: (يضحك بسخرية) الأمر نسبي، القبح والجمال. ما تراه قبحا، يراه غيرك جمالا.
سليم: لكن القيم ثابتة، وليست نسبية.
ماهر: الأمر منوط بكيف نراها، هناك من يراها ثوابت، بينما أراها أنا، لأعيش في هذه الحياة، وأصل واحقق كل ما أتوق إليه، مجرد أوهام.
سليم: كنت أظن أني أفهمك، وجئت لأسخر وأشمت بك. لكنني أرى شخصا غريبا، قد يفعل أي شيء من أجل مصلحته.
ماهر: لأني أفهم، أدرك. وأؤمن أيضا أنه يحق لي أن استخدم كل الأسلحة حتى أنجو.
الفتاة تهم بالمغادرة
الفتاة: أنا لا استطيع البقاء هنا. أشعر أن الهواء سام. أنا أختنق
سليم: (يناديها وبصوت خافت) لا تغادري. وجودك يشعرني بنوع من الأمان وأنا معه. وجدت نفسي في ورطة لا أعرف أخرج منها.
الفتاة: وأنا مثلك، ظننت أني قادرة على هزيمته. سأغادر.
سليم: مغادرتك انتصار له. لا بد أن نهزمه. لا بد أن نشعره بأنه ضئيل بلا معنى.
الفتاة: كيف؟.
سليم: لا أدري، لكن هروبنا استسلام. انه شخص ذكي.
الفتاة: بل داهية. نحن لا نملك دهاءه.
سليم: سينكشف ضعفه. فقط ابقي معي ولا تغادري.
ماهر ينظر للساعة على الجدار ثم ساعة يده وما يزال بعض القلق على ملامحه
ماهر: (لسليم والفتاة) لماذا تقفان هناك. ألن تغادرا؟
سليم: وهل نتركك وحدك؟. أنت تحتاج لمن يؤنس وحدتك.
ماهر: (يضحك بسخرية) وحدتي؟، أنا لا اشعر بالوحدة أبداً. يمكنكما أن تغادرا.
الفتاة: (بنوع من الحرج) أنا لا أريد المغادرة. سأبقى هنا أيضا. أريد أن أرى القلق والترقب على وجهك، خسارتك أيضاً.
ماهر: لن تريها أبداً. ألم تعرفيني عن قرب وأنت كنت ملازمة لي، في رحلاتي، في جلساتي واجتماعاتي؟، فكيف تعتقدين بأني أخسر. تقصدين الطعام (وهو يشير لقدور الطعام) هناك الكثير من الجوعي. جوعى بطون، مثلكم، أيها الجوعي للأضواء.
سليم: ألم تمل من حياتك هذي؟
ماهر: ولماذا أملّ؟، حياة مليئة بالضجيج، مليئة بالفرح، حياة تتمناها أنت وهي. حياة يتمناها الكثير.
الفتاة: لكنها حياة بلا نكهة. حياة نفقد فيها المعنى.
ماهر: أنا لم أفقد المعنى. ولكن أنتِ لا تتقنين طريقة الحياة. لا تتقنين كيف تقبضين على الفرص.
الفتاة: كنت أظنها فرصاً حقيقية، لكنها كانت فرصا تسلبني معناي وقيمتي كإنسانة، وتحولني إلى سلعة. أو مجرد مانيكان في فاترينة.
ماهر: هذا سوقنا. ولا يمكن أن تخرجي من دائرتك إلا إذا بدأت من الفاترينة.
الفتاة: لا أقبل على نفسي.
ماهر: قبلت بمجرد الخطوة الأولى. حين رافقتني، فأنت قبلت. تراجعك هو تحصيل حاصل لا أكثر.
الفتاة تبدو عاجزة، تجلس على أحد الكراسي
الفتاة: (بحزن) تراجعت لأني صدمت، ربما كنت أحسب الأمر أسهل. مجرد رفقة، قد توصلني إلى أن أجد طريقي. لكن لم أتصور أن الرفقة لها ثمن غال جدا، لا أملكه.
يخرج سليم هاتفه الجوال ويبدأ بالتصوير دون أن ينتبها له
ماهر: أتظنين أن طريقي سهل؟، أنا أيضا تنازلت عن الكثير حتى أصل. كنت شخصا بسيطا، أحلامي بسيطة مثلي. لكن وجدت نفسي هامشيا بلا معنى. بينما غيري في المتن، يكبرون، وينتفخون كبالونات غاز. قلت في نفسي، لمَ لا أكون مثلهم، لماذا أظل في الهامش.
الفتاة تنظر له مستفهمة
ماهر: بحثت عن كل الطرق التي توصلني إلى المتن. بل تلك التي تجعلني استوطنه وأستقر فيه. صارت كل الطرق متاحة.
الفتاة: كل الطرق. حتى تلك الملتوية؟
ماهر: الملتوية، والمنحنية والمليئة بالحفر والمطبات. كلها. متاحة لأن أسلكها. لولا تلك الطرق التي لا تعجبك لما وصلت أنا لما كنته، مكانة ومهابة، يحوط بي المتسلقون وماسحو الجوخ.
الفتاة: لكنهم تركوك عندما وجدوك بلا منصب، وبلا مكانة (وهي تشير للمكان) انظر، لا أحد.
ماهر: (يتنهد) صحيح، أكيد أنهم يبحثون عن شخص آخر يتمسحون به ويطبلون له، ويتسلقون عليه.
الفتاة: أنا متأكدة أنك كنت تدرك وتعي أن لا أحد سيلبي دعوتك.
ماهر: كان لدي بعض الشك. قلت ربما هناك من عرفني وأحبني بصدق. تقرب مني بصدق، احترمني وقدرني بصدق.
الفتاة: لا تعول على من اعتاد التسلق واعتاد التطبيل. أنت غضضت بصرك عنهم، كنت تعرف أن مشاعرهم زائفة، تقربهم كذب. ولكنك أنتشيت بكل الزيف الذي يحيطك.
ينتبه ماهر لسليم الذي ما يزال يصور ما يدور بجواله، يتجه له غاضبا ويحاول خطف الجوال فيتفاجأ سليم
ماهر: (بغضب) ما الذي تفعله؟
سليم: كنت أصورك. أصور اعترافاتك ليعرف الناس من تكون.
الفتاة تقف بغضب
الفتاة: لكنك صورتني أيضاً، ما ذنبي؟
سليم: أفعل مثله، استخدم أي سلاح. ألم يقل هو ذلك؟
الفتاة: تتهمه بالوضاعة وأنت أكثر وضاعة وخسة. تستخدمني لتنتقم منه وتفضحه؟
ماهر: يدعي المثالية، جاء ليتشمت بي ظناً منه أنه برئ وضحية، ولكنه لا يختلف أبداً (يمد يده لسليم) هات الجوال أو امسح ما صورته.
سليم: لن أمسح شيئاً، سأنشره لأفضحك، أنت تستحق الفضح. تستحق السحق وتستحق العودة لمكانك، للصفر، للا شيء.
يهجم ماهر على سليم ويحاول خطف الجوال منه، يشتبكان، بينما يقاوم سليم يبعد الجوال، ويبدو ماهر أكثر قوة من سليم الذي يقاوم ماهر بكل ما فيه من قوة، يجد نفسه مضطرا فيرمي الجوال بعيدا، تركض الفتاة للجوال وتأخذه، ينتبه ماهر ويبتعد عن سليم ويتجه للفتاة
ماهر: احذفي ما صوره.
الفتاة تحاول فتح الجوال لكنها لا تتمكن
الفتاة: مقفل برقم سري.
سليم: (وهو يلهث) لن أعطيكما الرقم السري.
ماهر: لا بأس، لن ترى هاتفك مرة أخرى
يرن هاتف ماهر، ينتبه يخرجه من جيبه يرى اسم المتصل فيعدل هندامه ويرتب نفسه ثم يبتسم بثقة ويرد على المكالمة بعد أن يبتعد عن الفتاة، سليم يقترب من الفتاة التي تحاول الابتعاد عنه
سليم: إنها فرصتنا، يمكنني تعديل الفيديو بحيث أحذف صورتك، أو أظللها بحيث لا يُعرف من تكونين. ستنتقمين منه، وأنا سأنتقم ممن تسبب في قطع رزقي وفصلي من عملي.
الفتاة: ما الذي يجعلني أثق بك، وأنت صورتني دون علمي؟. كنت أظنك مختلفا عنه.
سليم: أنا مختلف عنه فعلا، أنا شخص بسيط ليس لي أحلامه، لا أطمح لمكانة ولا منصب. لكنه آذاني وتسبب في فصلي من عملي.
الفتاة: (تخبئ الجوال في جيبها) لا اضمنك. لن أعطيك الجوال.
سليم: (وهو يقترب منها) اعطيني إياه. لا تضيعي الفرصة.
يقطع حوارهما ضحكات ماهر وهو مشغول في مكالمته
ماهر: (بفرح) أتشرف بالتأكيد. شكرا لك لأنك لم تنسني ولم تنس صداقتنا. وشكراً لهذه الثقة. إنها مسؤولية أتمنى أن أكون على قدرها
ينظر سليم للفتاة باستغراب واستفهام وهي تنظر له
ماهر: بالتأكيد يمكنك نشر الخبر، فالأمر يستحق أن يعرفه الجميع. وأنا جاهز للبدء في عملي من هذه اللحظة.. تحياتي، إلى اللقاء.
ينهي ماهر المكالمة، ويقترب من سليم والفتاة بكل ثقة وفخر
ماهر: قلت لكما، أنا لا يمكن أكون وحيداً، قد أخسر في معركة، لكني أكسب الحرب دائما.
يستغربان وينظران لبعضهما البعض، يشير للنافذة ونرى من البعيد جموع من الناس تقترب
ماهر: (يضحك) ها هم جموع المتسلقين والمطبلين والزائفين، قادمون ليمسحوا الجوخ. جاءوا ليحظوا بودي وقربي، وابتساماتي.
سليم: (مصدوما) ما الذي يحدث، كيف؟
ماهر: تركت منصبا وأصبحت مستشاراً، لم ينته الأمر أبداً، ولن ينتهي كما تريدان، بل كما أريد. كانت لحظات ومضت. لن تترك أي أثر
يقف في مقدمة المسرح بكل ثقة يرفع يديه منتصرا
ماهر: نحن الأبقى، فنحن الأكثر وضوحا.
يدور سليم والفتاة حوله وهم يرددون
سليم: لكنكم مزيفون
ماهر: حياتنا تحتفي بالزيف والمزيفين.
الفتاة: لكن التاريخ سينساكم.
ماهر: ولن يذكركم. أنتم مجرد ذكرى عابرة. ولكن زيفنا نحن سيترك أثراً دائماً.
سليم: لن يذكرك التاريخ. زيفك هو ما يبقيك.
الفتاة: ومتى ما رحلت، انتهيت.
ماهر: أنا باق لأني الأجمل والأوسم.
سليم: أنت مجرد زيف
الفتاة: أنت مجرد زيف، مزيف.
ماهر يطلق ضحكات عالية ساخرة وكلها انتصار، وسليم والفتاة يدوران حوله والأشخاص يقتربون من المكان ويُرون من النافذة، فجأة نرى ماهر يرتفع عن الأرض ويداه التي يبسطهما على امتدادهما تصيران مثل جناحين. يبدو منتشيا وهو يرتفع عن الأرض بينما سليم والفتاة يراقبان وعليهما تبدو الصدمة.. ماهر معلق بكل سعادة ونشوى بينما سليم والفتاة يوزعان نظراتهما بينه وبين القادمين عبر النافذة .. لكن فجأة، تدور عقارب الساعة المعلقة على الجدار بسرعة، يتسارع عقارب الساعة تدريجيا، تتسارع وتتسارع، ثم تنكسر العقارب.. عندها تسقط ملابس ماهر عنه ويتجرد منها، ويبقى بملابسه الداخلية وهو معلق بين السقف والأرض. يراقب سليم والفتاة مصدومين ما يدور. يجد ماهر نفسه معلقا بلا ملابس. يبدو عليه الصدمة والخوف. يبقى معلقا، فتسقط من الأعلى ريش طاووس يملأ المكان، حيث يبقى ماهر معلقا والريش يتساقط على الأرض.
إظلام
أضف تعليق