المسرح العربي والمحتوى الالكتروني على الانترنت

مسرحية

في كتابه (المعلوماتية بعد الانترنت، طريق المستقبل) المنشور في العام 1995م يتنبأ رئيس وصاحب شركة مايكروسوفت بيل غيتس باجتياح شبكة الانترنت لكل مفاصل حياة الناس، وتغييرها لشكل الحياة على الأرض. ولنكون أكثر دقة فإن ما ذكره غيتس في كتابه يبدو خطة مستقبلية لشركته ولإبتكاراتها، فشبكة الانترنت الآن لم تترك تفصيلا صغيرا في يومياتنا دون أن تدخل فيها، ففي الكتاب يشير إلى فكرة الحكومة الإلكترونية التي باتت واقعا في كثير من الدول في الغرب وفي دول عربية، حيث تتم المعاملات الرسمية الكترونيا دون استخدام للورق الذي يشكل عبئا بيئيا واقتصاديا يشغل الهيئات البيئية في الغرب فعن طريق “المعلومات السريع، سيصبح بإمكان وثائق الكترونية ثرية المحتوى فعل أشياء لا يمكن لقطعة من الورق فعلها”. كما يشير الكتاب إلى التسوق الألكتروني الذي يسهل التعاملات التجارية الصغيرة والكبيرة على التاجر والعميل. ولم يترك كتاب جيتس جانبا حياتيا دون أن يضع الانترنت في خدمته، كالإعلام الذي باتت الأشكال الإلكترونية منه تسحب البساط من تحت الأشكال التقليدية، فالصحافة الإلكترونية في طريقها للتسيد، عطفا على التلفزيونات والإذاعات التي تبث عبر الانترنت ومقاطع الفيديو التي شكلت إعلاما جديدا كان محفزا على التغيير في غير دولة في هذا العالم تتسيد الآن وتملك عوامل المهنية أكثر من الإعلام التقليدي. ومن المجالات التي استثمرت الانترنت وجيرته لصالحها، الأدب الذي رأى-جيتس- أنه “سوف توفر لنا التحسينات المتوالية في تكنولوجيا الكومبيوتر والشاشة كتابا إلكترونيا شاملا خفيف الوزن، أو الـ (e-book) الذي سيقارب في صفاته الكتاب الورقي الذي نعرفه اليوم”.

وكان الروائيون قد استوعبوا قدرة الإنترنت من البداية على الترويج لإنتاجاتهم، فبدأوا بالتواصل وشد انتباه قرائهم بوساطة الانترنت، فكانت أولى تلك التجارب الالكترونية لكاتب روايات الرعب الأمريكي ستيفن كنج في العام 1999 الذي نشر روايته The plant)) على أحد المواقع الإلكترونية وصارت تباع بدولار واحد (2)، ما حقق له مستوى مبيعات عال قد لا تحققه الكتب الورقية، وكان  ستينج أول من علق الجرس، وتبعه كتاب آخرون لتتعمق بشكل متسارع علاقة الأدب بعالم الانترنت.

المسرح هو الآخر استفاد بشكل كبير من هذه التقنية المستحدثة، فانطلق تجاه الجمهور عبر الانترنت على مستوى النص وعلى مستوى العرض أيضا، وعلى مستوى المواقع المعرفية والأكاديمية، فالانترنت يزخر بمواقع إلكترونية باللغة الانجليزية تهتم بالجانب المعرفي وبأرشفة كل ما يختص بالمسرح من عروض ونصوص وشخصيات في قواعد بيانات الكترونية مثل موقع internet Broadway database (3) والذي يؤرشف كل ما يتعلق بالمسرح النيووركي الشهير، وموقع The Internet Theatre Database (4) و  The British Theatre Guide(5)، وهي مواقع بمثابة قاعدة بيانات هامة تعين المتتبع للحركة المسرحية أو للباحثين الأكاديميين. وغيرها من مواقع الفرق والمؤسسات المسرحية التي تنقل معلومات عنها وعن نشاطاتها إلى مواقعها الالكترونية التي تحدث بشكل مستمر. وللتأكيد على إدراك أهمية الإنترنت في عالم المسرح قدمت شركة (Digital theatre ) (6) البريطانية لجمهور الفرق المسرحية البريطانية المعروفة فرصة مشاهدة حية عبر تقنية عالية الجودة تنقل كل ما يجري بالصالة باستخدام عدد من الكاميرات لالتقاط كل تفاصيل العرض من الكواليس إلى الخشبة وحتى الجمهور، حيث يتسنى للمتصفح أن يحمل المسرحية بأسعار رمزية ومشاهدتها لاحقا. ومسمى الشركة لا علاقة له بالمصطلح الذي أطلق على شكل من أشكال المسرح وهو (المسرح الرقمي) أو المسرحية الرقمية وهي “عبارة عن تأليف جماعي يجري عبر شبكة الإنترنت”  (7) وكانت بداية ظهور هذا الشكل المسرحي في العام 1985 على يد الكاتب الانجليزي تشارلز ديمر، حيث يتشارك الجمهور في كتابة المسرحية التي بدأها والتي لم تنته حتى الآن!، وتكون وظيفته الأساس البدء بإطلاق الفكرة وتحويلها إلى نص ويعطي بعدئذ الضوء الأخضر للجمهور لإكمال جسد النص.

هذه بعض الشواهد على استثمار المسرح في الغرب للانترنت كشبكة قلصت المسافات وكست الحدود، وجعلت المعلومة بمتناول الجميع بيسر، ولكنها قد تكون قاصرة في المسرح العربي الذي لازال يعاني شيئا من الرهاب تجاه كل جديد والانترنت أحدها، إّذ لا وجود لمثل مواقع البيانات لجمع معلومات عن العروض العربية، ولا حتى المحلية لكل بلد، ولا موقعا عربيا يمكن اعتباره مرجعا بحثيا وأكاديميا لطلاب المعرفة المسرحية، فحتى المعاهد المسرحية المتخصصة لم تدخل عوالم الانترنت، ولا المؤسسات المسرحية الرسمية والأهلية، وإن وجدت فإن مواقعها تبدو هزيلة ولا يطالها التحديث، وكان منها موقع الهيئة العربية للمسرح (8) الذي توقف النشاط فيه بعد تشكيل الهيئة وإطلاقه، ولم يفعل بالشكل الذي يليق بهيئة تحاول اكتساب ثقة المسرحيين، وتحقيق أهداف الهيئة مثل: “العمل على جمع وتوثيق الإنتاج المسرحي العربي بأشكاله كافة في البلدان العربية، بواسطة الوسائل الرقمية الحديثة، مع حماية حقوق الملكية الفكرية لأصحابه”، ولكنها بدأت تعي لأهمية الموقع الالكتروني الذي بدأ النشاط يدب فيه مرة أخرى، ولكنه لا زال موقعاً خبرياً ينقل ما تنشره الصحف من أخبار عن المسرح، ولم يفعل فيه الجانب البحثي والتوثيقي المفترض.

مع هذا فإن ثمة شواهد عربية أخذت من تجربة المسرح في الغرب، ومنها المسرح الرقمي والذي قدم لنظريته عربيا الكاتب والناقد العراقي الدكتور محمد حسين حبيب الذي اعتبر في مدونته (المسرح الرقمي) (9) “أن هذا التجريب في التأليف المسرحي يعد شكلاً مغايراً، فهو يقوم أولا بإلغاء شخصية المؤلف الأساس ويمكن لأي قارئ أن يكون مؤلفاً آخراً بمجرد الدخول لموقع أحداث المسرحية الالكترونية ويساهم في تكملة الأحداث التي لا تنتهي، كأن يختار شخصية معينة ويهتم بها لغرض تفعيل مسيرتها الدرامية، ثم يأتي شخص آخر ويختار شخصية أخرى في المسرحية نفسها ويحاول أن يوسع مديات حركتها النصية وهكذا تستمر العملية بلا توقف”، ففي العام 2005م قدم حبيب نفسه مشروعه للمسرح الرقمي، ويرى أنه الأول عراقيا وعربيا الذي قدم هذا الشكل المسرحي، الذي يتشارك فيه الممثلون مع جمهورهم الذي يتجاوز المكان والزمان عبر شاشة الحاسوب أو عبر فضاء مسرحي افتراضي، وعليه وضع حبيب تعريفه لهذا المسرح الذي يرفع رايته ويروج له في كتاباته رغم ما واجهه من اعتراض من قبل مسرحيين تقليديين يرون فيه تهديدا للشكل المسرحي التقليدي. وتعريف حبيب لهذا المسرح يتسق مع التجربة التطبيقية التي قدمها، فهو “المسرح الذي يوظف معطيات التقانة العصرية الجديدة المتمثلة في استخدامه الوسائط الرقمية المتعددة في إنتاج أو تشكيل خطابه المسرحي, شريطة اكتسابه صفة التفاعلية” (10). وفي ذات العام، قدمت تجربة مسرحية جديدة في نوعها، لم تنسق وراء الأشكال الكلاسيكية من المسرح، فكل عناصر المسرحية افتراضية، لا شيء حقيقي في مسرحية (مذكرات شهيد) التي كتب نصها محمد رياض، وتابعها على مدى ساعتين ما يقرب من 400 شخص عبر إحدى غرف الدردشة لموقع (مصراوي (www.masrawy.com، والمسرحية تستبدل خشبة العرض بشاشة الحاسوب ونافذة الدردشة، والممثلون بالمشاركين بالدردشة، والحوار المنطوق بالحوار الذي يكتب حروفا على الشاشة، وتعابير الممثل وردود فعله بالأشكال التعبيرية (كالوجه المبتسم أو العابس) (11).

وهناك تجارب أخرى محدودة هنا أو هناك، ولكنها تبدو تجارب فردية لا تصل حد اعتبارها شكلا مسرحيا مكرسا وقابلا للتطور كأشكال المسرح الأخرى التي تقاوم التغيرات الحضارية، والتطورات التي تطرأ على هذا العالم، لذا نجد محدودية أيضا في الكتابات النقدية الموازية لهذه التجارب، ويخاف أن تضمحل وتتحول إلى ذكرى، فسبع سنوات حتى الآن لم تفرز عن عدد يعول عليه من المسرحيات.

مع هذا، فإن المتصفح للمواقع العربية المسرحية على شبكة الانترنت، لا يمكن أن يهمل عددا من المواقع التي أراد لها أصحابها أن تستمر وتتطور وتتواصل، ولا تقف عند حد، وهنا نماذج على تلك المواقع وما قدمته للمسرح العربي:

المسرح دوت كوم (12): “هو مشروع ثقافي غير ربحي أسسه الناقد المسرحي سباعي السيد في مارس 2002 بهدف إثراء الحياة المسرحية من خلال إتاحة المجال أمام المسرحيين العرب والمهتمين بالمسرح العربي في كل مكان للحوار وتبادل الخبرات والمعلومات، بالإضافة إلى دوره في نشر الثقافة المسرحية على شبكة الإنترنت”، ورغم أن الموقع يدار بشكل فردي من قبل مؤسسه، إلا أن طموحه يتجاوز فكرة موقع الكتروني أخباري، فقد أصدر الموقع عددا من الكتاب الإلكترونية منها (مسرح المقهورين) للناقد السعودي اثير السادة، وكتاب (واقع المسرح العربي-شهادات ورؤى)، كما انبثقت من الموقع (الجمعية العربية لنقاد المسرح) التي ضمت عددا من النقاد والأكاديميين العرب والتي كان من المفترض أن تبدأ نشاطاتها بعد تشكيل مجلس إدارتها، إلا أن خلافا أجل الشروع في بدأ نشاطات الجمعية، ولكن هذا الموقع بدأ بالسكون والوقوف على حد ما وصل إليه، دون أن يطاله التطور.

واحة مسرحيون (13): يعد الموقع أول مجلة الكترونية مسرحية، أسسه الكاتب والناقد العراقي الراحل قاسم مطرود من فكرة راودته مبكرا حول مشروع لجمع النصوص المسرحية العراقية، ووجد الانترنت فضاء متاحا لتنفيذ مشروعه الذي تحول الآن لأكبر مزود للنص المسرحي في المسرح العربي، خاصة لدى الجيل الجديد من المسرحيين المرتبطين بشبكة الانترنت. فقليل ما يخلو مهرجان شبابي، أو أكاديمي من نص من نصوص الموقع التي تجاوزت الأربعة آلاف نص، ما دعا مطرود إلى إنكار مسالة أزمة النص الذي يعانيها المسرح العربي.

الموقع الذي يضم منتدى يشرف عليه بالإضافة لمطرود الكاتب العراقي المغترب صباح الأنباري، خرج من الفضاء الافتراضي إلى المأسسة، بعد تحوله إلى مؤسسة مسرحية مقرها لندن، تعني بالثقافة بعمومها والثقافة المسرحية على الأخص، إذ يقول مطرود عن تجربته أن “واحة (مسرحيون) التي مرت بمراحل تطور وتغير كثيرة وحالها حال أي كائن حي ينمو ويتفاعل مع إشكالات العصر إذ كانت البدايات بعنوان (المسرح العراقي) وبعد حضورنا الدائم عبر الدعوات إلى المهرجانات العربية والدولية بات من الضروري التفكير بإنســانية المسرح العمــومية والشامـــلة لذا تغــير العنــوان إلــى (مسرحيون) وبعد بناء هيكليته ومشغليته صار مدار بحث السمة الغالبة من المسرحيين الناطقين بالعربية. وحال وصولنا بريطانيا والعيش في لندن بالتحديد وشروعنا بتسجيل مؤسسة مسرحيون في هذا البلد بشكل رسمي تغير العنوان أيضا إلى (واحة مسرحيون) لأننا هكذا شعرنا بأنها واحة محبة وفكر وعطاء وتواصل ولملمة شمل المبدعين والإبداع الذي يكون الإنسان همه الأول أينما حل”، هذا عن الموقع على لسان مؤسسه قاسم مطرود. ونجزم أن هذا الموقع الذي بات الأشهر مسرحيا، هو المصدر الأول للنص المسرحي العربي، وهو المسهم الأول في اشتهار نصوص وكتاب تطوف بهم الخشبات العربية والعالمية، ولكن ولأن الموقع قام على الجهد الفردي، فإن الموقع سكن، بل غاب عن فضاء الانترنت بعد اشتداد المرض على مؤسسه ووفاته فيما بعد، إلى أن عاد مجدداً دون أن يطاله التغيير والتطور قبل أكثر من شهر.

تياترو: قبل سنوات من الآن، ظهر على شبكة الانترنت موقع وهو عبارة عن مشروع مسرحي طموح، أسسه الناقد السوري أكرم اليوسف وكان يريد به أن يؤرشف ويجمع الدراسات الأكاديمية المسرحية في مكان افتراضي واحد، باللغات العربية، الانجليزية، الفرنسية والأسبانية، وكان طموح مؤسس الموقع كبيرا بحجم إشكالية التوثيق في المسرح العربي، وكان لهذا الموقع أن يصبح مشروعا حلما لكل الباحثين في المسرح وملاذا فكريا الكترونيا لهم، لكن اختفى هذا الموقع من الشبكة ولم يعد موجودا، واختفى الحلم. وقد يعود ذلك لأن المشروع كان معتمدا على فرد وليس على مؤسسة تقوم على هيكلية وتوزيع مهام، وهذه المشكلة التي تواجه مجمل المواقع الالكترونية المشابهة.

راديو المسرح (14): يقول مؤسسو الموقع أن “راديو المسرح ليس مجرد موقع مختص في المسرح فقط بل هو أيضا إذاعة تبث برامج صوتية مباشرة و مسجلة عبر الانترنت على مدار 24 ساعة يوميا وهو يتخذ من الفن الرابع مادة و رسالة ورهانا و قد تأسس بفكرة للممثل  شكري البحري بالتعاون مع شركة شو للإنتاج الثقافي ويشرف عليه نخبة من المسرحيين الشباب الفاعلين والمهتمين والمحبين للمسرح”، وينقل الموقع مسرحيات وندوات ولقاءات، إلى متصفحي الإنترنت صوتيا.

وغيرها العديد من المواقع العربية التي لا زالت تنشط في نشر الأخبار والنصوص والمقالات مثل موقع الفرجة للمسرحية بشرى عمور، وموقع الخشبة للعراقي حاتم عودة الذي تحول مؤخراً إلى مجلة مسرحية ورقية، وغيرها من المواقع التي تظهر وتنشط ثم تسكن وتختفي، كموقع ورشة الطائف، وشبكة المسرح السعودي. وحتى الآن لم تصل كل تلك المواقع العربية بالمحتوى المسرحي الإلكتروني إلى حد التعويل عليها في خدمة البحث المسرحي، فالفردية هي المحفز على تدشين موقع وليس المؤسسة المسرحية الجادة التي تهدف لتأسيس مشروع مسرحي إلكتروني يتوازى مع ما يملكه المسرح في الغرب من مواقع إلكترونية فاعلة وغير ساكنة تنقل ما يدور على الخشبات، وتنشر الدراسات المسرحية الحديثة. حتى الآن لم يثبت المسرح العربي أنه قادر على استثمار التقنيات الحديثة لصالحه والتأسيس عليها لتطوير حراكه.

مصادر:

  1. المعلوماتية بعد الانترنت.. طريق المستقبل-بيل جيتس، ترجمة: عبد السلام رضوان، عالم المعرفة 231- مارس 1998م.
  2. http://ar.wikipedia.org/wiki/ ستيفن_كينغ
  3. مجلة شرفات-وزارة الثقافة السورية-العدد 97، (الدراما التفاعلية)- د.رياض عصمت
  4. http://www.ibdb.com
  5. http://www.theatredb.com/
  6. http://www.britishtheatreguide.info/index.htm
  7. http://mhhabeeb.maktoobblog.com
  8. http://www.atitheatre.ae
  9. نفس (7).
  10. ميدل إيست أونلاينhttp://www.middle-east-online.com/?id=109103
  11. رويترز- 25 فبراير 2005م.
  12. www.al-masrah.com
  13. www.masraheon.com
  14. http://www.radio-theatre.com/

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s