المسرح في القطيف بين مسارين

on

مسارين

التجربة المسرحية في منطقة القطيف ليست بمنأى عن التجربة المسرحية في السعودية من حيث البدايات والتراكم، إلا أن ثمة إرهاصات مبكرة من أشكال مسرحية اختصت بها منطقة القطيف، أكثرها وضوحا هو (التشابيه) أو (التمثيل الحسيني) الذي يقدم خلال أيام عاشوراء ويسرد بشكل مجسد قصة عاشوراء الحسين (ع) وما جرى عليه من قتل وانتهاك حرمته، وما جرى على عائلته من بعد استشهاده. هذا الطقس الديني يملك كل عناصر المسرح، من نص، تمثيل، إخراج، وديكور، رغم غياب قصدية المسرح، فهو طقس تعبدي بحت لا يسعى لتقديم أي بعد فني لجمهوره.

وبعيدا عن هذه الإرهاصات الأولى، التي من الممكن أن تكون موّلدا لثقافة التلقي المسرحي وتأسيس جمهور جاهز لتلقي المسرح في بعده الفني، فإن القطيف قد دخلت بوابة المسرح السعودي مبكراً، من خلال الجهات الرسمية الراعية للمسرح، وأولها المدارس التي فتحت الباب للموهوبين لتقديم عروضهم المسرحية في الحفلات المدرسية، والتي أتاحت دخول المسرح لكل قرية من قرى القطيف، وذلك في السبعينات الميلادية قبل ظهور تيارات صحوية في عموم المملكة وقفت موقف الضد مع الفن بكل أشكاله وأولها المسرح، ففرضت قناعاتها أولا على المدارس لتغيب المسرحيات عن هذه الجهة التعليمية، حتى عودتها وعودة تبنيها من قبل وزارة التربية والتعليم.

وإضافة للمدارس فإن الكشافة كانت كشافا حقيقيا لمواهب المسرح في المنطقة عبر حفلات السمر التي كشفت عن مواهب وإمكانات تطورت لاحقا وتحولت لأسماء مهمة في مجال المسرح، من بينها عبد الناصر الزاير، وعلى السبع وغيرهما.

الأندية الرياضية ورعاية الشباب كان لها الدور الأكبر في تقديم العروض المسرحية في منطقة القطيف، ففرع مكتب رعاية الشباب قدم على مدى سنوات عروضا مسرحية ودورات وورشا مسرحية، تركزت أكثرها على مسرحيات الأطفال، خاصة تلك التي ألفها وأخرجها الشاعر والكاتب المسرحي على المصطفى، والمسرحيات التي أخرجها المسرحي ماهر الغانم للأطفال والتابعة لمكتب الرعاية. وإضافة لرعاية الشباب، فقد نشط عدد من الأندية الرياضية في تقديم عروض مسرحية كأندية، الهدى بتاروت والذي قدم فيه رائد مسرح الطفل بالخليج الدكتور عبد الله آل عبد المحسن عروضا مسرحية من تاليفه وإخراجه إبان رئاسته للنادي، ونادي الابتسام بأم الحمام، والصفا بصفوى والذي قدم فيه الثنائي الممثل والمخرج سعيد قريش والكاتب المسرحي الراحل جمال البراهيم مسرحيات منها مسرحيتي (جري الوحوش)، و(أبو ناصر) والسلام بالعوامية، والخليج بسيهات والذي قدم عروضا مسرحية منذ تأسسه وحتى الآن وكان منطلقا لأسماء مسرحية مهمة على مستوى المملكة، إضافة لاستضافته للفرق المسرحية الجديدة كآفان وأمواج.

وكان افتتاح مسرح مركز الخدمة الاجتماعية بالقطيف نقلة نوعية حفزت الفرق المسرحية الرسمية على تقديم عروضها لغياب عائق الصالة ومكان العرض، فنشطت فرقة مواهب المسرحية التي تولى أعضاؤها، ماهر الغانم، عاطف الغانم شأن لجنة المسرح بالمركز، فلم يفت عيد دون تقديم عروض للكبار والصغار، ما حرك المياه التي كانت راكدة في المشهد المسرحي بالمنطقة، فكانت القطيف بفضل هذا المسرح الأكثر نشاطا بين مدن المنطقة الشرقية.

وتعد فرقة مواهب من أقدم الفرق المسرحية الأهلية في المنطقة الشرقية إن لم يكن على مستوى المملكة والأكثر نشاطا حتى وقتنا الحالي، وقد أسس هذه الفرقة في العام 1412هـ كل من الممثلين المسرحيين: ماهر الغانم، عاطف الغانم، ومهدي الجصاص، حيث جمعتهم هذه الفرقة وجمعت هاجسهم المسرحي، وكانت منطلقاً لتجاربهم المسرحية، وكانت تحت مسمى (مواهب مغردة) في بداية التأسيس، ولكنها تغيرت إلى الإسم الحالي. بدأت الفرقة بعروض مسرحية إجتماعية، وجدت طريقها لمكتب رعاية الشباب بالقطيف الذي تبنى عروضها، بعدها وجدت اللجنة الاجتماعية التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية ممثلة بمركز الفنون مظلة رسمية لها، واستقرت على مسرح مركز الخدمة الاجتماعية بالقطيف الذي احتضن أكثر عروض الفرقة التي تعد من الفرق الأعرق في المنطقة والتي تضخ المسرح السعودي بمجمله بالمواهب المسرحية.

وقد توالى تأسيس الفرق المسرحية التي تنشط غالبها في المواسم، كالأعياد وإجازة الصيف خاصة مع وجود جهات تحتضن هذه المسرحيات وتسهل لها مسألة العرض والتواصل مع الجمهور بالقطيف، مثل مهرجانات القطيف والدوخلة والوفاء، ولأن طبيعة المهرجان تميل إلى الجماهيرية والترفيه، فقد تبنت هذه الفرق النوعية ذات القوالب الجاهزة من المسرح الاجتماعي القائم على الضحك.

مع هذا فإن فرقا مسرحية لم تنجر وراء هذه القوالب بل اختارت لها مسارا آخرا يقربها من المسرح النوعي أو ما يطلق عليه غالبا مسرح النخبة، وهو المسرح الذي ينحاز لتيار التجريب، ولا يأبه بالتواصل السهل الذي توفره المسرحيات الجماهيرية، ومن الفرق المسرحية في القطيف التي اختارت هذا المسار، فرق: نورس، أمواج، أفان، مواهب، فالأعم مما تقدمه هذه الفرق يكون فضاؤه المهرجانات المسرحية المحلية والعربية، فهذه الفرق استطاعت أن تثبت جدارتها لتمثيل المملكة في مهرجانات خارجية تمثيلا تمكن من تغيير النظرة السائدة عن المسرح السعودي.

وتميز المسرح في القطيف بمبادرة هامة لتأسيس كيان تنظيمي للفرق المسرحية في المنطقة، تمثل بجماعة المسرح بالقطيف التي تأسست بعد اجتماع تأسيسي لممثلي  17 فرقة مسرحية في العام 2009، وانضوت تحت مظلة نادي الفنون بمركز الخدمة الاجتماعية، وتهدف حسب النظام الأساسي للجماعة إلى المشاركة في المهرجانات والمحافل الدولية، تنمية الوعي المسرحي من خلال الندوات والعروض المسرحية، اكتشاف المواهب والقدرات الفنية المسرحية وإبرازها والعمل على صقلها، دعم الفرق المسرحية المنتسبة للجماعة وتمكينها من إقامة عروض مسرحية للأطفال والكبار، وتنمية شخصية الشباب وملء وقت فراغهم بكل ما هو مفيد وبث روح النشاط فيهم، بالإضافة إلى أنشطة الجماعة التي ستقدمها من إصدار مؤلفات مسرحية، إقامة ورش مسرحية تخصصية، إقامة ندوات تطبيقية لمناقشة العروض المسرحية، إقامة ملتقى مسرحي بشكل دوري لتبادل الخبرات، واستضافة أو إقامة عروض أو مهرجانات مسرحية للأطفال والكبار. وكان مجلس الادارة الأول الذي أنتخب من قبل أعضاء الجماعة مكونا من المسرحيين: حسين آل عبد المحسن (رئيسا)، زهير الصويمل، رشدي الفردان، فوزي آل شنر.. وآخرون. وحدد نظام الجماعة ثلاث سنوات مدة عمل المجلس.

وقدمت الجماعة باسم الفرق المشاركة في عضويتها عدد من المسرحيات في مناسبات ومهرجانات محلية، مثل: مسرحية (الفيروسات) لفرقة المخاتير، (دوخلة سنتر) لفرقة حركات، (بيت الغفلة) لفرقة أضواء، و(حرفوش في حارة المحار) لفرقة ياقوت المحبة، كما تمكنت الجماعة منذ بداية التأسيس من الحصول على بطاقة مشاركة في مهرجان الخرافي للإبداع المسرحي بالكويت فبراير 2010، بمسرحية (علامة استفهام لا أكثر) لفرقة أمواج نورس العضوة في الجماعة وهي تجربة من تجارب المخرج المسرحي الشاب عقيل آل خميس، وبطاقة أخرى لذات المسرحية في مهرجان أوال المسرحي السادس في البحرين 2010م.

والفرق التي اختارت الاشتغال على المسرح النوعي وجدت فرصتها مواتية لعرض ابداعاتها في مهرجان الدمام للعروض القصيرة الذي انطلق في دورته الأول في رمضان 1423هـ، وهو المهرجان الذي بدأ محليا معنياً بمشاركات فرق الدمام والقطيف وسيهات، تجذر كفعالية رسمية مهمة ينتظرها جل مسرحيي المملكة سنويا لما قدمه في دوراته التسع منذ التأسس وحتى وقت كتابة هذه السطور من مستوى تنظيمي وفني فاق المهرجانات الرسمية التي تنظمها وزارة الثقافة والإعلام. وقد شاركت فرق القطيف منذ الدورة الأولى وحتى آخر دورة محققة جوائز في كل عناصر العرض المسرحي، حتى باتت هذه الفرق عصب هذا المهرجان الذي لا يمكنه أن يقوم دون مشاركتها. وقد أسهم هذا المهرجان في اكتشاف مواهب مسرحية في مجالات الكتابة والإخراج والتمثيل ما حدا بفرع جمعية الثقافة والفنون بالدمام وهو الجهة المنظمة للمهرجان لتبني عروض مسرحية لبعض الفرق من المسرحيات التي تحصد جوائزه. فقد تبنى الفرع مسرحية (مريم) تأليف وإخراج ياسر الحسن وقدمت في مهرجان الجنادرية تحت مسمى (بس يا بحر) 1425هـ، كما تبنى مسرحية (خلف البرواز) وهو الاسم الذي اختير لمسرحية (المزبلة الفاضلة) التي قدمتها فرقة مواهب في الدورة الثانية 1424هـ وهي من تأليف عباس الحايك وإخراج ماهر الغانم، ومثلت الفرع في مهرجان الجنادرية وفي الأيام الثقافية السعودية بجمهورية مصر 1426هـ. وفي العام 1429هـ، تبنى الفرع مسرحية (كسر حاجز الصوت) لفرقة أفان تأليف عبد الله الجفال وإخراج محمد الحلال للمشاركة في الدورة الأولى لمهرجان المونودراما بالرياض، وأعقبها مشاركة مسرحة (عندما يتمرد) لفرقة أمواج تأليف حسن الحمود وعقيل الخميس وإخراج عقيل الخميس ومثلت المملكة في مهرجان 24 مسرح بتونس في العام 1430هـ، كما اختار مسرحية (الفيروسات) لفرقة المخاتير تأليف وإخراج حسين آل عبد المحسن للمشاركة في ملتقى مسرح الطفل بالأحساء، ومسرحية (خارج السيطرة) للمشاركة في مهرجان الأحساء المسرحي في دورته الثانية، كما مثلت الفرع مسرحية (مجرد علامة استفهام لا أكثر) لفرقة أمواج نورس تأليف ياسر الحسن وحسن الحمود وإخراج عقيل الخميس في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي 1431هـ، عطفا على مشاركتها عن جماعة المسرح في افتتاح مهرجان الخرافي بالكويت ومهرجان أوال المسرحي بالعاصمة البحرينية المنامة. وآخر ما قدمته الفرق لفرع جمعية الثقافة والفنون بالدمام مشاركة مسرحية (مريم وتعود الحكاية) لفرقة أمواج نورس تأليف ياسر الحسن وإخراج عقيل الخميس ومحمد السبع في مهرجان المسرح العربي الرابع الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح في العاصمة الأردنية عمان.

بعد هذا يمكن الحديث عن مسارين للفرق المسرحية في القطيف، مسار انحاز للفكاهة كنمط سائد في المسرح الخليجي وهو النمط الذي يعتقد أنه الأسهل والانجع للوصول للمتفرج، والأقدر على خلق النجومية، ما وضع الفرق في ورطة التساهل في تنفيذ عروض دون النظر قي قيمتها الفنية وما تقدمه من رسالة موجهة للجمهور، مما افرز مسرحا سطحيا تهريجيا لا يمكن الوقوف عليه ومطاولته بالنقد لأنه مجرد نسخة مكررة ومشوهة من المسرح الكوميدي. وفي جانب ثاني، هناك المسار الآخر وهو المسرح الذي تقدمه فرق بغرض المشاركة في المهرجانات المسرحية وليس للعرض الجماهيري، وانحصرت مشاهدتها على نخبة من جمهور مسرحي يعي ماهية هذا النوع من المسرح ويملك مقومات تلقيه. هذان المساران لم يتمكنا من تأسيس جماهيرية مسرحية لعروضهما المسرحية بحيث لم  يتمكنا من تكريس هذا الفن على المستوى الشعبي وتحويل مسألة حضور العروض المسرحية مسألة عادة لدى العائلة القطيفية للبحث عن الترفيه والفائدة.

رغم قدم التجربة المسرحية في القطيف إلا إن هذه التجربة لم تصل لأن تكون حركة مسرحية لها ملامحها واستمراريتها.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s