فطيم -نص مسرحي

المقدمة:

تكمن أهمية شجر القرم (المانجروف Mangrove) والذي ينتشر على سواحل الخليج العربي، ويشكل حزاماً أخضرا طبيعياً، في كونه أنسب الأماكن لتوالد وحضانة أنواع عديدة من الأسماك، مثل الروبيان والقشريات الأخرى، فغابات القرم تشكل بيئة غذائية ضرورية لوضع بيوض هذه الأنواع من الكائنات البحرية، إضافة لكونها بيئة ملائمة لأنواع مختلفة من الطيور البحرية والمهاجرة، فهي تعد مورداً غذائياً ومكاناً للحماية. عدا عن ذلك فإن شجر القرم الذي ورد ذكره في كتاب المخصص لابن سيده ابو الحسن علي بن اسماعيل الاندلسي بأنه “القُرم واحدته قُرمة – شجرة تنبت في جوف ماء البحر يشبه الدُلْب في غلظ سوقه وبياض قشره وجِنسُه أبيض وورقه مثل ورق اللوز والأراك ولا شوك له وثمره كثمر الصنوبر وهو مرعى للبقر والإبل تخوض الماء إليه حتى تأكل ورقه وأطرافه الرّطبة ويُحتطَب فيستوقَد به لطيب ريحه ومنفعته”، يملك خاصية طبيعية في تنقية ملوثات ماء البحر بسبب تركيبته الحيوية، ووجوده ينقي الأجواء البحرية.

ومنذ سنوات تتعرض غابات المانجروف MANGROVE أو القرم للتدمير المنظم والعشوائي، من قبل شركات التعمير التي جارت على البحر ودفنته في سبيل تحويله لمخططات سكنية، وهذا ما يعد تدميراً للمحميات الطبيعية، وسينذر بكارثة بيئية في المستقبل، وبتهجير الكائنات البحرية أو انقراضها والتي ستندر في مياه الخليج الضحلة.

هذا النص، هو محاولة لدق جرس إنذار لما تفعله يد الإنسان من تدمير لرقعة خضراء حبانا الله بها، من أجل التوسع العمراني على حساب البحر، رغم وجود صحاي شاسعة يمكنها توفير مساحات من المخططات السكنية الملائمة.

mangrove2

الشخصيات:

فطيم: فتاة في الخامسة عشرة، جميلة، ذكية.

عازف الناي: رجل في الأربعين من العمر.

أبو حسن: والد فطيم، صياد، في الأربعينات.

حسن: أخو فطيم الصغير، في السادسة من العمر.

دينار: شاب نزق، يبدو عليه الثراء، في منتصف العشرينات.

الحجي شهاب: تاجر عقار طماع، حاد الطباع، في الخمسينات من العمر.

صيادون

أهل القرية

سكان الحي

المشهد الأول

منظر ليلي، شارع تحيطه بيوت تعود لفترة منتصف الثمانينات، وفي منتصف الشارع شجرة قرم مسورة، هدوء ليلي. فجأة يتعالى صوت ناي حزين من خلف البيوت، يتعالى معه صوت آهات بصوت أنثوي يصدر من شجرة القرم، يقترب العزف بالتدريج وتستمر الآهات، يدخل عازف الناي وهو يعزف لحنه الحزين، يقترب من الشجرة التي لازالت تتأوه. يبدأ بعض سكان الحي بالتوافد. يقترب احد سكان الحي (الأول).

الأول:            ما الذي أرجعك؟

الثاني:           (بغضب) ألم نقل لك ألّا تعود؟

الثالث:           أخبرناك أننا لا نقدر، نحن واطفالنا على تحمل هذا الصوت.

الأول يقترب من عازف الناي ويحاول خطف الناي منه، لكنه يمتنع.

عازف الناي:    (بإصرار) لن أتوقف عن العزف.

الثاني:           لقد تعبنا. لم تكن سوى شهور قليلة التي ارتحنا من عزفك الحزين، ومن ذلك الصوت الذي يؤرق مناماتنا.

عازف الناي:    وأنا تعبت بلا عزف. تعبت وأنا أمر عليها دون أن اُسمعها صوت نايي الحزين. لماذا تخافون من صوتها؟.

الثالث:           شجرة تتأوه طوال الليل، وعزف حزين على الناي. من يستطيع النوم؟. صار أولادنا يخافون المرور بالشجرة.

الأول:            صار الأطفال يتخيلون جنياً يسكن الشجرة.

عازف الناي:    ليس جنياً من يسكن الشجرة، إنها روح فطيم. فطيم التي سكنتم جسدها.

الثاني:           (بغضب) أرحنا من ترهاتك وهذاياناتك. لأجلك فقط تركنا هذه الشجرة كما هي ولم تمسها يد.

 عازف الناي:   ليس لأجلي، بل لأنكم لا تقوون على قلعها. انظروا!، هل رأيتم في حياتكم شجرة قرم تعيش وسط الشارع وتظل خضراء طوال العام؟.

الثالث:           طيب، الشجرة وتركناها تحيا بيننا بسلام. لماذا تعزف أنت ذات اللحن الذي يجعلها تتأوه؟.

عازف الناي:    لأذكركم أنكم تعيشون على جسد فطيم، تعيشون فوق بحر مدفون اغتلتم فيه السمك وجوعتم الطيور.

الأول:            وما هو ذنبنا نحن؟، أنت تحاسبنا على خطأ لم نرتكبه.

عازف الناي:    أنتم شاركتم في الخطأ. من الذي حول البحر إلى بيوت؟!

الثاني:           نحن اشترينا الأراضي، كانت رملاً. لم نشتر البحر ولا الشجر والطيور.

عازف الناي:    (يقاطعه) لكن تحت هذه الأرض بحر وشجر وسمك وطيور.

 الثالث:          طيب، وأين نذهب نحن؟، أين نسكن والقرية ضاقت علينا، لم يبق لنا غير البحر.

عازف الناي:    أنتم من اخترتم، خياركم أن يدفن البحر لتعيشوا عليه، فتحملوا ما يجيئكم. (بتحد) أنا لن أصمت، نايي لن يصمت، وسيغني لفطيم أغنيتها المفضلة.

يضع الناي في فمه ويبدأ بالعزف الحزين، فتتعالى التأوهات من الشجرة، يبتعد الناس وهم يهزون رؤوسهم أسفا.

-إظلام-

المشهد الثاني

مشهد بصري- فطيم في وسط المسرح تغني أغنية وهي تمسك في يدها دمية من خشب تمشط شعرها، يدخل أشخاص على شكل بيوت، يقتربون منها، تخاف تهرب يحاصرونها في تشكيل بصري على أنغام موسيقى، يحاصرونها، يتكتلون حولها، تبقى وسطهم، ترمي لعبتها على الأرض، يزيد الضغط تختفي بين أجسادهم، تطلق صرخة.

-إظلام-

 

المشهد الثالث

في بيت من سعف النخيل خاص بأبي حسن وهو والد فطيم، فطيم تساعد أخيها الصغير حسن في ارتداء ملابسه.

فطيم:             الآن حان وقت النوم.

حسن:            ستذهبين؟

فطيم:             يجب أن أذهب، الوالد والصيادين لا يستغنون عن أغاني فطيم عند الشاطئ.

حسن:            ألن تغني لي لكي أنام؟.

فطيم:             (تضحك) أكيد. أعرفك، لا تغمض عيناك بدون أغاني أختك التي تحبك.

حسن:            (يحتضنها) وأنا أحبك يا فطيم.

فطيم:             (تنهض وتمسك يد حسن) هيا، لندخل الغرفة لتنام.

حسن:            متى ستصنعين لي العصيدة؟، أنتِ وعدتني.

فطيم:             (تضحك) لا أدري من اين تعلمت حبك للعصيدة.

حسن:            من أمي.

فطيم:             الله يرحمها. تتذكر العصيدة اللي تصنعها؟

حسن:            (بتلذذ) أمم، كانت لذيذة. إذاً ستتصنعين لي كعصيدة أمي؟.

فطيم:             لا بأس، لقد جلب الوالد دبساً من تمر الخلاص[1]. الآن يجب أن تنام.

حسن يهز رأسه بابتسامة، يدخلان

-إظلام-

المشهد الرابع

الشاطئ، شجر القرم على الشاطئ، فطيم تقف في انتظار الصيادين ليلا وفي يدها فانوس، تداعب بيدها ماء البحر وشجر القرم، فطيم تغني.

فطيم:             (تغني) ….

يسمع صوت عزف ناي يتناسب مع لحن غناء فطيم، يقترب العزف، يخرج عازف الناي من بين أشجار القرم، تستقبله فطيم بفرح.

فطيم:             عمي.

عازف الناي:    فطيم، ألم يعد الصيادون بعد؟

فطيم:            أنا أنتظرهم. أنير لهم الدرب بالفانوس، وانتظر هدية البحر للفقراء.

عازف الناي:    أتمنى أن يعودوا بصيد جيد.

فطيم:            إن شاء الله، تعرف يا عمي، حياتنا متوقفة على الصيد.

عازف الناي:    والبحر فيه الخير، من يعيش على شاطئ بحر لا يجوع.

 فطيم:           عمي، هل أسألك سؤالاً؟.

عازف الناي:    اسألي يا فطيم.

فطيم:            لماذا لا يراك غيري؟، كنت دائماً أحكي عنك لوالدي، وكان يرد بأنك غير موجود وأني أتخيل وجودك.

 عازف الناي:   (يضحك) صحيح، أنتِ وحدك ترينني.

فطيم:            ولمَ؟

عازف الناي:    لأني لا أخرج إلا للذين يحبونني ويحبون سماع نايي.

فطيم:            ربما يحب الوالد سماع صوت الناي، هو لم يسمعك.

عازف الناي:    أنت وحدك من يسمع صوت الحزن في نايي بروحك، قد يسمعني بقية الناس، لكن وحدك من تشعرين بهذا النغم.

فطيم:            طيب، هل أسأل مرة أخرى؟

عازف الناي:    اسألي.

فطيم:            أين بيتك؟

عازف الناي:    بيتي؟، بيتي أمامك.

فطيم:            (باستغراب) البحر؟

عازف الناي:    نعم البحر. البحر يا فطيم واسع لا يضيق على أحد، وما ملّ يوماً من أحد. البحر يحمل أهله على أكفه. هل رأيتِ شيئاً كالبحر؟

فطيم:            لكنهم يقولون أن البحر غدار. الصيادون يقولون ذلك.

عازف الناي:    لأنهم لا يعرفون البحر. البحر كالحضن الدافئ الذي يعرفه.

فطيم:            (تضحك) الوالد والصيادون لا يعرفون البحر؟، سنوات طويلة وهم صيادون.

عازف الناي:    هذا لا يعني أنهم خبروا البحر وعرفوه. إذا لم تتشربه أرواحنا، سيصير غريباً علينا، سنخاف منه، ونراه غداراً كما يقولون.

صوت خطوات تقترب، تتلفت فطيم، تقترب من مصدر الصوت، يختفي عازف الناي

فطيم:            (بشيء من الخوف) من؟

لازالت الخطوات تقترب. تتلفت خلفها باحثة عن عازف الناي. لا تجده.

فطيم:            عمي. عمي أين ذهبت؟.

يدخل دينار المسرح ويقترب منها، تلفت خلفها وتفزع لدخوله.

فطيم:            (وهي مفزوعة) من؟، دينار.

دينار:            نعم دينار يا عيون دينار.

فطيم:            (باشمئزاز) أعمى الله عينيك أيها المقرف.

دينار:            (يضحك) أعشق حتى وقاحة لسانك.

فطيم:            (بعصبية) ما الذي أتى بك في هذا الوقت؟

دينار:            جئت لأراك.

فطيم:            قلت لك ألف مرة، لا تلاحقني. أنا لا أحبك ولا أطيقك.

دينار:            (يضحك بثقة) وأنا أحبك.

فطيم:            (بغضب) وأنا أبغضك.

دينار:            اسمعيني يا فطيم، أنا أحبك. وتعودت أن أحصل على ما أحبه.

فطيم:            نجوم السماء أقرب إليك مني.

دينار:            قلت لك يا فطيم، لن تتزوجي غيري. أنا لا أدري لماذا لا تحبينني رغم أن كل بنات القرية يتمنونني.

فطيم:            لأنك ثقيل دم.

دينار:             نتزوج، ولاحقاً ستتعودين علي، ستشعرين بخفة دمي.

فطيم:            الموت أهون علي من أن تكون أنت زوجاً لي.

دينار:            بعيد الشر عنك يا قمر.

فطيم:            (بعصبية) احترم نفسك، وإلا صدقني (تقرب له الفانوس) أحرقك بهذا الفانوس.

دينار:            هدئي نفسك يا بنت أبي حسن. يبدو أنك نسيتي من أكون. أنا دينار ابن الحجي شهاب.

فطيم:            (بسخرية) أدري أنك حجي دينار ابن الحجي شهاب. لكن أنا بنت أبي حسن.

دينار:            (يضحك بسخرية) بنت من؟.. هههه. بنت أبي حسن الفقير الحافي.

فطيم:            (بغضب) صحيح أن أبي إنسان فقير، لكنه يملك ما لا تملكه أنت. الكرامة.

دينار:            إذاً سنرى كيف ستنفعه كرامته إذا ما جعتم غداً.

فطيم:            ولمَ نجوع؟، البحر واسع، والصيد وفير والله يرزقنا.

دينار:            سنرى كيف سيكون البحر واسعاً، هذا البحر سيضيق ويضيق، لن تجدوه. سيكون مجرد ذكرى.

فطيم:            (باستغراب) ما الذي تعنينه؟.

دينار:            (بسخرية) غذاً سترين يا بنت الكرامة.. (يضحك ويهم بالخروج).

فطيم:            (تناديه) تعال قل لي.. ما الذي تعنه بكلامك؟.

دينار يضحك ويخرج.

فطيم:            (مغتاظة) كريه.

صوت الناي يتعالى من بين أشجار القرم، تتلفت فطيم في كل اتجاه، تبدأ بالغناء بنفس الأغنية الأولى ولكن بصوت فيه الحزن، يقترب صوت الصيادين، صوت قوارب تقترب من الشاطئ تصطدم بأشجار القرم. تقترب فطيم من مصدر الصوت وهي توجه الفانوس للمصدر. يتلاشى صوت الناي، يدخل أبو حسن (والد فطيم المسرح)، ويدخل بعده ثلاثة من الصيادين وهم يحملون سلالاً من خوص، وشباك صيد.

فطيم:            قواكم الله.

أبو حسن:       الله يقويكِ يا فطيم.

فطيم:            كيف الصيد؟!

صياد1:                   خيرات، السمك وفير يا ابنتي يا فطيم.

صياد2:                   (يمازحها) وكلما صار الصيد وفيراً، كبرت سلتك يا فطيم.

فطيم:            (تحاول التبسم) الله يخليكم يا عمي.

صياد1:          يا ابنتي، نحن نتفاءل بوجودك على الشاطئ في انتظارنا. سبحان الله، صار الرزق وفيراً منذ أن بدأتِ بانتظارنا.

صياد3:          أنتِ بركتنا يا فطيم. وفقك الله، ورزقكِ بإبن الحلال الذي يعرف قيمتك.

صياد2:          يحفظها الله لك ولنا يا أبا حسن.

أبو حسن:       سلمكم الله، حفظ الله عيالكم.

صياد3:          (يريها السلة التي يحملها) انظري هذه الشعرية[2].

فطيم:            (تنظر للقفة) ما شاء الله. كيف اصطدتها وهي بهذا الحجم؟

صياد3:                   أتعبتني حتى أخرجتها من الماء. كاد الخيط ينقطع وأخسرها.

أبو حسن:       (لفطيم) هل نام حسن؟.

فطيم:            نعم نام، لكنه طلب عصيدة.

صياد1:                   (يضحك) عصيدة؟، ما شاء الله عليه، طلبات عليها القيمة.

أبو حسن:       اصنعي له عصيدة.

فطيم:            (وهي تبتسم) إن شاء الله.

صياد2:                   ولنا نصيب يا فطيم؟!

فطيم:            (تمازحه) أكيد يا عمي. غداً ستجد صحنك عند بيتك.

صياد3:                   وأنا؟

فطيم:            وأنت أيضاً يا عمي، وسوف أكثر من السمن الذي تحبه.

صياد1:          (يقدم لها سلة صغيرة) وهذه هديتنا لك، من كل واحد عدد من السمكات، شعري، صافي، قرقفان[3]. تفضلي.

تأخذ السلة منهم بسعادة.

فطيم:            لمَ غلبّتم أنفسكم؟. هذه لكم ولعيالكم.

صياد3:          صحيح، لكنكِ تستأهلين كل الخير. عيالنا لا ينتظروننا هنا. وأنت تنتظريننا بغنائك الجميل.

فطيم:           لأني أعشق البحر، أعشقه خاصة بالليل، أشعر أنه مختلف، تسمع صوت الطيور وهي تطير فوق أمواجه، وتسمع أمواجه وهي تضرب غصون القرم.

صياد1:          يا الله على هذا الكلام الجميل. يا خسارة لا نحن ولا أولادنا يستطيعون أن يقولوا مثل هذا الكلام.

أبو حسن:       لسان هذه البنت يقطر شعراً.

فطيم:            المهم أني لن أترك البحر، ستجدونني على الدوام بانتظاركم بفانوسي الصغير، وأنا أغني لكم أجمل الأغاني، ستسمعون صوت من أغصان القرم لأنه تعود على صوتي.

يضحكون

-إظلام-

المشهد الخامس

في بيت أبي حسن، حيث انتهى أبو حسن للتو من تناول عشاءه، تقف فطيم وتحمل الابريق لتصب على يدي أبيها ليغسلهما.

فطيم:            بالهناء والعافية يا أبي.

أبو حسن:       (وهو يغسل يديه وفمه) هنأك الله بالإيمان وطاعة الرحمن. بنيتي إذا انتهيتِ تعالي اقعدي بجانبي.

فطيم:            إن شاء الله (تنتهي من غسيل يد والدها، تضع الابريق جانباً، تجلس بالقرب من والدها) أأمر يا أبي.

أبو حسن:       أشعر بالضيق في كلامك وفي ملامحك. ما الذي جرى؟.

فطيم:            (تتصنع الابتسامة) أبداً يا أبي. لا شيء.

أبو حسن:       أنا أعرفك يا ابنتي، الحزن واضح على وجهك. اخبريني ما الذي يضايقك؟.

فطيم:            لا شيء. لكن الكريه دينار عكر مزاجي.

أبو حسين:       وأين التقيته؟.

فطيم:            كل ليلة يأتي في مكان انتظاركم. يسمعني كلاما مقرفاً مثله ويغادر.

أبو حسن:       وما هو الكلام المقرف الذي يسمعك إياه؟.

فطيم:            لا عليك. لا أريد تعكير مزاجك (صمت للحظات، ثم تسأل والدها) أبي، ألم تسمع شيئاً عن البحر وأبي دينار؟.

أبو حسن:       (يعدل جلسته) أخفتني يا ابنتي. ما الذي حدث، وما الذي سمعتِه؟.

فطيم:            دينار يقول أن البحر الواسع سيضيق عليكم. أخافني كلامه.

أبو حسن:       وكيف سيضيق البحر؟، لا عليك منه، إنه يخرف. ولا يفهم ما الذي يقوله.

فطيم:            لكن أشعر بوخزة في الصدر.

أبو حسن:       لا تتوهمين، لن يحدث شيء. ما الذي سيضيق البحر الواسع؟.

فطيم:            (تطرق برأسها حزناً) لا أدري. لقد عكر مزاجي. إنسان كريه ولا أطيقه.

أبو حسن:       وأبوه شخص طماع. هل يسمي أحد ابنه دينار؟.

تضحك فطيم، ثم صمت للحظات

فطيم:            أبي؟

أبو حسن:       تكلمي يا عيون أبيكِ.

فطيم:            لقد رأيت عازف الناي الليلة.

أبو حسن:       (يبتسم) إنه مجرد خيال.قلت لك ذلك.

فطيم:            ليس من خيالي. كل ليلة وأنا انتظركم عند الشاطئ يخرج لي من بين أشجار القرم، يسمعني نغماً حزيناً، نغماً يأخذني إلى عالم آخر، أتخيل أني في وسط بحر صافٍ، أرى من خلال الماء السمك وهو يسبح، تحتضنني اشجار القرم الخضراء، وأرى طيور الماء تتراقص في السماء ثم توصلني إلى الشاطئ.

أبو حسن:       يا فطيم، أنا لا أستطيع أن أراه، خيالي لا يصل لخيالك لذا لا يمكنني رؤية عازف الناي.

فطيم:            أنا وحدي من يراه، وحدي من يسمعه؟.

أبو حسن:       ربما هو عفريت بحر يخرج للطيبين أمثالك.

تبتسم لوالدها، إظلام سريع، وإضاءة سريعة على بيت حجي شهاب الذي يبدو عليه الفخامة مقارنة بكوخ أبي حسن، دينار يقعد بجانب والده.

دينار:            لكنني أريدها.

شهاب:           تريدها وهي من عائلة لا تناسبنا. أنا على استعداد أن أزوجك من أجمل وأغنى فتاة في القرية أو خارجها. الحجي شهاب لا يناسب إلا من هو في مقامه.

دينار:            يا أبي أنا مجنون بها، كل مساء أطير خلفها وهي بانتظار الصيادين، أسمعها تغني لهم.

شهاب:           هذا لا يجعلني أناسب أباها الحافي.

دينار:            لكن أنا سأتزوجها ولن أتزوج أبيها.

شهاب:           يا بني، الناس مقامات. هل ترضى على أبيك أن يضع رأسه برأس صياد حقير رائحته نتنة؟.

دينار:            (يفتعل الغضب) أعلم، لكني لن أتزوج غيرها.

شهاب:           دعني أخطب لك ابنة الحجي سلمان، إنه تاجر وصاحب حلال وابن حمولة. هذا النسب الذي يشرف ويرفع به الرأس. وابنته كما يقول الناس جميلة.

 دينار:           لا أظنها أجمل من فطيم. هذه البنت كالحورية التي جاءتنا من الجنة. زوجني منها وإلا سوف أترك البيت ولن تراني ثانية.

شهاب:           لا يا ولدي، أنا لا غنى لي عنك، انت بكري وأنت الذي ستدير حلالي غداً. ولو لم تكن غالياً لما أسميتك بأغلى شيء في هذا الوجود. الدينار.

دينار:            (يبدأ بالتبسم) يعني ستخطبها لي؟.

شهاب:           (مستسلما) أمري لله.

يفرح دينار ويحتضن أبيه ويقبله.

-إظلام-

المشهد السادس

ينار المسرح تدريجيا، فطيم تتجهز للخروج وفي يدها صحن، يظهر الحجي شهاب في خارج البيت، يطرق الباب بطرف عصاه.

فطيم:            من بالباب؟

شهاب:           نادي أباك يا بنت.

فطيم:            (تنادي) أبي، أبي.

أبو حسن:       (يقترب من الباب) من يا ابنتي؟

فطيم:            لا أدري.

يخرج ابو حسن بعد أن يفتح الباب. يتفاجأ بوجود الحجي شهاب. تتنصت فطيم على ما يدور بالخارج.

أبو حسن:       أبو دينار؟، تفضل، تفضل إلى الداخل. البيت بيتك.

شهاب:           (بتقزز) لا، دعني في مكاني.

أبو حسن:       كما تحب. أأمر يا حجي شهاب.

شهاب:           (بكبرياء، وغرور) أنا لم آتك هنا في بيتك إلا بسبب ضغط ابني دينار. وأنت تعلم أني لا أرفض لإبني طلباً.

أبو حسن:       أكيد، هو ابنك البكر، ولا بد أن تعطيه ما يريد. هو من يستحق الدلال.

شهاب:           ابني لو أشار على أي بنت من بنات القرية لن تتردد وتقبل به زوجاً، لأنه ابن عز ودلال.

أبو حسن:       (يتصنع الابتسامة) صحيح، أبن العز والدلال لا يرفض.

شهاب:           أنا قلت له أني سأخطب له من بنات حمولتنا، أو من أحد من مقامنا، لكنه مصر أن لا يتزوج غير ابنتك.

أبو حسن:       (مصدوماً) ابنتي؟، ولماذا هي بالتحديد؟

شهاب:           عمى العين، لم ير غيرها.

أبو حسن:       (يتنهد) دعني أسألها وأعرف ردها.

شهاب:           (مستغربا) تسألها؟، وهل لدينا بنات يسألن؟

أبو حسن:       أنا تعودت أن أسأل فطيم عن كل شيء، لم أفرض عليها رأياً أبداً. دعني أسالها أولاً.

تخرج فطيم وفي يدها الصحن.

فطيم:            أنا لن أتزوج. وقل لابنك أن ينسى فطيم. لن أكون له أبداً.

شهاب:           (بعصبية) عيب يا بنت!، ما هذه التربية؟

فطيم:            أنا قلت ما سمعته، وقل لولدك أن لا يلاحقني كل ليلة عند الشاطئ.

شهاب:           (لأبي حسن) وأنت تقف هكذا وابنتك ترفع صوتها علي. أي تربية ربيتها؟!.

أبو حسن:       أنا ربيت ابنتي أحسن تربية. وهذا اختيارها يا أبا دينار.

شهاب:           (غاضبا) أنا أبو دينار، أنزل إلى باب فقير حافٍ مثلك لطلب يد هذه الملسونة، وتردونني هكذا؟.

أبو حسن:       الزواج قسمة ونصيب، وليس لولدك نصيب يا حجي شهاب.

شهاب:           (غاضبا) ما أعرفه أنك وابنتك رددتماني، وهو أمر لا يمكن السكوت عنه، سوف تندمان أنت وابنتك (تزداد سورة غضبه) والله لأجعلنك تندم على فعلتك. هل رأيت البحر الذي تعيشون منه. سوف أجففه لكم. وسنرى لاحقاً.

 يغادر وهو يرعد ويزبد، وسط ذهول أبو حسن وفطيم.

إظلام

 

المشهد السابع

في بيت أبي دينار، دينار في الانتظار، يروح ويغدو ويبدو عليه القلق، يدخل والده غاضباً، يستقبله بفرح.

دينار:            ها، أبشر، متى موعد العرس.

يمسك حجي شهاب بخناق والده غاضبا.

شهاب:           (غاضبا) أبشر بخيبتك يا خائب. أنا في آخر زماني أنزل بنفسي لذلك الصياد النتن ويردني هو وابنته الملسونة؟، قل لي، ما الذي يعجبك فيها؟.

دينار:            (خائفا) أحبها، وهي لا تبرح تفكيري.

شهاب:           أريدك أن تنساها؟ وسأزوجك ابنة الحاج سلمان وبدون أي اعتراض.

دينار:            لكني أحب فطيم.

شهاب:           وهي لا تحبك. افهم (يرمي ولده أرضا).

دينار:            (يبكي) أنا لن أتزوج غيرها، ولن يتزوجها غيري. سأقتلها إن فعلت واقتل نفسي بعدها.

شهاب:           ابتعد عن وجهي، تبكي كالأطفال.

يقوم دينار من على الأرض، يهم بالخروج وهو يطالع والده باستعطاف. يخرج دون أن ينظر له والده.

شهاب:           (بغضب) سأريكِ يا فطيم أنت وأباكِ النتن. إن لم أجعلكم تأتون لي زحفاً على ركبكم لأسامحكم لا أكون أبا دينار.

-إظلام-

 

المشهد الثامن

عند الشاطئ، الصيادون يجهزون شباكهم لدخول الصيد.

صياد1:                   (لأبي حسن) الله يستر عليك منه. هذا رجل شرير.

أبو حسن:       وما الذي سيفعله؟، ثم أننا لسنا عبيداً عنده. يأمرنا فنطيع.

صياد2:                   لكنك تعرفه، لن يسكت. هو يعتبر ما حدث إهانة له.

أبو حسن:       طيب، وما الذي أفعله، الفتاة لا تريد الزواج من ابنه. هل يرضيكم أن تتزوج فطيم هذا المهبول؟.

صياد3:          لا، لا يرضينا. فطيم كنسمة هواء باردة في حر الصيف. تستحق زوجاً أفضل منه.

صياد2:          لكنه ابن عز ودلال. ابن الحجي شهاب الذي يملك كل مزارع نخيل القرية.

أبو حسن:       لو كان يملك أموال قارون. ما دامت البنت لا رغبة لها في الزواج منه فلن أجبرها على شيء.

صياد1:          ألست خائفاً منه؟

أبو حسن:       أخاف ممن؟، الله هو الرزاق.

صياد2:          طيب، ألم تفهم ما عناه بتجفيف البحر؟

أبو حسن:       لا أدري. لكن لمَ أنتم خائفون؟، هل لأحد القدرة على تجفيف البحر؟.

صياد3:          فعلاً، كما قلت.

ينهمكون في عملهم، وهم يغنون أغانٍ بحرية.

-إظلام-          

mangrove1

المشهد التاسع

عند شاطئ البحر، فطيم تضع فانوسها جانبا وهي تداعب الماء، وتكلم البحر. البحر هادئ، لا صوت للأسماك ولا الطيور.

فطيم:            (تخاطب البحر) أرأيت ما الذي حدث؟. أبو دينار يهددنا بقطع أرزاقنا لأني رفضت الزواج من ولده. أيرضيك أن أتزوج دينار؟. يرضيك؟ (صمت للحظات، هدوء) لمَ لا أسمع لك صوتاَ؟. ما بك الليلة؟. فيك حزن غريب. لم أتعود أن أراك صامتاً، اعتدت صوت موجك وهو يضرب غصون القرم، واعتدت على صوت السمك يتراقص بين أغصانها، وعلى صوت النوارس تظللك بجناحيها. ما بك؟. يقتلني الحزن أنا. منذ طفولتي لا أحب الحزن. اليوم شاهدت الحزن على وجه الوالد من خوفه على رزقه. لأن أبا دينار هددنا بتجفيفك. لست أفهم كيف سيجففك. لكني خائفة من القادم.

صوت الناي يقترب من بين أشجار القرم يخترق السكون، عزف حزين جداً، تقف فطيم في انتظار عازف الناي. يدخل وهو لازال يعزف لحنا حزينا شجيا.

فطيم:            لمَ أشعر في العزف حزن أكثر؟

عازف الناي:    لأن البحر حزين. وأنت تعرفين أن ألحاني من البحر.

فطيم:            ولمَ هذا الحزن؟.أنا لا طاقة لي على الحزن.

عازف الناي:    مجبور يا فطيم.

فطيم:            ولمَ؟، أنا حزينة مما حدث لي مع الحجي شهاب وولده دينار. والبحر لمَ هو حزين؟

عازف الناي:    ربما حزنه لأجلك. ربما حزنه لخوف مما هو آتٍ.

فطيم:            وما هو الآتي؟. أفكر كل لحظة فيما سيأتي. لست قادرة على تخيل غدٍ. أنا خائفة. يا الله، لو أن الدنيا تخلو من الطمع ومن قلوب الناس السوداء لما دخل الحزن الصدور.

عازف الناي:    الحزن يسير مع الإنسان كقدره، الفرح أيامه قصيرة.

فطيم:            طيب، لماذا لا يكون قدرنا الفرح، قدرنا الأغاني، قدرنا أن ننام والابتسامة على شفاهنا؟

عازف الناي:    لأن الله كتب على الإنسان أن يعيش الحزن.

فطيم:            (تتأوه) أنا متعبة يا عمي. أشعر بضيق في صدري. لا أستطيع رؤية الخوف على وجه أبي، ولا الحزن في البحر، ولا حزن الشجر والنوارس، وحزن الأسماك.

عازف الناي:    يا فطيم، يمكن أن تجدي الفرح لو رضيتِ بما هو مقسوم. يمكن أن تعيشي الفرح لو رضيتي بدينار، وعشتي حياتك مثل نساء القرية.

فطيم:            لا، لا أظن أن الحياة مع دينار تجلب الفرح.

عازف الناي:    يمكن أن تلاقي الفرح لو نزعتِ البحر من جوفك، لو نسيتِ أمواجه وحكاياته، لو نسيتِ صوت أمواجه، ونسيتِ شجرة القرم، شجرة المحبة. ستعيشين الفرح لو صرتِ مثل كل الناس.

فطيم:            لا، لا أريد أن أكون ككل الناس، البحر يجري بدمي، البحر هوائي الذي أتنفسه. لو أنسى البحر وأنتزعه من جوفي. أموت. أتعرف يا عمي معنى أن أموت؟

عازف الناي، يبدأ بالعزف، عزف حزين، يغادر بعد بداية غناء فطيم.

فطيم:            (تغني) نظل أحباب حتى لو جفانا هالزمن مرة

وخلانا نعيش اويا بعض اغراب!

نظل احباب صدقني

ويظلن هالهوى غلاب!

بليا اسباب جمّعنا القدر

واحنا على كف الزمن ننقش أسامينا

ويمكن غابت الفرحة سنة سنتين لو أكثر

ولكن هالنقش رغم الحزن ما غاب

نظل احباب

ونكتبها أنا وياك هالكلمة بكل كتاب

وخلينا بعد ما هالحزن قيّدنا في سجنه

نفتّح للفرح ابواب

نظل أحباب

حتى لو تغطت كل سمانا بغيم

لازم شمسها بتسطع

تخبرّنا بإنا لو غزانا الشيب

يظلن حبنا ما شاب[4]

قبل الانتهاء من أغنيتها يدخل دينار، على وجهه الغضب. تنتبه له، تفزع.

فطيم:            أنت؟

دينار:            نعم أنا.

فطيم:            (بشيء من الخوف) وما الذي تريده مني؟

دينار:            (بنوع من العصبية) أريد أن تضعي ما سأقوله حلقاً في أذنك. لن أنسى أبداً إهانتك لي ولوالدي.

فطيم:            (تحاول تهدئته) الزواج قسمة ونصيب. وكما قال أبوك كل بنات القرية يتمنونك. أما أنا فلا.

دينار:            لكنني لم أعشق سواك. لا أرى في القرية غيرك.

فطيم:            انسَ فطيم. فطيم ليست لك.

دينار:            ولن تكون لغيري. حتى لو ذبحتك. حتى لو كان في رأسك موال.

فطيم:            (بغضب) ما الذي تقصده بالموال؟.

دينار:            أنا سمعتك تغنين؟ وكنت تقولين “يظلن حبنا ما شاب”؟!!

فطيم:            (تضحك) فعلاً أنك لا تفهم!

دينار:            (غاضباً) نعم؟.

فطيم:            أنا كنت أغني صحيح، لكن للبحر. البحر هو موالي.

دينار:            البحر؟، أنا لست غشيماً.

فطيم:            بل غشيم. أنا ليس في رأسي غير البحر.

دينار:            إذاً أنا لا أحب البحر. أكرهه.

فطيم:            (بسخرية) تغار؟

دينار:            نعم، لأنك لي وحدي. قدري هو قدرك. وإذا كان البحر هو موالك، فستكون نهايته على يد الوالد.

يسمع صوت الصيادين يقتربون من الشاطئ، تنتبه فطيم، ويهم بالهروب من المكان.

دينار:            هذي اللحظات ستكون مجرد ذكرى، سوف أحرمك من هذه اللحظة التي تحبينها. لن يكون هناك بحر ولا صيد ولا سمك. ستجوعون. أنا دينار ولا أسمح أن يدوس كرامتي أحد.

يخرج وسط امتعاض فطيم، يخالط امتعاضها بعض الخوف. يدخل أبو حسن والصيادين الآخرين، مطرقين. منظرهم يصدم فطيم، تقترب من والدها الذي خرج من البحر بقفة خالية.

فطيم:            ما بكم يا أبي؟، لمَ أياديكم خالية؟، أين السمك؟

أبو حسن:       (بإحباط) لا يوجد سمك. كأن السمك هرب من البحر. كلما رمينا شباكنا خرجت خالية.

صياد1:                   لم يحدث هذا قبلاً. كأن البحر خلا من السمك.

صياد2:                   ولأول مرة تختفي النوارس، لا يوجد أي طير في السماء حتى.

صياد3:          الشباك التي كنا نتركها وتمتلئ بالخيرات، كانت خالية تماماً. كأن البحر غاضب ولا يريد أن يهبنا خيراته.

فطيم:            يعني اليوم لا سمك؟. كيف سنعيش. كيف ستعيشون؟.

أبو حسن:       الله كريم. إن شاء الله غداً ندخل البحر ثانية ونحصل على ما يعوض خسارة الليلة.

صياد1:                   لن يتركنا الله.

صياد2:          (بحزن) أنا كنت أجمع المال لأبني حجرة لولدي. إذا استمرت الحالة سيضيع الحلم.

صياد3:          (محبطاً) وأنا كيف أعود لولدي الصغير وقد وعدته بحذاء جديد؟

أبو حسن:       لا تصنعوا منها مناحة. غداً سيتعدل الوضع.ويعود البحر لكرمه علينا. ألم تكونوا تقولون أن البحر كريم. ألم تكونوا تلقبونه بأبي الجود؟.

فطيم:            البحر لا ينسى من يحبونه. ونحن أحببنا البحر فأحبنا. كيف يتركنا وقت حاجتنا له.

صياد2:          يا الله أنت أعلم بالحال. ليس لدينا ما نرتزق منه سوى هذا البحر.

صياد3:          هيا بنا نذهب الآن. وأمرنا إلى الله. إن شاء الله يتغير الحال.

يغادرون، وتبقى فطيم لوحدها شاردة.

فطيم:   (صوتها) يا موج الشاطي لا توقف ..

وبسم الله على اشواقي

ترى هو عمري ربانك على عهد البحر باقي

تمهل عندي لا ترحل

اريدك يمّي  لو ساعة

واذا عطشان لاحبابك

يظلن ذكرهم لفّـّادك الساقي

يا موج الشاطي سمّعني

صدى كل فرحة في مدّك

اخذ يدّي وبللها وخلها تفرح ابيدّكْ

يموج اسمع نبض قلبي

وراعي لوعة افراقي[5]

يعود والدها لاصطحابها وينتبه لكلامها للبحر، يتوقف وينصت. تنتهي من قصيدتها. يقترب منها ويضع يده على كتفها.

أبو حسن:       ليس من طبع البحر أن يجافينا. الناس هم من يجافون.

فطيم:            (بحزن) أبي؟. ما الذي سيحدث غداً؟!.

أبو حسين:       (يتنهد) لا أعلم يا ابنتي. العلم عند الله.

-إظلام-

 

المشهد العاشر

فطيم، تجلس شاردة في غرفتها، وهي ترتب ملابسها وملابس أبيها وأخيها حسن، فجأة تسمع صوت حسن يبكي، تنتبه لصوت بكائه، وتترك ما بيدها، تقف، يدخل حسن وهو يبكي، تأخذه وتحتضنه.

فطيم:            (وهي تحتضن حسن) حبيبي حسن، ما بك؟. ليس من عادتك أن تصحو أثناء نومك ليلاً.

حسن:            (وهو يبكي) أنا عطشان. أريد ماءً.

فطيم:            لحظات وآتيك بالماء.

تجلب كأسا من الماء تغرفه من جرة ماء في زاوية العشة. يشرب حسن، تأخذ فطيم بقية الماء في الكأس وتمسح وجهه وهي تبسمل.

فطيم:            قل لي الآن. ما بك؟، ما الذي أيقظك من نومك؟.

حسن:            حلمت حلماً مخيفاً.

فطيم:            (تضحك في محاولة لتهدئته) نحن نرى الحلم في نومنا. يعني أنه ليس حقيقياً. فلمَ تخاف؟.

حسن:            يعني ما رأيته ليس حقيقياً؟.

فطيم:            لا ليس حقيقياً. وأنا قلت لك إذا خفت ردد الصلوات على رسول الله واقرأ سورة الفاتحة. هل نسيتها؟.

حسن:            لا، لكن نسيت قراءتها. أريد النوم معك.

فطيم:            لا بأس. تعال لتنام.

تضعه على فراشها، تغطيه.

حسن:            احكِ لي حكاية. ولكن لا أريد حكاية مخيفة.

فطيم:            (تضحك) لا، أنا سأغني لك. ألم تقل أنك تحب أغاني أختك فطيم؟.

حسن:            (يضحك) نعم، أحب سماع صوتك وأنت تغنين. ليس أنا وحدي، حتي والدي قال لي أن لفطيم صوتاً من الجنة.

فطيم:            (ممازحة) الله أكبر، من الجنة؟!!. لا علينا، اسمع الآن.

تبدأ بالغناء، وهي تهدهد حسن في نومته.

-إظلام-

المشهد الحادي عشر

عند الشاطئ في وقت دخول الصيادين البحر، يحملون سلالهم وأغراض الصيد إيذانا بالدخول، يدخل الأربعة متوجهين للشاطئ. يفاجئون بوجود شبك حديدي يقفل البحر في وجوههم. صدمة.

أبو حسن:       (مصدوماً وهو يتحسس الشبك) ما هذا الشبك؟!

صياد1:                   لا أعلم يا أبا حسن. من الذي وضع الشبك؟. أو أننا جئنا لمكان خطا؟.

صياد2:                   إنه نفس المكان.

صياد3:                   طيب، من وضع الشبك؟.

يدخل وقتها أبو دينار وولده دينار وفي يده يمسك خرائط.

شهاب:           تعال يا ولدي يا دينار، املأ عينيك بالخير الذي نزل علينا.

يتوقف عند الشبك وهو يرى الصيادين. يقترب من أبي حسن.

شهاب:           (بتعالي) لمَ تقفون هنا؟.

أبو حسن:       لندخل البحر. أنت تعرف أننا صيادون. وعملنا في البحر.

صياد1:                   رزقنا من البحر ومن الصيد.

صياد2:                   من أقفل البحر في وجوهنا؟.

شهاب:           أنا طبعاً.

أبو حسن:       أنت؟، ولماذا تغلق البحر في وجوهنا؟.

شهاب:           لأنه ملكي. وقلت لك أنني سأجفف البحر لكم.

أبو حسن:       ما الذي تعنيه؟.

شهاب:           يعني أنكم لن تدخلوا البحر بعد اليوم.

صياد3:                   (بغضب) لكنه رزقنا. ولا يجوز أن تمتلك البحر.

شهاب:           ومن قال لا يجوز؟!.

دينار:            (يرفع الخرائط في وجوههم) البحر ملكنا، وسندفنه ونحوله إلى أراضٍ سكنية.

شهاب:           سآتي برمل الصحراء وأدفن البحر.

أبو حسن:       اذهب للصحراء العريضة وخططها لتكون أراضٍ سكنية واترك البحر لنا.

شهاب:           لو كنت أقدر على امتلاك الصحراء لما قربت من البحر. دفن البحر أسهل.

صياد1:          يا ابا دينار، نحن ناس فقراء، لا نملك سوى البحر نصيد منه سمكنا لنعيش به. أين نذهب إذا ما دفنت البحر؟.

شهاب:           ابحثوا لكم عن مهنة أخرى.

صياد2:                   لكننا لا نعرف غير الصيد. نحن صيادون منذ طفولتنا يا أبا دينار.

دينار:            الوالد لا يمكن أن يترك هذا المشروع الكبير لأجل أنكم لا تعرفون غير الصيد.

أبو حسن:       أنت تنتقم مني من أجل موضوع دينار وفطيم؟!

شهاب:           (يضحك) ليس أنا من تهمني أنت أو ابنتك. أنا يهمني كم من ربح سيدره علي هذا المشروع. تعرفني حياتي كلها مشاريع. حتى فكرة زواج دينار من فطيم قد يكون مشروعاً وإن كان خاسراً. أنا لا يهمني رفضك. لأني سأزوج ولدي ممن تناسب مكانتنا.

أبو حسن:       هنأه الله. لكن أود أن أعرف كيف يكون في صدرك قلب لتدفن البحر؟.

شهاب:           سأدفن البحر بقلب بارد. ولن يرف لي جفن (يواجههم) الآن، لا أريد أحداً منكم هنا. هيا غادروا المكان. البحر صار ملكي.

أبو حسن:       يا أبا دينار أنت تلعب بالنار. أنت تشردنا وتجوعنا، وتجوع عيالنا.

شهاب:           وما دخلي أنا؟. أنا تاجر عقار. يهمني إني لا أجوع ولا عيالي يجوعون.

صياد3:          وإن كان بدفن البحر؟.

شهاب:           أنا مستعد أن أبيع ولدي دينار إذا كان سيدر علي ربحاً وفيراً. الآن لا تصدعوا رأسي. غداً ستأتي الجرافات وتبدأ بالدفن.

صياد1:          حرام عليك يا أبا دينار.

شهاب:           ليس حراماً، أنا سأغير لكم ملامح القرية العفنة التي لا طعم لها ولا لون. ستكون القرية أجمل، بيوت مسلحة وشوارع مفروشة بالأسفلت. ماذا تريدون أكثر؟.

أبو حسن:       نريد أن نعيش بكرامة يا أبا دينار. البحر حفظ لنا كرامتنا.

شهاب:           ودفن البحر سيحفظ كرامتي أنا. (مصراً) أنا قررت ولن أتراجع (لدينار) هيا يا دينار. لنغادر الآن.

يخرج مع ولده وسط إحباط الصيادين، ينتظرون قليلا بعد خروجه، يبدؤون بتحسس الشبك الحديدي بحزن واضح.

-إظلام-

 

المشهد الثاني عشر

في بيت أبي حسن، فطيم مستلقية على الفراش في غيبوبة ومرض، بجانبها والدها القلق والحزين وأخوها حسن الذي يمسك بيدها وعلى وجهه قلق.

حسن:            أبي؟، ما بها أختي فطيم؟.

أبو حسن:       لا أدري. منذ أخبرتها بما حدث لنا، وما دار بيننا وبين أبي دينار وقعت على الأرض. لم أكن أتصور تعلقها الكبير بالبحر لهذه الدرجة.

حسن:            فطيم إذا تكلمت عن البحر كأنها تتكلم عن أحدٍ من الناس. تقول إنها تكلمه ويكلمها.

أبو حسن:       فطيم خيالها واسع، وعندها قلب يسع العالم، تحب الناس فكيف لا تحب البحر؟!

حسن:            وأنا أحبها، أحب أختي فطيم، لأنها أختي وأمي وصديقتي. أبي، فطيم يجب أن تقوم من الفراش. يجب أن تعود كما كانت. أنا لا أقوى على رؤيتها هكذا (يبكي) .. فطيم، تسمعينني؟، فطيم، من يلعب معي؟، مع من أنام إذا خفت النوم بوحدي؟. أبي، فل لها أن تصحو. يومان مرا وهي على هذا الحال.

يسمع صوت طرق الباب، ينتبهان، ينظران لبعضهما باستغراب، يقف ابو حسن يتوجه للباب، يفتحه، يقف أمامه دينار.

أبو حسن:       (متفاجئا) أنت؟، ما الذي أتى بك؟

دينار:            جئت أطمئن على فطيم.

أبو حسن:       أبعد كل ما فعلته أنت وأبوك؟.

دينار:            لم نفعل شيئاً. نحن اشترينا البحر وسندفنه. وسيصير بيوتاً مسلحة بدل بيوت العشش.

أبو حسن:       لكنكم تقتلون السمك والطيور، تغيرون أجواء القرية، ستجففون البحر، صحيح، لكنكم ستجففون أيضاً المحبة في قلوب الناس. أتظن أن القرية ستظل كما كانت؟، أبدأ، كلما تكبر البيوت وتعلو في السماء، تتغير النفوس. ستأكل الناس بعضها بعضاً لأنكم قتلتم البساطة، وقتلتم الطبيعة. الله يلعن الطمع، الله يلعن الطمع، الله يلعن الطمع.

يدخل البيت ويغلق الباب في وجه دينار الذي يقدف مشدوها بكلام أبي حسن.

-إظلام-

 

المشهد الثالث عشر

مشهد بصري، في منتصف المسرح، عازف الناي، يقف وهو يعزف على نايه لحنا حزينا، فجأة يدخل أشخاص يرتدون ملابس رمادية قاتمة لا ملامح لهم، يهجمون عليه ويحيطون به، بشكل دائري، وبرقص تعبيري، يضغطون عليه، يقف في الوسط خائفا مرعوبا تختنق ألحانه، يمدون له حبالا من كل جهة، يقيدونه في الحبال ويدورون به، يئن، يصرخ متألماً.

-إظلام-

المشهد الرابع عشر

أمام الشاطئ المغلق بشبك الحديد. صوت عزف ناي حزين يأتي من داخل البحر. يتعالى الصوت بالتدريج وفي نفس الوقت تدخل فطيم بخطى بطيئة، يبدو عليها المرض والانهاك، وفي يدها فأس تجرجره على الأرض. تقترب من حد الشبك. يظهر لها عازف الناي يتواجهان ولكن بينهما الشبك الحديدي، يستمر العازف بعزفه. تنظر بعيون شاردة، ترفع يدها ببطء وتتحسس الحديد.

فطيم:            من يقدر أن يصد البحر عن من يحبونه؟، البحر أوسع من أحلام الناس. (لعازف الناي) عمي!، هل تتصور أن هذا الحديد يقدر على منعنا عن البحر؟! يمنع الصيادين، ويمنع الهواء الذي تحتاجه صدورنا؟!

عازف الناي:    فطيم، هذا الشبك الذي وضعوه حاجزاً بين البحر والناس لن يمنع هبوب البحر ووصله لصدورهم المخنوقة. البحر واسع وهو لكل الناس. لن يقدر أحد أن يضيّق البحر.

فطيم:            والدفن؟، الرمل الذي سيجلبونه من الصحراء ليدفنوا به البحر؟، عمي، سيقتلون كل شيء، الشجر والسمك والطيور.

عازف الناي:    الطمع لعنة. يغير نفوس البشر ويجعلهم وحوشاً. ينسون كل شي أمام شهوة المال.

فطيم:            وهل سنقف مكتوفي الأيدي؟، هل سنسكت عن الظلم؟، هل سنترك البحر نهباً في يد الطماعين؟، يا عمي، هل السبب لأني لم أوافق على الزواج من دينار؟، لو وافقت، هل سيتركونه.

عازف الناي:    لا يا فطيم. الطمع قديم، انهم يحتجون بقصة الزواج. حتى لو قبلتِ  بدينار لن يتركوا البحر.

فطيم:            قل لي ماذا أفعل؟، قل لي يا عمي ما الذي سأفعله؟.

عازف الناي:    تعالي، البحر هو عالمك، البحر أهلك وأشجاره أخواتك. أنت شجرة من أشجار البحر. أنت لا تحيين إلا بماء البحر، لأن جذورك فيه. تعالي يا فطيم.

فطيم:            وحواجز الحديد؟.

عازف الناي:    بيدكِ تكسرين الحديد.

فطيم:            (ترفع الفأس الذي بيدها) هذا ينفع؟.

عازف الناي:    ينفع. لا ينكسر الحديد إلا بهذا (يبدأ العزف)

ترفع فطيم الفأس وتهوي به على الشبك. أثناء العزف.

-إظلام-

المشهد الخامس عشر

عند الشاطئ، تسمع أصوات الجرافات، إضاءة المسرح على جمع من أهل القرية يتقدمهم الحاج ابو شهاب وولده دينار. كل الموجودين يترقبون شيئا من البحر. يدخل أبو حسن وحسن وعلى وجهيهما الخوف. ينتبه الحجي شهاب لهما ويندفع ناحيتهما بغضب.

شهاب:           أبعد ابنتك يا ابا حسن، ودع العمال يكملون عملهم.

أبو حسن:       ابنتي؟، أنا بحثت عنها بالبيت ولم أجدها. أين هي؟

شهاب:           (بغضب) أنظر، إنها في وسط البحر متعلقة بإحدى شجرات القرم ولا ترد على أحد. إن لم تخرجها سوف أدفنها مع البحر، سأردمها بالرمل.

أبو حسن:       (يركض باتجاه البحر مع ولده، يختفيان) فطيم، فطيم يا ابنتي تعالي.

صوت سباحة أبو حسن في البحر وهما يناديان.

حسن:            (صوت) فطيم، تعالي يا فطيم، لا أريدهم أن يدفنونك. تعالي يا فطيم.

أبو حسن:       (صوت) فطيم استعيذي بالله من الشيطان وتعالي معي، ليس بيدنا ما نفعله، يجب أن نرضى بالمكتوب.

شهاب:           (لولده دينار) كيف دخلت هذه؟، كيف قطعت الشبك؟.

دينار:            لا أدري، لكنها بنت غريبة. إنها قوية يا أبي

الأب ينظر شزراً لولده.

شهاب:           أنا لن أوقف مشروعي لأجل فتاة مجنونة. إذا لم تنزل من الشجرة وتخرج من البحر سأدفنها. سآمر الجرافات أن تدفنها مع البحر الذي تحبه وانتهي من مشاكلها.

دينار:            (يقف في وجه أبيه) لا يا أبي. مهما يكن، إنها بشر، لا يصح أن تقتل بشراً لأجل مشروعك. انتظر قليلاً، سيقنعها والدها وستخرج.

الحجي شهاب لا ينبس ببنت شفة. ينتظر بقلق. صوت أبو حسن وهو عند فطيم. يكلمها. الجميع ينظرون باتجاه البحر بقلق وترقب

أبو حسن:       ما الذي أركبك على الشجرة يا فطيم؟، فطيم، لمَ أنت نائمة؟، تعالي انزلي يا حبيبتي.

حسن:            فطيم، تعالي معنا للبيت. قومي من نومك يا فطيم.

أبو حسن:       (صوته يتسلق الشجرة) مدي يدك يا فطيم، مديها وتعالي. فطيم ألا تسمعينني. فطيم. فطيم يا ابنتي، ما بك؟. فطيم، فطيم .. (يصرخ مذهولاً) فطيم ردي علي، ردي علي يا ابنتي. ردي.

إظلام، مع دخول صوت الناي الحزين، يدخل العازف وهو يعزف لحنا حزيناً، يستمر العزف للحظات، إضاءة على المسرح، المشهد كما كان عدا عن أبي حسن يتقرفص على الأرض وبجانبه جسد ابنته فطيم، وعلى الجانب الآخر ابنه حسن. وعليه يبدو الحزن والجزع. على وجوه الجميع يبدو الوجوم.  

عازف الناي:    لم تمت فطيم، روحها تلبست في شجرة القرم التي أحبتها، الشجرة التي لم تتمكن جرافاتهم اقتلاعها من جذورها، ولا بيوتهم المسلحة من زحزحتها من مكانها. فطيم بقيت لتذكرهم أن تحت بيوتهم حياة دفنوها، دفنوا أغاني البحر وأحلام الصيادين، دفنوا حاضنات الأسماك ومبايض الروبيان وأعشاش الطيور المهاجرة، دفنوا صدراً مفتوحاً للدنيا، وستكون صدورهم ضيقة، حتى لو كانت بيوتهم واسعة. فطيم لن تموت، فطيم لن تموت.

نفس أصوات التأوهات التي كانت تصدر من الشجرة في المشهد الأول. تتعالى على أصوات أنغام الناي الحزينة .

-إظلام-

انتهت

أبريل 2013


[1] نوع من أنواع التمر، وهو من أجودها ومنتشر في مناطق الخليج.

[2] نوع من أنواع السمك في ماء الخليج العربي.

[3] من انواع الأسماك الخليجية.

[4] للشاعر ياسر المطوع

[5] للشاعر ياسر المطوع

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s