المزبلة الفاضلة

عرض عمان، إخراج محمد المفرجي
عرض عمان، إخراج محمد المفرجي
عرض عمان، إخراج محمد المفرجي
عرض عمان، إخراج محمد المفرجي

 قدم النص في كل من:

  • المغرب، وقدمتها فرقة الأمل للشباب المسرحي، وأخرجها عبد الواحد الخلفي.
  • في كردستان العراق إخراج عادل حسن.
  • في سلطنة عمان وأخرجتها أمل السابعي.
  • في الكويت ضمن فعاليات مهرجان مسرح الشباب الرابع، وحاز على جائزة التأليف، تحت إسم (حكاية منبوذين) وأخرجه على المذن.
  • في السعودية، لفرقة مواهب من إخراج ماهر الغانم وحصل على جائزة أفضل نص في مسابقة المسرح المفتوح للعروض القصيرة بالدمام.
  • في السعودية لفرع جمعية الثقافة والفنون بالدمام ومن إخراج ماهر الغانم تحت إسم (خلف البرواز) وحصل على شهادة التميز في مهرجان الجنادرية للثقافة والتراث 2006م.
  • في سوريا، لجامعة تشرين السورية ومن إخراج هاشم غزال في سبتمبر 2007م.
  • في الأردن، لقسم الفنون في جامعة العلوم التطبيقية بجامعة جرش. فبراير 2007م.
  • في العراق/ الموصل/ الحمدانية، قدمتها فرقة مسرح قره قوش (بغديدا) للتمثيل من إخراج الدكتور نشأت مبارك في العام 2007.
  • في عمان لفرقة جامعة صحار تحت مسمى “الكساحة” و شاركت بها الجامعة في مهرجان فيلادلفيا للمسرح الجامعي بالأردن أبريل 2008.
  • في عمان، لفرقة مزون تحت مسمى “الكشرة” إخراج يوسف البلوشي وشاركت بها في فعاليات مهرجان خريف صلالة يوليو 2008م.
  • في الكويت، تحت عنوان (إزالة) للمخرج علي حسن، وشارك بها في مهرجان المسرح الأكاديمي الأول 2011م.
  • في عمان، لكلية العلوم التطبيقية بنزوى إخراج محمد المفرجي، وشاركت بها الكلية في المهرجان المسرحي الجامعي الثاني-ديسمبر 2014م.

شخصيات المسرحية

 

الأول:             ممثل مسرحي، يهوى التأنق.

الثاني:             فني إصلاح أجهزة كهربائية.

الثالث:            مفكر، وكاتب.

الرابع:             صحفي.

الخامس:         إنسان بسيط في تفكيره وهندامه.

الزبال:

 

 

المشهد الأول

 

 

المنظر: زقاق خلفي شبه مظلم، يتوسط عدد من المباني، تنتشر فيه حاويات وبراميل الزبالة، وبعض الأوراق والبقايا تتناثر على الأرض، في اليمين بعض القطع الالكترونية، و جيتار مسنود على الجدار. وفي العمق برميلا زبالة عليهما لوح خشبي على شاكلة مكتب عليه وحوله بعض الأوراق والكتب. في يسار الخشبة مرآة معلقة على الحائط وساعة جدارية تشير إلى السابعة إلا ربع. تخرج أيدي من البراميل ترمي بعض ما فيها إلى الخارج، أجهزة الكترونية، ملابس، كتب، طعام. وعلى صوت الموسيقى يخرج الأول من برميله ويبحث في آخر، يخرج الثاني، يلم أجهزته ويضعها في يمين الخشبة، ويبحث في برميل آخر، يخرج الثالث محملاً بالكتب والمجلات يأخذها إلى عمق الخشبة ويتجه إلى برميل آخر. يكملون بحثهم فيعود الأول متفحصاً بعض الملابس أمام المرآة.الثاني يفترش الأرض يعاين أجهزته .يعود الأول إلى برميل يفتش فيه، يخرج كأساً طبعت عليه شفاه باللون الأحمر،يرفعه ويشمه

الأول:           إنه من النوع الغالي.

يمسح الكأس بخرقة ويضعه جانباً، يخرج حمالة صدر نسائية حمراء، يضحك ويقرأ

الأول:            Made in France ، ماركة عالمية.

يعيدها إلى البرميل، الثالث يبحث هو الآخر في أحد البراميل

الثاني:            (وهو مشغول مع أجهزته) يبدو أنهم لا يدركون معنى كلمة إصلاح.

الثالث:           (وهو يخرج حذاءً من البرميل، يرميه للأول) يصلح لك، لن تحلم بارتداء مثله ما حييت.

يأخذ الأول الحذاء ويتفحصه، ثم يرتديه

الأول:           يناسبني تماماً، إنه جديد!

الثالث:          ربما تكون صرعته قد انتهت.

الأول:            أنا أحب الصرعات، وأتمنى أن يكون لكل شهر صرعة جديدة.

يضحكون، ويخرج الثالث علبة دواء ودمية دب متسخة قليلاً

الثالث:           إنه ناعم (يشم الدب) وله رائحة أنثى.

الأول:            (يأخذ الدب من الثالث ويشمه) أجل. رائحة أنثى (يحتضنه) ربما تكون رائحة عطرها.

يبدي الثاني شيئاً من الامتعاض ويهز رأسه أسفاً

الثالث:           (يأخذ الدب من الأول) اتركه لي. يصلح مخدة للنوم.انظروا وجدت دواءً للاكتئاب.

الثاني:            اكتئاب؟(بسخرية) وكيف عرفت يا دكتور؟

الثالث:           لا تسخر. إنه فعلاً دواء للاكتئاب. كان لي صديق يتعاطاه .

الأول:            وهل يصابون بالإكتئاب؟ إنه لنا وحدنا.

الثالث:           بلى يصابون، والدليل أن الدواء في زبالتهم.

الأول:            كم تفضح هذه البراميل.

الثالث:           صدقت، من هذه البراميل ترى صورة عالمهم المخملي بكل تفاصيله.

الثاني:            (بفخر) أنا لا أرى فقط وأسمع أيضاً.

الأول:            ليس في الحي خلوة بين زوجين إلا وأنت ثالثهما.

الثالث:           (مقترباً من أحد البراميل) هه ألم تنته من بحثك بعد؟!

تخرج يدٌ من البرميل، تهز سبابتها علامة النفي

الثاني:            سيطول بحثه، إنه يتوقع المستحيل.

الثالث:           دعه، فبالأمل يحيا البشر.

تخرج اليد من البرميل بإطار صورة مذهب، يأخذه الثالث

الثالث:           إنه إطار من خشب فاخر(يعطيه للأول)

الأول:            (يتفحص الإطار، يضعه أمامه كإطار لصورته) كيف تريان صورتي، يناسبني؟

الثاني:            (متهكماً) بالطبع لا، ثمنه أغلى منك.

الأول:            (متهكماً) حتى لو اجتمعنا كلنا داخله، سيكون أغلى،  (يتفحصه) أي سعيد حظٍ وضعوا صورته داخله؟

الثالث:           كنا نعلق صورنا على الجدران بشريط لاصق.

الأول:            سأعلقه على الجدار.

الثاني:            دون صورة؟

الأول:            يكفي شكله عن أي صورة.

يعلق الإطار على الجدار، ثم يلمون بعض الأغراض ويضعونها في أكياس بلاستيكية، ويركنونها جانباً، يرتدي الأول بعض الملابس،يتأنق أمام مرآته ويعود الثالث خلف طاولته يقرأ

الأول:            (يدندن أغنية) لم يتبق سوى دقائق على موعد خروجها إلى الجامعة.

الثاني:            (يقفل غطاء راديو بفرح) يا لي من عبقري، لقد أصلحته.

الثالث:           (ينتبه، ويوجه كلامه للثاني) حقاً!! ، يعني أننا سنستمع إلى غير تلك الأغاني التافهة التي تسمعنا إياها ليلاً نهاراً.

الثاني:            لا..

الثالث:           ولماذا ؟!!

الثاني:            لأني سأبيعه واشتري بثمنه بطاريات للراديو الآخر.

الثالث:           (بإحباط يعود إلى وضعه السابق) لا فائدة ترجى منك، إما أغاني تافهة أو تنصت على الناس.

الثاني:            (بتهكم) أتريد أن تسمعنا أغانيك المضجرة؟! ، دعك في كتابك، فلكلٍ عالمه.

يمتعض الثالث ويستأنف القراءة، يدور الأول بعد أن أنهى تأنقه للآخرين مستعرضاً هندامه

الأول:            هه!! كيف ترياني الآن ؟

الثاني:            (بسخرية) لو أني أعثر على كاميرا في الزبالة، لأصلحتها وصورتك.

بفخر يعدل الأول هندامه

الثاني:            تصلح مذيع أخبار

الأول:            كفاك تهكماً، أنا ممثل ولا أصلح لغير التمثيل (يهدأ) طيب !! ، هل تجداني أنيقاً ؟!

الثاني والثالث:   (بصوت واحد) نعم.

الثالث:           يا عزيزي، إنه ذات السؤال تكرره علينا كل يوم أكثر من مرة .

الثاني:            ألم تسام من التأنق للاشيء ؟

الأول:            بل لها.

الثالث:           لمن ؟، أنت حتى لا تعرف اسمها.

الأول:            لا يهم، يكفيني أن أراها (برومانسية) أحلم بجسدها الناعم الرشيق، احتضنها و أراقصها كأي حبيبين (كمن يراقص حبيبة) فتضع رأسها على صدري،وأمسح شعرها الأسود الناعم..

الثاني:            (يقاطعه مصفقاً) أحسنت، أحسنت، لا زلت تجيد التمثيل.

الأول:            (متبرماً) أووه، أنت تثير قرفي، أنا في وادٍ وأنت في واد آخر.

الثاني:            لو إنك مشهور كغيرك من الممثلين..

الثالث:           لو كان في أوربا مثلاً لأصبح مشهوراً، للممثل المسرحي شأن هناك .

الثاني:            أعني لو شغّل عقله قليلاً وعمل في التلفزيون كالآخرين، لكانت معجباته كثيرات.

الأول:            (بحدة) قلت مراراً، لا للتلفزيون.

الثاني:            (يسايره) حسناً، لا للتلفزيون، اشتغل في المسرح الذي نعرفه كلنا، ستحظى بالمال والشهرة، ولن تحتاج أن تقف كالمخبول تتأنق لفتاة لا تعرفها.

الأول:            يا صديقي، هذه مبادئي ، قبلت أنا أحيا على الهامش ، في هذه المزبلة ، على أن أحيد عنها ، وأنزلق إلى التهريج الذي يسمونه مسرحاً .

الثالث:           (محرضاً) ولا تحد عنها .

الثاني:            إنك تحرضه على الفشل .

الأول:            الفشل؟!، لا أنا أشعر أني في قمة النجاح ، أقف صامداً في وجه التيار ، أعيش بهذه القناعة، وكفى .

تتناثر بعض الأوراق والبقايا من برميل زبالة، يلتفتون إليه، يخرج رأس الرابع وعلى وجهه الفرح

 الرابع:           احزروا! ، ماذا وجدت؟ .

يلتفون حوله بفضول

الأول:            هل وجدت الجريدة؟

الرابع:            (يهز رأسه سلباً)

الثالث:           ماذا وجدت ؟ ، كتاب ؟

الثاني:            تلفزيون ؟، هاتف ؟ ، قل لنا ماذا وجدت .

الرابع:            (يهز رأسه سلباً)

الأول:            هيا أرنا ما وجدت .

الرابع:            (يخرج صندوقاً ورقياً بين يديه ) تراللم !!

الثاني:            (يخطف الصندوق ) ما الذي بالداخل ؟

الأول:            (يخطف الصندوق من الثاني، ويفتحه بفرح ) كعكة عيد ميلاد

يضع الأول الصندوق على برميل زبالة بعد أن وضع عليه لوحاً خشبياً.. فيلتفون حول الصندوق

الثالث:           بل كعكة ذكرى زواج.

الرابع:            (يقرأ) سامي..

الأول:            (يقرأ ) فرح..

الثاني:            عيد زواج سعيد، ومكان لثلاث شمعات.

الأول:            إنهما يحتفلان بعيد زواجهما، يا لسعادتهما.

الرابع:            أية سعادة ؟!، كعكة في الزبالة؟!، تعني خلاف.

الثالث:           أذكر، للسنة الثالثة نجد كعكة احتفالهما هنا.

الثاني:            إنهما في خلاف دائم، يتشاجران على الدوام.

الأول:            أتعرفهما ؟

الثالث:           إنه يعرف كل أهل الحي.

الثاني:            إنه الدكتور سامي وزوجته فرح.

الأول:            من هذا الدكتور سامي، ومن زوجته فرح ؟

الثاني:            طبيب النساء والولادة الذي يعيش في الطابق الثالث من المبنى الأول في الشارع، وزوجته مدرسة موسيقى في مدرسة ثانوية.

الرابع:            يبدو أنك تعرف قصتهما بالكامل.

الثاني:            (يضحك فخوراً ) نعم، وأعرف حتى ما يضمره أحدهما للآخر.

الثالث:           لا أسرار في هذا الحي.

الرابع:            بل كل أسرار الحي عنده.

الثالث:           من الخطأ التصنت على الناس.

الثاني:            (متبرماً) آووه، لا تدخلني في دوامة الصح  والخطأ، إنها متعة، تماماً كمتعتك أنت بالقراءة، بالتصنت أعرف كل ما يدور في الغرف والبيوت، فاشعر أني بين الناس ومنهم .

الرابع:            (بفضول وهو يشير لقالب الكعكة) ماذا عن صاحبنا؟

الثاني:            الدكتور سامي، (يصمت برهة مسترجعاً أفكاره) تزوج فرح، لكنه لا يحبها

الأول:            كيف يتزوجها وهو لا يحبها ؟

الثاني:            لأنه كان يحب فتاة تركته و تزوجت آخر، ووجد أن زواجه بفرح قد ينسيه الفتاة .

الثالث:           طيب ! ، وفرح تلك المسكينة ؟

الثاني:            تبادله ذات المشاعر .

الأول:            حقاً ؟!

الثاني:            نعم، وهي تزوجته لأنها مطلقة، (بتبرم) لا أعرف كيف يتزوج طبيب بمكانة الدكتور سامي بمطلقة، لو يظل عازباً كان أجدى له.

الثالث:           هذا إفراز للخلل الاجتماعي الذي نعيشه.

الأول:            يكرهان بعضهما ، ويحتفلان بذكرى زواجهما ؟! غريب.

الثاني:            محاولة لتلطيف الجو ، لكن دون جدوى .

الرابع:            أو كسراً لرتابة الحياة .

الأول:            (يتنهد) للأغنياء همومهم أيضاً.

يلمح الأول الساعة المعلقة وقد تخطت السابعة، يصرخ مفزوعاً

الأول:            (يصرخ) إنها السابعة!!

يقفز، ويتجه ناحية زاوية المبنى المطلة على الطريق، يرقب الفتاة، وفي الأثناء يحاول الثاني تذوق الكعكة، يضربه الرابع على يده

الرابع:            لا تلمسها ..

الثاني:            سأتذوقها فقط، ألن نأكلها ؟

الرابع:            الآن لا .. في المساء سنحتفل .

الثالث:           والمناسبة ؟

الرابع:            نبحث عن مناسبة، (يفكر) هل يصادف اليوم ميلاد أحد منكم ؟

الثالث:           أنا، لا

الثاني:            وأنا كذلك، لأني لا أذكر تاريخ ولادتي .

الرابع:            وأنا كذلك ، لقد مر منذ شهرين ( للأول ) هيه! وأنت ؟

يهز الأول يده سلباً وهو منهمك في المراقبة

الرابع:            لنفكر في مناسبة ..

الثالث:           آه، نحتفل بمناسبة ذكرى تأسيس هيئة الأمم المتحدة للثقافة والفنون، اليونسكو .

الثاني:            وما شأننا نحن باليونسكو؟ اختارا مناسبة تخص الجميع .

الرابع:            لنفترض أن استيطاننا المزبلة تصادف هذه الليلة

الثاني:            صح، وهي مناسبة تهم الجميع .

يسمع صوت قرقعة علب معدنية من الخارج تقترب من المسرح ، يدخل بعدها الخامس ، وهو يجر خيطاً طويلاً من العلب المعدنية الفارغة على هيئة قلادة،  يراقب الأول الذي كان يطل على الخارج

الخامس:         (يربت على كتف الأول) ألا زلت تنتظرها ؟

الأول:            لا شأن لك

الخامس:         (بسخرية) سيطول انتظارك .

الأول:            (يواجه الخامس) ما الذي تعنيه ؟

الخامس:         لقد غادرت إلى الجامعة قبل قليل.

الأول:            ولمَ غادرت مبكراً ؟ (يستدرك) ثم ، كيف عرفت أنت؟، تكلم.

الخامس:         رأيتها تستقل السيارة (يقلد صوت السيارة) وتمضي.

الأول:            (يحتد) كله بسبب هذه الكعكة اللعينة.

الثاني:            رأيتها أم لم ترها، ما الفرق، ثم دعك من النساء، ولا تقع في حبائلهن.

الأول:            عندك لا فرق، لأنك لم تجرب لذة الحب .

الخامس:         الحب؟!، هل هو لذيذ كالطعام؟

الأول:            (بحزم) بل ألذ، الحب، الحب هو ذلك الجحيم الذي يشعل فينا جمر الجنون.

الخامس:         أنا لم أفهم شيئاً، المهم انك تحبها ؟

الأول:            أحبها، حين أراها تسري رعشة العشق في جسدي، من قدماي حتى قمة رأسي، أتيه في عالمها وأنسى كل شيء في هذا الوجود.

الخامس:         (متهكماً) مسكين !! ، إنها تحب غيرك .

الأول:            (مصدوماً) تحب غيري ؟! ، من يكون هذا ؟ (يصرخ) قل لي من هو؟!

الخامس:         (يقفز خلف أحد البراميل مختبئاً وراءه) أنا !

الأول:            (ينفجر ضاحكاً) أنت ؟!، قتلتني رعباً .

الخامس:         (يطل برأسه من خلف البرميل، وبإصرار) نعم أنا

الثاني:            سيبدأ الآن صراع العشاق.

الثالث:           بل صراع الديكة.

الأول:            قل كلاماً يعقل، ما الذي ستراه فيك لتحبك، لا وسامة، لا ثقافة، ولا وظيفة .

الخامس:         ومع هذا تحبني، إنها تبتسم لي كل يوم، هل ابتسمت لك مرة ؟!

الأول:            (مرتبكاً) لا، لكن لا يعني كونها ابتسمت لك، أنها تحبك.

الخامس:         (للثالث) قل له ماذا يعني ؟ إنها تحبني .

الرابع:            إذا كانت كل امرأة تبتسم لي قد أحبتني، فيعني هذا أن عشيقاتي كثيرات .

الأول:            إنها تبتسم لك أيها المغفل، لأنها ترى فيك البهلول الذي يضحكها، (بحدة) مهرج يعني.

الخامس:         (غاضباً) أنا بهلول ؟!، ومهرج أيضاً ؟!، إنك تغار مني.

الأول:            إنها تعطف وتشفق عليك فقط، ولا تحبك.

الخامس:         (يفتش في جيوبه ويخرج صورة، يرفعها في وجه الأول) تشفق علي وتعطيني صورتها ؟!

الأول:            (يحاول الانقضاض على الخامس، لكنه يهرب منه) أرني الصورة تلك.

الخامس:         (يرفع الصورة في وجوه الجميع) هه!، أليست هذه الفتاة التي يبحلق فيها كل يوم ؟

الأول:            (يستشيط غضباً) إنها هي، ولكنك وجدتها في الزبالة، صح ؟!

الخامس:         (يهز الصورة ويشمها محاولاً إغاظة الأول) بل هي أعطتني الصورة بيدها الناعمة وعلى وجهها ابتسامة حلوة.

الأول:            (غاضباً، يلحق بالخامس الذي يهرب منه، يلاحقه من مكان إلى آخر على الخشبة) أيها اللعين، إنها لي، إنها فتاتي أنا.

يتوقف الخامس خلف برميل، يتوقف الأول في مقابله

الثالث:           يجب إيقاف هذا التقاتل .

الرابع:            لا تخف لن يكون هناك ضحايا.

الأول:            أعطني الصورة.

الخامس:         كيف؟!، الصورة لي .

يدوران حول البرميل، الأول يحاول الإمساك بالخامس

الأول:            بل لي أنا، أنا من يحبها .

الخامس:         لن أعطيك إياها، إنها تحبني أنا

الأول يلحق بالخامس، ويقبض عليه، يخطف الصورة منه، يقبلها

الأول:            إنها هي، فتاتي وملاكي الجميل (يضع الصورة في جيبه).

الخامس:         (متذمراً) هذا ظلم، إنها لا تعرفك حتى، كيف تحتفظ بصورة فتاة لا تحبك .

الأول:            إذا سمعتك تتحدث عنها ثانية، سأقتلك.

الخامس:         لا يهم، سأحصل على صورة أخرى منها، وستكون بإهدائها هذه المرة .

الثالث:           (يصرخ فيهما) كفى صراع ديكة، كنتما كالمهرجين وأنتما تتقاتلان لأجل فتاة.

الأول:            كلكم يعرف أني أظل أرقب خروجها وعودتها كالملهوف، كلكم يعرف أني أحبها وأحلم بها.

الخامس:         وأنا كذلك.

الأول:            (غاضباً) أنت ماذا؟، لماذا تزاحمني في الفتاة التي وهبتني إحساساً بوجودي ؟

يرفع الخامس كتفيه دليل عدم الفهم

الثالث:           لكنها لا تحفل بوجودك يا عزيزي.

الأول:            يكفي أن أراها من بعيد .

الخامس:         (يقاطعه) لكن أنا أراها عن قرب، أراها أجمل مما تراها أنت، أسمع صوتها، أكلمها وتكلمني.

الأول:            لكنها لن تحبك، ماذا فيك أنت لتحبك؟ (يعدل هندامه بفخر) أنا ممثل مسرحي، ووسيم، وحريٌ بها أن تحبني.

الرابع:            (للأول) ولن تحبك أنت أيضاً، لأنها لم ترك، لا تعلم بوجود كائن اسمه أنت.

الثالث:           ثم أن الفتاة ليست من عالمك.

الأول:            ما الذي تعنيه ؟، كلنا بشر.

الثالث:           لكن في العرف الاجتماعي، البشر طبقات.

الأول:            أنا لا أؤمن بهذا التصنيف.

الثالث:           بل تؤمن، (يشير للخامس) أنت تراه أقل مستوىً منك.

الخامس يتمسكن ببعض الإيماءات

الأول:            (مرتبكاً) أنا.. لكن..

الثالث:           أرأيت ؟

الرابع:            المجتمع فيه الأغنياء .

الثاني:            وفيه الفقراء .

الثالث:           وهناك المهمشون مثلنا .

يلتزم الأول الصمت، ثم يزفر

الثالث:           أتظن أن فتاة من حي أرستقراطي سيلفت انتباهها مشرد في مزبلة؟!.

الرابع:            (بحسرة) أين قلمي عنهم هؤلاء الارستقراطيون؟.

الثاني:            (للأول) قلت لك، لو تركت المثاليات لكنت نجماً تلفزيونياً..

الأول:            (يقاطعه) أووه كفى، لا تعد لذات الموال.

الثالث:           (يحاول تهدئة الأول) المهم ألا نقتتل كالديكة لأجل التوافه، ألا نختلف، يجب أن نكون نسيجاً اجتماعياً واحداً في هذه المزبلة رغم اختلافنا.

الخامس:         (مستفهماً) نسيجاً ماذا ؟!

الثالث:           نسيج اجتماعي متآلف، تجمعنا حدود واحدة ومصير واحد، نصطف معاً، ولا تجذبنا تلك التخرصات لصراع يضعف هذا النسيج.

الخامس:         (يفتح فهمه مشدوهاً) أنا لم أفهم شيئاً مما قال، هل فهمتم أنتم؟!.

الثاني:            (يحاول إفهام العاطل) هو يقول، أننا يجـــب أن نكون يداً واحدة، لا نتصارع، أفهمت ؟!

الخامس:         فقط ؟!

الأول:            (بتهكم) ويقول تحبه.

الرابع:            المهم الآن، (للخامس) اذهب وترقب لنا مجئ شاحنة الزبالة .

الخامس:         كالبرق (يخرج ركضاً يجر خلفه قلادته ) سآتيكم بالخبر.

الأول:            (مغتاظاً) إنه بهلول، كيف لها أن تحبه؟! ، أستغرب كيف أعطته صورتها ؟!

الثالث:           كفاك، انس ذلك الأمر ولو لبرهة.

الثاني:            (للأول) لو تعطيني اسمها، لأتيتك بأخبارها بالتفصيل، قد تغير رأيك فيها.

الأول:            وكيف لي أن أعرف اسمها

الرابع:            (ممازحاً) اسأل غريمك ، ربما يعرفه .

الأول:            هذه آخرتها، بهلول يصير غريمي .

الرابع:            يبدو أن هذا الموضوع لن ينتهي أبداً، الأفضل لي أن أبحث عن جريدة أقرأها.

يبدأ البحث في البراميل. ينسحب الثالث ناحية مكان قراءته، الثاني يعود إلى عمله، والأول يقف أمام المرآة يعدل هندامه، ولحظات وتسمع أصوات قرقعة العلب المعدنية، ينتبهون، يدخل الخامس راكضاً

الخامس:         (لاهثاً) لقد جاء، هيا بسرعة اخلوا المكان.

يتراكضون، على أصوات موسيقى حربية، كلٌ إلى جهته يحملون أغراضهم معهم، المرآة الكتب، الأجهزة، قالب الكعكة، ولا يبقون سوى البراميل والحاويات، ويخلون المكان، صمت، يسمع صوت مكابح شاحنة من الخارج، يدخل الزبال بعد لحظات، يراقب المكان، يتلفت يميناً ويساراً، يهجم على أحد البراميل يبحث بلهفة، يتركه متبرماً، ينتقل لآخر، وآخر، ولا يجد ما يبحث عنه، يجر برميلاً تلو آخر إلى الخارج، ويدخلهم بعد إفراغهم، ينهي كل البراميل والحاويات، وعليه يبدو الحنق

الزبال:            (يضرب فخذيه بيديه غاضباً) لم يبق شيء، أخذوا كل شيء.

يخرج الزبال ،وبعد لحظات يسمع صوت مغادرة الشاحنة، يطل الخامس برأسه من إحدى زوايا المسرح مراقباً المكان

الخامس:         لقد غادر، يا له من حاقد (للمجموعة ) تعالوا، المكان أمان.

تظهر المجموعة، يتلفتون يميناً ويساراً، يتوزعون على الخشبة، يعيدون أغراضهم إلى أماكنها

الأول:            (وهو يعلق مرآته على الجدار) لمَ يكرهنا كل ذلك الكره ويحقد علينا ؟

الثالث:           (يعود إلى تعديل مكان قراءته) في ظنه أننا نسلبه حقه.

الرابع:            (وفي يده صحيفة) أي حق ؟! ، إنها زبالة، فكيف يعتبرها حقاً له وحده ؟

الثاني:            إنه الطمع.

الأول:            فيمَ يطمع، في المال في الجاه، أو في الرفاهية التي نحياها ؟!

الثالث:           إنه شريكنا في الهم، هو يبحث عن الرفاهية المادية، ونحن نبحث عن المعنوية.

الرابع:            (للخامس) ما يطمع فيه أكثر، تلك القلادة التي تعلقها.

الخامس:         (يخلع القلادة) إذا كان الأمر كذلك، سأتركها له، وسأصنع واحدة أطول .

الثالث:           لن تكفيه، صاحبنا من المنتفعين من مشاريع التدوير، كالكثيرين.

الخامس:         أنا لا أحب التدوير.

الأول:            اشرحوا له معنى التدوير، حتى لا يصيبنا بالصداع .

الثالث يأخذ الخامس جانباً ويشرح له بصوت خفيض

الرابع:            (بدهشة بعد أن تصفح الجريدة) أيعقل هذا ؟!

الأول:            (يقترب من الرابع مطالعاً ما في الجريدة) ما الذي حدث؟

الرابع:            إنه متسلق، ومنافق.

الثالث:           (يبتعد عن الخامس ويأخذ الجريدة يقرأ فيها) كنت تقول أن له ضلعاً في إخراجك من الجريدة .

الرابع:            وهاهو يصبح رئيس تحريرها.

الأول:            لا يجب أن تستغرب، إنه الوضع المألوف الآن.

الثاني:            إنها مواصفات الصحفي الناجح .

الثالث:           إنه العالم الذي نبذنا، لنرقب غرائبيته من هنا، من هذا الواقع الجميل، من المزبلة.

الرابع:            لو كنت أعمل في الجريدة الآن، لمت كمداً.

الثاني:            انسوا كل شيء الآن و دعونا نفكر في التحضير لحفلة المساء.

الأول:            أية حفلة أنت الآخر؟!

الثاني:            (يخرج قالب الكعكة، ويريها للأول) أنسيت ؟

الأول:            آه تذكرت !

الثالث:           (للخامس) وأنت هل فهت ؟!

الخامس:         نعم فهمت، (يضع قلادته بين يديه) يعني هذه تساوي غالياً!

الثالث:           نعم !

الخامس:         والجرائد، والكتب، وحتى الملابس التي نرتديها؟! .

الثالث:           نعم، (بحسرة) تصور! ، نشقى لتأليف الكتب ثم نشرها، نهان ونحن نلف من دار نشر إلى أخرى، نقترض الأموال لطباعة كتاب.. وفي النهاية، يصير كل تعبنا خاماً لمشاريع التدوير، (يرفع كتابه) كتب تتحول إلى قوالب بيض ورقية.

الرابع:            الحال من بعضه، الصحفيون كذلك، يتحملون الإهانات، يسجنون، تصادر حرياتهم في سبيل تحقيقٍ أو مقال في جريدة، وفي النهاية تروح كل تلك المعاناة هباءً .

الثاني يقاطعهم، بأغنية شبابية راقصة يعزفها على جيتاره ويغنيها بنفسه، الخامس يبدأ بالرقص، وسط امتعاظ الآخرين 

الثالث:           إنك تزعجنا بهذه الترهات.

الثاني:            لأنكم حولتم مشاريع التدوير إلى مآسٍ إنسانية.

الأول:            بل إلى ميلودراما.

الخامس:         (يتوقف عن الرقص، ويتجه ناحية الأول مستفهماً) إلى ماذا ؟

الأول:            (يهرب من الخامس) ليس إلى شيء، لقد سحبت كلامي، انس أني تكلمت .

الثالث:           (للثاني) والآن توقف حتى لا تسمم أسماعنا بهذا الزعيق.

الثاني:            (يتوقف عن العزف) توقفت. هل أنت راضٍ الآن ؟!

الخامس:         (بعد أن توقف عن الرقص) لماذا توقفت؟!

الثاني:            ألم تسمع ؟!، إنه زعيق يسمم أسماعهم، صوتي وعزفي لا يعجبهم.

الخامس:         طيب شغّل الراديو، سمعّنا أغنية أخرى.

الثالث:           وإلى ماذا ستستمعون؟ إلى تلك الأغاني الهابطة.

الخامس:         (متذمراً) أوف!!، إنكم تصادرون حرياتنا.

الأول:            (بدهشة) ماذا قلت ؟!، أسمعتم ما قال ؟

الخامس:         هل أخطأت كالعادة؟

الأول:            من أي قاموس تعلمت تصادرون حرياتنا؟!

الخامس:         (يشير إلى الثالث) من صاحبنا، إنها أسهل ما تعلمته منه، كل كلماته صعبة، تعلمت منه أيضاً اجتماع إفرازي.

الثالث:           تقصد إفراز اجتماعي، ثم أنا كلامي كله صعب ؟

الثاني:            نعم كلامك صعب، أنت وغيرك من المثقفين تتعالون علينا.

الثالث:           أنا أتعالى عليكم، وأصادر الحريات ؟ من تظنونني؟ ، أنا واحد منكم.

الخامس:         إذا كنت كذلك، فقل كلاماً نفهمه.

الثالث:           (بحدة) أنا كلامي غير مفهوم؟!

الخامس:         أنا عني، لا أفهم ما تقول.

الأول:            (يربت على كتف الثالث) لا عليك إنه لا يفهم شيئاً البتة.

الثالث:           كم هو مؤلم أن يشعر المرء أنه بعيد عن الناس ولا يفهمونه، أنا قرأت، طالعت، وكتبت، لأصل إلى الناس، أقدم لهم تجاربي، واجهت الصعوبات، أفلست، أهنت وأنا أدور من دار نشر إلى أخرى كي أصدر كتابي ويقرأونه، لكنهم لا يقرأون، تتكدس النسخ في المستودعات ويأكلها الغبار، بحجة أنهم لا يفهموننا،(يتنهد) تصور الألم الذي انتابني وأنا انفض بقايا طعام عن نسخة كتابي،ثمرة عمري في قعر برميل زبالة .

الثاني:            لو أنك أصدرت كتاباً عن الأبراج، أو عن فضائح الفنانات لما أفلست.

الثالث:           أتسمي تلك التفاهات كتباً ؟

الأول:            (بأسى) إنها قيم السوق يا صاحبي، ولغة العصر، نحاول أن نتغاضى عنها لأن في رؤوسنا مدناً فاضلة نسعى إلى تحقيقها.

الرابع:            تكفينا هذه المزبلة، هي مدينتنا الفاضلة، ولن تغرينا تلك القيم.

الثالث:           نعم، فقد جمعتنا على مبدأ واحد، صارت وطناً وعقيدة (يهتف) المزبلة مدينتنا الفاضلة.

الخامس:         (سعيداً يهتف) المدينة مزبلتنا الفاضلة.

(يضحكون)

الأول:            (للخامس) لن يصطلح حالك أبداً.

الثالث:           المهم أن لي لغتي، ولتحاولوا أنتم فهمي.

الثاني:            سنضطر لذلك، بشرط أن تتركنا نستمع إلى ما نشاء من الأغاني.

الثالث:           أتسمي ذلك الزعيق غناء؟!

الثاني:            إنها الأغاني التي تطربنا.

الخامس:         إنها تشعرني برغبة في الرقص، إنها أفضل من ” فكروني عينيك بأيامي اللي راحوا” (مقلداً أم كلثوم) أو الآخر الذي يصرخ ” جبار “!!

الأول:            ليس لكما حقاً، إنها أغاني جميلة وأصيلة.

الخامس:         إنها تصيبني بالحزن، والأغاني للفرح والفرفشة.

الثالث:           كفى، لا تختلقوا منها قضية، أنا لن أسمع شيئاً، اشبعوا بأغاني الفرفشة، أغانيكم الهابطة، سأقرأ ويكفيني هذا.

الرابع:            المهم الآن (يتوسط الجميع) يجب أن نستعد لحفلة الليلة.

الخامس:         (فرحاً) حفلة، يعني سنغني ونرقص.

الثاني:            نعم! ستكون ليلة مميزة.

الرابع:            أنت تعزف وسنغني جميعاً.

الثاني:            جميل، (للأول) وأنت ماذا ستقدم لنا ؟

الأول:            سأقدم مشهداً مسرحياً صغيراً .

الخامس:         (يصفق فرحاً) إيه، أنا أحب الفرفشة والضحك.

الأول:            (محتداً) وهل تراني مهرجاً ؟ ، أنا ممثل، سأقدم لكم شيئاً آخر .

الرابع:            وهل ستقدم لنا تراجيديا في مناسبة سعيدة كهذه؟

الثاني:            الوقت مناسبٌ فقط للفرفشة والضحك.

الأول:            (يفكر، وبعد لحظات يجد فكرة، ثم للخامس) هل تريد أن تمثل معي ؟

الخامس:         (فرحاً) نعم، نعم أريد.

الأول:            (بخبث) بشرط.

يهز الخامس رأسه مستفهماً

الأول:            أن تنسى الفتاة.

الخامس:         (يفكر) خلّني أفكر قليلاً.

الأول:            سنقدم مشهداً مسرحياً معاً إذا وافق على الشرط.

الرابع:            يا لك من خبيث.

الثالث:           أنا سأقرأ لكم فصلاً من كتابي.

الثاني:            (ضجراً) كتابك ؟!، ليكن آخر فقرة في الحفل.

الثالث:           ولمَ ؟!

الثاني:            يجب أن يكون هناك ترتيب لفقرات الحفل، سنغني، ثم المسرحية، وبعدها نأكل .

الثالث:           وفقرتي ؟

الثاني:            فقرتك ؟، (يتهرب متجهاً إلى الخامس) هه! ماذا قررت ؟

الخامس:         حسناً، سأتركها، يمكنني أن أجد غيرها، الحي مليء بالفتيات الحلوات الناعمات.

الأول:            (فرحاً يعانقه ) حقاً، إنك نعم الصديق.

الخامس:         هل تريدني أن أكلمها عنك، أخبرها أنك تحبها ؟

الأول:            (بخجل) حقاً، قل لها أني ممثل مسرحي، ووسيم، وأني أحبها.

الخامس يهم بالخروج

الأول:            تعال، إلى أين تمضي؟

الخامس:         (هو خارج) سأخبرها أني سأصير ممثلاً.

الأول:            ماذا؟ .. تعال..(يلحق بالخامس وسط ضحك المجموعة)

 إظلام

المشهد الثاني

ذات المنظر، الثاني يقعد على الأرض وفي يديه راديو يبدل موجاته، في العمق، في وسط الخشبة الثالث والرابع خلف مكتب الثالث، يتحاوران بصمت، وفي اليسار الأول والخامس يتدربان على التمثيل، ويبدو التذمر واضحاً على الممثل.

الأول:            (يبتعد عن الخامس متذمراً) لقد تعبت، تعبت منك، أنت لا تصلح ممثلاً.

الخامس:         (برجاء) جرب غيرها.

الأول:            لقد جربت كثيراً، هاملت، مكبث، البخيل، وأوديب ملكاً، لكنك لا تصلح لشيء.

الخامس:         طيب جربني في شيء أفهمه، مالي أنا وهؤلاء الذين ذكرتهم، أنا لا أعرفهم.

الأول:            لا تنسَ أني جربتك في دور المتسول في جثة على الرصيف* ولم تفلح، و جربتك في دور الشرطي حتى ، لكنك لم تفلح في شيء. آه إنك متعب.

الخامس:         والحل ؟

الأول:            أزح فكرة التمثيل من رأسك تماماً، سأقدم مونودراما.

الخامس:         وما هو دوري؟!.

الثالث:           المونودراما، هي مسرحية الممثل الواحد، وسأشرحها لك أفضل كي تفهم، يعني أنه سيمثل وحده، أي انه لا دور لك فيها.

الخامس:         (يضرب برجليه على الأرض غاضباً) لا، أريد أن أمثل، إذا لم أمثل سأعود للفتاة.

الأول:            لا لا، اترك الفتاة جانباً ولا تدخلها في موضوعنا.

الخامس:         ستجعلني أمثل معك ؟

الأول:            أمري لله، ستكون كومبارساً في المشهد.

الخامس:         جيد.

الرابع:            أنا متأكد انه لم يفهم، الكومبارس تعني أنك لن تتفوه بكلمة واحدة.

الخامس:         لا مشكلة، المهم أن أمثل.

الأول:            تعال معي الآن.

يبدأ الأول والخامس التدرب على التمثيل

الثاني:            (وهو يدير موجة الراديو) لا شيء ممتع، لألتقط شيئاً مما يدور هنا أو هناك.

الأول:            (للخامس) ابقَ بدون كلام وستريحني كثيراً.

الخامس:         (يضحك فرحاً) إذا صرت ممثلاً مشهوراً، سأمثل في التلفزيون، وتصير عندي معجبات في كل مكان، وسأوقع في دفاترهم.

الأول:            (يضحك بسخرية) معجبات؟، إنك متفائل جداً.

الثاني:            (وهو يعدل موجات الراديو) سكوت ‍‍‍! أود أن أسمع.

يصمتون جميعاً، يتابعون الثاني الذي يستمع إلى الراديو، دون أن يكون صوته مسموعاً للآخرين

الثاني:            (يستمع باهتمام) هما نفسهما !

الرابع:            (بفضول) من؟!، قل من هما ؟!

الثاني:            الطبيب وزوجته.

يتحلقون حول الثاني

الأول:            ما الذي حدث ؟

الثاني:            لقد غادرت إلى بيت أهلها، وهو يحاول الآن إقناعها بالعدول عن فكرة الطلاق.

الثالث:           الطلاق ثانية؟!، ألا تعلم أنه عار في ميزان المجتمع المختل ؟

الخامس:         نعم، إنه كما قال.

الرابع:            ألن تعدل عن قرارها؟

الثاني:            أبداً.

الرابع:            طيب، اخبرنا بما يدور الآن بينهما، فصوت الراديو مشوش.

الثالث:           (للثاني) وأنت لديك سمعٌ مرهف، هيا احكِ !

الثاني:            (وهو يستمع إلى الراديو باهتمام) تقول: (يقلد صوت امرأة) أنا لم أحبك أبداً، لم اشعر تجاهك بأية عاطفة، بل أني بدأت أكرهك، أكرهك، هل تفهم ؟

الخامس:         تكرهه؟، وماذا رد عليها ؟

الثاني:            صدم وقال لها: بل أنا من يكرهك، كان خطأً ارتباطي بك، أي معتوه أنا لأفكر في الزواج من واحدة مطلقة.

الأول:            (بحماس) هه، وبعد؟

الثاني:            ردت عليه بحدة: من أنت لتفكر أني يوماً ساحبك؟!، لا مال ولا جمال.

الرابع:            هذا مقتل الرجال.

الثاني:            يقول متفاخراً، أن كل بنات المدينة يتمنين نظرة واحدة منه.

الأول:            (بسخرية) وهذه عقدة الرجال.

الثالث:           دون جوان زمانه، وهي ماذا ردت عليه ؟

الثاني يقفل الراديو ويضعه جانباً، وسط استغراب الجميع

الخامس:         لمَ أقفلت الراديو؟ ماذا قالت؟

الثاني:            طز!

الثالث:           وأقفلت الخط؟

الثاني:            في وجهه.

الأول:            هكذا تنتقم المرأة لكرامتها.

الثاني:            بل هي الوقاحة بعينها.

الثالث:           (مستغرباً) وقاحة؟!

الثاني:            نعم وقاحة، كيف تجرأ امرأة على أن تكلم زوجها بفظاظة، صدق من قال، المرأة شر .

الأول:            إنك تقسو على النساء، أتريدها أن تسمع الإهانة وتبلعها؟

الثاني:            واجبها، هو رجلها، سيدها ويحلو له أن يفعل ما يشاء، ينهرها، يضربها، يحبسها، وهذا ما يجعل النساء يسلكن الصراط المستقيم.

الرابع:            ليس إلى هذا الحد.

الثالث:           أنت تتحامل كثيراً على النساء ؟

الأول:            المرأة مثلها مثلك، ولها أن تدفع الإهانة عن نفسها، حتى ولو كانت من زوجها.

الثاني:            ألم تسمع أنهن ناقصات ….

الخامس:         (يكمل) عقلٍ ودين، هذه أعرفها.

الثالث:           إنكم تؤلون الكلمات بمقتضى أهوائكم لتبنون عليها أحكامكم الاستباقية دون وعي.

الخامس:         (غير مستوعب) وهذه لا أعرفها.

الثاني:            طيب، اسأل صاحبنا، هو صحفي ومرت عليه قصص كثيرة تثبت كلامي، ما من جريمة إلا وورائها امرأة .

الرابع:            صحيح، لكن لا تكون دائماً هي أساس المشكلة، كثيراً ما تكون ضحية.

الأول:            النساء ضحايا الفحل المجنون الذي يسكن في الرجال.

الثاني:            بل نحن ضحاياهن.

الأول:            هن ضحاياكم ..

الثاني:            (يحتد) بل نحن الضحايا

الأول:            هن الضحايا

الثاني:            المرأة أفعى، وتتلوى على الرجل لتسلبه روحه وحريته.

الأول:            المرأة وطن، وأم، وحبيبة، هي ضعفنا وقوتنا.

الثاني:            أنت قلت، ضعفنا، احذر من المرأة، تفكيرك ودفاعك عنها يفقدانك اتزانك، لقد أصبحت كمراهق وأنت تلاحق تلك الفتاة التي لا أعرف من أين داهية جاءت.

الأول:            جاءت ممن نقتات على مخلفاتهم، وجاءت لتأخذني من عبثي، بها صار لوجودي معنى، ولهذه المزبلة معنى.

الثاني:            كيف تعطي للأشياء معنى وهي لا معنى لها، المرأة فائض عن الحاجة، كالفضلات، لأن الحياة رجل فقط.

الأول:            رأي غريب لا يقبله عقل ولا منطق، الحياة قائمة على الثنائيات، كما يعطي النور للظلام معنى، تعطي المرأة معنىً للرجل.

الثالث:           هذا هو الصحيح، الحياة ذكر وأنثى، إنها فلسفة الوجود.

الرابع:             لا وقت للتفلسف أنت، ثم دائماً تقف في صفه.

الثالث:           أنا لا أقف في صف أحد، لكن لا يمكن أن نتغاضى عن الحقائق.

الخامس:         أنا لا أفهم ما يدور بينكم، لكن عني، أنا أحب الفتيات الجميلات.

الثاني:            (بغضب) وأنا لا أحبهن، أكره الحريم (يمسك بخناق الأول بعنف ويهزه) أفق، ولتذهب كل امرأة إلى الجحيم.

الأول:            (يشتبك معه، ويرميه بقوة على الأرض) بل اذهب أنت إلى الجحيم بأفكارك المريضة.

يقوم الثاني من على الأرض غاضباً ويمسك برميلاً بيده

الثاني:            لأجل الحريم ترميني على الأرض، أهذا جزاء خوفي عليك؟، أنت لا تستحق حرصي.

يهوي بالبرميل على الأول الذي يتقيه ببرميل آخر، يشتبكان لحظات لكن يوقفهما الثالث بصرخة

الثالث:           كفى، ما هذا الجنون ؟

الرابع:            تقتتلان لأجل قضية لا تهمنا.

الثالث:           إنه مساس بأمن المزبلة، فاختلافكما في الرأي، ليس مدعاة للاقتتال.

الخامس:         وكما يقولون، الاختلاف لا .. لا .. (للثالث) نسيت، اكمل أنت.

الثالث:          لا يفسد للود قضية.

الرابع:           لم أكن أتصور أن يصل الأمر حد الاقتتال.

الأول:           ألم تسمع ما قال ؟ إنه تطرف .

الثاني:            إنه رأيي، ولا يحق لك وصفي بالتطرف.

الثالث:           هذا صحيح، المهم أن تتبادلا الاحترام وإن اختلفتما بالرأي.

الرابع:            وهذا المبدأ هو الذي جمعنا، انظرا نحن جميعنا مختلفون، جئنا من عوالم مختلفة، نوازعنا وأفكارنا مختلفة وجمعتنا المزبلة، فصارت العالم الذي ننتمي إليه، وخارجها لا ينتمي لنا الآن أبداً.

الخامس:         خلف هذه الأبنية اشعر بالغربة والوحشة، أنا أشعر بالأمان هنا، فلا تحولا المكان إلى حرب.

الأول:            (يقعد على الأرض حزيناً) اعذروني، كدنا ندمر المكان بطيشنا.

الثاني:            (يهز رأسه أسفاً) اللعنة على الحريم، أينما يحللن، تحل المصائب معهن (يأخذ جانب المسرح ويقعد وسط أجهزته)

الأول:            كنت سأكون أكثر الخاسرين، المزبلة وهبتني الحرية والحب، وهبتني القدرة على الكلام دون توجس، وأنا الذي كنت أتردد وأنا أقول حواراتي على خشبة المسرح، حتى خوفاً من الجمهور الذي هجرنا إلى غير رجعة، فخفتت أضواء المسرح، وأسدلت الستائر على أحلامنا، لم يعد لي مكان هناك، أنا أشعر بوجودي هنا.

الثالث:           لقد صارت المزبلة وطناً لنا، عشاً نحط فيه أنى حلقّنا، هنا لا حدود لأحلامنا، وهناك خلف هذه الأبنية تخنق أحلامنا دون رحمة، هناك المال هوية، ومن لا مال ولا ثروة له لا هوية له، هناك الفقر والجوع والألم، وهنا يعشعش الحب بين عيوننا (يبتسم)، إنها مزبلتنا الفاضلة.

الرابع:            صدقت، هناك تلاحقني أشباحهم وهم يصادرون حريتي وجواز سفري، هناك تلوح لي ذكرى السجن المقيتة، أما هنا فأنا كالطائر الحر.

الخامس:         (يربت على كتف الرابع) كفاكم حزناً، أكاد أبكي.

الثالث:           لا نريد أن نخسر هذا النعيم ونعود إلى جحيم الآخرين.

الخامس:         أنا أيضاً، أريد أن أبقى هنا..

الثاني:            (يقاطعه) أووف، إنكم مضجرون.

الخامس:         و لماذا ؟

الثاني:            تتباكون كالحريم في كل موقف، أنسيتم أن وراءنا حفلاً ؟

الخامس:         صحيح، نسينا.

الثاني:            طيب، إلى أين وصلتم؟

الأول:            أنا سأكون جاهزاً للمشهد المسرحي.

الخامس:         وأنا كذلك.

الثاني:            (يمسك جيتاره ويبدأ العزف) وأنا جاهز لأسمعكم أجمل الأغاني.

يعزف على الجيتار

 

إظلام تدريجي

المشهد الثالث

 

 ذات المنظر، المجموعة تتحلق حول الثاني وهم يغنون أغنية لفيروز”ع هدير البوسطة”.. تنتهي الأغنية يصفقون

الثاني:            (للثالث) أرضيت الآن؟

الثالث:           نعم، رضيت.

الرابع:            والآن جاء دور المشهد المسرحي، (للأول) هل أنت جاهز الآن؟

الأول:            جاهز، فقط أفسحوا لنا مكاناً نمثل فيه.

يرتبون جلوسهم، ويفسحون مكاناً لأداء المشهد

الرابع:            والآن مع المسرح، المسرح الملتزم الذي لم ينجر إلى سوقية المسرح التجاري، مع مشهد مسرحي بعنوان دون كيشوت وتابعه سانشو*، (يصفق) يمثل أدوار المشهد صديقنا الممثل القدير، والوجه الجديد بدور سانشو (يشير إلى الخامس الذي ينحني تحية للجميع بتكلف واضح)

الثالث:           سانشو؟، يعني أنه سيتكلم .

الأول:            ما لذي افعله ؟ هددني بالعودة للفتاة، فاضطررت لإعطائه الدور، أعانكم الله على تحمل أدائه، (للثاني) لا تنس، نريد مؤثرات صوتية.

الثاني يرفع إبهامه إيجاباً

الأول:            (يقعد على برميل ويتكأ على قطعة خشب يتخذها سيفاً) آه يا حبيبتي يا دولسينيا، كيف يهنأ لي عيش وأنا أتركك بين يدي الساحر الذي اختطفك ؟، سوف أقاتله حتى أصرعه بسيفي هذا (يضرب الهواء بقطعة الخشب، وهنا يدخل الخامس بدور سانشو) من؟!، لقد ظهرت من جديد أيها الساحر اللعين، لكنك لن تهرب مني هذه المرة، استسلم ورد لي حبيبتي .

الخامس:         (يركع على ركبتيه خائفاً)* استسلم .

الأول:            (وقد وضع القطعة الخشبية على جبين الخامس) أخيراً أنت تحت رحمتي أيها الساحر الحقير .

الخامس:         سنيور دون، دون .. نسيت اسمك .

الأول:            (يهمس) دون كيشوت أيها المغفل .

الخامس:         يا سنيور، أنا لست بساحر، أنا تابعك شانسو .

الأول:            (يهمس) إسمك سانشو وليس شانسو.

الخامس:         ليكن ما يكن.

الأول:            سانشو ؟، حقاً؟ ألست بكاذب؟ هل أنت فعلاً تابعي سانشو؟

الخامس:         نعم أنا هو يا سنيور .

الأول:            (يساعد الخامس على الوقوف) قم يا صديقي، وجهز لي فرسي وخوذتي ودرعي، (يرفع قطعة الخشب عالياً) لأنقذ حبيبتي دولسينيا من براثن الساحر الشرير .

الخامس:         (يحضر طاسة معدنية قديمة وقطعة كرتون) تفضل يا سنيور خوذتك ودرعك .

الأول:            (يضع الطاسة على رأسه ويمسك بقطعة الكرتون بيساره والخشبة بيمينه) فلننطلق إلى الأمام يا سانشو، ولنطف العالم لكي نثأر للضيم الذي يلحقه الأقوياء الكاسرون بالضعفاء والمغلوبين على أمرهم، لكي نقاتل ونعيد للعالم ما فقده، أعني للعدل (يمتطي برميل قمامة على هيئة فرس) وماذا ستمتطي أنت ياسانشو؟

الخامس:         (يشير إلى برميلٍ آخر) حماري ؟

الأول:            لم يحدث أن قرأت أن التابعين يمتطون الحمير.

الخامس:         إنه حمار قوي ورائع يا سيدي ( يمتطي البرميل).

الأول:            طيب، فليكن.

الثاني يقرع بأصابعه على برميل محدثاً صوتاً كصوت ركض الفرس، وصفيراً لريح، بعد برهة يتوقف الأول والخامس، ويتوقف الثاني عن القرع، لكن لا زال يصفّر

الأول:            ها قد وصلنا يا سانشو، انظر هناك، (يشير إلى حاوية زبالة كبيرة)

الخامس:         لا أرى شيئاً يا سيدي.

الأول:            هل يعقل أنك أصبحت أعمى؟، أمامك صف من العمالقة ذوي الأيدي الهزيلة البالغة الطول.

الخامس:         عفواً يا سنيور، لكنها طواحين هوائية.

الأول:            كم أنت جاهل في المغامرات الفروسية، إنهم سحرة أشرار عمالقة، ولن أتوانى عن خوض المعركة معهم، لسوف أفني هذا الجنس الشرير عن بكرة أبيه، واخلص فتاتي، انظر يا سانشو، إنهم يحركون أيديهم لإخافتي ! هه، أنا لا أخافكم أيتها المخلوقات الدنيئة ! يقف ضدكم فارس واحد، ولكنه يساويكم جميعاً.

الخامس:         عد إلى رشدك يا سيدي، ماذا تنوي أن تفعل ؟

الأول:            لأجل قاهرة قلبي دولسينيا.

ينطلق الأول على صوت قرع أصابع الثاني، ويختفي خلف الحاوية

الخامس:         توقف، يا سنيور، إلى أين تذهب؟ ما الذي سيفعله سيدي؟ لقد انقض على جناح الطاحونة بسيفه! سنيور قف، ها قد جره، لقد جره (يصدر الثاني اصواتاً تدل على معركة دون كيشوت والطواحين، تتدحرج الطاسة على الخشبة، ثم الأول يسقط دون حراك)

الخامس:         (يقترب من الأول) سيدي دون، دون .. نسيت اسمك ثانية، المهم أنت، هل مت؟

ضجراً يقف الخامس، يخلع ملابس سانشو ويرميها جانباً، ويقف بعيداً 

الرابع:            هه، هل انتهى المشهد؟!

يقوم الأول من رقدته باحثاً عن الخامس

الخامس:         لم ينته، لكني سأمت.

الأول:            (محتداً) لم ننه المشهد بعد أيها المعتوه، لقد أفسدته.

الخامس:         لا رغبة لي في إكماله.

الأول:            ولمَ؟!

الخامس:         لأني لم افهم شيئاً.

الأول:            إنها حكاية الدون كيشوت المعروفة ..

الخامس:         (يقاطعه) أعرف، ولكن مالي أنا وهذا المجنون الذي يصارع الطواحين.

الثالث:           إنها رواية عالمية لسيرفانتس.

الخامس:         (بتبرم) أكملها الآخر.

الأول:            لقد أنهكتني وأنا أدربك على الحوار، وبعد أن حفظت دورك،  تنهي المشهد بهذه البساطة ؟!

الثالث:           (للخامس) ماذا تريد بالضبط ؟

الخامس:         أريد مسرحية.

الأول:            وماذا كنا نعمل ؟، نرقص أم نلعب كرة قدم؟

الرابع:           كنتما تمثلان مشهداً مسرحياً.

الخامس:         أنا أعرف أن المسرحية تعني ضحك.

الثاني:            هذا ما أعرفه أنا أيضاً.

الأول:            إنها مغالطة.

الرابع:            يمكن أن يكون المسرح ملهاة، أو مأساة.

الأول:            (بحسرة) أنا أجدف في الهواء، الناس لا يعرفون سوى النسخ البائسة من المسرح.

الخامس:         (يقترب من الممثل ويربت على كتفه) لم أقصد أن أشعرك بالحزن، أنا إنسان بسيط لم أتعلم، فكيف لي أن أفهم هذا الذي كنا نفعله ؟، قدم لي شيئاً يدخل رأسي.

الثاني:            ما قاله صحيح، قدم لنا شيئاً يدخل عقولنا.

الأول:            (يتنهد) يجب أن أنسى فكرة التمثيل تماماً، لأنكم لن تفهموا أبداً ما أقدم (يطرق حزيناً).

الثاني:            دائماً تقلبون أفراحنا نكداً، يا جماعة إنها مناسبة للضحك والفرفشة.

الرابع:            (يحضر قالب الكعك ويضعه على أحد البراميل) انسوا كل شيء وتعالوا نأكل.

الثالث:           لكن فقرتي قبل الأكل.

الثاني:            (وهو يتجه ناحية القالب) لتكن بعده، نحن جائعون الآن.

الثالث:           لكن ..

يتوجه الأول والخامس ناحية القالب

الخامس:         (يمد يده للقالب، فيضربه الرابع ويبعد يده) يا الله، ثلاث شمعات، (يضحك فرحاً) أول مرة أشاهد عيد ميلاد.

الثاني:            ليست عيد ميلاد، إنها ذكرى ثلاث سنوات على وجودنا هنا.

الخامس:         يعني عيد ميلاد المزبلة.

الثالث:           (وفي يده كتابه) سأقرأ عليكم فصلاً من الكتاب.

لا يعنون بالثالث، وينشغلون عنه بإيقاد الشمعات

الثالث:           (وهو يتصفح الكتاب) سأقرأ عليكم فصل تعريف المجتمع منذ الإغريق حتى الآن، أو الطبقية عبر العصور، أو عن ابن خلدون، نعم ، والمجتمع في مقدمته، أعيروني اهتمامكم.

الثاني:            أنا قرأت كتابك ولم أفهم شيئاً.

الثالث:           إنه قصور فيك وليس في الكتاب.

الجميع:          (عدا الثالث يغنون) هابي بيرث دَي تو يو، سنة حلوة يا جميل، سنة حلوة يا مزبلتنا، سنة حلوة يا جميلة.

يقترب الثالث من الجميع بعد ان أغلق كتابه بقنوط، ويطفئ معهم الشمعات

الأول:            مبروك عليكم ثلاث سنوات جميلة مرت علينا ونحن في الأزقة الخلفية، في هذه المزبلة العظيمة.

يصفقون

الخامس:         (يضحك فرحاً) لي رغبة في الرقص، فأنا سعيد اليوم جداً.

الثاني:            لنرقص، ما المشكلة.

الرابع:            (للثالث) سترقص معنا؟

الثالث:           (محتداً) أنا، بعد هذا العمر أرقص، دع الرقص وهز الأرداف لكم، أنا سأقرأ (يتركهم ويقعد خلف مكتبه)

الثاني يعزف أغنية شبابية، يرفع إبهامه للجميع، فيردون عليه برفع ابهاماتهم، ثم يبدءون بالرقص، الخامس يرقص ويخطف شيئاً من كريمة قالب الحلوى ويلعقها، يتواصل الرقص، ويبدأ الثالث بالاهتزاز مع الموسيقى، ثم ينضم للجميع.

المشهد الرابع

 

ذات المنظر – الوقت صباحاً، يبدو شيء من الكركبة، أكياس زبالة تملأ المكان، والجميع نائمون بعمق لدرجة أن شخيرهم يسمع، يدخل بعض أهالي الحي يحملون أكياس الزبالة، تبدو علامات الدهشة عليهم، يرمون أكياس الزبالة في البراميل والحاويات ويغادرون.. بعد لحظات يسمع خارج المسرح صوت شاحنة تجميع النفايات، يدخل الزبال، يفزع لرؤية الجميع نائمين، يبدأ بالتفكير قليلاً، يبحث بين الأشياء، يجد قطعة خشب، يوقظهم واحداً واحداً، بوخزهم بقطعة الخشب

الزبال:            هيه انتم استيقظوا، هيا استيقظوا.

يستيقظون، يتجمعون مع بعضهم في منتصف المسرح، وعليهم الدهشة والحيرة

الثالث:           ماذا تريد انت؟

الزبال:            حقي.

الخامس:         أي حقٍ لك هنا، هذا المكان لنا.

الزبال:            لي فيه مثل مالكم، بل لي كل شيء هنا.

الرابع:            نحن في هذا المكان منذ ثلاث سنوات، وهو لنا اختارنا كما اخترناه.

الزبال:            بل لي أنا، ومنذ أن وعيت وأنا زبال بن زبال.

الأول:            اترك لنا المكان وارحل.

الزبال:            إذا تركته ستتراكم الزبالة، وسيتعفن الحي، وستتعفنون معه (يستدرك) لا، أنتم لا تتعفنون لأنكم كلاب ضالة تعيش على الفضلات.

الخامس:         أنت كلب ضال مثلنا.

الزبال:            (محتداً يلوح بقطعة الخشب أمام وجه الخامس) أقفل فمك وإلا حطمت على رأسك.

الثالث:           لنكن حضاريين في حوارنا، ولا تلجأ إلى العنف.

الزبال:            (بحدة) خلّ الحضارة لك وحدك، أنا أريد حقي.

الثاني:            أووه، قلنا لا حق لك هنا، خذ زبالتك وارحل.

الزبال:            لن أرحل، هذه المزبلة لي، كل ما فيها لي، لكنكم لا تتركون لي غير أوراق بالية، طعام فاسد، بقايا لا تنفع.. كل صباح أصحو قبل أن تصيح الديكة، أحلم بيوم أفضل أحلم أن تكافئني المزبلة على كدي وتعبي لتنظيف الحي، بحذاء، قميص، أو لعبة ازرع بها بسمة على وجوه أولادي. منذ مدة وأنا أعد زوجتي بفستان غير فستانها الذي اهترأ من كثرة الغسيل، لكنكم لا تتركون لي سوى الخيبة، أتعرفون الخيبة أنتم، كل يوم أعود خائباً محطماً ( يركل برميلاً ويوقعه أرضاً بغضب) كله بسببكم يا فئران المزابل.

الخامس:         (يخرج فستاناً نسائياً من برميل الزبالة ويعطيه للزبال) خذ أعطه لزوجتك واتركنا.

يأخذ الزبال الفستان ويتفحصه،يضعه تحت إبطه

الثاني:            هل هو مقاسها؟

الزبال:            هذا ليس شأنك.

الثالث:           إذا كنت تريد لعبة لأولادك، سنبحث لك عن واحدة، وإن كانت مكسورة سنصلحها، صديقي( يشير إلى الثاني) ..

يقاطعه صوت بوق التنبيه للشاحنة في الخارج

الزبال:            (يوجه حديثه للخارج بصوت مرتفع) انتظر قليلاً حتى أنهي الأمر هنا.

الأول:            بالأمس وجدت حمالة صدر هنا قد تكون ملائمة لزوجتك، إنها فرنسية الصنع، لن تحلم بارتداء مثلها طوال حياتها.

الزبال:            أين هي؟!

الخامس:         تبرعنا بها.

الزبال:            تبرعتم بها؟ لمن وكيف؟!

الثالث:           للفقراء طبعاً، هناك تلك البنية الشاهقة حيٌ يقطنه فقراء، ونحن نتبرع بما يزيد عن حاجتنا لهم.

الزبال:            (يضحك) أنا ابن ذلك الحي، وأنا أحقهم بكل شيء، أحق منكم أيضاً بهذا النعيم، المزبلة لي.

الثاني:            لكنها مزبلتنا.

الثالث:           لا تكن طماعاً، لنتحاور ونتفق.

الزبال:            (بحدة يلوح بقطعة الخشب) لا تحاور ولا اتفاق، ثلاث سنوات وأنتم تأكلون وتشربون وتلبسون من هذه المزبلة، فيكفيكم، عودوا من حيث جئتم.

الخامس:         (نظر للآخرين بدهشة) لكن لا مكان لنا غير هذه المزبلة.

الزبال:            وما شأني أنا في ذلك؟

الأول:            ستشردنا في الشوارع وعلى الأرصفة إن خرجنا من هنا، وحدها المزبلة هي عالمنا.

يعود صوت بوق التنبيه عدة مرات

الزبال:            ( بغضب يصرخ) قلت لك انتظر.

الخامس:         صاحبك ينتظرك فاذهب له.

الزبال:            لن أذهب حتى تغادروه إلى الأبد (غاضباً يضرب على البراميل) غادروا وإلا حطمت المكان.

الثاني:            سنموت جوعاً وعطشاً، لا مأوى لنا، ستحرقنا الشمس ويبللنا المطر، نحن لا نملك ولا نعرف غير هذا المكان.

الزبال:            موتوا، لسنوات وأنا أنام خالي البطن دون عشاء كي أوفر لقمتي لأولادي وزوجتي، لسنوات وأنا وأولادي ننام تحت الشمس والمطر، سقف بيتنا ملئ بالثقوب، يحق لي الآن أن أتذوق طعاماً مختلفاً، يحق لزوجتي أن تتباهى أمام جاراتها بثوب أو حذاء.

الثالث:           خذ ما شئت من هنا وعد إلى عملك، صاحبك ينتظرك خارجاً.

الزبال:            (بإصرار) لا ..

الثالث:           خذ الراديو، إنه يعمل، أو الجيتار، اعزف لزوجتك أغنية حب، خذ كتبي، خذ أي شيء، لكن لا تجبرنا على الرحيل.

الزبال:            (يضرب بقطعته الخشبية على البراميل وهو يدور حول المجموعة ) لا .. لا .. لا.

يسمع صوت بوق التنبيه متواصلاً وبإصرار

الزبال:            (يلوح بقطعة الخشب غاضباً) سأوسعه ضرباً هذا اللعين، سأعلمه معنى الانتظار.

يخرج الزبال، يتبادلون النظرات..ينطلقون بسرعة كل واحد إلى برميل، يفرغونها في كومة واحدة على الأرض، بعدها يضعون البراميل على شكل دائرة حول الكومة، ويدخل كل واحد في برميل. يدخل الخامس برميلاً بعد أن رمى قلادته على الأرض.. يدخل الزبال بعض لحظات.. يبحث عن المجموعة

الزبال:            أين رحلوا، كيف غادروا وهم يقولون أن لا مكان لهم غيره، كيف سيتدبرون أمورهم؟ ..

ينتبه لقلادة الخامس. يرفعها من الأرض

الزبال:            سأبيعها وأشتري بثمنها ما يغطي ثقوب سقف بيتي

ينتبه لكومة الزبالة، تنفرج أساريره،ثم يهجم عليها بهستيريا ويفتش فيها، يرفع بنطالاً لصبي

الزبال:            يصلح لابني، يرتديه للمدرسة

يضع البنطال جانباً، يجد لعبة أطفال، يتفحصها

الزبال:            فقط تحتاج إلى بطاريات، ستفرح الصغيرة بها ..

يفتش في الكومة بهستيريا وبشكل عشوائي، يضع أغراضه التي يختارها جانباً وهو يردد

الزبال:            هذا لي، وهذا لها ، لولدي…

تتسارع حركته أكثر وتزيد عشوائية بحثه، يرمي الأغراض عالياً وهو يصرخ مردداً

الزبال:            لي، لها ، للصغيرة .. كل شيء لي.. لي، لها ..

إظلام تدريجي

انتهت بعد المراجعة 7 أكتوبر 2003م

* نص مسرحي للكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس

* بتصرف عن مسرحية دون كيشوت، تأليف:ميخائيل بولجاكوف، ترجمة : د.هاشم حمادي، سلسلة إبداعات عالمية، العدد315، ديسمبر 1998م .

* العاطل سيؤدي دور سانشو بشكل سيء، وفيه من التكلف الكثير.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s