زهرة الحكايا

عرض زهرة الحكايا، إخراج يوسف البلوشي لفرقة مزون
عرض زهرة الحكايا، إخراج يوسف البلوشي لفرقة مزون

قدم النص:

  • في عمان، أخرجتها إسراء العجمي وشاركت بها في مهرجان أيام صحار المسرحية في دورته الثانية فبراير 2009.
  • في عمان، إخراج علي المعمري وشارك به في مهرجان المسرح المدرسي الرابع لتعليمية محافظة جنوب الباطنة 2012م.
  • في قطر، إخراج علي الشرشني تحت إسم (حكاية زهرة) لنادي الجسرة الثقافي وشارك به في مهرجان الدوحة للمسرح الشبابي الرابع ديسمبر 2013م.
  • في عمان، إخراج يوسف البلوشي لفرقة مزون وشارك بها في مهرجان المسرح العماني في دورته الخامسة بمحافظة البريمي ديسمبر في 2013، ومثلت سلطنة عمان في مهرجان المسرح الأردني نوفمبر 2014م.

 

سمعت من أمي مثلاً كانت تقوله للتهكم ” بنت العجافة قرعة”، ويعني أن بنت الماشطة أو الكوافيرة بالمعنى المعاصر صلعاء، وهذا لا يستقيم مع المنطق. ويعادل هذا المعنى المثل الشعبي الرائج ” باب النجار مخلع”.

أكتشفت في مثل أمي طاقة درامية، يمكن الاشتغال عليها ومسرحتها، وهذا ما فعلته في هذا النص الذي يبدو محلياً في البيئة التي يدور فيها هذا الحدث، ومحلياً في بعض الملامح والمفردات والأغاني التراثية، لكن يمكن له أن يتناسب مع أي بيئة تجد المرأة فيها ضمن حدود الهامش، فبيئة النص مفتوحة، وقابلة للإبدال والتغيير.

 

 

 

شخصيات النص:

زهرة:    بنت في الثامنة عشرة من عمرها، جميلة لكنها أصيبت بداء أفقدها شعر رأسها، لذا يفرض عليها أهلها ملازمة البيت وعدم مغادرته.

احمد:  أخوها الذي يصغرها بسنة، يحبها كثيراً ويشفق على حالها.

الأم:    أم زهرة وأحمد، في الثلاثينات من عمرها، تعمل ماشطة للنساء.

الأب:   ابو زهرة وأحمد، في الأربعينات، يبدو عليه أكبر من عمره.

زهرة الصغيرة: في السابعة من العمر.

أحمد الصغير:   في السادسة من العمر.

الأب قبل عشر سنوات.

الأم قبل عشر سنوات.

رجال

نساء

-1-

المسرح شبه فارغ، يتوسطه قفص حديدي معلق، بداخله زهرة مغطاة الرأس، تعطي الجمهور ظهرها، يسمع صوت غنائها وهي تداعب غطاء رأسها كمن تمشط شعرها..

زهرة:             أهلاً وسهلاً يا غزال ( تضحك) يا من تربى في دلال، يا من لها شعر عجيب، يطوى كما طي الجبال، يا من لها خصر نحيل، تفديه روحي والعيال، ( تضحك بسخرية) خصر نحيل؟، وهل بالخصر وحده تكون الفتاة جميلة؟، أنا خصري نحيف، وينحف يوماً بعد يوم، ستضمر بطني، وأصير كعود قصب، ولكني لست الفتاة الجميلة التي يحلم بها رجل، أو ترضى أخت أن تخطبني لأخيها؟.

تخرج من القفص.. تدور حوله

زهرة:             أو ترضى أم أن تكون حماة لفتاة مثلي؟، ناقصة جمال، سأكون كابوساً في أي بيت أحل فيه، يكفي كوابيس سكان هذا البيت من ابنتهم المشوهة، مساكين، كم أنا حمل ثقيل عليهم، مصيري المجهول يخيفهم.أعلم، أعلم يا أهلي الذين أحبهم. إني أثقل عليكم.

ترفع دمية صغيرة من على الأرض.. تحتضنها..

زهرة:             أعلم يا أمي أنك تريدينني بنتاً ككل البنات، بنتاً مكتملة الجمال ودون تشويه ( تهدهد الدمية..وتمسح على شعرها) لولو.. لولو ..نامي نومة الهنية .

يتداخل صوت زهرة مع صوت أمها وهي تهدهدها في صغرها، يضاء جانب من المسرح، الأم تقعد على الأرض وتضع رأس زهرة الصغيرة على رجلها

الأم:              نومة الغزلان في البرية.. لولو .. لولو .. لولو .. نامي يا صغيرتي يا زهرة، نامي لا بكتك عينيِ، حرسك الله يا قرة عيني ( تمسح على رأسها بحنان).

زهرة:             (تمسح على شعر الدمية بحنان) نامي يا صغيرتي، حرسك الله ( تضع الدمية جانباً) حرسني الله يا أمي؟!، صرت كبيرة، ثمانية عشر عاماً، هو عمر إمرأة، صرت مثلك، لي طاقة النساء، لكن لم يحرسني الله من العيون، لم ينفع كل الأحجبة و الأحراز التي كانت تثقل رقبتي في صدها عن صغيرتك..

يضاء جانب المسرح، الأم تجلس بمقابل زهرة الصغيرة، تلبسها حجاباً..

زهرة الصغيرة:    واحدُ آخر يا أمي؟

الأم:              لتحفظك من العيون.

زهرة الصغيرة:    والتي أرتديها؟، ألا تحفظني؟

الأم:              لو بيدي لألبستك كل الأحراز والأحجبة في هذه الدنيا، ألا تعرفين قدر خوفي عليك؟، الحسّاد كثر في هذه القرية، يحولون الجميلة إلى مسخ بعيونهم.

زهرة الصغيرة:    مسخ؟، ماذا يعني مسخ؟

الأم:              يعني، تصير شخصاً مخيفاً مشوهاً، يبتعد الناس عنها.

زهرة الصغيرة:    لا أريد أن أكون مسخاً، سألبس الحجاب.

الأم:              (تلبسها الحجاب) سيقيك من عيون الحسّاد، ( ترفع المبخرة.. وتديره على رأس زهرة) وهذا سيطرد الشياطين عنك ويحميك.

تقعد زهرة على الأرض.. بيدها الدمية ..

زهرة:             لكن الشياطين لم تتركني، و أحرازك  لم تقيني يا أمي من الحسّاد، لماذا أنا وحدي دون بنات القرية؟، لماذا أصابتني اللعنة وحدي؟، لو تركتِني دون أحراز ودون حجاب لما صرت هكذا، سجينة بين الجدران،يكفي دعاؤك ككل الأمهات.كنت تقولين لي أن الله يسمع الأمهات، يجيب دعواتهن في أولادهن،  كنت تقولينها ولم تكوني تصدقين؟، ألست أماً ليسمعك الله ويجيب دعاءك؟. كنت تدعين الله لأجل أخي ولم تصبه اللعنات، ألم تدعي لأجلي؟، أنا بنت ولا قدرة لي على تحمل اللعنات. لو أصابت اللعنة أخي، لما صار سجيناً بين جدران هذا البيت، لما أغلقت الأبواب عليه ليعيش ما بقي من عمره منبوذاً، الأولاد لا تشوههم اللعنات، لن يكون مسخاً يخافه الناس، وسيكبر وسيجد فتاة تقبل به زوجاً. ما مشكلة الرجل الأصلع؟.

تضاء الزاوية التي تقعد فيها الأم وزهرة الصغيرة، حيث تمشط الأم صغيرتها وهي تغني لها

الأم:              ( تغني ) شعر زهرة طويل، والمشط خضّعه، عمر أبوها طويل، رب السما يحفظه. شعرك يا صغيرتي كخيوط الحرير الناعمة، لا أدري ممن ورثتِ جماله؟.أنا لم أملك شعراً مثله ولا أمي ملكت، ولا أتذكر أن لجدتك لأبيك جمال شعرك؟.

زهرة الصغيرة:    صديقتي ليلى لديها شعر طويل و أجمل من شعري، ناعم وخفيف.

الأم:              أمها أيضاً لها نفس الشعر، كانت تتباهى به علينا يوم كنا صغاراً، تمشي بدلال وشعرها يموج خلفها، كنا نغار منها.تمنيت أن يكون لي شعرها، لكن الله أعطاني إياك، وأعطاك شعراً حريرياً. تعرفين؟

زهرة الصغيرة:    ماذا يا أمي؟

الأم:              شعرها هو ما جعلني أحب مهنة العجّافة ( الماشطة). تصدقين؟!، أكثر بنات القرية أنا من مشطت شعرهن وعجفته ( جدلته)  في ليلة عرسهن.

زهرة الصغيرة:    ومن لها شعر كشعري؟

الأم:              لم أعجف حتى الآن شعراً بنعومة شعرك، أعرف البنات من شعرهن، حتى لو لم أر وجوههن سأعرف أن هذا الشعر لفلانة بنت فلان، باللمس أستطيع أن أميز بينهن.

زهرة الصغيرة:    طيب، أغمضي عينيك!

الأم:              لماذا؟

زهرة الصغيرة:    سأخبرك، لكن أغمضيهما الآن.

الأم:              ( تغمض عينيها) هه، الآن أنا مغمضة العينين.

زهرة الصغيرة:    ألمسي شعري يا أمي.

الأم تلمس شعر زهرة الصغيرة

زهرة الصغيرة:    من أنا.

الأم:              ( تضحك) أنتِ؟، سأعرفك الآن.أنتِ ؟ ( تتلمس شعرها مراراً) أنت أجمل بنت في القرية، حبيبتي زهرة (تحتضنها) قلت لك اني أميز البنات من شعرهن.

زهرة الصغيرة:    ( تضحك ببراءة) صحيح، صدقتك.

الأم:              دعيني الآن أدهن شعرك بالزيت ليزداد طوله وجماله ( تدهن شعر زهرة الصغيرة وهي تغني) شعر زهرة طويل، والمشط خضعه.

تركز الإضاءة على زهرة وهي تحتضن دميتها وتمسح شعرها وتستند على القفص

زهرة:             ( في حزن، وبعض الهذيان تغني) شعر زهرة طويل، والمشط خضعه، عمر أبوها طويل، رب السما يطلعه.أي شعرٍ سيخضعه المشط؟. والشعر انحسر عن رأسي منذ اللعنة، لم يعد شعري طويلاً كما كان لتغني عليه يا أمي، شعر زهرة طويل.

تدخل الأم إلى خشبة المسرح، تنتبه لوجود زهرة وهي تغني

الأم:              (تقترب من زهرة وبحالة من الغضب المشوب بالحزن) ألا زلت تتذكرين هذه الأغنية؟، كبرتِ يا زهرة عليها.

زهرة:             لن أكبر على أغنية تذكرني بماضٍ أجمل، أتريدينني أن أنسى اغنيتك وأنت تتغزلين في طول شعري و جماله؟، صعب علي النسيان.

الأم:              الحال تغير يا حبيبتي، ما عاد لك شعرٌ طويل ٌكما كنت.

زهرة:             نعم، لم يعد لي شعرٌ طويلٌ، أنا الآن فتاة صلعاء ( تزيح الشال فينجلي رأسها الأصلع) أنظري لصلعتي! ( تشير إلى رأسها) هنا كان يوجد شعر .

ترفع الأم الشال من الأرض، وتحاول تغطية رأس زهرة..

الأم:              غطي رأسك يا زهرة، لا يمكنك أن تبقي دون غطاء رأس.

زهرة:             تخافين مني؟

الأم:              لا، من العيب أن تكشفي رأسك.

زهرة:             عيب؟، ما العيب في أن أكشف رأساً دون شعر؟. ثم أني بالبيت، لا أحد سيراني، لن يسخر أحد من ابنة العجافة الصلعاء.ممّ تخشين إذاً؟

الأم:              (بارتباك) لا أخشى من شيء. لكن.

زهرة:             لن أتعبكِ، سأغطي رأسي ( تأخذ الشال وتغطي رأسها) ارتحتِ الآن؟

الأم:              (تلتزم الصمت)..

تدخل زهرة القفص ..   

الأم:              ألم تسأمي من هذا القفص؟

زهرة:             لا. حتى لو سأمت، ما الذي سيتغير؟، أين سأذهب؟

الأم:              البيت كبير، له حوش (باحة البيت) واسع، أنت تقضين داخل القفص جل  وقتك.

زهرة:             ما الذي تريدينني أن أفعله؟، القفص الحديدي لا يختلف عن هذا السجن الواسع، ما الفرق بين جدران بيتنا وقضبان هذا القفص؟، لا فرق.

الأم:              أنتِ تعذبينني يا زهرة.

زهرة:             لا، لا أريد لك العذاب.

الأم:              كأنني أنا المسئولة عن مرضك،  فعلت كل شيء ليحرسك الله من العيون، لكن ما في اليد حيلة.

زهرة:             لكنك مسئولة عن سجني.

الأم:              تعبت يا زهرة من ترديد نفس الحكاية.

زهرة:             أنا تعبت منها أكثر. نعم، أنا أعرف أن مصيري في هذا المكان، حياتي وقبري في هذا المكان، هذه الحكاية التي أسمعها باستمرار، حفظتها.

الأم تهم بالخروج ضجرة، يدخل الأب بعد أن سمع كلام زهرة، تنتبه زهرة لوالدها فتجفل خائفة

الأب:            ألا تنتهين من نكدك يا بنت؟

زهرة:             أنا، لم يكن قصدي.

الأب:            بل قصدك، مراراً أمرتك أن تنسي الماضي، أنت مكتوب عليك أن تبقي هنا، خروجك ممنوع، وأنت تعرفين ذلك جيداً.

زهرة:             أعرف، لن أنسى أن هذا المكان هو مصيري، للتو قلت لأمي ذلك.

الأب:            (يقترب من زهرة) لا أريد أن أرى ضجراً ولا تبرماً منك ثانية. فهمتِ؟

زهرة:             (تنكس رأسها) فهمت.

الأب:            اعتذري من أمك، وإياك تكرار هذا الكلام معها ثانية.

زهرة:             ( تقبل رأس أمها) سامحيني يا أمي. ما الذي تريدينني أن أطبخه لكم على الغذاء؟.

الأم:              سنأكل من وليمة العرس.

زهرة:             العرس؟، من سيتزوج؟

الأب:            أحد أبناء القرية.

زهرة:             والعروس؟

الأم:              (بارتباك) إحدى بنات القرية.

زهرة:             أعلم. لكن من تكون؟

الارتباك يبدو جلياً على ملامح الأم والأب اللذان ينظران لبعضهما، تنتبه زهرة لارتباكهما

زهرة:             ما بكما؟

الأب:            لا شيء، لكن لا تكثري السؤال، أنت لا تعرفين العروس.

زهرة:             حتى في هذا الأمر لا أكثر السؤال؟!

الأب:            (بحزم)  زهرة!

زهرة:             حسناً، لن أسأل.

يخرج الأب من جهة الباب الخارجي، وتدخل الأم إلى الداخل، تبقى زهرة وحدها، تحمل دميتها وتحتضنها

زهرة:             ( للدمية) ستبقين في هذا السجن إلى الأبد، أنتِ مخجلة، لأنكِ صلعاء.كيف ستخرجين إلى الناس بهذا الرأس الأصلع؟.

تسمع صوت أبيها من الجانب الآخر، وسط بقعة ضوء. يظهر فيها الأب يمسك أحمد الصغير، وزهرة الصغيرة تقف أمامهما.

الأب:            قلت لك يا بنت، لا يجب أن تخرجي إلى الشارع.

زهرة الصغيرة:    لماذا؟، أحمد يخرج إلى الشارع لوحده، ومعك.

الأب:            هو ولد.

زهرة الصغيرة:    وما الفرق؟

الأب:            بخروجه يتعرف على الناس، لأنه سيكبر ويصير رجلاً.

زهرة الصغيرة:    وأنا؟

الأب:            لن تصيري رجلاً، ستصيرين امرأة، والمرأة مكانها البيت( يسحب أحمد الصغير) هيا بنا يا ولدي، حتى لا نتأخر ( لزهرة) وأنتِ، إياك أن تتعدي عتبة الباب.

أحمد الصغير يخرج لسانه لأخته سخريةً ويخرج مع والده، مخلفاً زهرة الصغيرة تبكي بحرقة، تطفأ بقعة الضوء، زهرة التي كانت تراقب المشهد يبدو عليها الحزن، تخرج لسانها جهة خروج أحمد وأبيه بقهر

زهرة:             كريه..

يدخل أحمد، ينتبه لحركة أخته، يضع يده على كتفها، تتفاجأ زهرة.

زهرة:             أبي؟!

أحمد:            لا، أنا أحمد. من هو الكريه؟

زهرة:             ( تضحك) من غيرك؟.

أحمد:            (يضحك) أنا؟، ولماذا؟

زهرة:             لأنك تخرج وتتركني وحيدةً في هذا البيت؟

أحمد:            أنا عينك في الخارج، لولاي لما عرفتِ ما يحدث خلف هذا الباب.

زهرة:             صحيح، تعال أقعد بجانبي وأخبرني عن كل شيء.هه، ماذا رأيت أو سمعت طوال أمس؟.

أحمد:            لا شيء مميزاً، عدا أننا أصطدنا كمية كبيرة من السمك أمس.

زهرة:             أتعبتني في تنظيف كل تلك الكمية.

أحمد:            ألم تساعدك أمي؟.

زهرة:             أمي؟، لا وقت لديها، تعرف أن موسم الأعراس قد بدأ، وهي تتنقل من عرس إلى آخر.صارت مطلوبة حتى في القرى الأخرى (تستدرك) على فكرة.من سيتزوج الليلة؟

أحمد:            إنه صديقي علي، تتذكرينه؟.

زهرة:             أكيد ( تضحك) أتذكره جيداً، أتفقنا على الزواج حين كنا صغاراً، كنا نلعب سوية، أنا وهو وليلى، أتذكر؟،  كنا نرفض أن تلعب معنا لأنك صغير. أخبرني  ممن سيتزوج؟

أحمد:            (بارتباك) أأ، سيتزوج..

زهرة:             ما بكم ؟، كل من سألته يرتبك ويتردد، ماذا تخبئون عني؟

أحمد:            لا شيء، لكن، ألن تنزعجي إذا عرفتِ من ستكون زوجة علي؟

زهرة:             ولماذا أنزعج؟، يا أحمد إنها أحلام طفولة، تتبدد كلما كبرنا، أتظنني أفكر في علي زوجاً حتى الآن؟

أحمد:            لا، لكن علي سيتزوج بليلى.

زهرة:             (بدهشة) ليلى؟

أحمد:            نعم، صديقتك ليلى، صديقة الطفولة.

زهرة:             (بفرح مشوب بالحزن) هل كبرت و ستتزوج؟ (بحزن) إنها أصغر مني بشهرين أو أكثر.

أحمد:            هل أنت حزينة؟

زهرة:             ( تحاول إخفاء حزنها) لا، أنا سعيدة لأجلها.

أحمد:            لا يمكنك إخفاء مشاعرك عني، أعرفك جيداً، أنت حزينة.

زهرة:             نعم، لكن لأجلي، ستتزوج ليلى وغداً تصير أماً، أما أنا فسأصير العانس الصلعاء، من سيفكر أن يتزوج صلعاء مثلي؟.

أحمد:            لكنك جميلة.

زهرة:             أنت كبرت، وصرت على عتبة زواج، هل تتزوج فتاة صلعاء حتى لو كانت جميلة؟.

أحمد:            إذا كانت بجمالك و بجمال روحك، ما المشكلة في أن أتزوجها؟.

زهرة:             تقول هذا الكلام لأنني أختك.

أحمد:            إنها الحقيقة، أنت حقاً جميلة، (يلاطفها) لا أتصور أني سأجد فتاة بنصف جمالك في القرية.

زهرة:             لا تبالغ، الجميلات يملأن القرية (تحاول تجاوز حزنها ) المهم، أريدك أن تحمل لي الكثير من الحكايا مما ستشاهده في العرس، سوف أنتظرك.

أحمد:            سأعبئ كيسي بحكايا كثيرة، ستملين منها.

زهرة:             ليت لي أختاً لتحكي لي عن ليلى في ليلة عرسها.

أحمد:            سأخرج الآن، هل تريدين أن آتيك بشيء؟!.

زهرة:             فقط الحكايا، ماذا تنتظر؟، هيا أخرج الآن، لا تنس، أنا انتظر حكاياك.

يخرج أحمد بعد أن يقبل رأس أخته، تشيعه بابتسامة، تقف وحدها..

زهرة:                      علي و ليلى، لماذا أختار ليلى دون البنات، علي كان لي، وعدني بالعرس. كنا نحلم معاً ببيت وأطفال.. ( تتذكر) كنا نمثل ليلة عرسنا، هكذا أقف، تزفني البنات بالأغاني، وأراه هناك، بثوب عرسه، ينتظرني بلهفة، أراها في عينيه، في يديه، في وقوفه العاشق، يمسك يدي ويضمني إلى صدره، يقبلني. آه يا علي، خنت أحلامنا، تركتني في وحدتي وستتزوج ليلى، ستضمها هي لا أنا، ستقبلها هي لا أنا، كنت تريدني أنا، لا ليلى، أتذكر يا علي؟!، أتذكر؟!.

يُسمع صوت زغاريد و أغاني العرس من الخارج، تنتبه زهرة، وتحاول استراق السمع، تقترب أكثر، تتضح الأغنية

صوت الأغنية:  “يالهيل يالهيلي، يالهيل يا الهيلي، يا من شعر راسها يسحب إلى الذيلِ، نادوا الخضابة، نادوا الخضابة، تجي تخضب العروس، في أظلم الليلِ”..

تردد زهرة الأغنية بفرح

زهرة:             نادوا الحناية، نادوا الحناية، تجي تحني العروس، في أظلم الليلِ ( ترقص رقصاً خفيفاً)..

يدخل والدها الدار، يراقبها، بقعة ضوء على زاوية من زوايا المسرح، زهرة الصغيرة ترقص رقصاً خفيفاً على ذات الأغنية، تموج شعرها يمنة ويسرة على أنغام الأغنية، يقترب والدها منها، تتفاجأ بوجوده، تتوقف عن الرقص وتجفل خوفاً، زهرة تحاكي زهرة الصغيرة في حركاتها و ردود أفعالها..

زهرة الصغيرة:   أبي؟!!، أنا !!.

الأب:            ترقصين يا وقحة؟

زهرة الصغيرة:   أنا أرقص وحدي، ولا أحد هنا.

الأب:            الرقص عيب.

زهرة الصغيرة:   لم تخبرني أمي أن الرقص عيب.

الأب:            لكني أخبرتك أن الرقص عيب، ألا تفهمين؟

زهرة الصغيرة:   ولمَ هو عيب؟، لم يرني أحد أرقص غيرك، وتوقفت الآن.

الأب:            لأنه سيعلمك الجرأة والوقاحة، والبنت يجب أن تكون خجولة، الخجل يعلمها العفة!.

زهرة الصغيرة:   سمعتك مرةَ تقول لأمي أرقصي لي.

الأب:            (بغضب يهجم عليها ويشدها من شعرها) تتجسسين علينا؟

زهرة الصغيرة:   لا، لكني خرجت بالليل إلى الحمام وسمعتكما.

الأب:            لا شأن لك بما يدور بيني وبين أمك، قلت لك الرقص عيب، ولا أريدك أن ترقصي ( يشد على شعرها أكثر) فهمتِ؟

زهرة الصغيرة: (تتأوه) آآآه، فهمت..

تظلم الزاوية، وتبدو زهرة الكبيرة تتأوه وتتألم وتمسك رأسها..

زهرة:             (تتأوه متألمة) آآآه، فهمت يا أبي، لن أرقص ثانية.

الأب:            (يبدو بالقرب من زهرة يمسك رأسها ويحاول تهدئتها) ما بك يا زهرة؟

زهرة:             لن أرقص يا أبي، سامحني، نسيت أن الرقص عيب.

الأب:            إهدأي..

تهدأ زهرة، تستوعب وجودها أمام أبيها

الأب:            ما الذي أصابك؟، أتشعرين بألمٍ في رأسك؟

زهرة:             لا، لا شيء، أنا بخير، لماذا عدت بسرعة؟، أنت للتو خرجت؟

الأب:            نسيت بشتي (عباءتي)، تعرفين أن علي بمثابة ولدي لعلاقتي الوثيقة بوالده.

زهرة:             ( تتصنع) علي؟، أنت لم تخبرني أن الذي سيتزوج هو علي.

يرتبك الأب ويلوذ بالصمت..

زهرة:             أخبرني أحمد، وأخبرني أن ليلى هي من ستتزوج علي.

الأب:            هل أنت حزينة؟

زهرة:             ولماذا أحزن؟، ليلى كانت صديقتي، وسعادتها هي سعادتي، لكني حزينة لأني لا أشاركها الفرح.

الأب:            أقدر حزنك، لكن ما باليد حيلة.

زهرة:             تمنيت أن أكون بجانبها الآن، أرفع لها ثوبها عن الأرض، أزفها إلى دار عريسها، أرقص في عرسها دون أن يكون الرقص هناك عيباً. أتدري يا أبي أن علي كان يريد أن يتزوجني عندما كنا صغاراً؟، هل أخبرتك أمي؟.

الأب:            هذا كان في الماضي، و كل إنسان يحصل على رزقه.

زهرة:             يستحقان الفرح.

الأب:            ( يتنهد الأب حزيناً) آه يا زهرة، كم أنا حزين رغم فرحي بزواج علي.

زهرة:             وما الذي يحزنك؟

الأب:            ( يمسك زهرة بحنان أب، و يقربها من مقدمة المسرح) كل أبٍ يتمنى أن يكبر أولاده، وأنت ابنتي البكر، كنت أحلم ككل الآباء أن تكبري وتصيري عروساً، تمنيت أن تكوني بنتاً عادية تتزوجين، وتزفك أمك إلى بيت عريسك، وتنجبي أطفالاً، تكوني أماً، وأكون جداً، اشتقت لطفل صغير يشيع الفرح في هذا البيت.

زهرة:             (تبكي) أنت حزين لأني لست بنتاً عادية؟.

الأب:            لأجلك ولأجلنا، لم يدخل الفرح إلينا منذ سنوات.

زهرة:             بسببي؟

الأب:            ( بيأس) لا ذنب لك، إنه قدرك.

زهرة:             ولكن لم يرحمني أحد.

الأب:            لمَ هذا الكلام؟.

زهرة:             الحمى وأنتما والناس الذين خارج هذا البيت، لم يرحم حالي أحد.

الأب:            نحن أهلك، ونحن أرحم بك من أي أحد.

زهرة:             أنتما يا أبي حكمتما علي بهذا السجن، أنتما من منعتماني من أن أرى الناس، خوفكما من السخرية حكم علي بالسجن.

الأب:            الحمى هي من حكمت عليك بالسجن.

زهرة:             إلى متى؟

الأب:            حتى تزول اللعنة التي أفقدتك شعرك، حتى يخرج ثانية.

زهرة:             لن يخرج.

الأب:            ( بحسم) ستظلين إذاً بين جدران البيت.

زهرة تترك والدها وتدخل إلى القفص، يراقبها أبوها بحزن، تأخذ زهرة الدمية وتمسكها بين يديها.

زهرة:             أنتِ لا تفهمين، يبدو أن عقلك زال مع شعرك، لا يجب أن تنسي أنك محكومة بالسجن.

يقترب الأب من زهرة، يواجهها

الأب:            أنت تحاكميننا لأمر لا ذنب لنا فيه.

زهرة:             (تحدث دميتها) تفهمين؟، الخروج من هذا البيت ممنوع، ممنوع ( تضع إصبعها على فمها) أشششش!!، لا أريد نقاشاً في الموضوع.

الأب:            أي أبٍ وأم يريدان لابنتهما هذا المصير؟، نحن نتعذب مثلك.

زهرة:             ( لا تعير انتباهاً لأبيها وتظل تحدث الدمية) ألم تعتادي هذه الوحدة وهذه الغربة منذ عشر سنوات؟!.

الأب:            غربة؟، كيف تشعرين بالغربة وأنت وسط أهلك الذين يحبونك؟.

زهرة:             ( للدمية) يحبونكِ لكنهما يخافان من فضيحة وجودك.

الأب:            بل نخاف عليك من الناسِ، ومن نظراتهم، أنت لا تعرفين شيئاً ( يتنهد) آه يا زهرة، الناس لن يتركوك تعيشين بسلام، لن يتركونا دون أسئلة ونظرات شفقة، أو من سخرية، لا نريد لك مصيراً كمصير مريم المجنونة. أتتذكرينها.

زهرة:             (للدمية) أتعرفين مريم المجنونة؟، هي الأخرى صلعاء. لكنها صارت مجنونة.

الأب:            الحمى أفقدتها شعرها، والناس أفقدوها عقلها، لم تتحمل السخرية. لن تتحمليها أنت أيضاً. لن نقبل عليك السخرية. سيقولون عنك بنت العجافة.. ( يصمت)..

زهرة:             ( للدمية) صلعاء ( لأبيها) لمَ تخشَ نطق هذه الكلمة؟، لن تجرحني بها.

الأب:            يا زهرة أن تزيدين من ألمي.

زهرة:             ( تنهار باكية) لا أريد لك الألم يا أبي، لكني متعبة.

الأب:            أعلم.

زهرة:             سأصمت، لن أتكلم، لن أتذمر، سأقبل بهذا المصير ( تمسح دموعها) إذهب الآن!، خذ بشتك (عباءتك) وتأنق، يجب أن تشرف أبا علي بصداقته لك.

تدخل الأم إلى خشبة المسرح وهي في ملابس الخروج وفي يدها كيس فيه ادوات تجميل وأمشاط، تنتبه للأب وزهرة مع بعضهما، تقترب منهما، تشير للأب متسائلة عن ما يجري.

الأب:            لا شيء، كانت زهرة توصيني أن أتأنق لأقف مع أبي علي لاستقبال المهنئين.

الأم:                       ( تقترب من زهرة) زهرة، أنا خارجة إلى بيت العروس، هل تريدين مني أي شيء؟.

زهرة:             نعم.

الأم:             قولي.

زهرة:             تعرفين أن شعر ليلى ناعم وكالحرير.

الأم:             (بارتباك) ليلى؟.

الأب:            إنها تعرف.

الأم:             ( صامتة تنكس رأسها).

زهرة:             أنا أحب ليلى لأنها صديقة طفولتي.

الأم:             أتذكر، كنتما كجسد وظل.

زهرة:             اعتبريها أنا حين تمشطين لها شعرها، تخيلي أنك تمشطين شعري في لية عرسي.

يبدو على الأم الحزن الشديد

زهرة:             برفق مشطي لها شعرها حتى لا يتأذى، دللي شعرها الجميل، أريد كل بنات القرية يحسدنها على شعرها الليلة، إجعليها أجمل عروس، أفرحي قلب علي بليلى..

الأم:             لأجلك يا زهرة سأفعل كل شيء، سأجعلها تختال بين النساء كأميرة.

زهرة:             وغني لها وأنتِ تمشطينها ( تمسك دميتها بهذيان وكمن تمشط الدمية) شعر ليلى طويل، والمشط خضعه.

الأم:             ( تبكي وتردد مع ليلى الأغنية، البكاء يختلط مع الغناء) عمر أبوها طويل رب السما يطلعه، شعر زهرة طويل والمشط خضعه ..

إظلام   

عرض زهرة الحكايا، إخراج يوسف البلوشي لفرقة مزون
عرض زهرة الحكايا، إخراج يوسف البلوشي لفرقة مزون

 

-2-

 نفس المنظر، زهرة نائمة في قفصها الحديدي، تنام دميتها على يدها، تنار بقعتا ضوء، واحدة في اليسار والأخرى في اليمين، في يمين الخشبة يقف الأب يتلقى التهاني من بعض الرجال، وفي الجهة اليسرى تستلقى الأم على فراشها وبجانبها زهرة رضيعة ملفوفة في لفة.. وحولها بعض النساء..

إمرأة:             مبروك ما رزقك الله.

الأم:              بارك الله فيك.

إمرأة:             ( تحمل زهرة الصغيرة.. تقبلها في خدها) ما شاء الله، فلقة قمر.

الأم:              تشبهني؟

إمرأة:             فيها من أبيها ومنك، لكنها جميلة ( تمسح على شعر زهرة) ما شاء الله، شعرها أسود وناعم، حفظها الله من العين ( للأم) هل زوجك سعيد؟

الأم:              يكاد يطير من الفرح، الدنيا لم تسعه.

إمرأة:             ألا يبدو عليه الضيق؟

الأم:              ولمَ؟

إمرأة:             تعرفين، الرجل يتمنى بكره ولداً، وأنتِ ولدتِ له بنتاً، لابد أن يشعر ببعض الضيق.

الأم:              لم أرَ ذلك منه، إنه يحبها وسعيد بها.

إمرأة:             اسمعيني، لا تنتظري طويلاً، أربعين يوماً واحملي، انجبي له ولداً.

الأم:              أحمل بعد اربعين يوماً؟، كيف سأتكفل أمر زهرة؟، أنت تعرفين الوحم.

إمرأة:             تحملي لأجل مصلحتك.

الأم:              أنا لم أفهمك، لماذا لأجل مصلحتك؟، ثم هل تظنين أنه سيتحمل الحرمان مني كل هذا الوقت؟، للتو ولدت زهرة، وأربعين يوماً اخرى، ثم أحمل وأتوحم لأمنعه من الاقتراب مني، لا أظن أنني سأكون منصفة في حقه.

إمرأة:             بل منصفة في حق نفسك.

الأم:              لا أفهم ما تقصدين.

إمرأة:             اسمعيني يا عزيزتي، لا تعطي زوجك فرصة للزواج بأخرى لأنك لم تنجبي له الولد، كل يوم نسمع عن قصص رجال يتزوجون على نسائهم لأنهن لم تنجبن ولداً.

الأم:              لا أظن أن زوجي من هذا النوع.

إمرأة:             كل الرجل سواء.

ينتقل الحوار إلى البقعة الأخرى

رجل:             تتربى في عزك.

الأب:            سلمك الله.

رجل:             غلبك أبو علي.

الأب:            أبو علي تزوج قبلي، لذا أنجبت زوجته قبل زوجتي.

رجل:             لا أعني هذا الأمر.

الأب:            غلبني بماذا إذاً؟

رجل:             بكره ولد وأنت بكرك بنت.

الأب:            وما المشكلة؟.

رجل:             الولد هو من يحمل إسمك لا البنت.

الأب:            أنا لا زلت في بداية حياتي، تزوجت منذ سنة فقط، العمر أمامي وأمام زوجتي، ثم أن البنت فيها الخير.

رجل:             البنت تتزوج وتذهب إلى بيت زوجها و أولادها لن يحملوا إسمك.

الأب:            صحيح، لكنها تظل ابنتي.

رجل:             تعرف أن الناس يكنون الرجال بأسماء أولادهم وليس بأسماء بناتهم، لأنه عيب.

الأب:            أعلم.

رجل:             هل تقبل أن يكنوك بأبي زهرة؟، أتراها مقبولة؟

الأب:            طبعاً لا، كل رجال القرية يكنون بأسماء الأولاد.

رجل:             ها أنت قلتها..

الأب:            وما الذي أفعله؟، إنه رزق من الله.

رجل:             لا تنتظر طويلاً، حمّل زوجتك بسرعة، علها تنجب لك ولداً، وإذا لم تفعل تزوج عليها.

الأب:            لا يمكنني أن أفعل ذلك، هي ابنة عمي وأحبها.

رجل:             لن ينفعك الحب ولا القرابة.

تظلم البقعة التي فيها الأب مع الرجل، يدخل الأب على الأم التي بقيت وحدها مع طفلتها الصغيرة، ويبدو عليه الضيق، يقعد بجانب الأم، دون أن يتكلم.

الأم:              ما بك؟، ما الذي يضايقك؟

الأب:            (بحزم) إسمعي!، أنا لن أنتظر طويلاً، إذا لم تنجبي لي ولداً بسرعة فسأتزوج عليكِ.

تظلم البقعة، صوت بكاء طفل مولود للتو، أصوات تختلط..

صوت الأب:    ولد أم بنت.

صوت إمرأة:     مبروك، ولد.

أصوات زغاريد وتبريكات..

صوت الأب:    الحمد لله، ولد سأسميه أحمد.

صوت رجل:     مبروك يا أبا أحمد..

صوت الأب:    فعلتها ابنة عمي وأنجبت لي الولد..

تختلط أصوات التبريكات، صمت، ثم صوت تنفس سريع لزهرة الصغيرة وأخيها أحمد الصغير  يركضان..

زهرة الصغيرة:    أنا خائفة من الظلام.

أحمد الصغير:   وأنا كذلك، (يبكي) أريد أن أذهب إلى البيت.

زهرة الصغيرة:    كف عن البكاء، بسببك ضعنا.

أحمد الصغير:   (يبكي) أريد أبي، أريد أمي، خذيني إلى البيت.

زهرة الصغيرة:    سنصل، البيت قريب، سأشتكيك عند أبي، سأخبره أنك هربت بعيداً خارج القرية وبسببك ضعنا.

أحمد الصغير:   لا يا زهرة لا تخبريه، سيضربني.

صمت، عدا أصوات التنفس السريع، تضاء بقعة ضوء جانبية، الأب والأم في حيرة وخوف..

الأم:              هل بحثت عنهما في كل مكان؟

الأب:            لم أترك مكاناً لم أبحث فيه، أين يكونان ذهبا.

الأم:              (تبكي) يا رب أرجع ولدَي.

يدخل الطفلان إلى البيت، تسقط زهرة منهارة على الأرض، يستقبل الأب أحمد بالأحضان والقبلات..

الأب:            أين ذهبت؟، قتلتني خوفاً عليك.

ترفع الأم زهرة من على الأرض وتحتضنها، تجفف عرقها.

الأم:              أين كنتما؟، بحثنا عنكما في كل مكان.

زهرة الصغيرة:    هرب أحمد بعيداً فلحقت به كي أرجعه، فضعنا هناك.

الأب:            ( يترك أحمد جانباً ويتجه إلى زهرة، يأخذها من أمها بغضب) تعالي هنا ( يمسكها من كتفيها) تريدين قتل ولدي يا غبية.

زهرة الصغيرة:    ( خائفة) هو السبب، هو الذي هرب.

الأب:            يجب أن تحافظي عليه أكثر من نفسك، فهمتِ؟ ( يهزها ..).

تظلم البقعة، زهرة النائمة تهذي وبجانبها يقف أحمد..

زهرة:             هو السبب، هو الذي هرب، لست أنا، لا يا أبي، لست أنا من هربت.

أحمد:            (يهز زهرة كي يوقظها من النوم) زهرة، ما بك يا زهرة، استيقظي. زهرة!.

تستيقظ زهرة منزعجة ومفزوعة، تستوعب، تتنفس بعمق..

أحمد:            ما بك يا زهرة؟، تحلمين في القيلولة؟

زهرة:             أكثر الأحلام المزعجة تأتي في القيلولة، تعبت من تنظيف البيت ونمت.

أحمد:            تناولت غذاءكِ؟

زهرة:             نعم، من الطعام الذي أتى به أبي من العرس، لم عدت باكراً؟

أحمد:            لأجهز نفسي لهذه الليلة، سأنظف البندقية لأملاً سماء القرية بطلقاتها فرحاً بعلي.

زهرة:             كن حذراً وأنت تطلق النار حتى لا يصيبك مكروه.

أحمد:            لأجلك أنت سأكون حذراً، انزلي من هذا القفص، تعالي نتحدث قليلاً.

تنزل زهرة من القفص بمساعدة احمد الذي يمسكها

زهرة:             كيف كان العرس؟

أحمد:            كان المكان مزدحماً بالمدعوين، لكنها كانت فرصة للقاء أهل القرية وبعض معارف علي وأقاربه.

زهرة:             هل رأيت علي؟

أحمد:            نعم، إنه يتنقل بين الناس سعيداً وأنيقاً، ويستعد لزفافه على عروسه.

زهرة:             أكيد ليلى سعيدة هي الأخرى.

أحمد:            لم تأتِ أمي من العرس؟

زهرة:             لم أرها.. ( تسرح قليلاً).

أحمد:            (يهزها) هيه، أين ذهبتِ؟

زهرة:             آه يا أحمد أنا في شوق لرؤية ليلى في ثوب عرسها.

أحمد:            أمي عينك على ليلى.

زهرة:             سأسألها أن تخبرني بكل شيء، خاصة عن ليلى.

أحمد:            لو كنا في زمن الحكايات، لحملتك على ظهري وطرت بك حيث تشائين.

زهرة:             أو على بساط الريح.

أحمد:            (يضحك) هاها، ستشاهدين القرية من السماء، ترين كيف يجمع الناس الحطب في الساحة ويبدأون بالطبخ في القدور الكبيرة، كيف يزفون علياً بالشموع والأغاريد، وكيف تكون ليلى ليلة عرسها.

زهرة:             (تحاول التذكر) لقد نسيت كل تفاصيل الأعراس، لم يبق شيءٌ من ذاكرة الطفلة.

أحمد:            أمي ستجدد ما في ذاكرتك من تفاصيل.

زهرة:             لا أتذكر سوى رائحة الحناء وماء الورد، والأغاني.

أحمد:            ستستعيدين كل ذلك في عرسي.

زهرة:             ( تبتسم وتداعبه) عرسك؟، يبدو أن علي حفزك للتفكير في العرس.

أحمد:            (بخجل) أنا كبرت، سنة واحدة وأصير جاهزاً للعرس، علي أكبر مني فقط بسنتين.

زهرة:             (تمسك بيده) تعال أخبرني، هل في رأسك فتاة؟

أحمد:            حتى الآن لا، حالما أفكر بجدية سأبحث.

زهرة:             ( حزينة) الأخوات هن من يبحثن عن زوجات لأخوتهن، أما أنا فمحرومة حتى من هذا.

أحمد:            أمي تبحث وستستشيرك في أي واحدة.

زهرة:             لكني لا أعرف أحداً، لا أتذكر أحداً، أنسيت أني منذ عشر سنوات لم أر غير وجوهكم، نسيتَ يا أحمد؟

أحمد:            لم أنس، لكن لا بد ان يكون لك رأي في من ستكون زوجتي.

زهرة:             وهل ستكشفون سر وجودي لإمرأة غريبة؟، أنا مت منذ كنت طفلة، قتلتني الحمى.

أحمد:            (يحاول تهدئتها) أنا أبداً لست راضٍ عن إيهام الناس بموتك، أنت موجودة ويجب أن يعرف الكل أنك موجودة.

زهرة:             كيف سيعرفون وأنا محرم علي حتى الاقتراب من الباب، أرغب دائماً أن أتلصص على الناس من الباب، أو من سطح البيت، لكن أدري أنه هذا العمل سيكلفني غضب أمي وأبي، اعلم أنهم لن يكلماني.

أحمد:            يوماً ما سيشعران بحاجتك لحياة أخرى، حياة أكثر اتساعاً من البيت.

زهرة:             إنهم يخبئانني إذا جاء ضيف، كأنني جرباء أو جرمٌ يواريانه بعيداً عن العيون، تعبت يا أحمد من هذه الحياة، هل تعرف معنى أن تشعر فتاة في الثامنة عشرة أنها عجوز على حد الموت؟

أحمد:            (بأسى) لا تقولي هذا الكلام، عيشي عمرك يا زهرة، أنتِ لا زلت صبية، العمر أمامك طويل.

زهرة:             ( بيأس) لا أقدر..

أحمد:            يجب أن تقدري..

زهرة:             خذني معك يا أحمد، سألبس ملابس الرجال وأخرج معك، قل للناس أني صديقك من خارج القرية.

أحمد:            لا يمكن أن أقبل أن تفعلي ذلك.

زهرة:             أمي لا تريدني معها وأنت لا تريدني معك، وأبي تعودت منذ طفولتي أن لا أخرج معه، هل أبقى مع الوحدة والضجر؟، الناس فرحون بالعرس وأنا في هذه الغربة المرة.

أحمد:            إصبري.

زهرة:             هل تتصور أنهما سيسمحان لي بحضور عرسك وأنا لا وجود لي في هذه الحياة؟، سيسأل الناس، من هذه الصلعاء؟، من أين أتت؟.

أحمد:            لا بد أن يعرف الناس أن زهرة لم تمت بالحمى، لقد تعافت، لكنها فقدت شعرها.

زهرة:             اسمع يا أحمد، أنا عندي طلب.

أحمد:            قولي، أنا تحت أمرك.

زهرة:             هل يمكنك أن تتحدث مع أمي بشأن السماح لي بالذهاب إلى العرس؟، أريد أن أرى ليلى.

أحمد:            لا، لا يمكنني، تعرفين أنها ستغضب، أنا أطلب منك أن تصبري، سأتحدث معها يوماً ما.

زهرة:             أخبرها أني سأتنكر، لن أجعل أحداً يرى رأسي، سأخبئه بحجاب.

أحمد:            إنسي الفكرة يا زهرة، أو أجليها، سأحدثها ، لكن ليس الآن.

زهرة:             أفف!، أنت كريه كما كنت.

أحمد:            ( بعتب) أنا كريه؟.

زهرة:             أعذرني، لكني لا أستطيع أن أصبر، أريد أن أرى ليلى.

تدخل الأم، ويبدو عليها بعض التعب، تضع حاجياتها جانباً وتلقي التحية على ولديها

الأم:              هل أكلتِ شيئاً؟

زهرة:             نعم، ونظفت البيت.

أحمد:            وغفت قليلاً، جئتها وهي غافية.

زهرة:             ( بلهفة طفولية) أخبريني، ماذا فعلتِ مع ليلى؟

الأم:              (بسعادة) لقد جهزتها، مشطت شعرها، جدلت أطرافه، ووزعت عليه الورد والريحان، وكنت دهنته بزيت الجوز.

زهرة:             (فرحة) الله، كيف هو شكلها يا أمي؟، هل تغيرت عن الصورة التي في ذاكرتي..

الأم:              أخبرتك أنها تغيرت، صارت إمرأة، حتى شعرها لم يعد كما كان، تقصفت أطرافه وبهت لونه، الفتيات لا يعتنين بشعرهن.

زهرة:             من تشبه؟، أمها؟

الأم:              تصدقينني إذا أخبرتك أنها تشبهك؟.

زهرة:             كيف؟

الأم:              لا أدري، لكن لها نفس العينين، ونفس الملامح تقريباً.

زهرة:             هي ليست صلعاء.

الأم:              وأنا أمشط شعرها، تخيلت أن التي بين يدي هي أنتِ.

زهرة تدير ظهرها لأمها، تقلد الأم كيف تمشط ليلى في رأس زهرة

الأم:              بحنان بالغ، كنت أمسك جديلة جديلة، أفردها بالمشط، أفك المتشابك منها، أدهنها بالزيت، والنساء يغنين لها، أفرد شعرها كله لينساب على كتفيها، ثم أفرقه لها من النصف، وأجدله لها جديلتين، واحدة من هنا، والأخرى من الجهة الأخرى.

زهرة:             الله!، أصبحت ليلى جميلة.

الأم:              قمر، لو ترينها يا زهرة.

زهرة:             ( تدور وتواجه أمها) أريد أن أراها.

الأم:              ( باستغراب) وكيف ترينها؟

زهرة:             أذهب إلى هناك.

الأم:              (مصعوقة) تذهبين؟، كيف؟.

زهرة:             معك.

الأم:              لا يمكن، سيسألني الناس عنكِ.

زهرة:             لا تقولي لهم بأني ابنتك.. قولي لهم أني قريبة جئت من قرية أخرى.

الأم:              لا أتصور أنك تخرجين بعد هذه السنوات.

زهرة:             ولمَ؟، عشر سنوات ثقيلة على صدر أنثى، أمي، أنظري أبدو أكبر من عمري بسبب هذا القيد.

الأم:              أفهمكِ، لكن لا يمكنني الموافقة على خروجك خاصة للعرس.

زهرة:             أريد أن أرى ليلى يا أمي، ( يرتفع صوتها بإصرار) أريد أن أرى ليلى.

الأم:              (بحزم) لن أسمح لك بالخروج، ولن أرجع عن كلامي.

زهرة:            سأذهب دونك إذا كنت تخافين من فضيحتي وتخافين من شماتة النساء، سأدخل إلى هناك ولن يعرف أحد من أكون.

الأم:              سيعرفونك.

زهرة:             لا أريد البقاء في هذا السجن( تصرخ) فكوني، ارحموني من هذا القيد.

الأم:              أنا أعرف أنك فتاة عاقلة، لن تتصرفي أي تصرف غبي (لأحمد) اسمع هي مسئوليتك، إذا فعلت ما يغضبني سأحملك كل اللوم ولن أسامحك، افهمت؟

أحمد:            لكن ..

الأم:              ( تقاطعه) انتهى، سأدخل لأرتاح قليلاً لأعود إلى العرس، لا تنس مسئوليتك.

صوت الأب يردد على مسامع أحمد الصغير الذي يبدو في بقعة ضوء جانبية

صوت الأب:    أختك مسئوليتك، أنت رجل ولا تتركها تخرج دون إذنك، مسئوليتك زهرة..

أحمد الصغير:   أنا رجل ولن أتركها تخرج.

يستند أحمد الصغير على الباب يستعرض عضلاته كحارس، تدخل زهرة عليه

زهرة الصغيرة:    ما بك تقف هكذا على الباب؟، ابتعد أريد الخروج.

أحمد الصغير:   لن تخرجي، يجب أن تطلبي الإذن مني أولاً.

زهرة الصغيرة:    ولمَ أطلب منك أنت الإذن؟

أحمد الصغير:   لأني رجل، ومسئوليتي أن لا أدعك تخرجين.

زهرة الصغيرة:    ومن أعطاك هذه المسئولية؟

أحمد الصغير:   أبي.

زهرة الصغيرة:    لكنني أكبر منك، أنا من يمنعك عن الخروج وليس أنت.

أحمد الصغير:   أنا ولد وأنت بنت، الولد سيصير رجلاً، والرجل أقوى من المرأة، يعني أنا الذي أمنعك.

زهرة الصغيرة:    (تمسك بخناق أخيها) ابتعد عني قلت لك.

أحمد الصغير:   (بإصرار) لن أبتعد ولن تخرجي.

تمسك أخاها بقوة وتطيحه أرضاً، يهجم عليها، يتشاجران

زهرة الصغيرة:    لست مسئولاً عني .

تطفأ بقعة الضوء على الطفلين، وينتقل الحوار إلى زهرة وأمها وأخيها

زهرة:             (بغضب) أنا لست طفلة ليكون مسؤلاً عني.

الأم:              الإلحاح يجعلك طفلة، أنتِ كبرت على هذه التصرفات.

زهرة:             لكني لم أطلب أكثر من حقي، فقط أريد أن أرى ليلى، حتى لو كان من بعيد.

الأم:              ولكنني قلت لا، هذا هو الإلحاح الذي لا أحبه.

زهرة:             وهذه هي القسوة التي أكرهها.

الأم:              (تمسك يدها بحدة وتهزها) إسمعي أنا تعبت من إلحاحك، قلت لك لن تخرجي يعني لن تخرجي.

زهرة:             ( بحدة ) وأنا قلت أني تعبت من هذا السجن العفن، تعبت من وجودي ككائن لا نفع منه، أنتِ أبداً لم تشعري بي.

أحمد:            إهدأي يا زهرة، لا يجب أن تنفعلي هكذا.

زهرة:             لا أحتمل الصبر أو الهدوء، جرب أن تبقى في هذا البيت لعشرة أيام لتشعر بي، (لأمها) جربي أنتِ أن تبقي، جربي أن لا تجوبي البيوت من الصباح حتى المساء، مرة لتجالسي نساء الحي، ومرة للعمل، جربي يا أمي لتشعري بقهري.

الأم:              إنك تحملينني كل آلامك.

أحمد:            يا زهرة إنك تتجرأين على أمي.

زهرة:             أنا فقط أذكرها كيف تكون حالة أنثى تعيش في السجن لعشر سنوات، البنات في عمري تزوجن، وأنجبن الأولاد.

الأم:              هذا قدرك يا زهرة، لا ذنب لنا في ما حدث لك، إنه مرض قد يصيب أي أحد.

زهرة:             لكنه أصابني أنا وحدي، لم يصبك أنتِ أو أبي أو أحمد، لماذا يصيبني أنا و يترككم؟.

أحمد:            ليته أصابني، لأن الصلع في الرجل ليس عيباً.

الأم:              و ليته أصابني، لكنه حظك.

زهرة:             حظي أني جئت إلى هذي الدنيا بنتاً، ممنوع عليها كل شيء وهي طفلة، لا تخرجي، لا تلعبي، ( تزيد حدة حوارها تدريجياً)، لا تأكلي، لا تعيشي. ملعونة أنت لأنك بنت.

الأم:              هذا قانون الناس، لا يمكننا أن نختلف عنهم.

زهرة:             مسموح أن تختلفوا في كل شيء إلا فينا.

الأم:              أنا إمرأة مثلك، ولكن لا أشعر بما تشعرين به، أنا تحملت كوني إمرأة، واحببت كوني إمرأة وزوجة وأماً.

زهرة:             (بحدة تصرخ) وأنا أكره كوني أنثى، أكره كوني أنثى، أكره كوني أنثى.

تنهار زهرة على الأرض، وهي تردد جملتها الأخيرة، يقترب منها احمد ليرفعها، تشير إليه أمه بأن يتركها ويخرج، يبتعد عنها، تقترب الأم من زهرة وتضع رأسها على رجلها، يراقب أحمد أمه وأخته، يدخل داخل البيت.

الأم:              ( بحنان بالغ تمسح على رأس زهرة) لا تكرهي نفسك يا زهرة، خلقك الله أنثى، لأنك تستحقين أن تكوني أنثى.

زهرة:             لكن الأنثى ملعونة بغيضة.

الأم:              هذا العالم لا يقوم إلا بها.

زهرة:             تقولين هذا لأنك أنثى.

الأم:              بل هذه هي الحقيقة، الأنثى هي الأم والأخت والزوجة، هي شريك الرجل في هذا الوجود.

زهرة:             هذا الشريك يراد له أن يتوارى خلف جدران البيوت، لأنه عيب.

الأم:              يا زهرة، خففي عليك من هذه الأفكار، منذ ولدنا والناس هكذا يفكرون، الرجل رجل، والمرأة امرأة، لا يرضى الرجل أن يأخذ دور المرأة أوتأخذ دوره، لا يستطيع أحد أن يغير الناس.

زهرة:             ( تتنهد) أمي؟!

الأم:              نعم.

زهرة:             أنا يائسة، لا أريد أن أعيش أكثر.

ترفع الأم زهرة بخوف وحزن، تحتضنها

الأم:              لا تقولي هذا، أرجوك.

زهرة:             أنا لا أرى معنى لوجودي.

الأم:              إعقلي، اتركي هذا اليأس عنك.

زهرة:             لا شيء جميل، لا شيء يجعلني أتفاءل، وضعي يزداد سوءاً، أنتِ وأبي لا تريدان لي أن أتفاءل، متى ستسمحان لي بالخروج؟، أريد أن أشم هواءً مختلفاً.

الأم:              اتركي هذا الأمر للوقت، لا بد لك من فرج.

زهرة:             من أين هذا الفرج؟، من أين يبيعونه لأشتريه؟.

الأم:              يا زهرة أنتِ ميتة في نظر أهل القرية، كلهم يعلمون أن لنا بنتاً قتلتها الحمى.

زهرة:             ليست الحمى من قتلني، أنتِ قتلتني، أنتِ وأبي.

الأم:              ( تبكي) نحن معذوران لما فعلناه، نحن نعيش وسط بشر لا يكفون عن الكلام، سيخترعون عنك القصص، سيجعلون منك خرافة يتسلون بها، ستصيرين كمريم المجنونة، أنتِ لا تعرفين الناس.

زهرة:             ( تبتعد عن أمها غاضبة، ترتفع حدة حوارها) لنترك هذه القرية اللعينة، ابحثوا لنا عن قرية أخرى لا يعرفنا فيها أحد، وليس فيها مريم المجنونة.

الأم:              لا يمكن، هذه قريتنا التي ولدنا فيها وتربينا وكبرنا فيها، كيف نتركها؟

زهرة:             المكان الذي لا نشعر فيه بالأمان ليس لنا، أنا لا أريد أن أعيش في هذه القرية.

الأم:              نحن نريد أن نعيش فيها.

زهرة:             إذاً أنا سأتركها.

الأم:              و أين ستذهبين؟

زهرة:             إلى جهنم، إلى أي مكان أشعر أن لي وجوداً فيه.

الأم:              صدقيني لن تجدي.. لن تجدي غير هذا المكان.

زهرة:             هذا حكم قصاص، إذاً دعوني أموت، لا أريد أن أحيا ( تصرخ) لا أريد.

الأم:              ( بغضب تمسك زهرة وتضع يدها على فمها) أخفضي صوتك، لا تفضحينا.

زهرة:             ( تفلت من أمها) تخافين أن يعلم الناس بوجودي؟

الأم:              كفي عن التصرف بحماقة.

زهرة:             لن أكف، لن أكف، يجب أن يسمع الجميع صوتي ( ترفع صوتها عالياً) يا ناس،  يا أهل القرية، أنا موجودة ولم أمت، لم تقتلني الحمى.

الأم:              جيد أن أصوات أغاني العرس ستغطي على صراخك.

زهرة:             ( تصرخ) أنا لم أمت، أنا موجودة، كذبوا عليكم وقالوا أنني مت، هل تسمعون صوتي؟، أنا موجودة.

تقف الأم غاضبة مقابلها.

الأم:              هل تعتقدين أن هذه التصرفات ستجعلني اسمح لك بالخروج؟.

زهرة:             أعرف أن لا شيء سيجعلك تسمحين لي بالخروج، لأنك دون شعور ودون إحساس، أنتِ لست أماً، هذا الشيء في صدرك ليس قلباً.

الأم:              ماذا تريدين بالضبط؟

زهرة:             أريد أن اشعر أني موجودة، ألم تحفظي طلباتي؟، أريد أن أشعر أني أنثى ( أنظري) الم تلاحظي أنني كبرت، ألم تلاحظي أن لي صدراً برز وصار يكبر، ألم تلاحظي أن شيئاً بداخلي صار يكبر، اسمه امرأة، ألم أخبرك أن دماً يأتيني كل شهر، ألم تمري بذات الشيء؟،  أنت امرأة وتعرفين أن للمرأة حاجة.

الأم:              وما الذي نفعله؟.

زهرة:             اتركوني أعيش حياتي كما هي، اتركوني لمصير ليس لكم يدٌ فيه، أنتم تصنعون مصيري بحبسكم إياي هنا.

الأم:              أتعبت قلبي يا زهرة.

زهرة:             وأنا؟، ألم تفكري يوماً بتعبي؟، ألم تفكري ببنت كبرت وتلاحقها الأحلام كل ليلة؟.

الأم:              عن أي أحلام تتحدثين؟.

زهرة:             تريدين أن أخبرك عن أحلامي؟، سأخبرك، وأعلم انك ستقولين أنها عيب.

الأم:              نعم، أحلامك هذي عيب.

زهرة:             إنها أجمل لحظات حياتي، وتريدون أن أتوب عنها لأنها عيب، (بإصرار) سأحلم كل ليلة، لن أخشى عيبكم هذا، هل سمعتِ؟، سأحلم بذات الحلم، لا، سأغير كل ليلة رجلاً، كل ليلة رجل مختلف، الله ما أجمل تلك الأحلام، وحدها تشعرني بأنوثتي، أحلم بعناق طويل مع رجل، أشعر بدفء رجل، هنا على خدي يطبع القبلات، وهناك على صدره أغفو.

الأم:              ( غاضبة) تأدبي يا بنت، هذا لا يليق.

زهرة:             وما الذي يليق؟، أخبريني يا أمي ما الذي يليق؟، ( ترفع حدة صوتها ليصل إلى الصراخ) أخبريني، ما الذي يليق؟، لن أتأدب، أتريدين أن أخبرك أكثر عن أحلامي، أحلام تجعلني أصحو مبللة..

الأم:              (مذهولة) ما الذي تقولينه؟، إنك قليلة أدب.

زهرة:             ألا تفعلين مع أبي مع أفعله مع الرجال في الحلم؟.

الأم:              (تصرخ في وجهها، وترفع يدها لتصفعها) كفى يا وقحة، يبدو أن الجدران أفقدتك عقلك.

زهرة:             تريدين أن تضربيني، لن أكف عن الحلم، ( تصرخ) لن أكف عن الحلم يا أمي، لن أكف، أتسمعين، لن أكف.

يدخل أحمد على صوت زهرة وفي يده بندقية.. ويدخل بعده الأب بملابسه البيتية وقد أيقظه صوت زهرة

الأب:            ما الذي يحدث؟، أيقظتماني بهذا الصراخ، أزعجتما قيلولتي.

أحمد:            ما بكِ يا زهرة؟، لقد سمعت كل شجارك مع أمي وأنا أنظف البندقية. أرجوك إهدأي.

الأم:              لا شيء، إنها تريد الخروج.

الأب:            (بدهشة) تريدين الخروج؟، إلى أين؟

زهرة:             أريد أن أرى ليلى في يوم عرسها.

الأب:            وكيف تخرجين؟

زهرة:             كما تخرج أنت وأحمد وأمي.

الأب:            ورأسك؟

زهرة:             سأغطيها، لن يراها أحد، لن يعرفوا من أنا. فقط أرى ليلى من بعيد، أعدكم أني لن أقترب منها، لن أكلمها، أراها، أرى فيها طفولتي، أرى فيها سنوات القهر والوحدة، ألا يحق لي يا أبي أن أحيا حياة طبيعية ولو للحظات؟، ألا يحق لي؟.

الأب:            لكن الخروج عليك ممنوع حتى تشفين.

زهرة:             ( تضحك بسخرية) أشفى؟، تضحك علي يا أبي، أي شفاء لرأس أصلع؟.

أحمد:            لا بد من علاج، لن نتركك هكذا.

زهرة:             تركتموني عشر سنوات، فما الذي يجعلكم الآن تبحثون؟، مللت من الوعود. أريد أن أخرج.

الأب:            لن تخرجي.

صوت الأب يتردد ويعود للماضي، زهرة الصغيرة عند باب البيت، ويسمع صوت الأب يتكرر

الأب:            لن تخرجي، لن تخرجي، لن تخرجي.

تقف زهرة الصغيرة منكسرة عند الباب

الأب:            لن تخرجي يا زهرة، ولا تزعجينا بإلحاحك، أفهمتِ.

زهرة:             ( بإصرار) لم أفهم.

أحمد:            أرجوك يا زهرة، كوني عاقلة.

زهرة:             (لأحمد) أنا أكثر عقلاً منك، هل صدقت الوهم الذي ربوه في رأسك؟، أنت الولد، أنت الرجل الذي يفهم، وأنا البنت ناقصة العقل.

أحمد:            يا حبيبتي يا زهرة أنا لم أقصد ذلك، هذا الموضوع لا يحل بالصراخ والانفعال.

زهرة:             هذا كل ما أملك، نفذ صبري.

الأم:              يا زهرة، ثقي أن كل ما نفعله هو لأجلك.

الأب:            لتعيشي حياة هادئة، دون سخرية أحد.

أحمد:            نحن نحبك يا زهرة.

الأم:              نحبك، نحن أهلك يا زهرة.

الأب:            نحن نتعذب أكثر منك، وعذابنا يزداد كلما كبرتِ، كلما رأيناك تصيرين امرأة.

زهرة:             أنتم تكذبون علي، لا أحد يحبني، أنتم تحبون أنفسكم، تخافون من السخرية لأجل أنفسكم وليس لأجلي.

أحمد:            ليس صحيحاً هذا الكلام.

زهرة:             بل صحيح.

زهرة تتمشى لتقترب جهة الباب حيث زهرة الصغيرة لا زالت واقفة بانكسار..

زهرة:             إذا كنتم تحبونني، دعوني أرى ليلى، دعوني أرى نفسي فيها، أنتم لا تشعرون الألم الذي في صدري، أنا مشتاقة لرؤيتها حد المرض.

الأم:              يوماً ما سترينها، لا بد أن للأمر نهاية، أو تصبّري.

الأب:            أنا تكلمت مع صديقٍ وأخبرني أن هناك حواجاً ( عطار) جيداً، سيصنع لك دواء.

زهرة:             دواء؟، ومن أين سينبت الشعر ثانية؟، رأسي صار كالأرض البوار.

أحمد:            ثقي بي يا زهرة، لن أتركك طويلاً في هذه الوحدة وهذه الغربة ( يبكي) زهرة، يا أختي التي أحب، لا أحتمل رؤيتك في هذه الحال، إهدأي، اتركي هذا الغضب الذي لن ينفعك، تعالي، تعالي هنا (يمد يده لها)..

زهرة:             لا تبكِ يا أحمد، أنت من تخفف علي وحدتي وغربتي، أنت أكثر من أخٍ، لا أريد لك الحزن، لا أريد لكم الحزن كلكم ( تمد يدها)

يرتفع صوت الأغاني من بيت الجيران، تصيخ زهرة السمع، تدير جسدها للباب، تنظر إليه طويلاً، تركض ناحيته، يركض الأب والأم واحمد وراءها، تقف، تضع أذنها على الباب، تضع زهرة الصغيرة أذنها على الباب هي الأخرى

زهرة:             كم أنا مشتاقة لأراك يا ليلى قبل أن تزفين إلى علي، قبل أن تغلق عليكما الأبواب، قبل أن يجمعكما سرير واحد، ليتك يا ليلى تسمعينني، ليتك تسمعين حكاية زهرة الصلعاء، حكاية السجن والقيد والجدران، آه يا ليلى..

صوت زهرة الصغيرة يسمع

ص.زهرة ص.: أنا سأتزوج علي.

صوت ليلى:     نعم، لقد قال لي أنه يحبك.

ص.زهرة ص.:   صحيح؟، لقد قلت له أننا سنتزوج، أمه أيضاً سألته، هل ستتزوج زهرة؟، قال لها نعم.

صوت ليلى:     لماذا لا يتزوجنا أنا وأنتِ؟.

تضحكان

زهرة:             ( تفتح الباب) ليلى، هل ستتزوجين علي وحدك؟، وأنا؟.

تفتح زهرة الباب، وتخرج وسط ذهول الأب والأم وأحمد

زهرة:             ( من الخارج) ليلى.

الأب:            (أحمد) لا تتركها تخرج، إذهب واحضرها.

الأم:              (بخوف تضع يديها على رأسها) يا الله من الفضيحة.

يخرج أحمد وفي يده بندقيته

أحمد:            تعالي يا زهرة، لا يمكنك الخروج.

زهرة الصغيرة تتفقد الباب المفتوح وتخرج وراء أحمد، يسمع صوت إطلاق رصاص، يسقط القفص على الأرض، وتنفتح جدرانه وسط ذهول الأب والأم، ترتفع أصوات الأغاني المختلطة بصوت ضحكات زهرة و ليلى الصغيرتين، تصمت الأصوات، تغني زهرة الصغيرة

زهرة الصغيرة:    شعر زهرة طويل، والمشط خضعه، عمر أبوها طويل، رب السما يطلعه

 

يتلاشى الصوت مع إظلام تدريجي على الأب والأم المذهولين

إظلام

انتهت في 12 ابريل/ نيسان 2007م

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s