مسرحية (مر القطار سريعا)

القطار1

 

المنظر: محطة مترو في دولة أوربية يمكن أن يتحدث أهلها اللغة الانجليزية، يتوسط الخشبة كرسي انتظار، يجلس عليه نواف الذي يضع سماعة على أذنيه وبجانبه بعض الحقائب وهو يقرأ في كتاب. على اليمين أحد المشردين يفترش الأرض وينام على حقيبته، ويتغطى بغطاء بالي، في العمق شاشة عرض كبيرة تعرض ما يدور في المحطة، من مرور الناس ومرور القطار، بجانب كرسي الانتظار لوحة فيها خريطة وجدول الرحلات.

تبدأ المسرحية بمرور قطار في شاشة العرض، يمر القطار، يدخل جعفر مسرعا وفي يده حقائب وحقيبة آلة عود، ينظر في ساعته وفي القطار الذي مر.. يتقدم ويقترب من اللوحة، يبدأ بالقراءة، ويضع إصبعه باحثا عن مكان على الخريطة. يقترب من الكرسي، يضع حقيبته على الأرض ويجلس. يتنهد، جعفر يرتدي بالطو وقبعة.

جعفر: الحمد لله، مو نفس القطار.. (ينظر لساعته) ننتظر، مو مشكلة.

ينظر لنواف الذي ينظر للبعيد ويبدو عليه الانشغال بما يسمع. يخرج جعفر جريدة من حقيبته، ويبدأ بالتصفح.ينتبه لوجود جعفر، يركز نظره في الجريدة. يرفع السماعة عن أذنه. يبدأ بالاقتراب من جعفر.

نواف:  (لجعفر) الأخ عربي؟

جعفر:  (ينتبه، يغلق الجريدة، يبتسم) نعم عربي. وأنت عربي؟

نواف:  (يضحك بسخرية) أكيد، أتكلم معاك عربي، يعني شنهو بأكون؟

جعفر:  (بنوع من الارتباك) أكيد عربي. لكن هذا سؤال عفوي. (يبتسم مرحباً).

صمت ثم يلتفت جعفر لنواف.

جعفر:  قبل ما أجي هنا. سمعت ناس واجد يحذروني من العرب. يقولوا لازم أبتعد عنهم.

نواف:  وليش؟

جعفر:  يقولوا منتشرة عندهم حالات النصب والاحتيال، وهم أكثر ناس في أوربا يتعاطوا مخدرات وأكثر الناس عرضة للاعتقال بسبب هذي القضايا.

نواف:  وأنت صدقت؟

جعفر:  لا.

نواف: ليش ما صدقت؟

جعفر:  هذا تعميم، وتعميم ظالم.

نواف:  صحيح. تعميم .. وكل تعميم ظالم.

جعفر: أنا متأكد أنه في العرب بأوربا صالحين وطالحين.

نواف:  احنا شعوب عاطفية، علشان كذا صرنا نعمم.

جعفر:  هذي مشكلتنا، وهذي سبب خساراتنا. تعميم.

نواف:  المشكلة أننا نعمم أكثر شي الصفات السلبية. لأننا سلبيين.

جعفر:  ومتشائمين.

نواف: (يبتسم) وفيه شي يدعو للتفاؤل؟.

جعفر:  (يبتسم) طبعا لا. حتى أحلامنا صارت كوابيس.

نواف:  فعلاً، أنا من زمان ما حلمت. وإذا حلمت يتحول لكابوس، أصحى من النوم مفزوع.

جعفر:  تصور، نفس الحالة تصيبني. ما أدري ليش؟، يا ريتنا نرجع صغار.

نواف:  وتعتقد صغار هالزمن بدون هموم؟.

جعفر:  على الأقل همومهم بسيطة، لعبة، هدية، عيدية، طلعة. وبس.

نواف:  غلطان، صغار هالزمن صاروا كبار بسرعة، صاروا يشاركوا الكبار همومهم ومشاكلهم. اسأل أي طفل عن اللي صاير من أخبار. ممكن يحلل لك سياسيا أفضل من الكبار. فقدوا حتى إحساسهم بالطفولة.

جعفر:  (يتنهد) يمكن، لما كنا صغار كانت الدنيا أوسع وأحلى، كانت الحياة بسيطة بدون عقد.

نواف:  الطفولة تغيرت معانيها في هالزمن. نخاف بكرا ينقرضوا الأطفال.

جعفر:  (يضحك) باين عليك طريف. أنا تعجبني الشخصية المرحة.

نواف:  المرح محاولة للتنفيس عن الكآبة.

جعفر:  يعني أنت كئيب؟!

نواف:  (يهز رأسه إيجاباً) كئيب، الغربة وجع. اكتشفت إني ضعيف قدام الغربة، تهزمني بسرعة.

جعفر:  (يتنهد) يا الله، فيه أشياء مشتركة بيني وبينك. أنا أحس إني مثل السمكة، إذا تركت الماي تموت. أحس باختناق وأنا بعيد.

نواف:  يمكن لأننا على ما يبدو مشتركين في بساطة البيئة اللي جايين منها. الإنسان البسيط تخنقه الغربة.

جعفر:  أحس إني أعرفك، فيه شيء مريح في شخصيتك. ومن المعرفة الأولى ارتحت لك.

نواف:  (يضحك) عندي نفس الشعور. أنا أحب الناس البسيطين.

جعفر:  فيه ناس أول ما تشوفهم تنفر منهم، وفي ناس تشعر إنه في اندفاع غريب تجاههم. سمعت إنه يرجع لعالم الأرواح، الأرواح اللي تتآلف في عالمها تتآلف في عالمنا.

نواف:  الواضح إنك مؤمن بالماورائيات.

جعفر:  (يضحك) مو لهالدرجة. أنا سمعت هذا الكلام ونقلته. مو ضروري أؤمن فيه، المهم أن فيه ارتياح متبادل، ويبدو أنه تقارب العمر.

نواف:  يبدو أننا من جيل واحد. جيلنا الجميل بكل ما فيه.

جعفر:  نعم، جيل على بساطته، كان بريء وحالم.تذكر كنا نلعب أولاد وبنات من غير خوف. ألحين صاروا يخافوا على البنات الصغار من الأولاد الصغار.

نواف:  عقد، رجعية، سميها مثل ما تبغى، لكن أبدا مو طبيعي اللي صاير.

جعفر:  صرنا نكبر بهالعقد، نصاب بصدمة مع أول تعامل مع أنثى.

نواف:  طبعا، لأن الأنثى بس أم، أخت، زوجة.

جعفر:  (يضحك) تصور، كانت صعبة علي تقبل الصدمة الحضارية اللي اصبت بها أول ما وصلت أوربا. كل شي حولي غريب، مصدوم من الحرية، ما تعودت على حرية من هالنوع.

نواف:  نفس الحالة، كانت حالتي ارتباك، جاي من عالم الممنوع فيه أكثر من المسموح، وأجي لعالم مختلف، عالم غريب، كنت أظن إني أحلم بعد ما فقدت متعة الأحلام. لكن مع الوقت تأقلمت. تعودت على الرغم من وجع الغربة.

جعفر:  أنا حسيت إن جناحين طلعوا مكان اليدين، صرت أطير، كنت أحلم وأنا صغير بالطيران، أكثر حلم كنت أشوفه إني أطير، أحلق في السما وأشوف الناس صغار، اشوف البيوت والسيارات والشوارع.

نواف:  (حالماً) ونفس الجناحين اللي طلعوا لي، ريشهم ناعم، يطيرني بعيد، أشوف السما أوسع والأرض أوسع.

جعفر:  يا الله رجعتني لأحلام الطفولة والبراءة. تذكر أجمل أغنية وأنت طفل؟.

نواف:  (حالما) كنت أحب أغنية عدنان ولينا.

في نفس الوقت، يفتح جعفر حقيبة العود، ويجهزه ويبدأ بالعزف.

نواف:  كنت أتمنى أكون عدنان، وعندي صديقة جميلة اسمها لينا، وصديق مهايطي اسمه عبسي، والحياة جميلة، وأغني معاهم .. “جمعتهم أماني، أماني حلوة، حلوة وجميلة”.

جعفر:  (يبدأ بغناء أغنية مسلسل عدنان ولينا) جمعتهم أماني حلوة، أماني حلوة، حلوة وجميلة، حلوة البراءة حلوة، حلوة وجميلة.

يردد نواف مع جعفر الأغنية فرحا وهو يضحك، يمسك حقيبته ويبدأ يطبل عليها إيقاعا مع العود، يغنيان بفرح، دون أن ينتبها أن بعض المارة قد تجمع حولهما، تنتهي الأغنية على تصفيق المارة، ينتبهان لما يدور حولهما، ينظران لبعضهما بدهشة، ينظر جعفر للناس، يرفع قبعته لهم، يضعون قطعا نقدية في القبعة، وسط استغراب الاثنين. يتفرق الناس، يعود جعفر إلى الكرسي مندهشا وهو ينظر تارة للقبعة وتارة أخرى لنواف. ينفجر الإثنان بالضحك.

نواف:  (وهو يضحك) صرنا مثل فنانين الشوارع.

جعفر:  يا الله، فلوس بعرق الجبين (وهو يرفع القطع بيده من القبعة).

نواف:  رجعتنا لطفولتنا، حركت الطفل اللي داخلي، كان عزفك جميل وهذا اللي جمع الناس عليك.

جعفر:  شكراً. أنا لما ابغى ابتهج وافرح. أغني هالأغنية. ما أدري ليش تنعشني.

نواف:  وانعشتني وياك. وصوتك جميل بعد. أنت موهوب.

جعفر:  وعلشان كذا هربت من البلد.

نواف:  وليش؟.

جعفر:  لأنها مشكلتي. لا مكان للموهوبين. كل النوافذ والأبواب مسكرة في وجوهنا.

نواف:  أنت تدرس موسيقى هنا؟

جعفر:  نعم، وبدون علم الأهل، الوالد والوالدة ينتظروا مهندس يجيهم من أوربا. ما أدري كيف رح تكون الصدمة لو يدروا إنهم أرسلوا ولدهم يدرس موسيقى.

نواف:  بس هذا اختيارك، ولازم يتقبلوه.

جعفر:  صعب يتقبلوا هالقرار، كان المفروض يتقبلوا الفكرة من أول ما حبيت الموسيقى والعزف، ويوم علمت نفسي بنفسي بدون مساعدة. تعرف كيف كانت ردة فعلهم لما اكتشفوا إني اشتريت عود؟.

نواف:  شنهو اللي صار؟.

جعفر:  دخل الوالد علي بالغرفة وأنا أعزف على العود، كنت أدندن (يمسك عوده ويبدأ بالدندنة).

نواف:  لحظة، أنا أعرف شنهو صار، أنا رح أمثل دور أبوك.

يقف نواف، مبتعداً عن الكرسي، ويواصل نواف الدندنة على العود، يحاكي تجربة عزف بدائية. يدخل نواف عليه متقمصا دور الأب، وهو غاضب.

نواف:  شتسوي؟، معازف في وسط بيتي يا قليل الحيا؟، أنت ناوي تخسف بنا الأرض؟.

جعفر:  (يمثل الخوف، يقف وفي يده العود بعد أن توقف عن الغناء) يبه، أنا..

نواف:  أنت شنهو؟، انت ناوي تفضحنا بين الناس، ويش بيقولوا؟، ولدي أنا يدق عود؟. الشره مو عليك، الشره علي أنا اللي خليتك على كيفك.

جعفر:  سامحني يبه.

نواف:  أسامحك؟، لا والله، بدل ما اسامحك أكسر هالعود على راسك. (يخطف العود من يد جعفر ويمثل أنه يهوي به على رأسه).

يبدآن الضحك، يتبعهما صوت تصفيق من الحضور واستغراب منهما..

جعفر:  الواضح عجبتهم بعد.

نواف: (يضحك) هههه، يمكن كان أدائي مقنع.

جعفر:  فعلا مقنع، للحظة حسيت إنك الوالد، وخفت، استرجعت لحظة انكسر العود على راسي. لكن، أنت كيف عرفت بالقصة؟

نواف:  تخمين، لأننا كلنا نواجه نفس المشكلة، أي فن هو خروج عن العادات والتقاليد، وخروج عن الدين، أي فن هو فشيلة. صدقني واجهت نفس اللي واجهته من الأهل.

جعفر:  كيف؟، أنت عازف؟

نواف:  لا، ممثل.

جعفر:  (بفرح) صحيح؟.

نواف:  نعم، وأدرس هنا سينما وتلفزيون.

جعفر:  يا سلام، سينما وتلفزيون.

نواف:  طبعا من وراء أهلي. الوالد ينتظر طبيب، ويتفاخر بين أصحابه بأن ولده بيرجع طبيب.

جعفر:  مساكين الأهل في انكساراتهم وخيباتهم في أولادهم.

نواف:  أيش أسوي؟، ما حبيت بالدنيا زي التمثيل، من صغري وأنا أمثل، كنت أوقف قدام المراية وأمثل الأفلام والمسلسلات اللي كنت أشاهدها أيام زمان، وطبعا من وراء الأهل.

جعفر:  وإلى متى ظليت تمثل قدام المراية؟

نواف:  للمتوسطة، اكتشفت المسرح من أيام الكشافة في حفلات السمر، اكتشفت إني ممثل موهوب، وبعدها بدأت أشتغل بمسرحيات خفيفة للمدرسة أو النادي، ليوم ما أكتشف الوالد إني أشتغل مسرح. قامت قيامتي.

جعفر: (يؤدي دور الأب) شنهو اللي سمعته من الناس؟، تمثل؟

نواف:  يبه، أنا امثل في مسرحيات النادي. ما فيها شي.

جعفر:  وجع يوجعك، شنهو يقولوا عني الناس ولدي فسق، مسرحيات وخرابيط؟

نواف:  الناس أيش عليهم، أنا أحب التمثيل وما سويت شي غلط.

جعفر:  وترفع صوتك علي يا قليل الحيا، هذي تربيتي لك. من اليوم وطالع ما لك طلعة من البيت، لا نادي ولا كشافة.

نواف:  بس يبه.

جعفر:  لا بس ولا شي، أنا قلت ما فيه مسرح يعني ما في مسرح، ما باقي إلا ولدي أنا يصير مهرج.

نواف:  وانحرمت بعدها من المسرح، لكن هذا ما منعني من المشاهدة، صرت أهرب المسرحيات بالبيت من ورا الوالد، صرت أقرا كتب واتعلم.

جعفر:  يعني نشترك في نفس المأساة، اثنين من بيئتين يتوجسوا من الفن.

نواف:  لكن هذا ما منعني من دراسة السينما والتلفزيون.

جعفر:  أجمل شي أن الواحد يدرس تخصص يحبه، أنا ما أحب الهندسة ولا أتخيل نفسي مهندس ابداً.

نواف:  وأنا اللي أتخيل نفسي طبيب؟

جعفر: على قولتك.

نواف:  أنا ناوي ارجع البلد بشهادة دكتوراة في السينما، أرجع مخرج سينمائي عالمي.

جعفر:  (يضحك) سينمائي؟، ومن وين السينما.

نواف:  ما أعتقد المسألة رح تطول.. لازم يجي يوم وتنفتح الصالات، وأوعدك أول عمل سينمائي لي يعرض أنت اللي تنفذ موسيقاه.

جعفر:  (بفرح) اتفقنا.

نواف:  طيب، أنا قدمت مشروع تخرج للجامعة، فلم عن الاختلاف والتباين في مجتمعنا، وأركز فيه على مفهوم التعايش.

جعفر:  فكرة جميلة، فريدة.

نواف:  في بلدنا تعبنا من الاختلاف، مو يقولوا التنوع جمال، طيب ليش احنا تنوعنا قبح؟.

جعفر:  صدقني نفس السؤال سألته نفسه، ليش إحنا مشتتين، ليش مختلفين رغم إننا متشابهين في أشياء كثيرة. ليش نركز على الاختلاف؟.

نواف:  علشان كذا فكرت بالفلم، وحتى لو ما فيه سينما أعرضه فيها رح أنزله على اليوتيوب. الناس لازم تشوف وتتوعى. وهذي وظيفتنا كمثقفين.

يغرق في الضحك وسط استغراب نواف

نواف:  (باستغراب) اشفيك؟.

جعفر:  كلمة مثقفين تضحكني.

نواف:  وليش؟

جعفر:  ما أدري، أحسها شتيمة.

نواف:  شتيمة؟. بالعكس لما أقول لشخص يا مثقف، أكون أمدحه.

جعفر:  ابدا، صدقني تشبه الشتايم، اسمع. يا مثقف.

نواف:  (يضحك) ما أشوف فيها شتيمة.

جعفر:  ايه شتيمة، أنا لو واحد ناداني بالمثقف أزعل منه.

نواف:  غريب أنت، أول مرة أسمع أحد يعتبر كلمة مثقف شتيمة.

جعفر:  مو بس أنا، تحتاج تشوف الناس كلهم كيف ينظروا للمثقف. طبعا أنا وأنت محسوبين لأني عازف عود وأنت ممثل ومخرج.

نواف:  لكن هالنظرة غلط.

جعفر:  أشياء كثيرة غلط، لكنها تتحول لبديهيات، وصعب تغيرها. إحنا مليانيين تناقضات يا صديقي.

نواف:  فعلا، الصح صار غلط والغلط صار صحيح وبديهي.

يصحو المشرد النائم، ينتبهان له، يقف ويبدو أنه بحاجة لدخول الحمام، يخرج من المسرح، يضحكان.

نواف:  ما تلاحظ أن المشردين كثيرين في هالبلد؟.

جعفر:  صحيح، ومع هذا يعيشوا أفضل، تخيل المشردين في بلدنا.

نواف:  (يضحك) المشردين والشحاذين هنا بعضهم فنانين.

جعفر:  صحيح، أنا استغرب من فنانين يجلسوا على الأرصفة يشحذوا. لكن تعرف، على الأقل عندهم مكان يقدموا إبداعهم فيه، حتى لو كان رصيف.

نواف:  يعني وجودك هنا فرصة.

جعفر:  أجمل هدية حصلت عليها. كانت أجمل لحظات حياتي، كنت أشعر أن البلد مثل قفص واحنا طيور مخنوقة داخله، حتى لو كان قفص جميل.

جعفر:  والطير المحبوس يفقد حلاوة صوته.

جعفر:  هنا أنا مثل طير يفرد جناحيه ويطير في السما، السما واسعة ما لها حد. أمسك عودي وادندن وأغني ما في أحد بيسكتني ويقول لي أسكت. هنا أنا من حقي أنطلق، من حقي أختار. من حقي أغني إللي أحبه.

يمسك عوده ويبدأ بالعزف، والغناء أغنية جميلة عن الوطن والغربة، يستمع نواف لأغنية بإنصات، يبدو عليه التأثر، يدخل المشرد للمسرح يتوقف، يستمع للأغنية وهو متأثرا. ينتهي جعفر من غنائه، يمسح المشرد دمعته، ويعود لمنامه.

نواف:  (يصفق) عزفك جميل وأغنيتك جميلة.

جعفر:  هذا من الوله.

نواف:  الوله؟، أنت ولهان؟، بس كنت تقول إنها قفص.

جعفر:  أنا أحب البلد، ومغرم فيها، لكن ما أتحمل حدودها ولا أتحمل إنها تقيدني.

نواف:  تصدق، نفس المشاعر، يقولوا كلما ابتعدت عن الشيء عرفت قيمته. لكن هذا ما يعني إني رح أرجع بعد سنوات الدراسة وأصير عاطل عن العمل، شنهو رح اشتغل بشهادة سينما وتلفزيون؟.

جعفر:  كاشيير، أو سواق ليموزين، أو بائع في سوق الخضار.

نواف:  فكرة مخيفة، بعد السينما والتلفزيون والمسرح والشغل أرجع اشتغل كاشيير. مجنون أنا؟.

جعفر:  فكرة الرجوع فكرة مجنونة.

نواف:  ما أتخيل يوم إني أرجع إلا إذا لقيت فرص للشغل، مسرح أو سينما وبدون ضغوطات وعقبات ورقابات.

جعفر:  تجي نسوي لنا فرقة، أكيد بنلاقي ممثلين وكتّاب، نشتغل مسرح وسينما، أنا جاهز للموسيقى.

نواف:  فكرة جميلة، فرقة مسرحية تتجول بهالبلد، من مدينة لمدينة، منها نعرف الناس علينا، منها نكون، علشان نغير النظرة السلبية عنا.

جعفر:  وتوصل أخبارنا للبلد، يمكن بعدها نغير نظرة الأهل عن الموسيقى والسينما والمسرح. أتمنى يوم أرجع البلد ورأس أبوي مرفوع.

نواف: وأنا أتمنى أرجع وأقول للوالد وأنا رافع راسي، يبه ولدك رجع لك مخرج سينمائي. ويفرح الوالد ويحضني، ويدور بي الديرة ويقول هذا ولدي اللي رفع راسي (يمسك جعفر ويدور به فرحا)، هذا ولدي المخرج، أنا رضيت عليه، مو لازم يكون دكتور، هو صار اللي يحبه.

جعفر:  (يضحك) وأنا أتمنى أعزف في حفلة، وفي أول كرسي اشوف الوالد يسمع، أطالع في عيونه، لأنها بتعطيني القوة، وبتدفعني للإبداع. وإذا خلص الحفل، يكون أول واحد يصعد لي على المسرح، يحضني ويبارك لي النجاح، ويقول لكل الناس الموجودين في الحفل، هذا ولدي اللي أفتخر فيه.

نواف:  يا الله على الحلم، حلم جميل ويا ريته يتحقق، يا ريت يكون لنا قيمة، مو نكون ناس مهمشين ومنبوذين لأننا فنانين.

جعفر:  فعلا حلم جميل

يحمل عوده ويبدأ يغني أغنية مرحة، يعني نواف معه بفرح غامر، يصحو المشرد على الأغنية، ينظر لهما بفرح، تنتهي الأغنية على ضحكاتهم، ينتبهان له، يرتمي على الأرض ويغطي جسمه، يضحكان.

نواف:  غريب هالمشرد.

جعفر:  يمكن تعجبه أغانينا (ينظر لساعته) باقي دقايق على قطاري. أنت وين رايح؟.

نواف:  كورك (مدينة إيرلندية).

جعفر:  (يضحك) سبحان الله.

نواف:  (يضحك) نفس المدينة؟.

جعفر:  تصور؟!.

نواف:  الظاهر إحنا إخوان وإحنا ما ندري.

يضحكان، يحتضنان بعضهما بعضا.

جعفر:  أول مرة أشعر بهالنوع من الراحة مع أحد. كأني أشوف نفسي في المراية.

نواف:  صدقني نفس الشعور.

جعفر:  يعني رح تكون رفيق سفر، نتعرف على بعض أكثر في القطار.

نواف:  ممكن تمر الثلاث ساعات بدون ما نشعر فيها.

يرفعان حقائبهما من على الأرض. ينظران لساعتيهما. ينظران لبعضهما البعض.

نواف:  (يضحك) تصور، بعد كل هالوقت مع بعض، تعرفنا على بعض، بس ما عرفت اسمك.

جعفر:  وأنا ما عرفت اسمك. يمكن الأسماء ما تغير شي، يمكن مو مهمة.

يمدان يديهما لبعضهما البعض يتصافحان، وفي نفس الوقت كلا منهما ينطق اسمه.

نواف:  نواف.

جعفر:  جعفر.

يتوقفان، مصدومان، يتوقف الزمن لحظات، موسيقى تبين مستوى الصدمة. تتغير ملامحهما للضيق.

نواف:  يعني أنت..؟

جعفر:  وأنت؟

نواف:  (بغضب) ليش ما قلت لي من أول؟

جعفر:  (بغضب) أنت ليش ما قلت لي.

إظلام، إضاءة بروجيكتر تبين دوامة سريعة وبشر يتقاذفون من الدوامة، تستمر الدوامة لبرهة من الزمن، يضاء المسرح على المنظر السابق، تكاثر جعفر لأناس يشبهونه شكلا وملابساً، ويتكاثر نواف لأناس يشبهونه شكلا وملابسا. يبدأ التحفز من كل فريق لمهاجمة الآخر، يقود كل فريق نواف وجعفر.

نواف:  يا شين..

جماعة نواف:   يا شين..

جعفر:  يا سين..

جماعة جعفر:   يا سين..

نواف:  أنتو ورانا ورانا.

جماعة نواف: أنتوا ورانا ورانا

جعفر:  كلما هربنا منكم نلاقيكم في وجوهنا.

جماعة جعفر:   كلما هربنا منكم نلاقيكم في وجوهنا.

نواف:  أنت مواطن؟

جماعة نواف:   (بصوت واحد) أنت مواطن؟.

جعفر:  وأنت مواطن؟

جماعة جعفر:   أنت مواطن؟

يصحو المشرد، يقف، يقترب منهم بدهشة.

نواف:  أنتو خذلتوا البلد.

جماعة نواف: وأنتو خذلتوا البلد.

جعفر:  أنتوا ضيعتوا البلد

جماعة جعفر:   أنتو ضيعتوا البلد..

تبدأ كلماتهم تختلط بصوت القطار يقترب، لا يمكن تمييز الكلام، لكن يبدو أن الحدة بدأت ترتفع، يمر القطار وهم في غمرة الصراع، يتواصل الصراع، يمسك نواف بخناق جعفر ويفعل كل واحد من كل جماعة لواحد من الجماعة الأخرى. يمر القطار ويتلاشى صوته تدريجيا.

المشرد:         هيه، مر القطار.

لا زالوا في صراعهم، ولا ينتبهون للمشرد الذي يتكلم العربية

المشرد:         مر القطار، القطار مر (يصرخ) مر القطار.

إظلام، ثم إضاءة، تختفي الجماعتان، ولا يبقى سوى نواف وجعفر وهما يمسكان خناق بعضهما البعض.

المشرد:         يا إخوة القطار مر. مر القطار.

يتنبه جعفر ونواف لبعضهما البعض، يتطلعان لمكان مرور القطار.

نواف:  مر القطار.

جعفر:  القطار مر.

يتركان بعضهما بعضاً، يخرجان ركضا باتجاه القطار، وهما يرددان

نواف:  مر القطار.

جعفر:  القطار مر.

يبقى المشرد وحيدا على الخشبة يطالعهما، يأخذ حقبيتهما، ويجرهما إلى مكانه، يسندهما وسادتين، يخرج من حقيبته لحافا يكفي لثلاثة، ينشره ويغطي جسده بجزء منه.

على شاشة البروجيكتور، لقطة لنواف وجعفر يمسكان بعضهما البعض وهما يركضان باتجاه القطار على السكة الحديدة، وهما يكرران ذات الجملة.

نواف:  مر القطار.

جعفر:  القطار مر.

 

انتهت

فبراير 2012م.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s