النص المسرحي وجدل الأصالة والمعاصرة

مسرحية بغداد الازل بين الجد والهزل
مسرحية بغداد الازل بين الجد والهزل

ورقة قدمت في ملتقى كتاب المسرح الثالث في الشارقة -نوفمبر 2013

الأزمان تتغير، وتغير، تتبدل الأشياء، وملامح السنوات، فلكل زمن حكايته، ولكل دورة حياة ظروفها، يتغير البشر، يتطورون، وما كان مستحيلاً يصبح ممكناً، كل تفاصيل حياة البشر يطالها التغيير، تفكيرهم ونظرتهم لما حولهم، وممارساتهم الحياتية والإبداعية، ومنها الفن والأدب، فهما مرتبطان بالكائن البشري، ويطالهما التغيير إذاً، وتتبدل ملامحهما، ضمن صيرورة تطور المجتمعات الإنسانية، والمسرح-وهو موضوعنا- أحد تلك الفنون الذي مر بمراحل زمنية، لكل مرحلة شكلها، منذ بدايته الطقوسية في اليونان، وحتى وصوله إلى صيغته الحالية التي تعددت فيها الاتجاهات والمدارس. فالمسرح تشكل عبر حركة الزمن وتأثر بما طال المجتمعات التي احتضنته من تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية ودينية وتقنية، وهذا ما أعطاه القدرة على البقاء دون أن يطاله الذبول أو الفناء كما طال فنون أخرى، فالمسرح يستوعب التغيرات ويتسق معها لدرجة الاستفادة من كل متغير. فخروجه من دائرة الطقس وتحوله لفن مستقل عن سياقه الديني، وظهور وظيفة المخرج وتحول سلطة العرض من المؤلف إلى المخرج، وتعدد المدارس والاتجاهات، واستغلال جديد التكنولوجيا الجديدة ينسجم مع مبدأ استيعاب هذا الفن للمتغيرات.

الزمن أيضاً كفيل بتغيير المسرح العربي الذي ظهر متأخراً بشكله السائد بالمقارنة مع ظهوره المبكر حول العالم، فالبدايات مع مارون نقاش في مسرحيته (البخيل)1847، تختلف عما وصل إليه المسرح العربي الآن، ومحاولاته اللحاق بالتجارب المسرحية التي تحتضنها خشبات العالم. فالنقاش قدم نسخة مقلدة عما كان يقدم في أوربا للجمهور العربي الذي لم يعرف هذا الفن سابقاً، دون مراعاة للطبيعة الإنسان العربي البسيط، لذا توجه بمسرحه للطبقة البرجوازية التي وجدت ما يشبهها في مسرحياته، بينما استطاع أبو خليل القباني 1903-1833 أن يقترب من الطبقة الشعبية التي كان يراهن عليها في تكريس هذا الفن المستورد الجديد، فقدم مسرحيات من التراث العربي بدأها بمسرحيته (الشيخ وضاح ومصباح وقوت الأرواح) مستخدماً الغناء في المسرح لفهمه مدى شغف الناس بالأغاني. بعد البدايات توالت العروض وتنوعت وانتشر المسرح رغم الرفض الاجتماعي والديني لهذا الفن، وصلنا للوقت الحاضر والمسرح العربي يقدم ما يتوازى مع ما يقدمه المسرح حول العالم، خاصة بعد ظهور موجة التجريب التي تحولت إلى فضاء رحب للتجريب على المفردات والعناصر المسرحية، وتوالي دورات مهرجانات عربية بصبغة عالمية كمهرجان القاهرة للمسرح التجريبي ومهرجان قرطاج اللذين مثلا فرصة للمسرحيين العرب للاقتراب من التجارب العالمية، بالإضافة للعروض المستضافة، أو عبر المشاركات العربية الخارجية.

بعد مرحلة البدايات والتأسيس، وجد بعض المسرحيين أنفسهم مدفوعون نحو فكرة (تأصيل المسرح)، من خلال البحث عن جذور عربية لهذا الفن، للتخلص من التبعية الغربية للمسرح العربي، فصنفوا بعض الفنون التي كانت رائجة في الماضي كظواهر مسرحية، كخيال الظل، الكراكوز، المقامات الشعبية، الحكواتي، وغيرها مما يمتلك عناصر الفرجة الجماعية، لدرجة اعتبار حتى تلك الطقوس الوثنية في الجاهلية ظاهرة مسرحية كما يرى علي عقلة عرسان “كانت الشعائر الدينية تقتضي الرقص حول هذه الأصنام، والغناء أمامها، والطواف بها، وكانت أعظم أصنام العرب في مكة، وموسم حج القبائل إليها يقتضي ارتداء ملابس معينة، والانتظام في جماعة، في زمان ومكان معينين، وهذه الاحتفالات الدينية الجماعية تحتوي على مظاهر ومقوّمات مسرحية” (1)، إضافة لطقس الشبيه في عاشوراء عند الشيعة التي ركز عليها باحثون مسرحيون كأكثر الظواهر المسرحية ‏اقتراباً للمسرح بشكله المعروف، من نص، وممثلين ومخرج، ومكان.. كما يقول محمد عزيزة في كتابه (المسرح والإسلام) “الاستثناء الوحيد لقاعدة الغياب المسرحي هذا، هو التعازي الشيعية التي أعطت الإسلام، اعتبارا من القرن السابع، الشكل الدرامي الوحيد الذي يعرفه” (2)، دون الاعتبار بأصول هذه الظاهرة التي تأسست في عهد السلطنة البويهية في إيران، ووصلت إلى العرب في مطلع القرن العشرين وإلى مدينة النبطية اللبنانية على يد تجار إيرانيين.

هذه الظواهر، نظرياً مسرحية، وتمتلك بعض مقومات المسرح التي وجدها فيها البعض من الباحثيين المسرحيين، ولكنها لم توجد لتكون مسرحاً عربياً مستقلاً، فلم توجد التشابيه لتكون مسرحاً، فالقصد من وجودها هو ممارسة شعيرة دينية تسعى للتقرب إلى الله عبرها، باستحضار حادثة استشهاد الإمام الحسين بن علي، ولم يؤسس على هذا الطقس الديني ليتحول إلى مسرح عربي أو اتجاه مسرحي خاص، كما أُسس على الطقس الوثني الذي ذكره عرسان، ليتحول إلى فن خالص كما حدث في الطقس الديني الإغريقي. فعلاقتها بالمسرح كانت نظرية حسب رؤى الباحثين، أو تطبيقية محدودة عبر توظيفها في العروض المسرحية.

وعلى المستوى التطبيقي، فتبدو دعاوى التأصيل والعودة للتراث هي الأكثر جدية في هذا السياق، منها “جهود يوسف إدريس في أشكال الفرجة والسامر، وتوفيق الحكيم في دعوته لمسرح عربي له خصوصيته المحلية من خلال التوجه نحو التراث العربي والشعبي، والدكتور علي الراعي في كتابه الكوميديا المرتجلة ودعوة سعد الله ونوس في (بيانات لمسرح عربي جديد) وجماعة المسرح الاحتفالي في المغرب والمسرح الحكواتي في لبنان وجماعة فوانيس في الأردن ومسرح السرادق في مصر”(3). وقد سادت هذه الدعاوى خاصة بعد هزيمة حزيران 1967، حيث يعتقد بأنها جاءت كردة فعل تجاه الهزيمة، وبحثاً عن عروبة المسرح، وانعتاق من تبعية المسرح الغربي، وكان التراث العربي والتوكأ عليه هو السمة السائدة في العروض التأصيلية، ويحصر الناقد المغربي جميل حمداوي التعامل مع التراث في أربعة أشكال:

1- تأصيل المسرح العربي اعتمادا على المضمون التراثي: توظيف التراث في قالب غربي، لأجل الحفاظ على الهوية العربية وأصالتها من خلال استقراء الموروث الأدبي والتاريخي والديني والصوفي والشعبي والخرافي، مثل، مارون النقاش الذي استوحى تراث ألف ليلة وليلة في مسرحيته (أبو الحسن المغفل) أو (هارون الرشيد)، أو أبو خليل القباني في (هارون الرشيد مع غانم بن أيوب وقوت القلوب).

2- تأصيل المسرح العربي اعتمادا على الشكل أو القالب التراثي: توظيف القوالب التراثية درامياً، مثل: السامر لتوفيق الحكيم في مسرحيته (الصفقة)، ويوسف إدريس في (الفرافير)، وقالب الليالي عند ألفرد فرج ومسرح المقهى والسهر عند سعد الله ونوس في مسرحيته (سهرة مع أبي خليل القباني)، مجالس التراث أو شكل الديوان الدائري عند قاسم محمد، وفن المقامات عند الطيب الصديقي، وخيال الظل الذي وظفه عبد الكريم برشيد في مسرحيته (ابن الرومي في مدن الصفيح)، والحلقة التي استعملها أحمد الطيب العلج في (القاضي في الحلقة) والطيب الصديقي في (ديوان عبد الرحمن المجذوب) و(القوال) عند عبد القادر علولة بالجزائر.
3- التأصيل النظري: حيث قدم عدد من المسرحيين بيانات تنظيرية حول العودة للتراث والسعي نحو تأصيل المسرح العربي، منهم توفيق الحكيم الذي قدم تصورا تأصيليا جديدا للمسرح العربي تحت عنوان (قالبنا المسرحي) المتمثل في بعث المداح والمقلداتي والحكواتي في بناء النصوص الدرامية وعرضها، ويوسف إدريس الذي بحث عن قالب مسرحي جديد، فوظف السامر في مسرحيته (الفرافير)، وفي المغرب ظهرت الاحتفالية التي كان ينظر لها عبد الكريم برشيد، وهي كما قال في بيانه “ليست مجرد شكل مسرحي قائم على أسس وتقنيات فنية مغايرة، بل هو بالأساس فلسفة تحمل تصوراً جديداً للوجود والإنسان والتاريخ والفن والأدب والسياسية والصراع”، وكان لهذه النظرية امتداد عربي، حين باركها مسرحيون وانشغل بها آخرون، إذ صادق على بيانتها الدكتور علي الراعي وسعد أردش وأسعد فضة وعز الدين المدني ومنصف السويسي وغيرهم، وانشغلت بالاحتفالية فرقة الحكواتي اللبنانية وفرقة سوسة التونسية وفرقة الفوانيس الأردنية وجماعة السرادق المصرية.

4- التأصيل التطبيقي للنظريات الدرامية العربية: في مساهمات المسرحيين في التأصيل بالإخراج والتأليف والتطبيق الميداني دون حاجة إلى إصدار كتابات نظرية، كما فعل الطيب الصديقي في مسرحياته كـ(أبو حيان التوحيدي)، (ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب)، (مقامات بديع الزمان الهمذاني)، وألفرد فرج في مسرحيته (جواز على ورقة طلاق)  وممدوح عدوان في (كيف تركت السيف) و(ليل العبيد)، ومحمود دياب في ( ليالي الحصاد)، وتطبيقات عز الدين المدني وعبد القادر علولة وكاكي الجزائري وقاسم محمد في (بغداد الجد والهزل) و(مجالس التراث) ويوسف العاني في (المفتاح)، وغيرهم.(4)

من المسرح المغربي
من المسرح المغربي

وكل أشكال التعامل مع التراث هذه تنطلق من الرغبة الملحة في إثبات علاقة العرب بالمسرح وإلباس ظواهر تراثية وشعبية صفة المسرح، وتنطلق من أسئلة الهوية التي تعرضت لهزة، وشك خاصة بعد الأحداث السياسية نهاية الستينيات والتي أثرت في طبيعة التعاطي مع المسرح، وكانت هي تلك هي الفترة الذهبية للكتابة المسرحية العربية التي قدمت للمكتبة نصوصاً مسرحية لا زالت حاضرة كونها تناولت الشأن العربي بحساسية، من خلال الإسقاط السياسي أو توظيف التراث العربي في هذه النصوص. والمفارقة أنه لم يلحظ هذا الاهتمام الكبير بالبحث عن أصول للمسرح في تاريخ الأمم بقدر الإهتمام الذي أخذ من عمر المسرح العربي.

وبالعودة لتأريخ هذه الدعوات للبحث عن مسرح عربي أصيل، نجد أنها تسيدت المشهد المسرحي لسنوات ثم بدأت تدريجياً بالخفوت، فانحصرت ضمن منظري هذا الاتجاه والمنشغلين بها من الرواد المسرحيين، دون أن تنتقل إلى جيل جديد يواصل عملية البحث وتشكيل مدرسة مسرحية عربية مستقلة، ويواصل ما بدأه الرواد، فلا نجد من يشتغل أو يضيف على هذه النظريات من جيل المسرحيين الشباب، وكأن عمر هذه الدعوات متصل زمنياً بعمر المنظرين لها والمؤمنين بها، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن هذه النظريات وقدرتها على البقاء في زمن المتغيرات، وقدرتها على مواكبة كل زمن وما يتغير فيه.

عند ملاحظة ما يقدم على خشبات المسرح العربية والمهرجانات العربية، نجد أن التراث بشكله التي تناوله دعاة التأصيل لم يعد حاضراً في عروضهم التي انحازت للهوية العالمية الجديدة التي تشكلت بفعل التواصل الآني الذي أتاحته شبكات الانترنت، ومواقع وبرامج التواصل الاجتماعي التي صارت بين الأصابع، الهوية التي فرضتها علينا طبيعة الحياة في هذا الزمن السريع، الزمن الاستهلاكي. فهل يبدو التراث مغرياً للجيل المسرحي الجديد للبحث في مفرداته عن ظواهر يمكن توظيفها مسرحياً، أو استخدامها كقوالب مسرحية، ويحظى باهتمام هذا الجيل الجديد؟.

يمكن قراء القصور في الاهتمام بالتراث في العروض المسرحية الشبابية، فما يقدم من نصوص مسرحية انحازت للهم الإنساني العام، حيث لا زالت نصوص كتاب عالميين تحفز المسرحيين لتنفيذها، ولا زالت النصوص العربية التي يكتبها شباب المسرح أغلبها تذهب جهة قضايا إنسانية عامة، تصلح لكل مكان، لا تتقيد بمكان ولا هوية محددة.

441

هذا الزمن الذي نعيشه بكل متغيراته، غير النظرة للنص المسرحي، فتأسست اتجاهات أبعدت هذا النص عن قائمة الأهمية، وجعلت منه مجرد فكرة ينطلق منها العرض، إذ ظهرت –مثلاً- نظرية (موت المؤلف)، ونص الورشة، وحتى تلك المسرحيات التجريبية التي انتصرت للجسد وللمشهدية البصرية على حساب النص والحكاية والبناء الدرامي، فالمسرح العالمي الجديد الذي بدأت عدواه تتسرب للمسرح العربي صار يؤسس “لتعامل جديد مع النص المسرحي”، حيث “لم يلغ النص المسرحي ولم يتمرد عليه ولم يخرب أهميته بل أنه قدم تصوراً جديداً للنص  المسرحي ولدور المؤلف المسرحي، واقترح خطاطة جديدة للجهاز الذي ينجز الفرجة المسرحية” (5) كما يقول الدكتور سعيد الناجي، فإذا كان هذا ما يواجهه النص المسرحي من تشكيل علاقته الجديدة بالعرض، فهل يمكن أن يبقى للتراث محل في المسرح الشبابي؟. وهل تشكل مسألة التأصيل والتعامل مع التراث هاجساً لدى هذا الجيل الذي انفتح على العالم، ورأى وشاهد واندمج؟.

تساؤلات لا بد منه للدخول في جدل الأصالة والمعاصرة في المسرح العربي، جدل بين نظريات وبيانات ومحاولات إثبات أصالة المسرح وبين وضع المسرح في سياقه الزمني والاجتماعي، بين التراث كمنطلق، وبين المعاصرة بكل تفاصيلها، بين هوية عربية خالصة وبين هوية كونية مفروضة. ولكن التساؤل الأهم، ماذا حقق هذا الجدل للمسرح العربي؟، ألم يضيع المسرحيون العرب الحبر الغزير الذي سال على الورق وهم يناقشون علاقة المسرح بالتراث، ويناقشون بيانات التأصيل أو رفض نظرياته. كم كان يحتاج المسرح إلى الشغل والابتكار والتواصل مع التجارب العالمية، والاستفادة منها في حركة التجديد والتجريب، وكم كان يحتاج لرؤية أكثر شساعة في سبيل تكريس هذا الفن الذي يواجه الرفض في بعض الدول ويواجه التهميش في بعضها.

 

إحالات:

  • لظواهر المسرحية عند العرب-دراسة- علي عقلة عرسان-منشورات اتحاد الكتاب العرب 1981.
  • الإسلام والمسرح-محمد عزيزة- ترجمة: رفيق الصبان-منشورات عيون-الدرا البيضاء 1988.
  • المسرح العربي وجدلية الأصالة والمعاصرة-جاسم العايف-جريدة المستشار 6 فبراير 2012.
  • المسرح العربي بين الاستنبات التأصيل-الدكتور جميل حمداوي عمرو- arabworldbooks.com
  • بصدد مسرح “عصر المخرجين” و “ما بعد الدراما”-الدكتور سعيد الناجي-مجلة المسرح-العدد6-صيف2011

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s