الكتاب رفيقي.. تجربتي مع القراءة

توقيع كتاب المزبلة الفاضلة

 

لم تكن الهواية هي التي أدخلتني عالم القراءة، بل القراءة هي التي كشفت لي عوالم لم أكن أدركها، وأدخلتني عالم الحكايات والأساطير وقصص التاريخ في طفولتي. كان الكتاب مثار دهشة، حين كنت طفلاً وأنا أرى تلك الكتب تصطف بتأنٍ على رفوف مكتبة البيت، كنت أحلم باليوم الذي أتقن فيه القراءة لأفك شفرات الكلمات وأفهم كل ما على الرفوف، وهو ما جعلني استعجل القراءة مبكراً كتباً تكبرني.

القراءة وعالم الكتب والوعي المبكر لأخي الأكبر وشغفه باقتناء الكتب ومتابعة الدوريات العربية، والقصص المصورة، هو ما فتح لي الباب أولاً لتجربة الكتابة القصصية وإن بصيغة طفولية، كنت أخترع الحكايات والشخصيات وأكتبها من وحي ما أقرأ. حكايات تبدأ (بكان يا ما كان)، تواصلت الكتابة وتواصلت القراءة والنهم للكتب، ففي طفولتي لم أنشغل بألعاب الأطفال كثيراً قدر انشغالي بالقراءة، وتجارب الكتابة، وعشق مادة التعبير المدرسية فهي التي تتيح لي أكثر صقل إمكاناتي الكتابية.

انتقلت من الكتابة القصصية التي تطورت إلى كتابة القصة القصيرة، إلى الفن التشكيلي بعد اكتشاف أنني أملك موهبة الرسم، فكان الكتاب أيضاً معيني في هذا المجال، فتطوير حساسيتي الفنية وذائقتي وقدراتي لن تتأتى إلا بالقراءة، وكانت المصادفة أني كنت أقضي أوقات الفراغ عصر كل يوم مرافقاً صديقاً يبيع الكتب على الرصيف، ثم بائعاً للكتب مع أخي الذي يكبرني، كانت هذه السانحة للقراءة بشكل أوسع وأكبر في كل مجالات الحياة، من الدين إلى الأدب إلى المطبخ والأبراج إلى الطب، فالكتب متاحة على المفرش، تنتقي وتقرأ، وكنت أيضاً أرسم وأكتب. كان وهج الكتاب هو ما يشدني، وهج الحروف والكلمات، ووهج الصور التي تزين صفحات الكتب. كنت أمارس الرسم وأجرب من خلال الكتب، أتعلم تشريح الأشياء وتشريح الإنسان، وأجرب ما أقرأه من كتب عن الرسم، وفي ذات الوقت لم تتوقف قراءتي في الروايات المتاحة، أو المجلات مثل الهلال المصرية والمجلات الفنية مثل ألوان اللبنانية التي عرفتني على عالم الفن والفنانين، كنت أقرأ بشغف لقاءات الفنانين الذين أشاهدهم على التلفزيون وأتابع مسلسلاتهم، بالإضافة لمجلة العربي واليقظة وأسرتي الكويتية، ومجلة ماجد التي لازمتني حتى مرحلة الثانوية.

بعد تجربة الفن التشكيلي، ولجت تجربة جديدة، وهي الكتابة الشعرية، كنت وقتها متشبعاً بما قرأت من قصائد ودواوين من مختلف العصور، من الجاهلي وحتى دخول الشعر حضرة النثر، بدأت الكتابة بالشعر العمودي الموزون الذي دربتني القراءة المكثفة والمتعمقة على القدرة في ضبط جرسه الموسيقي دون اللجوء إلى قوانين العروض. استمرت كتاباتي العمودية لسنوات قبل أن أتنبه لوقع قصيدة محمود درويش رغم أن علاقتي بها كانت مبكرة جداً من خلال ما قدمه مارسيل خليفة من أغانٍ لقصائده، قرأت دواوينه السابقة واللاحقة لأحاكي ما يكتب، كانت محاكاة روح قصيدته التي تبنت القضية الفلسطينية التي كانت ولا زالت قضيتي الأولى، كتبت التفعيلة وجربت كتابة ما يسمى بقصيدة النثر، كلها تجارب من الكتاب وإلى الكتاب ولا تتغذى وتنمو إلى بالقراءة.

كان اقتنائي لترجمة جبرا ابراهيم جبرا للأعمال الكاملة لشكسبير هو الخطوة الأولى للمسرح، قرأته وكانت الدهشة الأولى من هذا العالم الغريب، شخصيات تتحرك على خشبة يحركها حوار، وتتصارع في كلمات، فقادتني الأعمال الكاملة لاقتناء وقراءة مسرحيات أخرى لكتاب آخرين، وحسناً أن أخي كان يملك حصيلة جيدة من المسرحيات العالمية المترجمة التي كان ينشرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، كانت هذه الحصيلة كافية في تغيير مساري لاحقاً، وانتقالي من الكتابة الشعرية إلى كتابة النص المسرحي. وكان أكثر ما حرك ذلك الساكن الخجول فيّ هو نصوص سعد الله ونوس التي كنا نقتنيها منسوخة من مكتبة إحدى الجامعات، كان الدخول إلى حضرة نصوصه هو الدخول إلى حضرة الجمال، نصوص أخرجت كوامني، ووضعتني أمام اختبار الكتابة للمسرح بكل ما يملكه من سحر.

الكتاب كان رفيقي، وكان رافدي، بل كان صديقاً ألجأ إليه، أفتح له صدري فيغنيني عن الكلام، الكتاب بوابتي لعالم الكتابة، فأنا الآن أكتب المسرح وأعنى بالنقد المسرحي، وكل كتابة لا تنطلق من خزين ثقافي يتيحه الكتاب لا يعول عليها، فكل مشروع نص مسرحي هو مشروع قراءة وبحث، هو حالة من التجلي أمام شخصيات ستكتبها وتخلقها من مجرد فكرة، إلى أجساد تتحرك على خشبة، ولا بد أن تكون عارفاً بتاريخ الشخصيات وأبعادها المادية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وما إلى ذلك، والقراءة هي ما تتيح لك الإلمام بكل هذه الأبعاد. وكل مشروع كتابة نقدية، لا تنطلق من قراءة هو مشروع لا يعول عليه، فمشروع كتابي الذي أنتظر خروجه للنور، عن المسرح السعودي، احتاج كماً من الكتب والبحث والتنقيب والوصول إلى رسائل جامعية والمقالات كي يخرج الكتاب مستنداً على حقائق، ويستحق أن يكون وثيقة عن المسرح السعودي.

لا يمكن لشخص مثلي، يكتب المسرح وللمسرح، أن يكون بمنأى عن القراءة والكتاب، فالقراءة هي قوام حصيلتي الفكرية واللغوية وحصيلة وعيي، هي متكأي لفهم العالم وفهم الناس والأفكار. والمسرح الذي أنتمي إليه، لا يعيش بلا قراءة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s