وطفاء حمادي تدرس النص المسرحي السعودي نقدياً

المسرح السعودي مسارات

 

لم يتناول أحد النص المسرحي السعودي نقدياً بكل اختلافاته وتنوعه كما تناولته الناقدة الدكتورة وطفاء حمادي الأكاديمية في الجامعة اللبنانية في كتابها الموسوم (المسرح السعودي.. مسارات التطور واتجاهاته-مسرح الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون ..نموذجاً) الذي صدر عن الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالرياض 2014، إذ يشكو المسرح السعودي من قصور الجانب النقدي على ما يكتب في الصحف-إن وجدت- من مقاربات انطباعية.

واختارت حمادي دراسة اتجاهات الكتابة المسرحية في السعودية بعد أن قامت سابقاً بـ”دراسة بعض النصوص المسرحية لبعض كتاب الجمعية” مثل سامي الجمعان ورجا العتيبي وفهد ردة الحارثي وعبد العزيز السماعيل وعباس الحايك وشادي عاشور وغيرهم، وقد تبدى لها غنى ثيمات هذه النصوص وتنوع أساليبها وتعدد مدارسها ما يؤكد أن هذا “المسرح في المملكة يرسخ فكرة وجود مسرح نوعي وجاد يواكب المسرح المتطور في العالم العربي” وهذا ما يتنافى والصورة النمطية التي صار المسرح السعودي يوسم بها ويتعامل المسرحيوwatfa Hammadiن والجمهور مع تجاربه وفقها.

لا تقدم حمادي في كتابها دراسة توثيقية للنص المسرحي السعودي، ولكنها تنطلق من توثيق المسرح السعودي وبداياته لمقاربة النصوص التي قدمت ضمن عروض فروع جمعية الثقافة والفنون -نقدياً، وقد اختارت الجمعية ونصوص مؤلفيها عينات للدراسة كون الجمعية هي الحاضن الرسمي الأول للمسرح في المملكة، منذ تأسسها في العام 1973م والتي وصل عدد فروعها حتى الآن إلى 16 فرعاً يغطي كل مدن المملكة الرئيسية. وكانت المنهجية التي اعتمدتها حمادي في دراستها تركز على الاتجاه الذي يندرج تحته النص المسرحي، وعلى ثيمته وعلى دراسة البناء الفني الذي يكشف عن البعد الفكري للنصوص المنتخبة.

وانقسم الكتاب الذي جاء في 226 صفحة إلى ستة فصول ختمتها بسير للمؤلفين والمخرجين السعوديين الذين شملت نصوصهم الدراسة. ففي الفصل الأول من الكتاب تناولت الإرهاصات الأولية للنشأة المسرحية في المملكة والتي لا تختلف عن مثيلاتها في دول الخليج أو الدول العربية حتى، حيث كانت ثمة “تشكلات مسرحية مبكرة أو صيغ جنينية للمسرح”، كالممارسات الشعبية شبه المسرحية مثل رقصة السامري والفجري والحكواتي وطقس الشبيه وغيرها من هذه الممارسات التي لم تؤسس لمسرح حقيقي ولم يكن المسرح العربي بشكله الحالي امتداداً لها. وتناولت أيضاً في ذات الفصل نشأة التأليف المسرحي وهو المعني بالدراسة، فقد أشارت إلى أن بدايات الكتابة المسرحية في المملكة تعود للعام 1932م حين كتب الشاعر حسين سراج أول نص شعري (الظالم نفسه) إبان حضور هذا النوع من المسرح في العالم العربي كشكل من أشكال الكتابة الأدبية، وتبعه بنصوص (جميل وبثينة 1943)، و (غرام ولادة 1952) ثم (الشوق إليك 1974)، وأول نص نثري كتبه عصام خوقير بعنوان (في الليل لما خلي 1970) باللهجة المحكية.

وفي الفصل الثاني من الكتاب قدمت حمادي قراءة نقدية لنشأة الدراما المسرحية في مسرح كتاب الجمعية منطلقة من “الأصول المفهومية لدلالات الدراما المسرحية التي حددت في القرن العشرين”، وقد استهلت الفصل برصد تحولات الكتابة المسرحية التي بدأت في 1980 “بطرح أسئلة حول كتابة النص الدرامي الذي ارتكز في البدايات على توظيف الفن الدرامي لخدمة هدف أساسي واستراتيجي وهو توعية الجمهور من أجل تحفيزه للتعرف إلى المسرح، الشيء الذي ينبغي أن يجعل النص المسرحي المؤسس منفتحاً تتأرجح موضوعاته بين معالجة مباشرة وصريحة لقضايا أخلاقية واجتماعية وسياسية”، وحتى الخروج من هذه الدائرة لفضاءات أرحب حيث أصبحت متاحاً تطوير بنية الكتابة المسرحية والموضوعات التي تطرحها وإتساع أفقها بعد أن كانت منحازة تماماً للقضايا البسيطة التي تمس الجمهور.

وبدأ الكتاب في القراءة النقدية التطبيقية للنصوص في الفصل الثالث (الاتجاهات المسرحية وأنواعها: قراءة نقدية للنصوص)، وفيه عرج على موضوع التراث واستلهام التاريخ وتوظيفه في النصوص المختارة، وهو الموضوع الذي يبدو أكثر إغراءً لدي كتاب المسرح العرب خاصة ممن يؤمنون بفكرة تأصيل المسرح العربي والبحث عن جذوره التاريخية، كسعد الله ونوس وألفريد فرج وممدوح عدوان وغيرهم. وكانت النصوص التي درستها حمادي من خلال استلهامها للتراث نصوص عبد العزيز السماعيل (سهرة مع الشيخ أحمد) الذي استحضر فيه حكاية الشيخ أحمد السباعي الذي اعتبره باحثون أباً للمسرح في السعودية وصراعه مع المحافظين الذين أوقفوا مشروعه (مسرح قريش) في مكة، ونصه (غربة علي ابن المقرب) حيث “يعالج السماعيل في هذا النص سيرة الشاعر علي ابن المقرب، ويحولها درامياً إلى نص مسرحي”. وفي قراءتها للنص، ترى حمادي بأن السماعيل كتب هذا النص “لكي يدون سيرة حياة شاعر.. دون أن يصوغ منه حدثاً درامياً بل جاءت عرضاً سردياً خلا من الصراع أو تعميق الحدث”. وقرأت له أيضاً نص (طرفة على الجسر). ومن النصوص التي صنفت ضمن عنوان استلهام التراث وقدم لها الكتاب قراءة نقدية نصوص رجا العتيبي (طرفة بن العبد) الذي “اكتفى فيه بتوظيف بعض صفات شخصية –طرفة- وأضاف إليها ما يتلاءم مع رؤيته)، ونص (وامعتصماه) لحمد الدبيخي ونص (موت المؤلف) لسامي الجمعان الذي استحضر فيه الشخصيات التي كتبها سعد الله ونوس في مسرحياته.

وفي موضوع الأسطورة والمأثورات الشعبية، اختارت حمادي نص ملحة عبد الله (سر الطلسم) حيث “تتوغل في ثنايا الدلالات الأسطورية التي ترتبط بالمعتقد الشعبي والمفاهيم الغيبية ذات التأثير النفسي المعتقدي على الإنسان”، ونص محمد العثيم (كوميديا ابن البجعة) حيث بنى نصه من “ثنائيات متفاعلة بين الأسطوري والسياسي”، ونصه (السنين العجاف)، ونص عباس الحايك (ولاية الأحلام) الذي لاحظت فيه “أن التأثير المستمد من أجواء ألف ليلة وليلة جاء انسيابياً، ولكن هذه المرة شهرزاد ليست منقذة إنما هي شهرزاد المدمرة والمتسلطة”.

وفي موضوع المسرح والقضية الاجتماعية، تناول الكتاب نصوص (الزاوية المظلمة) لعبد الله الباروت، و(أحلام مبعثرة ) لفهد الأسمر، و(جراح بن ساطي) لسامي الجمعان)، و(المهابيل) لإبراهيم الحمدان، و(ديك البحر) لراشد الشمراني، و(العناية المركزة) لعبد العزيز العطا الله، و(النقيض) لعبد الرحمن المريخي، و(لا طبخ ولا شوي) لسعد المسمى، و(تباشير) لماجد البشري، و(الجراد) لعلي السعيد وغيرها من النصوص ذات الطابع الاجتماعي.

وفي موضوع اتجاهات وملامح ما بعد حداثية في المسرح، اختارت حمادي أن تصنف بعض النصوص السعودية “ضمن هذا الاتجاه (لأنها) وجدت فيها ما يتوافق مع سماته… و(ترى) أن هذه النصوص التي تتسم بسمات ما بعد الحداثة تخضع لعملية تجريبية يخوضها هؤلاء الكتاب المسرحيين”، واستهلت قراءتها بنص (حالة قلق) لفهد ردة الحارثي الذي يطرح فيه أسئلة وجودية بشكل ساخر وناقد، ونص (المزبلة الفاضلة) لعباس الحايك، ومونودراما (يوشك أن ينفجر) لفهد الحارثي، و(ذهان) لمحمد السحيمي، وغيرها من النصوص التي أثر فيها “اتجاه ما بعد الحداثة في البنية الفكرية والثيمات التي اختارها” مؤلفوها.

وفي موضوع المرأة في النص المسرحي من منظور نسوي، رغم غيابها عن خشبة العرض واتسام العروض المسرحية السعودية بالذكورية، تتناول حمادي في كتابها نصي (طائر الرماد) لملحة عبد الله، و(شروق مريم) لفهد الحارثي. كما تقدم قراءة في الاتجاهات الإخراجية للمخرجين السعوديين مما تسنى لها مشاهدتها.

تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه الأول الذي يتعمق في تحليل النص السعودي واتجاهاته، والأول الذي يختار هذا الكم من النصوص ليخضعها للنقد والقراءة، وهذا ما يشير إلى وجود نشاط كتابة مسرح تتجدد فيها الأفكار وتتجاوز التلقيدية والنمطية حيث أن هناك جيلا جديدا من كتاب المسرح الشباب لم يتناولهم الكتاب كتبوا نصوصاً حازت على جوائز عربية، فالكتابة المسرحية أكثر قدرة وجرأة في مطاولة القضايا الاجتماعية والسياسية والإنسانية خاصة أنها متاحة للقراءة والتنفيذ خارج المملكة، فالنص السعودي تجاوز الجغرافيا وصار ينفذ على خشبات عربية ويحصد الجوائز وصار بعض نصوص كتاب المسرح السعودي مطلوبة للتنفيذ.

يواجه الكتاب مشكلتين، أولها مستوى طباعته وإخراجه، حيث لم تعتن الجمعية بمستوى إخراجه وخروجه بالشكل الأفضل خاصة وأنها ليست جهة نشر متخصصة، والمشكلة الثانية في مسألة وصول هذا الكتاب للباحثين والمتخصصين المسرحيين، فلن يتحقق له التوزيع المطلوب ليصل ما أفرزته الدراسة من نتائج للمعنيين فالجمعية تساهلت في عملية التوزيع حتى على مستوى المكتبات السعودية.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s