الصورة خيرٌ من ألف كلمة .. الكتابة المسرحية الجديدة

 

%d9%85%d8%b3%d8%b1%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9

لأي عرض مسرحي، لابد من نص، فهو القاعدة التي يقوم عليها مبنى هذا العرض مهما اختلف نوعه ومدرسته، كما أن النص هو همزة الوصل بين العرض كمكون بصري وبين المتفرج، فقد حدد تاريخ المسرح العلاقة بين المؤلف والمخرج، أو بين النص – العرض والمتفرج على الشكل التالي: أن يكون النص والعرض خطاباً ووسيلة توصيل أفكار المؤلف والمخرج للمتفرج، أي أن النص ومكونات فضاء العرض هما وسيط بين المؤلف – المخرج وبين المتفرج، فلا يمكن أن يبني أي مخرج مسرحي أياً كان توجهه الإخراجي عرضه من دون فكرة ونص مكتوب، رغم دعاوى موت المؤلف وتغييب كاتب النص المسرحي .

تاريخياً، لم ينزل كاتب النص المسرحي من عليائه كسلطان للعرض المسرحي، سوى في نهايات القرن التاسع عشر، فكان الكاتب المسرحي هو الأول في العرض والمتسيّد عليه وعلى بقية عناصره، فكان حضوره يغشى كل حضور، إذ كان الزمن، زمن الكاتب، فلم تكن بارزة سوى أسماء كتّاب، ولم تظهر ملامح لمخرج أو لممثل، فهما ليسا سوى وسيطين لإيصال نص الكاتب وأفكاره، فسفوكليس، شكسبير، يونسيكو، أونيل، جينيه، بيكيت، وغيرهم، كانوا شخصيات المسرح، وطبع المسرح بهم، ولم يكن متداولاً في زمنهم أي اسم غيرهم . ولكن الكاتب المسرحي بدأ يغيب كمبدع لنص العرض بعد تسيّد المخرج على العرض وتسلمه مفاتيح المسرحية .

وظهرت أسماء المخرجين في القرن العشرين، ستانسلافسكي، مايرخولد، بريخت، بيتر بروك، مينوشكين . . وغيرهم . وبدأ النص نفسه شيئاً فشيئاً يخفت وهجه ويخبو خلف سطوة المخرجين، خاصة مع التكنولوجيا والابتكارات التقنية التي دخلت عالم المسرح كتقنيات الإضاءة والسينما والهولوغراما، التي تعنى بالبصري وتختزل المنطوق على الخشبة، بالتالي تقلص دور النص المكتوب تدريجياً مع اجتراحات المخرجين وتجريبهم المتواصل، خاصة على الجانب البصري .

النص المسرحي كان وفياً للصيغة الأرسطية في الكتابة، وما بعدها من نظريات، ووفياً للبناء الدرامي الذي جاء على يد أرسطو ومن بعده منظري المسرح، فالصراع هو هو، لم يتغير وإن تغيرت ملامحه، والحبكة لم تتغير وبناء الشخصيات، كل هذه العناصر التي يعنى بها النص المسرحي ظلت حاضرة، وأجزم أنها حاضرة حتى الآن رغم ظهور أشكال جديدة للنص، كالنص الجماعي، ونص الورشة، والنص البصري، وموجودة حتى قبلها في النصوص الحداثية التي ظهرت على يد مسرحيي العبثية، التي يغيب فيها المنطق، وفي غيرها من نصوص الحداثة .

في الوطن العربي، ورغم بروز المخرج في المسرح الغربي، وتضاؤل وهج الكتاب المسرحي، إلا أنه تزامن مع بروز النص المسرحي العربي، كنص أدبي، يقرأ وينفذ على خشبة المسرح، وكان حضوره أكثر طغياناً من حضور المخرج، فالتاريخ المسرحي العربي يقدم لنا أسماء مسرحية في عالم الكتابة، كتوفيق الحكيم، يوسف إدريس، محفوظ عبدالرحمن، يوسف العاني، ألفريد فرج، سعد الله ونوس، حيث كان المسرح العربي يدور في فلك التقليد للمسرح الغربي القديم، ولم يصلنا ذلك السجال حول جدلية العلاقة بين المخرج وكاتب النص سوى متأخراً رغم برودة شعلتها هناك، وتموضع المخرج في سيادة العرض، والكاتب المسرحي كمنتج أول للنص في طوره الجنيني، قبل مروره على مبضع التشريح والتغيير والإضافة التي يعتمدها مخرجو المسرح الحديث .

المسرح العربي ظهر على يد مارون نقاش، الذي نقل ما شاهده في تنقلاته في أوروبا، إلى المجتمع العربي، وعلى يد أبو خليل القباني . وكان نقاش ينقل النصوص الغربية ويترجمها ويقدمها لجمهوره العربي، ومثله فعل القباني، ولكن بعد كل فترة التقليد والاقتباس سعى مارون النقاش إلى إيجاد خصوصية في تقديم أعماله المسرحية، لعله يبتعد عن تأثيرات الثقافة والمسرح الأوروبية، فإنه لجأ في آخر مسرحياته أبو الحسن المغفل إلى التراث العربي ممثلاً في حكايات ألف ليلة وليلة، ومثله فعل الرائد الثاني أبو خليل القباني مضيفاً إلى حكايات الليالي عناصر تراثية أخرى كرقص السماح والموشحات الأندلسية، وكانت مسرحيات البدايات مسرحيات مخرج، وليست مسرحيات نص، فنقاش والقباني هما صيغة أولية لمخرجين، يحركان ممثليهما وينظمان كل العناصر المسرحية لمصلحة عروضهما . ولكن ثمة تراجع في سلطة المخرج بعد البدايات، إذ استقر النص في خانة الأدب ما دفع كتّاباً أن يقدموا نصوصهم المسرحية الأدبية التي كانت تكتب لغاية النشر والقراءة، واستمر هذا الوضع حتى الخمسينيات حيث وعى المخرجون دورهم السائد في أوروبا، فبدأوا في التضييق على سطوة الكلمة وسطوة الكاتب، ليكونوا هم أصحاب السيادة على العرض، وتواصل هذا البروز التدريجي للمخرج حتى تم تحييده، خاصة مع ظهور تيارات المسرح الحديثة، كمسرح الصورة، والمسرح التجريبي، ومسرح الجسد، والمسرح البصري .

يقول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس الصورة خير من ألف كلمة، من هذه المقولة ينطلق مخرجو المسرح الحديث في وضعهم الصورة موضع الكلمة، فالصورة لغة لا تحتاج إلى شفرات وأبجديات لتُقرأ، هي لغة عالمية لا نحتاج لأن نتقنها كما نتقن اللغة المنطوقة، فللصورة أهمية كبيرة في نقل العالم الموضوعي بشكل كلي اختصاراً وإيجازاً، وتكثيفه في عدد قليل من الوحدات البصرية، وفي السنوات المتأخرة، استحالت هذه الصورة إلى مسرح، لتولد للجمهور دلالات ورسائل، وتفتح في أذهانهم مغاليق الأسئلة، فظهر ما أُطلق عليه مسرح الصورة الذي ارتبط به المسرحي العراقي صلاح القصب . وهذا المسرح كما يعرّفه الدكتور جميل حمداوي في مقاله المعنون بسيميائية الصورة المسرحية بأنه حزم من الشعور والفلسفة والتشكيل . وبالتالي، فهو مسرح سيميائي حركي طقوسي شعائري سري يعتمد على توليد مجموعة من المفردات البصرية، والتي تتحول بدورها إلى رموز وإشارات وأيقونات دالة تسهم في خلق المعنى حسب مقاماتها السياقية، ومستلزماتها التداولية، وذلك عن طريق خلخلة أفق انتظار الراصد، وتخييب توقعاته الجمالية . وبمعنى آخر، فمسرح الصورة هو مسرح تجريبي حداثي يستعمل الحركة والإيماءة والأيقون والإشارة والرمز، ويستعين بالرؤية البصرية، عوضاً من استعمال الكلمة واللغة والحوار كما في المسرح الكلاسيكي، لذا يكون النص في مسرح الصورة مجرد فكرة يبنى عليها نص العرض لتتفتت سلطة المؤلف، حيث لا يبقى المخرج صلاح القصب أثناء الاستعداد لعرض عمل مسرحي من مئة ورقة تمثل نصاً مسرحياً ما سوى عشر أوراق، وذلك عن طريق استعمال الشطب والحذف والمونتاج، وفي هذا الإطار، نرى أن القصب يعتمد على قصائد شعرية وسيناريوهات سينمائية، مع هذا هو لم يهجر عالم النص المسرحي العالمي، النص الكلاسيكي الذي يبدو أنه يواجه تعالياً من مخرجي ما بعد الحداثة، فقد قدّم القصب لجمهوره عروضاً من نصوص مسرحية لشكسبير كهاملت، والملك لير، والعاصفة، وماكبث، وللكاتب الروسي تشيكوف كمسرحية بستان الكرز، والشقيقات الثلاث، والخال فانيا، وطائر البحر، طبعاً بعد عملية الهدم والحذف والبناء والاختصار، وتشذيب هذا النص وتحويل المنطوق إلى صورة، والاقتصاد المفرط في السرد في النص المسرحي الأدبي .

ومشروع القصب هو مشروع مسرحي يدخل في إطار التجريب، ولا يبتعد عن تلك التجارب المسرحية التي تلبست بلبوس التجريب، وأصبح كثير منها سمة للمهرجانات المسرحية العربية، والعالمية، تلك التجارب التي أزاحت الكلمة بكل مدلولاتها وتعدد تأويلاتها، لمصلحة البصري الذي صار هو اللغة الجديدة العابرة للثقافات والأعراق واللغات المنطوقة، فصار الجسد بكل تفاصيله، وبكل احتمالاته وتوهجاته، هو اللغة المسرحية، عبر الرقص التعبيري وتشكيلات الجسد والكوريغراف . إضافة إلى السينوغرافيا التي استعاضت عن الديكور المسرحي الجامد، فضمت كل ما يتعلق بالصورة المسرحية تحت جناحيها .

وكما أتاح اكتشاف الكهرباء واختراع المصابيح في الماضي للمخرجين أن يدخلوا بالمسرح مرحلة جديدة، واصلوا فيها عملية التجريب ليدخلوا الإضاءة والأجهزة الكهربائية للمسرح ليخلقوا منها إبداعاً جديداً، أتاح ظهور وسائل الميديا الحديثة، وبساطة الحصول عليها، لمخرجي المسرح الولوج إلى عوالم جديدة من التجريب المسرحي، لأن المسرح هو الفن القابل للتعاطي مع أي فن آخر، إذا آمنا بأنه أب للفنون، فالمسرح لا يقف موقف الضد في وجه السينما أو الفيديو أو حتى وسائل الإعلام الجديد، بل يفتح يديه على امتدادهما لهذه الوسائل ليستفيد من أبعادها البصرية . فالسينما خطت تجاه المسرح، كما خطا الفيديو، وخطا البروجيكتور كما خطت الهولوغراما، كلها وسائل تتضافر لخلق الحالة الإبداعية في المسرح . هذه الوسائل قد لا يكون لها دور مباشر على تحييد النص وتحييد الكلمة، ولكن المخرجين الذين استأنسوا السلطة على العملية المسرحية رأوا فيها بديلاً للكلمة المسرحية، تبعاً للمتغيرات والتطورات التي طرأت على العالم، هذه التطورات التي شهدها العالم وأثّرت في الثقافة البصرية العالمية أدت إلى تحول المحتوى المسرحي من نص تقليدي إلى صورة، ومن ثم فقد حدث تغير ملحوظ في دراما النص، وحيث اتجه جمال المسرح وعاطفته وصورته وتركيبته وسرده وعروضه ولغته وغيرها من السمات الخاصة بالمسرح إلى التركيز على الناحية البصرية، ومن ثم فقد كان ذلك إيذاناً بظهور (المسرح البصري).

في المسرح العربي، انشغل المسرحي العراقي الدكتور فاضل السوداني بالتنظير لهذا المسرح، في عدد من مقالاته التي نشرها في صحف ومواقع إلكترونية، كمقاله المنشور في موقع الحوار المتمدن بعنوان دلالات الصورة في المسرح البصري .. رؤية تطبيقية (1)، والذي فصل فيه مفهومه للمسرح البصري، وفيه يؤيد ما ذهب إليه الدكتور فاضل الجاف في مقالته في صحيفة القدس العربي عن مواصفات المسرح البصري، وهو الذي يتسم بطغيان الشكل على المضمون والقيام بتجزئة النص والابتعاد عن تسلسل الأحداث، بمعنى عدم اعتماد السببية والنتيجة في التحليل . أما الزمان والمكان فهما دائماً غير محددين ولهما سلطة الأحلام، والعرض المسرحي يكون متعدد الأصوات، إضافة إلى التزام عدم الاتصال المباشر بين ما يحدث في الفضاء على خشبة المسرح والجمهور، أو بين الشخصيات ذاتها، لهذا السبب فإنها تبدو مشلولة الفعل، وكأن كل واحد منها منغمر بعالمه الخاص الذي يشكّل جوهر وجوده . وتلعب المؤثرات البصرية دوراً أساسياً، إضافة إلى أن الشرطية والاختزال تميز الحركة والصورة في العرض، وأوغل سوداني أكثر في تبنيه لهذه النظرية في إصداره المسرحي الرحلة الضوئية عن دار الغاوون، الذي احتوى على أربعة نصوص بصرية، وهي الرحلة الضوئية، والنزهة أو النار المتوحشة، وأغاني جلجامش، والنزهات الخيالية، حيث يرى أن أي نص مسرحي لا يتناول موضوع العنف الاجتماعي ضد الذات المبدعة وعنف الذات ضد كينونتها للتعبير عن جوهر الالتباس والغموض في عالمنا المعاصر، تعد كتابة بمستوى النفاية . وهذا ما دفعني لاعتماد أسس ما أدعوه بالنص البصري في الكتابة بما يفرض رؤيا إخراجية لتأكيد ما ورائية الأحداث وانعكاسها على واقعنا، رؤيا تتناسب مع حجم خراب الإنسان وضياعه المعاصر . وانتصاراً للنص البصري الذي يتبناه السوداني فإنه يدعو النص المسرحي غير البصري، بالنص الأدبي المغلق، لأنه النص الذي يتحدث بالوسائل الأدبية عن كل شيء حد الثرثرة، ويقدم الأجوبة والحلول والنتائج الشافية والجاهزة لمختلف المشكلات من دون أن تكون هناك مساحات أو انزياحات يمكن ملؤها وتكملتها بالرؤيا أو التداعي البصري، ومثل هذا النص الأدبي السردي المغلق على ذاته لا يُكتب بلغة مسرحية بصرية، ولا يتعامل مع فضاء العرض البصري، وإنما يتعامل مع فضاء الأدب والتباساته السردية ويمنع أي تأويل بصري ظاهراتي، ولا يعنى إطلاقاً بميتافيزيقيا الخيال البصري .

ليست النصوص المسرحية الأدبية وحدها يمكن أن تصنف على أنا نصوص مغلقة حسب وصف السوداني، ولكن يمكن أن تنطبق أيضاً على بعض الأشكال من النص المسرحي التي ظهرت ضمن تيار ما بعد الحداثة، ونص الورشة أو النص الجماعي، فهي نصوص تكتب لأجل عرض بذاته، وضمن رؤية إخراجية معينة، فلا يمكن أن يعاد تنفيذها بالرؤية ذاتها، بل ستدخل في مختبر إخراجي جديد، قد لا يمت بصلة للرؤية الأولى . بينما تظل النصوص الأدبية الغربية والعربية مختبراً مسرحياً متواصلاً، وإلا لما خلدت نصوص سوفوكليس، وشكسبير، وإبسن، فمسرحية هاملت – مثلاً – قدمت آلاف المرات حول العالم على مدى عمر النص، وقدمت برؤى إخراجية تنتمي لتيارات المسرح التي ظهرت على مر التاريخ، ومنها مسرح الصورة، والمسرح البصري، فالنص الأدبي قادر على استنطاق الجانب البصري، وقادر على البقاء في وجه هجمة الصورة، فلا يقف مهزوماً أمامها أبداً، لأنه غير معني بالصورة، بل بالحوار والحكاية والشخوص، وبالدراما . كما ينطبق هذا الحال أيضاً على النصوص العربية، فموقع إلكتروني مثل مسرحيون يزخر بكمٍ هائل من النصوص المسرحية، تقدم برؤى متباينة ومختلفة، من دون أن تقف أدبيتها أو سرديتها كما يراها منظرو المسرح الحديث حاجزاً بينها وبين تجسيدها في إطار هذا المسرح أو ذاك .

وبالنسبة إلى مسألة التلقي، فقد يكون هناك متلقٍ متفاعل مع المسرح البصري ومسرح الصورة، ولكن هذا المتلقي يصنف كنخبة، ولكن الشريحة الأكبر من المتلقين الأمناء على المسرح التقليدي، مسرح الحكاية والدراما، والذين قد لا يستوعبون تجاوز هذه التقليدية، وهذا ما يجعل النص المسرحي يملك ممكنات البقاء، وإن ظهرت أشكال من الكتابة المسرحية المعتمدة على السيناريو وتشكيل الصورة، ولكنها لا يمكن في الوقت الحاضر على الأقل أن تشكّل تياراً جارفاً في المسرح العربي .

*من أوراق ملتقى الشارقة الثاني لكتّاب المسرح

(1) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=106294

 

 

One Comment Add yours

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s