الستاند أب كوميدي، فن السخرية

 

chris_porter4
الكوميديان الأمريكي كريس بورتر
  • نشر في مجلة الاعلام والاتصال السعودية

رغم الظروف السائدة في المملكة، إلا أن الستاند أب كوميدي استطاع أن يتحول إلى فن دخل بيوتنا السعودية عبر قنوات اليوتيوب التي صارت تتزايد وتنتشر، ومع تغير بعض تفاصيله، إلا أنه حافظ على إطاره العام. فحالة المواجهة المباشرة مع الجمهور غابت أمام حالة التواصل عن بعد، مما دفع منتجي برامج الستاند أب لتطويعها على هذا الأساس. فأصبحت البرامج الساخرة التي تنتقد أوضاعا اجتماعية وسياسية واقتصادية محلية على اليوتيوب من اكثر مقاطع الفيديو مشاهدة، ما يدل على أن المجتمع السعودي لديه القابلية لتقبل هذا النوع من الفن لو أتيحت له فرصة المواجهة مع الجمهور كما حدث في الرياض بعد استضافة أمانة المدينة ضمن برنامج فعالياتها الاجتماعية والثقافية في الأول من مارس 2012م على مسرح مركز الملك فهد الثقافي عروض الستاند أب كوميدي، والتي قدمها للجمهور فهد البيتري صاحب البرنامج الشهير (لا يكثر) وبدر الصالح صاحب برنامج (ايش اللي) وإبراهيم  الخير الله الذي عرف من خلال مشاركته في برنامج عرب قوت تايلنت في جزئه الأول على شاشة الإم بي سي ويمكن لهذا الفن أن يحظى بالانتشار لو منح الفرصة ليقدم للجمهور خاصة مع ميل المجتمع السعودي إلى تقبل الفكاهة وصنعها.

تعرف موسوعة الويكيبيديا الستاند أب كوميدي، بأنه “إبداع فني غالبا ما يكون كوميديا يقدم للمتفرجين مباشرة”، فقد كان يقدم الكوميديان مونولوجا في إطار كوميدي يتخلله بعض النكات، على خلفية موسيقية مناسبة، أو أغاني ساخرة، إضافة لتخلل العروض لألعاب الخفة، وكان يقام في الحانات والنوادي الليلية والجامعات والمسارح. والستاند أب كوميدي فن من ابتكارات المسرح الأمريكي ويعود تاريخه إلى منتصف القرن التاسع عشر، ويعتبر المسرحي توماس دارتموث Thomas Dartmouth (1808-1860) الأب الروحي لهذا الفن، إذ يعود له الفضل في اختراع العروض الكوميدية، وقد اتضح تأثير عروضه التي قدمها ما قبل الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) حتى على العروض التي قدمت حتى نهايات القرن العشرين. وفي نهاية خمسينيات القرن الماضي، ظهر جيل جديد من الكوميديانات الذين نمت مواهبهم في ظل تقاليد الستاند أب كوميدي التي أطلقها دراتموث في عروضه، ومنهم: ليني بروس، لورد بوكلي، ديك جريجوري، بوب نيوهارت، وبيل كوسبي، وكانوا نتاج حفلات السمر الذي كانت تقام في معسكرات الجيش الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية التي أسهمت في إخراج الطاقة الكوميدية في هؤلاء الفنانين، إضافة لخروج بعضهم من تحت عباءة مسرح الفودفيل الأمريكي*.

لم يصل الستاند أب كوميدي إلى العالم العربي بشكله المعروف في أمريكا والغرب، إلا متأخرا، رغم وجود شكل من أشكال الكوميديا القريب جدا من هذا الفن، وهو فن المونولج، الذي شاع في الخمسينيات وما بعدها من القرن الماضي في مصر وفي غيرها من الدول العربية كلبنان وسوريا، والعراق، وهي نوع من الغناء النقدي، الذي تناول قضايا عامة من غلاء معيشة أو زواج أو غيرها من القضايا، ومن مبدعي هذا الفن العرب: محمود شكوكو وإسماعيل ياسين في مصر، وعزيز علي في العراق، وسلامة الأغواني في سوريا، وعبد العزيز الهزاع في السعودية، وشوشو في لبنان، وهو الفن الذي أوصل بعضهم للدخول إلى عالم المسرح والسينما. ويختلف فن الستاند أب كوميدي عن المونولوج في أنه ليس أغنية نقدية أو نكات تقال، إنما هو نقد على شكل حكاية يسردها ممثل الستاند أب كوميدي معد لها مسبقا أو يمكن دخول الارتجال إليها.

مع هذا فإن العديد من ممثلي الستاند أب في المسارح الأمريكية هم من الأصول العربية، مثل روني خليل ذو الأصول المصرية، وإيمان الحسيني وميسون زايد ذاتي الأصول الفلسطينية، وأحمد أحمد المصري وعامر زهر، وآرون خضر، ودين عبيد الله.. وغيرهم، والذين عملوا على السخرية من النظرة السلبية للعرب من قبل الأمريكان بعد 11 سبتمبر، وحاولوا تغيير هذه النظرة النمطية وتقديم صورة أنصع للمسلمين والعرب.

ظهور الستاند أب كوميدي في الوطن العربي، قد يكون مرتبطا بثورة الاتصال الحديثة، وبخفوت فن المونولوج بغياب رواده، فوصول ما قدم في المسارح ونوادي الكوميديا الأمريكية إلى المشاهد العربي أو المهتمين بفن الكوميديا، واكتشاف الطاقة الكوميدية الناقدة في هذا الفن، وسط سجالات اجتماعية وسياسية تجتاح كل الدول العربية، ووسط الحرية المتنامية لأي نفس نقدي في زمن الإتصال، فجاء هذا الفن لينتقد ظواهر اجتماعية وفساد أجهزة عامة، وليضيء على العديد من المشكلات التي تواجه المواطن العربي وبشكل ساخر، قريب من الكوميديا السوداء.

يتميز فن الستاند أب كوميدي بالتعامل الحي مع الجمهور، بحيث يمكن للكوميديان تلقي ردة فعل الجمهور مباشرة وبشكل لحظي، فإما تقبل الجمهور أو رفضه، وهذا ما يشكل عبئا حقيقيا على الكوميديان ويجعله في المحك وأمام تحد يثبت فيها القدرة على الوصول والإضحاك، وبالتالي فإن الستاند أب كوميديان لا بد وأن يمتلك إمكانات عالية وحضورا وموهبة وخفة ظل، فبدونهم لن يتمكن من التواصل والتأثير على الجمهور. الستاند أب كوميدي كما يقول روني خليل الستاند اب كوميديان الأمريكي المصري لصحيفة الأهرام أنه “ليس نكتة فهو يعرض وجهة نظر شخص وطريقة تفكيره بعكس ما يفعله البعض من الذين يجرون وراء الضحك، أهم مواصفات ممثل الاستاند أب أن يكون دمه خفيفا ولديه روح الدعابة ولازم يكون “مبيخافش”.

في المملكة العربية السعودية، ظهر فن الستاند أب كوميدي متأخراً، وأول ما ظهر وإن كان في إطار ضيق في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن التي نظم نادي المسرح فيها منذ العام 2006م مسابقة للستاند أب كوميدي بمشاركة طلاب الجامعة، وهذا ما لا يمكن أن يجعل الفن فنا شعبياً، ولكن ما أن بدأت الحفلات العامة خاصة الحفلات التي قدمتها أمانة الرياض في مركز الملك فهد الثقافي وفي مجمع الريد سي في جدة، والحفلات التي نظمتها شركة ليكسوري ايفنت بمشاركة عدد كبير من الستاند أب كوميديان كإبراهيم خير الله، مسيسبي ابراهيم، فهد البتيري، عمر حسين، إضافة للممثل الكويتي طارق العلي. ولكن يعتبر البعض أن ابراهيم خير الله الذي قدم أولى حفلاته في جامعة الملك فيصل في العام 2009م، هو أول من أخرج هذا الفن من إطاره الضيق حيث فاجأ الجميع بهذا الفن المستورد والجديد على جيل لم يتعاطى كمتلقي مع فن المونولوج، ومذاك وهذا الفن بدأ ينتشر ويتسع مجاله خاصة مع دخول فناني الستاند أب كوميدي إلى عالم اليوتيوب الذي يضمن لهم الانتشار والوصول إلى شريحة أكبر من المجتمع السعودي الذين يعتبرون صوتا له ولحاجاته في وجه المشكلات التي يواجهونها. فكان برنامج (لا يكثر) لفهد البتيري المبتعث الذي مارس الستاند أب كوميدي في أمريكا لسنوات باللغة الانجليزية، ليقدم إبداعاته على اليوتيوب بمعية طاقم من المخرجين والكتاب والشباب الذين أبدعوا في البرنامج، واستطاع أن يحظى بمشاهدات عالية، ومن البرنامج التي كانت امتدادا للستاند أب كوميدي برنامج (على الطاير) لعمر حسين، (أيش اللي) لبدر صالح، وغيرها من البرامج التي صارت متنفسا حقيقيا للمواطن، ودخلت ضمن موجة (الإعلام الجديد).

يمكن لهذا الفن أن ينمو ويتطور ويتحول إلى فن شعبي خاصة وأن المجتمع السعودي الذي يميل للنكتة والمرح في معالجة همومه ومشاكله قادر على تقبل هذا الفن لينفس عن كل مشاكله بالضحك والكوميديا، وهذا يحتاج إلى رعاية من قبل شركات وجهات رسمية لإقامة حفلات متواصلة ومستمرة لفناني الستاند أب كوميدي في كل مناطق المملكة بالإضافة لزيادة جرعة برامج الإعلام الجديد على اليوتيوب، وهو ما سيحفز لظهور أجيال من الكوميديانات السعوديين الذين سيقدمون أعمالهم لوجود جمهور يتلقى.

 

*الفودفيل: الفُودْفِيل لون من ألوان التسلية المسرحية يُقدَّم فيه للجمهور أنواع شتى من الفقرات المسلية. كان الفودفيل من أشهر أنواع التسلية المسرحية في الولايات المتحدة في الفترة من ثمانينيات القرن التاسع عشر وحتى مطلع ثلاثينيات القرن العشرين.

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s