الكوميديا والسخرية في المسرح

 

%d8%b4%d8%a7%d8%b1%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d8%a7%d8%a8%d9%84%d9%86

الترفيه حاجة، وليس رفاهية زائدة عن الحاجة، فبقدر ما ينغمس الإنسان في روتين الحياة يحتاج للخروج من هذا الروتين بأي شكل من أشكال الترفيه المتاح، لذا كانت الإجازات الأسبوعية أو الإجازات الرسمية أو إجازات المدارس الصيفية فرصة سانحة لتقديم هذه الأشكال، ومنها المسرح الكوميدي الذي ينشط في المناسبات في المسارح الرسمية أو الخاصة أو في المهرجانات العائلية، بحيث تكون المسرحيات المقدمة مصنفة تحت اسم الكوميديا، وهو ما يدفع بمنتجي المسرحيات للاستعانة بنجوم كوميديين محليين أو خليجين أو حتى عرب في بعض الأحيان، لجذب الجمهور لحضور هذه المسرحيات.

ولكن يغلب على المسرحيات التي تقدم في هذه المناسبات طابع التهريج وليس الكوميديا بمعناها الراقي، الذي نظّر له وعرف منذ نشأة المسرح، فالتهريج أو السخرية هو أدني أنواع الكوميديا، فالكوميديا والكوميديا تعمل منذ اختراعها على نقد السلوكيات الاجتماعية الخاطئة، في سبيل تخليص وتطهير هذا المجتمع من هذه السلوكيات وإعادة توازنه إليه، عبر الضحك فيتطهر منها كنتيجة للدراما حسب المفهوم الأرسطي. لذا كانت الكوميديا أكثر اقتراباً من المجتمع من أي شكل آخر من أشكال الدراما، وشرط من شروط سموها ورقيها هو اقترابها من الحياة كما يقول الفيلسوف الفرنسي هنري لويس برجسون في كتابه (الضحك): “نجدها –يعني الكوميديا-تسمو كلما مالت إلى الامتزاج بالحياة. وهناك مشاهد كثيرة من الحياة الواقعية تقترب من الملهاة الراقية، بحيث يمكن للمسرح أن يستعيرها دون أن يغير فيها كلمة واحدة”.

الإشكالية أن أكثر المسرحيات التي تصنف ككوميديا هي في الواقع مسرحيات ساخرة تقترب من مسرحيات الفارس أو الفودفيل التي تعتمد على السخرية دون الاهتمام بالموضوع المطروح، وهو ما يحدث في المسرحيات السائدة، حيث لا يعتمد على الموضوع أو القيمة المعرفية التي تقدمها المسرحية ولا النقد الواعي للسلوكيات الاجتماعية بقدر الاعتماد على النكتة والسخرية من أشكال الممثلين أو لهجاتهم أو غيرها والتي يطلقها ممثلون يملكون القدرة على السخرية وسرعة البديهة ولكنهم يستغلون هذه القدرات في التهريج وليس لتقديم الكوميديا، وهذا الشكل يبدو الأكثر شيوعاً من الكوميديا الراقية المفترضة التي تقيم السلوكيات والذي غابت عن مسارحنا وحل محلها هذا النوع.

الترفيه حاجة، ولا يعني استغلال حاجة الناس للترفيه بتقديم مسرح لا يعنى سوى بالضحك المجرد بغض النظر عن ما يقدم من موضوعات وفكر ومعرفة، حاجة الناس لا تعني استغلال هذه المناسبات للتكسب التجاري باسم المسرح، نعم مع إعلاء صوت المسرح الكوميدي الحقيقي.

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s