مسرحية ذاكرة صفراء

تنويه: لا يسمح لأي أحد تنفيذ هذا النص دون الرجوع للمؤلف والحصول على الموافقة الخطية. ويمكن التواصل مع المؤلف عبر وسائل التواصل المذكورة في المدونة.

الشخصيات

أنسي: شاب ثلاثيني، رسام، يعاني من تشوه في وجهه وعرج. رسام.

أمل:   عشرينية، جميلة، وأنيقة.

الأب: ستيني، يبدو على وجهه تعب السنوات.

المشهد الأول

 

يضاء المسرح تدريجياً متزامناً مع صوت أغنية فيروز (سألوني الناس، عنك يا حبيبي، كتبوا المكاتيب، وأخذها الهوا)، تتضح معالم المكان، صالة شقة فيها بعض الأناقة في أثاثها وترتيبها، على الجدران تصطف لوحات تشكيلية لصورة امرأة في أوضاع مختلفة ولكنها نفسها الملامح، يتبين في العمق باب الشقة، وفي الطرف باب يفضي لداخل الشقة. في الأمام، أنسي يجلس على كرسي مرتفع وهو منهمك في الرسم، يتوقف لحظات ويحتسي قهوته على أنغام الأغنية، وأمامه امرأة تجلس على كرسي مرتفع آخر في وضعية موديل رسم لكن وجهها وملامحها لا تتضح للجمهور. يتوقف ويضع الفنجان على الطاولة، ملامح أنسي نفسها غير واضحة تماماً.

أنسي:         (للموديل) لم تسأليني لمَ أنا هنا اليوم. في العادة أكون غائباً في عملي، وها أنا أقضي معك حتى منتصف النهار في العمل على اللوحة الجديدة دون أن تلتفتي لكوني لم أذهب للعمل.

يصمت دون أن نسمع رداً وينهمك في الرسم

أنسي:         اليوم أنا في إجازة، قد تطول. لقد أجبرني المدير على الحصول على إجازة لأني رصيد إجازاتي كبير جداً، قبل يومين دخل مكتبي، ليس من عادته دخول مكتبي أبداً. فالمكان مظلم وموحش كما كان يقول. دخل وبدا عليه الضيق. اقترب مني وأنا كنت منهمكاً في ترتيب بعض الملفات. ثم قال لي: ألا تمل من العمل يا أنسي، منذ أكثر من ثلاث سنوات وأنت تعمل دون توقف، ولا بد لك أن تحصل على إجازة. حاولت إقناعه بأن يتركني أعمل، لكنه فرض علي ذلك. يقول أن قانون العمل لا يسمح بأن أستبقي أياماً كثيرة من إجازتي.

أنسي ينهمك في الرسم، يقف يبتعد عن اللوحة وينظر إليها بعين مفتوحة بينما الثانية مغلقة. يحضر كاميرا تصوير، ويبدأ بتصوير اللوحة

أنسي:         لا بد من أن أصور اللوحة في كل مراحلها، أحب هذا الأمر كما تعلمين. إنها متعة حقيقية لاحقاً حينما ترين مراحل تنفيذ اللوحة.

يتوقف عن التصوير ويقترب من اللوحة وفي يده الكاميرا.

أنسي:         قلت لم لا، لأرتح قليلاً، أتفرغ للرسم وللقراءة. (يبتسم للموديل) وللبقاء معك أيضاً. ألا يهمك أن أبقى معك أكثر؟.

يبدأ بتصوير الموديل من أكثر من زاوية. يقترب أكثر من الموديل.

أنسي:         ثم أني أحتاج للتفكير من جديد في كثير من جوانب حياتي (يتنهد) ما الذي يجعلني وحيداً حتى هذا العمر، لولاك لكنت جننت وأنا بين أربعة جدران، في شقتي بين الجدران وفي عملي بين الجدران، لا زملاء، ولا أصدقاء، ولا نوافذ حتى يتسلل منها ضوء الشمس.

يبتعد قليلاً ماشياً، ويبدو على مشيته العرج، وعلى ملامح وجهه بعض التشوه من حريق قديم. يأخذ كتاباً من الرف

أنسي:         أحتاج أيضاً أن أقرأ، لقد اشتريت عدداً من الروايات الجديدة وتحتاج لبعض التفرغ. سأقرأ بنهم، سأنهي كل الكتب العالقة على رفوف مكتبتي. وربما سيأتي اليوم الذي أكتب فيه رواية، قد أكتب قصتي. نعم تستحق أن يقرأها الناس (صمت) لكن لا أدري متى سأبدأ. المهم أني سأفعل الكثير في هذه الإجازة الطويلة. سأحاول أن أملاً كل الساعات حتى لا أشعر بملل من وجودي خارج مكتبي (يصمت لبرهة) أصلاً أنا سئمت من العمل. عمل، عمل، عمل، وأوراق وملفات مغبرة، وأرشيف ملعون ألازمه منذ 15 عاماً، لا بد لي من الراحة، لا بد أن أبحث عن متنفس جديد. أعلم أني رفضت أكثر عروض نقلي من الأرشيف، رفضت الترقيات، لأبقى في الأرشيف. لكني بدأت أسأم. خمسة عشر عاماً وأنا في قبو المؤسسة. كل من مر على الأرشيف من موظفين تركوه.

يترك الكاميرا، ويعود للرسم من جديد.

أنسي:         من يتحمل رفيق عمل يظل صامتاً كالأخرس. حتى الأخرس يحاول أن يتواصل مع الناس بلغته، كما تفعلين دائماً معي. أنت لا تتحدثين أبداً، أظل أثرثر وأثرثر دون أن تسمعيني صوتك. صرت أشعر أني ثقيل ظل.

صمت لبرهة، بينما يواصل أنسي الرسم.

أنسي:         المكان الوحيد الذي أتحدث فيه هنا، هنا لا أستطيع الصمت، هنا فقط أقول كل ما لم أستطع قوله في قبو الارشيف. فتحملي ثرثرتي. من غيرك يتحمل شخصاً مثلي بلا أصدقاء ولا صوت يخرج للعلن؟.

يترك الفرشاة جانباً ويقف..

أنسي:         أشعر بالجوع، سأعد الغذاء. هل ستتناولين الغذاء معي أم أنك ستتركين الطبق دون أن تلمسي منه شيئاً؟ (صمت لبرهة) حسناً، سأعد الطعام.

يسمع صوت هاتفه الجوال، يقف مستغرباً للحظات، ثم يتجه له. يرفعه من على الطاولة، ينظر للرقم، يبدو عليه الارتباك والتردد. يرد على الهاتف.

أنسي:         (مرتبكاً) أهلاً.. وأنا اكثر اشتقت إليك. أنا بخير، الحمد لله، كل شيء على ما يرام. أنا أتبع وصاياك كما هي، لم أحد عنها. كما أردتني كنت (بنوع من الصدمة) متى؟. أنت في الطريق إلى هنا؟.. (بارتباك) لمَ لم تخبرني بحضورك حتى آتي لاستقبالك في المطار؟.. أنت في السيارة الآن. يا إلهي. حسناً، أنا في انتظارك. إلى اللقاء.

ينهي أنسي المكالمة، ويبدو عليه الصدمة. ثم ارتباك وهو ينظر حوله.

أنسي:         يا إلهي، ما الذي سأفعله. ما الذي سأقوله له حينما يجد كل تلك الصور المعلقة. كيف سأبرر وجودها هنا (وهو يشير للموديل) لا بد من أن أخبئها بسرعة.

يتحرك بسرعة جهة الدمية، ولكنه بشكل مرتبك وسريع، يحاول التصرف سريعاً، يدخل إلى الداخل، ولحظات ويأتي بقطعة قماش ويغطي الدمية، يرفعها من على الكرسي. وإذا بصوت الجرس يدق. يقف مصدوماً مبهوتاً. لا يتحرك ولكن الصدمة بادية عليه. لحظات من الصمت ومن تواصل دق الجرس. يضع الدمية على الكرسي بهدوء تام. ويتجه ناحية الباب.

أنسي:         أخبرني أنه في الطريق إلى هنا. ولم يقل لي أنه على باب العمارة. لمَ دائماً ما يفاجئني، بل يضعني في ورطة.

يتواصل دق الجرس، ثم يسمع طرق على الباب. يتواصل الطرق ويتواص ارتباك أنسي. ينادي

أنسي:         (ينادي) أنا قادم. لحظة.. لحظة واحدة وآتي إليك.

يحاول أن يصطنع الابتسامة، يضبط تنفسه، يستجمع قواه. ويفتح الباب.

أنسي:         (أثناء فتح الباب) أهلاً وسهلاً بوالدي العزيز. تفضل.. تفضل..

على الباب المفتوح تقف شابة جميلة على ملابسها بعض أثر من مطر. تقف حائرة، ينتبه أنسي لها. يقف مذهولاً. ينظر لها باستغراب، ويبدو عليه الارتباك.

أمل:           أعتذر. ولكن..

أنسي:         وأنا أعتذر.. ظننتك والدي الذي أنتظر قدومه.

أمل:           أنا..

أنسي:         (بارتباك) أنا…

أمل:           أنا أمل..

أنسي:         (بعد لحظات صمت) وأنا.. أنسي..

أمل:           أنا، أخت عادل، جارك.. في الشقة المقابلة.

أنسي:         عادل؟. لا أعرفه.

أمل:           جئت لزيارته، لكن لم أجده. حاولت الاتصال به، لكنه لم يرد. طرقت الباب والجرس ولا أحد.

أنسي:         لا أدري. لا أعرفه صدقاً، ولم ألتقه أبداً، أعتذر لذلك.

أمل:           أها. يبدو أنك ساكن جديد هنا.

أنسي:         لا، منذ أكثر من خمسة عشر سنة وأنا أسكن هنا.

أمل:           (باستغراب) غريب، وأخي كذلك. والأغرب أنك لا تعرفه. الباب بالباب، وأكيد أنك التقيته صدفة.

أنسي:         صدقاً، رغم سنواتي هنا إلا إنني لم ألتقه أبداً. أنا عادة لا أخرج. من العمل للبيت ومن البيت للعمل. ولم أصدفه حتى على السلم. أعتذر ثانية.

أمل:           أها.. (تصمت وتقف حائرة)

أنسي يقف حائراً وهو ينظر لها.

أمل:           المطر غزير بالخارج. لم أجد مكاناً أنتظر فيه أخي. لا مقهى في الجوار ولا مطعم.

أنسي ما زال يقف في حيرته.

أمل:           يمكنني أن أنتظره على سلم العمارة. سيأتي قريباً بالتأكيد.

تهم بالمغادرة لكنها تتراجع وتنظر لأنسي الذي يبدو جامداً وحائراً.

أمل:           أليس من النبل على أقل تقدير أن تدعوني للدخول. أخبرتك أن المطر غزير في الخارج ولا مكان أنتظر فيه أخي.

يرتبك أنسي.

أنسي:         أ..أ..

أمل:           طيب، ناد زوجتك علها تملك نبلاً أكثر منك ولا تترك فتاة غريبة على الباب.

أنسي:         أنا، لا زوجة لي.. أعيش هنا وحدي.

أمل:           ولذلك لن تدعوني خوفاً من كوني امرأة في شقة رجل. يمكنك ترك الباب مفتوحاً. هكذا يكون المكان آمناً لي ولك. لكن لا تتركني أنتظر طويلاً على الباب. لن أتأخر في المكوث هنا.

يبدو أنسي في ورطة لكنه يمد يده لها لتتفضل. تدخل أمل المكان، ينظر أنسي خارجاً مرتاباً، ثم يغلق الباب. تصل أمل لوسط الصالة، تراقب المكان واللوحات المعلقة، تراقب معالم الشقة.

أمل:           هل أنت فنان؟. هل هذه الرسومات جميعها لك؟.

أنسي:         نعم. أنا رسمتها جميعاً.

أمل:           لا يبدو عليك ذلك.

أنسي:         لمَ، هل لعرج رجلي والتشوه الذي طال وجهي علاقة في كوني فناناً أم لا؟.

أمل:           (معتذرة) أنا آسفة لا أقصد ذلك أبداً. فقط هو تصور مبدئي عن الفنانين. دائماً ما يصورون لنا بشكل مغاير. أنت لا تشبه الصورة السائدة.

أنسي:         أنا لست فناناً بمعنى الكلمة. أنا مجرد رسام بسيط أتسلى بالرسم.

أمل:           ولكن لم كل اللوحات لذات المرأة. مع أن لكل لوحة سمتها؟.

أنسي:         (يحاول التهرب) إنها حكاية طويلة. ليس الوقت مناسباً لسردها.

أمل:           أعتذر عن التطفل.

تقترب من حامل اللوحات. وتنظر للوحة الجديدة التي يرسمها.

أمل:           إنها لنفس المرأة. هل هي حبيبتك؟.

يبدو الضيق على أنسي. تنتبه أمل لذلك

أمل:           أعذرني فأنا متطفلة بطبعي. تحملني قليلاً حتى يأتي أخي من الخارج.

أنسي:         لا بأس.

يظلان واقفان لا يتحركان. أمل تنظر لأنسي باستغراب.

أمل:           (ترفع كتفيها مستغربة) ألن تدعوني للجلوس، واحتساء فنجان قهوة. ما بك يا رجل؟. ألهذه الدرجة أنا ثقيلة ظل ولا ترغب في وجودي؟.

أنسي:         (ينتبه لنفسه) لا، ليس لهذه الدرجة. أنا فقط.. تفضلي هنا.

يشير أنسي لكرسي من كراسي طاولة الطعام الموجودة، تجلس أمل على الكرسي.  يقترب أنسي منها.

أنسي:         هل ترغبين بفنجان قهوة أو شاي؟.

أمل:           قهوة. سادة، بلا سكر. أنا منذ زمن قاطعت السكريات. حتى أحافظ على قوام رشيق (تبتسم له).

يبدو الحرج والورطة على أنسي. يهز رأسه إيجاباً ويغادر. أمل تراقب المكان، ويبدو الفضول عليها. تقف وتتجه ناحية مكتبة أنسي. تسحب كتاباً وتقرأ. تنظر للمكتبة بنوع من الاعجاب. على رف من رفوف المكتبة. تجد صورة لأنسي ووالده، صورة صغيرة. تأخذها وتتطلع فيها. تتركها. تقترب من حامل اللوحات. تنتبه للدمية المغطاة. يبدو عليها الفضول. تقترب أكثر. تضع أذنها عليها محاولة استكشاف ما وراء الغطاء. بهدوء ترفع الغطاء فتظهر دمية المانيكان الجالسة على كرسي كموديل. تقف أمل خائفة ظناً منها أنها امرأة حقيقية، تدرك أن التي أمامها دمية. يسمع صوت خطوات أنسي من خارج المسرح قادمة. تسرع أمل بتغطية الدمية والاتجاه بسرعة إلى الكرسي، تجلس وهي تحاول مداراة مشاعرها. يدخل أنسي بصينية فيها فنجاني قهوة وكوب ماء. يضعهما على الطاولة، يقدم القهوة لأمل التي تبتسم له. يجلس أنسي.

أنسي:         لقد صنعتها كما أحب أن اشربها، سادة بلا سكر. أتمنى أن تروقك.

أمل:           (وهي تحتسي رشفة من القهوة) لذيذة. تصنع القهوة بنفس خبير.

يحاول أنسي الابتسام، ينظر لساعته بترقب. ويحتسي قهوته.

أمل:           (بعد أن تنتبه له) هل يضايقك وجودي؟.

أنسي:         (بارتباك) لا.. لا .. أبداَ. على الرحب والسعة.

أمل:           إن شاء الله لن يتأخر أخي. وسأخبره عن نبل جاره الذي لا يعرفه. الأمر غريب أليس كذلك؟. أن تعيشان متجاوران كل تلك السنين دون أن تعرفا أحدكما الآخر. هو لم يخبرني عنك. لم يقل أن له جار فنان.

أنسي:         أنا لا علاقة لي بأي أحد في العمارة. فقط حارسها الذي يطرق بابي كل شهر لاستيفاء إيجار الشقة.

أمل:           ولم تبتعد عن الناس. لا يمكن أن لا نحتاج الناس خاصة إذا كانوا من الجوار. ربما تجد نفسك في مشكلة ما وتحتاج لأحد في جوارك.

أنسي:         أنا مرتاح هكذا. أفضل أن أكون بعيداً.

أمل:           هل لشكلك علاقة؟.

ينظر أنسي لأمل غاضباً ومحرجاً. يقف مبتعداً عنها. ويلوذ بالصمت. أمل تقف وتتجه ناحيته.

أمل:           يبدو أنني أخطأت في سؤالي. اعذرني على السؤال. كان مجرد سؤال عابر. سأنتهي من قهوتي وأغادر.

تتجه أمل ناحية الطاولة، تجلس على الكرسي. تحتسي قهوتها بتأني، وكأنها لا رغبة لها بالمغادرة. بينما أنسي يقف بعيداً عنها. يتجه ناحية اللوحة. يجلس على كرسيه مقابل اللوحة. يمسك بلوحة الألوان، يخلط ألوانه ويرسم.

أنسي:         عندما أتيت للمرة الأولى إلى هذه المدينة باحثاً عن وظيفة، كنت أبحث عن حياة جديدة. لكني اصطدمت بنظرات تنهش من عظمي قبل لحمي. نظرات كلها خوف وشفقة واسئلة. وأنا الهارب من الأسئلة، هارب من الماضي. لم يكونوا يبحثون عن حكايتي بل كانوا يبحثون عن إجابات أسئلتهم.

تقف أمل وتتجه له، وعلى وجهها ملامح الأسى.

أمل:           لكن المدينة يعبر شوارعها العديد من … (تتوقف بحرج).

أنسي:         المشوهون. نعم تقصدين المشوهين. صحيح. يمر بها المشوهون، لكنهم أبناء هذه المدينة، ليسوا غرباء. بينما أنا الغريب الآتي من الضفة البعيدة، سأكون محط أسئلتهم. وربما شكوكهم. كيف ولماذا وأين.. أسئلة كرصاصات تنطلق إلى صدري كل يوم.

أمل:           لست مجبراً على الاجابة، ولا على فتح صندوق حكاياتك. من حقك أن لا تحكي لأحد، أي كان حكاية من حكاياتك (صمت) يتبين لي أنك عشت حياة قاسية. لذا تحاول الهرب منها.

أنسي:         (وهو يواصل الرسم) ربما. أهرب من كل شيء. أصنع حياتي كيفما أريد. دون حتى شراكة أحد.

أمل:           وهذا ما يجعلك.. لم تتزوج بعد؟.

أنسي:         (يضحك بسخرية) الزواج؟. أي فتاة ستقبل بي. من ستحب رجلاً مشوهاً وأعرجاً. ربما أكون رجلاً مليئاً بالعقد النفسية. لا أصلح لأي علاقة.

أمل:           أنت تبالغ في الأمر. ربما لأنك فضلت أن تبتعد، لم تجد فرصة للتعرف على من تشاركك حياتك.

أنسي:         أنا مرتاح هكذا، بعيد عن أي قلق، بعيد عن أي علاقات، مع أي أحد. قلبي خزانة موصدة لا مكان فيه لأحد.

يواصل الرسم وتبدو الحيرة على أمل.

أنسي:         (وهو يواصل الرسم) ألم يتصل بك أخوك؟. ألم يخبرك متى سيعود؟.

أمل:           هل تريد مني المغادرة سريعاً؟. لا بأس، يمكنني انتظاره في مدخل العمارة. مع الحارس. أعتذر منك.

تهم أمل بالخروج، يقف أنسي .. ويتجه لها.

أنسي:         (معتذراً) لا تفهمي سؤالي ضيقاً من وجودك. ربما أنا لا أملك القدرة على التعامل الصحيح مع الآخرين. ربما أفتقد اللباقة. لم أكن أقصد أن تتركي المكان. (يستدرك) صحيح، من المعيب ترك شابة تجلس على دكة الحارس. لكن أنا لم أستقبل أحداً أبداً في هذا البيت. حتى ساعي البريد لم يعد يأتي منذ سنوات طويلة. ولا موزع الجرائد فلا أحد يقرأ الجرائد. يمكنك البقاء حتى يأتي أخوك. لكن (يبدو مرتبكاً) أتمنى أن لا يطول ذلك. وأن تغادري قبل أن يأتي والدي.

أمل:           والدك قادم إلى هنا؟.

أنسي:         نعم، اتصل قبل أن تطرقي الباب. قال إنه في الطريق إلى هنا. لا أدري، ربما يفهم وجودك بشكل مغاير. قد لا يتفهم الحقيقة.

أمل:           وهو يعرف إتك غير متزوج وبلا علاقات، فكيف يفسر وجود فتاة في بيتك.

يهز أنسي رأسه إيجاباً.

أمل:           حسناً، لن أورطك أبداً في هذا الأمر. شكراً جزيلاً لقهوتك. نفسك في صنع القهوة رائع. أحببتها (تبتسم) شكراً لنبلك وكرمك. إلى اللقاء. سيد أنسي.

تتجه ناحية الباب، يراقبها أنسي محرجاً وحائراً. فجأة يسمع صوت الجرس. ينتبه أنسي للصوت، يتجه بسرعة ناحية الباب خائفاً، يقف حائلاً بين أمل والباب.

أنسي:         (خائفاً) لا تفتحي الباب الآن، يبدو أن والدي قد وصل. يجب أن تختبئي. بعدها سأجد طريقة لتخرجي بها (متوسلاً) رجاءً لا تخرجي الآن.

يمسك يدها وهي مفزوعة خائفة. ويتجه بها إلى الداخل. لكنه يعود بعد لحظات. لأنه لم يجد مكاناً بالداخل. يعود للصالة حائراً يبحث عن مكان، بينما تبدو الدهشة على ملامح أمل، ما زال صوت الجرس يرن. يتجه ناحية الدمية، يرفع الغطاء عنها، يأخذها ويضعها جانباً بعيداً عن العين. يأخذ يد أمل ويجلسها على الكرسي على نفس هيئة الدمية بينما هي في دهشتها واستغرابها، يغطيها بقطعة القماش. يقف قليلاً ويتنفس الصعداء.

أنسي:         (لأمل) فقط دقائق، ربما يدخل للحمام. فيمكنك الخروج من هنا.

يتجه ناحية الباب بسرعة، يتنفس الصعداء ويرتب ملابسه بسرعة. يفتح الباب بابتسامة عريضة. يفتح الباب فنجد رجل ستيني يقف وفي يده حقيبة سفر. يتجه أنسي له ويحتضنه.

أنسي:         (وهو في حضن أبيه يتصنع الفرح) أهلا أبي، أهلا بك. كم اشتقت إليك.. منذ سنوات لم تأت. ولم تزرني.

الأب:          وأنت لم تفكر يوماً في زيارتي. لم تفكر حتى في الاتصال والاطمئنان علي. يبدو أنك لا تشتاق لي يا ولد.

أنسي:         (محرجاً) أنا.. لا يا أبي، أنا أشتاقك كل يوم. ولكن أنت تعرف الانشغالات. الوظيفة والرسم.. و…

الأب:          (بريبة) وهل هناك في حياتك غير هذين؟. هل هناك أمر آخر لا أعرفه.

أنسي:         لا، أنا وعدتك أني لن أرتبط بأحد ما حييت. كل وصاياك في ذاكرتي أرددها كل يوم قبل أن أغفو وتغمض عيني (بنوع من الضيق) وصايا الأب التي لا تنسى.

الأب:          أحسنت. هذا ولدي الذي ربيته. لا تورط نفسك في أي علاقة. لا أحد يستحق أن نهبه الحب. أو نهبه مساحة شاغرة من قلوبنا.

أنسي:         ولكنك أحببت أمي، تزوجتها وأنجبتني.

الأب:          (بحدة) لا تذكر أمك. دعك من سيرتها. واطع وصايا أبيك الذي يحبك.

أنسي:         أنا لا أفهم يا أبي لماذا تخيفني من علاقتي بامرأة. كأن مصيري أن أحب وتخونني التي أحبها. أبي أرجوك.

تتحرك أمل قليلاً، تبعد القطعة القماشية لترى ما يدور، تراقب أنسي ووالده.

الأب:          (غاضباً) أنت لا تفهم يا أنسي. لا أحد يهتم لأمرك غيري في هذا العالم. أنظر كيف تعيش وحيداً. لن تقبل بك أي امرأة. من تقبل أن تعشق شاباً مشوهاً بلا ملامح؟. شاباً بنصف ساق. ولو وجدت تلك المرأة، لن تدوم لك. ستخونك مع آخر.

أنسي:         (منكسراً) فعلاً يا أبي. لن تجد فيَّ أي فتاة ما يثير. لا أملك وسامة الرجال. مجرد رجل بلا ملامح. رجل بعقد كل هذا العالم. يخشى الناس، ويظل محبوساً بين جدران مكتبه الصفراء أو جدران شقته التي يحاول أن يجملها بصور النساء. أصبحت كما أردتني. كما رسمت لي.

الأب:          (يقترب منه بحنو) يا أنسي. أنا أعلم منك بالناس. الحياة صقلتني، مررت بمواقف. مررت بحروب ومعارك. أنت لا تذكر من تفاصيل الحرب شيئاً.

أنسي:         ومن قال أن تفاصيل الحرب غابت عن ذاكرتي. حتى لو كنت طفلاً ساعتها. لكن ذاكرة الطفل طرية. تعلق فيها المواقف، خاصة تلك الموجعة.

الأب:          وماذا تتذكر من الحرب؟.

أنسي:         كل شيء. أتذكر الرصاص والقناصة على البيوت. أتذكر البيوت المهدة. أتذكر نزوحنا عن قريتنا. أتذكر يوم ماتت أمي أمام أعيننا بلغم (يتحسس وجهه) أليس نفسه اللغم الذي أحرق وجهي. أليس نفسه اللغم الذي أعطب ساقي؟.

الأب حزيناً يتنهد، بينما تنظر أمل بدهشة لما يدور من خلف القماش الذي يغطي نصفها

أنسي:         لا تنس (يشير لرأسه) هنا علقت، هنا محفورة في جدران ذاكرتي. لا أنسى، الشتات، لا أنسى حين نزحنا عن قريتنا، وطاردتنا الحرب في كل مكان تطأه أرجلنا، من مدينة إلى قرية، من جبل إلى ساحل، وطوفان الحرب والرصاص يلاحقنا.

الأب:          لا ذنب لنا في هذه الحرب، لسنا سوى وقوداً لها. كيف نبقى في بلد تأكل أبناءها بحرب أشعلها أبناؤها. يا أنسي. لا تتعب نفسك بتذكرها.

أنسي:         لكنها تلاحقني، حتى بعد ان انتهت، وكبرنا وأصبحنا رجالاً. أتظن يا أبي أن أنسى الحرب التي جعلتني أشبه بالمسخ. لقد ختمت الحرب على جسدي أثرها. هنا وهنا (يشير لوجهه وساقه) وحتى هنا.. (يشير لرأسه) هنا (بعصبية) هنا الحرب أكبر.

الأب:          (يقترب من أنسي ويربت على كتفه) يا حبيبي يا أنسي، أنا جئتك هنا كي أراك، أطمئن عليك. أشتقتك. فلا تنغص علينا بتذكر الماضي ووجع الماضي.

أنسي:         أنت من نكزتها يا أبي. كانت ساكنة مركونة.

الأب:          (يحاول ممازحته) المهم الآن يا ولد، ألن تعد لي فنجان قهوة؟.

أنسي:         (وهو يتنفس ليهدأ، مستسلماً) حسناً. سأعد لك قهوتك. هل ستأتي معي للمطبخ؟.

الأب:          حسناً، لنعد القهوة معاً، فلدي حكايات كثيرة أرغب في أن أحكيها لك.

يتحركان باتجاه المطبخ، ينتبه الأب لوجود فنجانين على الطاولة.. يقترب من الطاولة. ويرفع فنجان أمل.

الأب:          يبدو أن هناك ضيوفاً كانوا هنا (يرفع الفنجان في وجه أنسي).

أنسي:         (مرتبكاً) لا، لم يكن أي أحد.. أبي أنا لا يزورني أحد أبداً وأنت تعرف ذلك.

الأب:          أثر امرأة على الفنجان.

أنسى:         امرأة؟، (مرتبكاً) ولم تدخل امرأة بيتي يا أبي. أنت تتوهم.

الأب:          هل هي المرأة التي ترسمها؟.

أنسي:         لا، قلت لك لا.. لا يوجد امرأة دخلت هذا البيت. ما أرسمه مجرد خيالات ليس أكثر. (متوسلاً) أبي، لم لا تصدقني؟.

الأب:          اشعر أنك تغيرت، ولم تعد كما كنت. من هذه المرأة التي تزورك؟.

أنسي:         قلت لك لا أحد. لم يزرني أحد. من ستزورني أنا؟. هذا ما أردتَه وصرتُ وفياً لوعدي لك. حينما كنا نتنقل من مكان لمكان، وأنت توصيني كل يوم، ابتعد عن النساء، الحب مجرد وهم، لا شيء اسمه حب. عش حياتك بلا ارتباط، بلا حب بلا امرأة. وها أنا كما أردتني. ألستَ سعيداً؟.

الأب غاضباً يمسك بخناق أنسي.

الأب:          قل لي من تكون هذه المرأة؟. من صاحبة الشفاه المطبوعة على الفنجان؟.

أنسي:         (خائفاً) لا أحد.. (يحاول التهرب) مجرد ألوان، رسمتها على طرف الفنجان لأتخيل أن امرأة أمامي تحتسي القهوة. أنا رجل يا أبي، واحتاج لامرأة، حتى لو كانت خيالاً.

الأب:          ولم تحتاجها؟. لمَ، أخبرني. ما الذي ينقصك كرجل دون امرأة.

أنسي:         لا أفهم حتى الآن، سبب كرهك للنساء، لمَ كنت توصيني دائماً، بأن لا أقرب أي امرأة، لم جعلتني أخشى الوقوع في الحب. لم صورت لي كل النساء بأنهن أصل الخيانات كلها؟.

الأب:          (بإصرار) لأنهن الخيانات كلها. أنت لا تفهم.

أنسي:         بل أفهم. أصبحت رجلاً، لم أعد ذلك الطفل الذي تفتح رأسه وتحشوه بأفكارك. أنا حر. لذلك أريد أن أعرف الآن. لمَ كل هذه الكراهية. هل هي أمي؟.

الأب:          (غاضباً) وما شأنك. أمك أو غيرها، هذا أمر يعنيني.

أنسي:         من قال يعنيك وحدك؟. وأنا؟. (متوسلاً) أبي اخبرني بالحقيقة، هل ما يجعلك تأنف من النساء يتعلق بأمي؟. أتذكر أنكما لم تكونا على ما يرام. خلافات دائمة، كنت أسترق النظر إليكما وأنتما في ذروة خلافكما، تتشاجران على الدوام. قبل أن تبدأ الحرب.

الأب يبدو صامتاً وغاضباً.

أنسي:         حتى أني لم أشعر بحزنك عليها يوم ماتت. لم تبكِ، لم أرَ في وجهك ملامح الأسى. وكأنك تخلصت منها.

الأب:          (غاضباً) أنت تتوهم. ليس الأمر كما تظن. ثم أنك تنبش في الماضي. هلا توقفت؟.

أنسي:         هل يؤلمك يا أبي النبش في الماضي؟. وأنا؟، ألا يؤلمني أن أظل حبيس جدران ماضيك؟. حررني يا أبي. اريد أن أجد أنسي الذي كنت اريد أن أكونه، لا ما تريد أنت أن أكونه.

في هذه اللحظة تسقط قطعة القماش التي كانت تغطي أمل، فتنكشف أمام أنسي والأب. تقف أمل مشدوهة. ينتبه الأب، بينما يبدو أنسي خائفاً ينظر لأمل.

الأب:          من تكون هذه المرأة التي تخبئها عني، هل هي امرأة الخيالات التي رسمت شفاهها على الفنجان؟، أنت تكذب يا أنسي. لم أعهدك كاذباً.

أنسي:         (خائفاً مرتبكاً يحاول التبرير) إنها.. أمل، نعم.. اسمها أمل. لا أعرفها، للتو أتت هنا بحثاً عن أخيها. هو جاري.. أبي أنا لا علاقة لي بها. لا أعرفها. طرقت علي الباب وأدخلتها. أخبرتني بأنه ليس من النبل أن أترك امرأة وحدها على الباب في يوم ماطر.

الأب:          أنت تكذب، هي عشيقتك.. أليس كذلك؟.

أنسي:         لا، لا.. ليست عشيقتي. لا اعرفها حتى. صدقني يا أبي. ليس لي عشيقات.

الأب يتجه ناحية الباب، يلحقه أنسي

الأب:          (غاضباً) ومن تكون هذه الأمل إذاً؟. كيف تدخل امرأة بيتك وتختبئ خلف قطعة قماش إذا لم يكن بينكما علاقة تخاف منها؟.

أنسي:         أقسم لك. أن لا علاقة لي بها. أبي صدقني.

يفتح الأب الباب ويهم بالمغادرة.

أنسي:         إلى أين تذهب؟.

الأب:          لا أستطيع البقاء معك. لقد خيبت ظني.

ينظر الأب نظرة شزراً لأنسي ويغادر، يغلق الباب بقوة. يقف أنسي حزيناً وهو ينادي.

أنسي:         (ينادي) أبي، أنا لا علاقة لي بأمل. صدقني. أبي.. أرجوك أبي لا ترحل..

أمل تقترب من أنسي وما زالت الدهشة بادية عليها.. تقف في وجهه

أمل:           أنسي، ما بك؟.

أنسي:         (غاضباً) تسألينني ما بي؟. ألم تري ما فعلتِه؟. غادر بسببك. ما الذي جعلك تدخلين بيتي وهو قادم إلي.

أمل:           أنسي، لا يبدو أنك بخير. هل تهذي؟.

أنسي:         لماذا لم يأت أخوك لينقذني من هذه الورطة. سنوات وأنا أخبره بأن لا علاقة لي بأي امرأة، ثم في الوقت الذي تطرقين فيه باب بيتي يأتيني، ثم يرحل.

أمل:           أنا لا أفهمك أبداً… أمرك غريب.

أنسي:         وما الغرابة في شخص آخر خيط يربطه بوالده قد انقطع. أعرفه، سيغضب ولن يتصل بي، لن يمر ولن يفكر حتى بالاطمئنان علي. فأنا خيبت ظنه. يا الله ما الذي أفعله.

أمل:           (تمسك رأسها) أنت تسبب لي الحيرة يا أنسي. صدقاً لا أفهم ما يدور. أنسي، هل أنت متأكد أن والدك كان هنا؟.

أنسي:         نعم (ينظر لحقيبة والده) انظري حتى أنه نسي حقيبته (يشير لجهة الحقيبة).

أمل تتجه ناحية المكان الذي يؤشر عليه أنسي، تقف، تبحث في المكان بنظراتها.

أمل:           (باستغراب) حقيبة؟. أية حقيبة؟. لا بد أنك تتوهم يا أنسي. لا يوجد حقائب هنا.

أنسي:         ما الذي تعنينه؟. ها هي الحقيبة الجلدية البنية التي لم يغيرها منذ سنوات طويلة. أبي لا يغير أشياءه خاصة تلك التي تتعلق بذكرى ما.

أمل:           (وهي تقترب من أنسي وتحرك يدها في وجهه) أنسي.. هل أنت بخير؟. لا يبدو ذلك. أنت تتوهم أموراً لم تحدث. لم يكن ابوك هنا، ولا حقيبته الجلدية البنية. كنت وحدك.

أنسي:         (بسخرية) وحدي، ما بك يا أمل؟. أنت التي تتوهمين. للتو خرج غاضباً أمامك وصفق الباب في وجهي. ألم تسمعي حتى صوت الباب؟. كنت هنا تراقبين الأمر.

أمل:           لم أرَ أحداً فتح الباب ولم أر أحد صفقه، لم أر غيرك تحدث نفسك. كنت أسترق النظرات خلف القماش الذي غطيتني به، ولم أرَ أحداً غيرك. أنسي، أنت كنت تتوهم.

أنسي:         (غاضباً) أنا لا أتوهم. من أنت لتتهميني بالجنون؟.

أمل:           أنا لا أحد، ولم أتهمك بالجنون. لكن لم يكن أحد هنا. أنسي، يبدو أن الماضي يجعلك تتوهم الكثير، تتوهم وجود والدك، تتوهم الحكايات والقصص، تتوهم وصيته بأن لا تعشق امرأة.

أنسي:         سمعته إذاً، سمعته وهو غاضب مني لأنه ظن أنك عشيقتي؟.

أمل:           لم اسمع غيرك وأنت تردد هذا الكلام. كنت أستغرب منك. ما الذي يفعله هذا الرجل. لماذا الخوف من ماض ومن شخصية ليست موجودة؟.

أنسي:         لكنه موجود، غضب مني يا أمل، لم يصدقني، لم يصدق أنك أخت جاري. يا الله، كيف أقنعه بالأمر. كيف أقنعه بأني وفي لوصاياه.

أمل:           ولماذا تكون وفياً لوصايا تجعلك خارج العالم. مسجوناً بين جدران ذاكرتك. يبدو أن جدران ذاكرتك صفراء، مليئة بالزيف.

أنسي:         ما الذي تقولينه؟. أنا لا أفهم.

أمل:           بل تفهم. اعذرني، لكن اللحظات التي بقيت فيها مختبئة خلف قطعة القماش كشفت لي مأساتك الحقيقية. أنسي، أنت حقيقي وما عدا ذلك مزيف.

أنسي:         (يرفض ما يسمعه ويضع يديه على أذنه) لا، لا.. ليس صحيحاً. أنت كاذبة.

يرفع يديه عن أذنه.. ويقترب من أمل.

أنسي:         (غاضباً) من ارسلك لي لتفسيدي حياتي، ولتتهميني بالجنون والوهم. من أنتِ؟.

أمل:           (وهي تبتعد خائفة) أخبرتك من أكون، أنا أمل أخت جارك. ولا مصلحة لي باتهامك بالجنون، أنا اقول الحقيقة.

أنسي:         أي حقيقة؟، أن لا أحد زارني، ولا أحد كان يحادثني ولا أحد غضب مني؟.

أمل:           نعم، هي الحقيقة. أنسي أرجوك. أنا أشفق عليك. أنا لا اعرفك، ووجودي هنا عابر. قد لا أراك ثانية. لكن ما حدث غريب، ما حدث أنك استحضرت كل اوهامك، توهمت أن أباك عاد، كنت تجادله في ما حدث لك. ربما الحرب التي عايشتها هي السبب، اللغم الذي قضى على أمك، وشوه وجهك وساقك.. ربما حياتك التي عشتها جعلتك تظن أن أباك موجود. ربما هو ميت منذ زمن طويل.

أنسي:         (غاضباً) لا، لم يمت. أنت تكذبين، لم يمت .. كان هنا للتو، سأحادثه وأعتذر منه وسيعود، سأكون وفياً لوصاياه، لن اجادله فيها، لن أنبش ماضيه.

أمل حائرة تنظر له. تبدو مستسلمة.

أمل:           هل تريدني أن أغادر؟. يمكنني انتظار أخي على عتبة السلم. لا بأس. ولكن هل لك أن تسمعني. أنا لا أكذب عليك. لم يكن ثمة أحد هنا

تهم بالمغادرة، تفتح الباب.. ويظل أنسي واقفاً مكانه حائراً غاضباً

أمل:           شكراً للقهوة. شكراً لضيافتك

تخرج أمل من المكان وتغلق الباب وراءها دون أن ينظر أنسي لها. لحظات يقف أنسي مكانه. يتجه ناحية اللوحة.. يمسك الفرشاة والألوان ويرسم بهستيريا ويتمتم بكلمات غير مفهومة، وبعصبية واضحة.

-إظلام-

المشهد الثاني

نفس المكان دون أي تغيير سوى أن اللوحة على حامل الألوان تبدو ملطخة بالألوان العشوائية، وبعض الفوضى بجانب حامل اللوحات، في العمق نجد أمل وأنسي يجلسان على كرسيين من كراسي طاولة الطعام. صمت. أمل تنظر لأنسي.

أنسي:         من أين جئتِ لي يا أمل؟. كنت متآلفاً مع وجوده، من أرسلك إلي لتكشفي ما في داخلي. وتكوني شاهدة على ذاكرتي؟.

أمل:           (بارتباك) لم يرسلني أحد، أرسلني القدر. كان مقدراً أن آتي لأخي في هذا اليوم الممطر الذي يشتد مطره كل ساعة، وكان مقدراً أن يغيب أخي عن شقته ولا أعرف أين هو حتى هذه اللحظة. مقدراً أن أقف أمام باب شقتك. ومقدراً أن يأتي والدك الوهم في ذات اللحظة.

أنسي:         لم يكن ليدخل أحد بيتي، لم يكن لأحد أن يعرف ما بداخله، ما يلتصق على جدرانه. لم يكن أحد يعرف عن أنسي أي شيء. لكن..

أمل:           أعدك أن يظل سراً. لن يعرف أحد عنه.

أنسي:         أثق فيك، لا أدري لمَ.

أمل:           لا أدري، ربما .. ربما..

أنسي ينظر لأمل منتظراً الإجابة

أمل:           (تكمل) ربما، لأنك استلطفت وجودي هنا.. أقول ربما.

أنسي:         ربما، لا أدري سر ثقتي. لم أستطع أن تتركيني لحظة غادرتي.

أمل:           شكراً لنبلك يا أنسي.

أنسي:         لم يكن النبل ما دفعني للحاق بك. شعور آخر دفعني أن لا أتركك ترحلين.

أمل:           (تبتسم) وها أنا عدت.

أنسي:         أنت أول امرأة تطأ قدماها المكان منذ خمسة عشر سنة.

أمل:           لو كانت أمك على قيد الحياة، أكيد ستكون المرأة الأولى في هذا المكان.

أنسي:         (يتنهد) أمي؟، كثيراً ما اشتاق لحضنها. أتمنى دائماَ أن يعود بي الزمن طفلاً صغيراً أتمرغ في حضنها. فقدت دفء الأم مبكراً. ولم تعوضني امرأة عنها. لذا أصبحت جافاً لا أستطيع إبداء مشاعري لأحد.

أمل:           ولمَ وضعت حداً بينك وبين النساء يا أنسي، السنوات تمر، العمر يمضي وتحتاج لمن يشاركك هذه العمر.

أنسي:         (يبتسم بسخرية مرة) من ستشاركني هذا العمر؟. ألا ترين وجهي المشوه؟. ألا ترين كيف أمشي، ألم تري ما أعانيه من ثقل الماضي. ثقل النزوح بعد النزوح، ثقل الحرب؟.

أمل:           لأنك أوصدت باب قلبك. لو أنك تركته موارباً لوجدت الشريكة.

أنسي:         وصية أبي قيدتني، كنت أخاف أن يعود في أي لحظة فيجدني خيبت ظنه.

أمل:           (بنوع من العصبية) أبوك مات منذ سنوات، قد يكون مات في نزوج ما، هو غير موجود يا أنسي. لن يعود. عش حياتك دون خوف من وصية غريبة. أستغرب أي أب هذا اللي يوصي هكذا وصية.

أنسي:         (يمسك رأسه) لم يمت، هو يتصل بي، وكان هنا.

أمل تقف وتمسك يدي أنسي وتبعدهما عن رأسه.

أمل:           لم يكن هنا، ولم يتصل. أنت تتوهم وجوده، يجب أن تخلص رأسك من كل هذه الأوهام. افتح باب شقتك وشبابيكها، اترك الهواء النقي يدخل اليها. افتح قلبك فربما تمر به امرأة وتترك أثرها.

أنسي:         (يبكي) أخاف. أخاف أن أتورط في علاقة مع امرأة.

أمل:           ولمَ تخاف؟.

أنسي:         من الخيانة.

أمل:           لو كل أحد خاف الخيانة وخاف الهجران وخاف الفقد لما تواصلت الحياة. لا تفكر بهذا الأمر، لن تخونك من تحبها، إذا آمنت بها وآمنت بك. أنسي. لا تفعل هذا بنفسك.

أنسي يواصل بكاءه. تمسك أمل يده وتجبره على الوقوف وهي تبتسم له.

أمل:           اخرج من جدرانك هذه، أنظر (تشير للوحات) أنت فنان حقيقي، تمتلك ريشة مبدعة، وحرام ما تفعله بنفسك. كيف ألا يرى أحد هذه اللوحات؟.

أنسي:         إنها مجرد رسومات لا معنى لها. شيء ما داخلي يدفعني للرسم.

أمل:           حاجتك لشريكة هي ما يدفعك. أنت حتى لا         لم تجرب أن ترسم موديلاً حقيقياً، ولجأت لدمية بلا روح .. (تتأمل اللوحات) هل لي أن أسألك سؤالاً؟.

يهز رأسه إيجاباً.

أمل:           لم كل اللوحات لذات المرأة، ذات الوجه، لكنها لا تشبه الدمية أبداً. لمن هذا الوجه؟.

أنسي:         (وهو يتأمل اللوحات) لا أعرف امرأة سواه.

أمل:           (بدهشة) أمك؟

أنسي:         هي، لأني لا أعرف غيرها، ولا اشتاق إلاها. لم ارسم غير أمي.

أمل:           (مبتسمة) ألهذه الدرجة أمك بهذا الجمال يا أنسي؟. أهو وجهها الحقيقي أم هي صورة من خيالاتك.

أنسي يبتعد عن أمل ويتجه ناحية دولاب ويستخرج ألبوم صور. يفتحه ويريه لأمل بفرح غامر، تأخذ وتبدأ تتصفحه. يشير بإصبعه على صور في الألبوم

أنسي:         (بفرح) هذه هي أمي، وأنا الذي بجانبها. كنت في الخامسة من عمري. قبل الحرب بعامين.

أمل:           (وهي تتصفح الألبوم) فعلاً أمك جميلة، وهي نفس الوجه الذي ترسمه. حتى أنت يا أنسي، جميل في طفولتك، أنيق.. (تضحك ممازحة) في كل صورك تمسك قطعة حلوى.

أنسي:         (يضحك) لأني كنت أحب الحلوى. حتى أني افتقدت كل الحلوى التي أحبها حينما نزحنا.. أتعرفين؟.

تهز رأسها متسائلة وهي تبتسم

أنسي:         دسست في حقيبة ظهري الكثير من الحلوى التي استطعت التقاطاها من بيتي، ودسست ألبوم الصور دون أن يعرف والدي بالأمر. لم يفكر أبداً أن يفتح الحقيبة ويكتشف ما فيها.

يبتعد عن أمل فرحاً ويقترب من الدولاب يخرج كيساً منه، كيساً ملئ بالحلويات.

أنسي:         أنظري، أنا ما زلت أحب الحلوى، لا أمر بالسوبرماركت دون أن أشتري الكثير منها (يفتح الكيس ويخرج بعض الحلويات) خذي، هل تفضلين هذا النوع؟.

أمل:           (فرحة تأخذ الحلوى) هو نفس النوع الذي أفضله. يا سلام.

أنسي:         (سعيداً) حقاً؟.

أمل تضحك وتفتح الحلوى وتتناولها بفرح، يراقب أنسي ويسرح في البعيد وعلى وجهه ابتسامة، تنتبه أمل له. تنظر له باستغراب، ينتبه لنفسه فيبدو الارتباك عليه.

أنسي:         أعتذر، هل أسأت التصرف؟.

أمل:           لا، أبداً.

أنسي:         أنا فقط لفتتني ابتسامتك وضحكاتك، تشبه كثيراً ابتسامة أمي.

أمل:           (سعيدة) صحيح؟. هل أنا بهذا القدر من الجمال؟.

أنسي:         نعم. (يبدو في ورطة وارتباك) أ.. أ.. جميلة جداً.. هل، يمكنني أن أرسمك يوماً؟.

أمل:           سأكون سعيدة بذلك. أن يرسمني فنان مثلك. وأن تعلق لوحة لي على جدار معرض. (تستدرك) لماذا لا تقيم معرضاً لك؟. سمه (أمي)، كل لوحاتك بثيمة واحدة، ذات الوجه بأوضاع مختلفة. صدقني ستلفت الانتباه، ستخرج من صمتك، وتخرج من صندوقك الذي أغلقته عليك.

أنسي:         ومن سيهتم بهذه الخربشات؟.

أمل:           الجميع، كل لوحة حكاية، كل لون تضعه على اللوحة قصة وغصة. أنسي، لماذا تقلل من كل ما تصنعه، وكأن لا شيء له قيمة غير الأوهام التي زرعتها في رأسك؟.

أنسي:         وكيف أتخلص من هذه الأوهام كما تسمينها، رغم أني ما زلت مقتنعاً بوجود أبي وبحضوره إلى هنا، مقتنعاً بغضبه مني، سأتصل به بعد يومين أعتذر له.

أمل:           (ببعض اليأس) أووه يا انسي، عدت لذات الحكاية. أخرجها من رأسك. أخرج أنت من جدرانك.

أنسي:         كيف؟، وآثار الحرب على جسدي؟.

أمل:           انسها، عش حياتك، اخرج من جدران ارشيفك الذي يجعلك تهرب من كل الناس حتى زملاء الوظيفة..

أنسي يبدو مصدوماً ينظر لأمل.. تنتبه أمل له.. تصمت

أنسي:         وكيف عرفتِ أني أعمل في الأرشيف؟. أنت لم تلتق بي غير اليوم.

أمل:           (بارتباك) أنا.. سمعتك تتحدث مع والدك، أقصد حين توهمت أن والدك موجود.

أنسي:         (بريبة) متأكد أني لم أتحدث عن الإرشيف، ولا عن عملي ولا زملاء الوظيفة منذ أن دخلتِ إلى هنا. من أنتِ؟.

أمل:           (تحاول التهرب) أنا.. أخبرتك باسمي ومن أكون. أنا أمل أخت جارك عادل.

أنسي:         أنا مرتاب منكِ. مرت ساعات طويلة ولم يأت أخوك ولا اتصل بك.

أمل تتهرب وتتجه للباب.. تحاول فتحه

أمل:           سأرى ربما عاد.

أنسي ينقض على الباب ويقف حائلاً بين أمل وبينه

أنسي:         لن تخرجي دون أن تخبريني من تكونين؟.

أمل:           أخبرتك بأن اسمي أمل وهذا يكفي، لم آت لأي شيء سوى أن أخي ليس موجوداً في شقته.

أنسي:         (بغضب) ولماذا اخترت شقتي بالتحديد، العمارة كلها شقق وبشر. لماذا أنا بالذات؟.

أمل:           (خائفة وشبه منهارة) بل طرقت كل الأبواب، لم يرد علي أحد غيرك. هل أخطأت حين لجأت إليك؟.

أنسي:         لم تخطئي لكنك في لحظات غيرتي كل شيء في، لا أصدق أن تكوني امرأة عابرة. دخولك بيتي مدبر.

أمل:           لا، أنت مخطئ في ظنك. ليس مدبراً بل جاء صدفة. والآن سأنهيه. سأغادر، وأعتذر عن كل ما سببته لك من أذى. يمكنك متابعة حياتك وتصديق أوهامك. يمكنك البقاء بين جدران بيتك وارشيفك، بين جدران ذاكرتك التي تلاحقك.

تفتح الباب وتهم بالمغادرة. لكنه يمسك بيدها ويسحبها إلى الداخل، يقف بمقابلها ويتنظر لعينيها الخائفة.

أنسي:         لن تغادري دون أعرف من تكونين بالضبط، أنت لا تعرفين مقدار الأثر الذي تركته فيّ. أنا أختلف عما قبل دخولك إلى عالمي. نعم أنت دخلتِ عالمي ولم تدخلي بيتي فقط. أثر لا أعتقد أن سينمحي.

يظهر الأب عند باب البيت، وهو يراقب ما يدور. لا ينتبهان لوجوده.

أنسي:         أمل، أنت المرأة التي أشعرتني بأنني إنسان، موجود في هذا العالم، وثمة غاية لوجودي. أمل، أرجوك. أريد أن اعرف من أنت لأطمئن.

أمل:           (تبكي) أنا أمل ويكفي. أنسي لم أكن أرغب في أن أؤذيك. فقط أريدك أن تخرج من سجن ذكرياتك.

أنسي:         كيف عرفتِ إذا عن عملي في الارشيف، أنت تعرفين من أكون. أليس كذلك؟.

أمل:           (وهي تواصل البكاء) نعم أعرف من تكون، منذ أشهر وأنا أجمع المعلومات عنك لأعرفك أكثر، لكن حين دخلت بيتك عرفتك أكثر.. و.. و.. أحببتك أكثر.

يبدو الأب مغتاظا يتقدم إلى داخل الشقة ويقترب منهما.

أنسي:         (باستغراب) أحببتني؟. ومن أين عرفتني لتحبيني؟. لا تقولي لي من أول نظرة، من أول خطوة لك في بيتي. إنها أكبر خدعة يقولونها.

أمل:           لا يا أنسي، ليست من المرة الأولى، أنا أعرفك. نعم أعرفك. منذ أشهر، وانا ابحث عن الفرصة التي تجعلني أقترب منك أكثر. لم أرك تخرج اليوم من شقتك، فخفت عليك.

وأنسي:       ومن أين تعرفينني؟، أنا لا أخرج لا من البيت ولا من الارشيف.

أمل:           تذهب لمحل الألوان في نهاية الحي، تزور بعض المعارض التشكيلية خلسة، لا تحضر الافتتاح حتى لا تختلط بالناس. كنت أراك من البعيد، وأنت تطالع في اللوحات بعين فنان. طرق رأسي الفضول. تساءلت من يكون؟. من هذا الغريب الصامت، الذي لا يتحدث لا يختلط، لا يسأل الرسام حتى عن لوحته.

الأب يقترب من أنسي ويهمس له

الأب:          (بصوت منخفض) كاذبة. إنها تخدعك.

أمل:           راقبتك بعين المحبة، أتعرف كيف تحب المرأة وتعشق؟. لا تعرف بالتأكيد. أحبك يا أنسي. أتفهم؟. كنت أراقبك وأنت تعود كل يوم بكيس الحلوى التي أحبها أنا ايضاً.

أنسي:         أتعبثين معي؟. مشاعري ليست سبيلاً لأي عابرة.

أمل:           (بتوسل) أنا لست عابرة، أنا أحببتك. وأحببتك أكثر حين عرفت عنك أكثر. حين دخلت عالمك .

الأب:          (غاضباً) غبي، لا تفهم، ستخدعك وستصدق مشاعرها الكاذبة. ما الذي تراه فيك لتحبك؟. من تكون أنت؟. أنظر، شكلك يخيف. أتصدق أن امرأة تراك في الشارع ويمكن أن تحبك؟.

أنسي:         (يردد نفسك الكلام بانكسار) غبي، لا تفهم، ستخدعك وستصدق مشاعرها الكاذبة. ما الذي تراه فيك لتحبك؟. من تكون أنت. أنظر، شكلك يخيف. أتصدق أن امرأة تراك في الشارع ويمكن أن تحبك؟.

أمل:           (بإصرار) يمكن للمرأة أن تحب، لا تعبه المرأة كثيراً بشكل الرجل، قد تحب حديثه، حركة منه، نظرة أو ابتسامة، قد ترى فيك يا أنسي ما لا تراه أنت.

أنسي:         لكني لا أصلح لأكون عاشقاً. أنا بلا ملامح، أرجوك يا أمل أنا لا أحتمل هزائم أكثر. يكفي ما واجهني من هزائم.

أمل:           لن أهزمك، فقط تأكد من حبي لك. تأكد أن هناك من يرى فيك عاشقاً (تصمت قليلاً وتتنهد) من الصعب أن تبوح المرأة بحبها لرجل. لكنني تعودت أن لا أخاف من شيء. ولا أخاف من أحد.

الأب:          ستصدقها يا أنسي؟. ستصدق كل تلك الألاعيب الجلية. افتح عينيك جيداً، افتح قلبك الذي ربيته أنا ليحدس بالخديعة. ليجس الخيانة قبل وقوعها.

يسحب الأب أنسي من يده، لكن أمل تمسكه من يده الأخرى.

أمل:           لا تذهب، أعرف أن وهم أباك يلاحقك. يخبرك بالخيانة والخديعة. لا تصدق وهماً جعلك سجيناً بلا روح. أنت فنان، اخرج من هذه الجدران واعرض لوحاتك. سأساعدك. فقط امسك يدي وتحسس نبضي.

الأب:          (وهو يسحب أنسي بقوة) لا يا أنسي، كاذبة، قلت لك كاذبة، كل النساء كاذبات، خائنات.

تسحب أمل من جهة والأب من جهة، يبدو ثمة صراع بين الأب وأمل في سحب أنسي الذي لا حول له ولا قوة..

أمل:           تعال معي وانس الوهم، انس ذكرياتك. افتح صفحة بيضاء جديدة.

الأب:          (وهو يسحب أنسي) لا تجعلها تعبث بك يا ولد، أنت أذكى من أن تخدعك امرأة.

أمل:           (تسحب أنسي) الحياة أجمل من أن نراها في ذكريات مرة. أحبك يا أنسي.

الأب وأمل كلاً يسحبان أنسي لجهتهما وهما يرددان اسمه بتوسل

الأب:          أنسي

أمل:           أنسي

يزداد السحب والصراع يتصاعد بين الأب وأمل، ويبدو أنسي متألماً.. ينظر فجأة لأمل، بنظرات مأخوذ، يفلت يد والده ويمسك يد أمل.

الأب:          (مصدوماً) أنسي، كيف فعلت ذلك؟.. أنسي (يناديه بصوت مبحوح يتلاشى تدرجياً) أنسي.. أنسي..

يختفي الأب تدريجياً، ويبقى أنسي مع أمل، يمسك يدها. أمل فرحة.

أنسي:         أنا أيضاً احببتك، أنت أول امرأة تطرق باب بيتي وباب قلبي وتدخله. قلبي الذي كان موصداً لسنوات. أمل، أحبك.

أمل:           (بسعادة غامرة) وأنا أحبك، أحبك. أحب قدرتك على الفكاك من الوهم. أحب حبك للحياة، أنا الحقيقة الوحيدة وما عداي وهم.

أنسي:         لم يعد في حياتي سوانا، أنا وأنتِ. نسيت كل ما مر علي، نسيت الحرب والموت والمدن المحترقة والبيوت المهدمة. الآن، نسيت لحظات النزوح من بلد إلى بلد. نسيت أبي، نعم نسيت أبي لأجلك يا أمل. فلا تخذليني.

أمل:           لن أخذلك، فأنا لن أخذل من جئت إليه عاشقة.

أنسي:         (يضحك) يا الله، لم أكن لأتصور أن للحب حلاوة، لم أعرف له طعماً يوماً. كم أتمنى أن يطول بنا الوقت ولا ينتهي.

أمل:           حتى لو غبت عنك يوماً، فأنا سأعود. محملة بالشوق واللهفة. والآن يا أنسي، لم لا ترسمني؟. ارسم أحداً آخر هذا غير الوجه الذي اعتدت عليه.

أنسي:         (سعيداً) حقاً، سأكون ممتنا لذلك.

يمسك يد أمل وبسعادة بالغة، يتجه بها ناحية الكرسي مقابل حامل اللوحات. يجلسها، ويعدل جلستها. تبدو عليهما السعادة. يبدل اللوحة بلوحة جديدة، ويبدأ بالرسم. تتهادى أصوات موسيقى حالمة، أنسي يرسم بفرح أمل التي تجلس أمامه كموديل،  يمسك كاميرته ويرسم أمل عدة صوار من أوضاع مختلفة. ثم يواصل الرسم.

أنسي:         (وهو يواصل الرسم) اليوم أنا في إجازة، قد تطول. لقد أجبرني المدير على الحصول على إجازة لأني رصيد إجازاتي كبير جداً، قبل يومين دخل مكتبي، ليس من عادته دخول مكتبي أبداً. فالمكان مظلم وموحش كما كان يقول.

يضع آخر لطخة لون على اللوحة.

أنسي:         لقد انتهيت.

يدير اللوحة جهة الجمهور لكننا نفاجأ بأن الوجه المرسوم هو ذاته الوجه المكرر في اللوحات المعلقة.

أنسي:         هه، ما رأيك في اللوحة؟. تشبهك تماماً.

ينتظر رد  أمل لكنها لا ترد.. يقترب منها وفي يده اللوحة

أنسي:         أمل، لمَ لا تردين، ألا تعجبك اللوحة؟. إنها أنتِ، لم تقولي لي إن أعجبتك أم لا. أمل، ردي علي يا أمل.

يقترب منها بتوجس، يمد يده لها، يحركها فإذا هي الدمية ذاتها التي يرسمها في بداية المسرحية. يقف مصدوماً. موسيقى مناسبة.

-إظلام-

انتهت في 18 نوفمبر 2018

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s