سر من رأى موته

النص حصد المركز الثاني في مسابقة جائزة الشارقة للتأليف المسرحي 2019

المشهد الأول

المسرح مقسم لمستويين، في العمق أشبه بكهف، يميل للظلام، وفي الأمام ساحة مدينة، أو يمكن أن يبقى مكاناً فارغاً تدور فيه بعض أحداث المسرحية، أو يمكن –كمقترح- أن يكون مستوى علوي للكهف ومستوى سفلي للمدينة. بعض أساسيات الحياة تتوزع في الكهف بشكل عشوائي، مطبخ صغير، مغسلة ماء، سطل، وخمسة أشخاص امرأتان وثلاثة رجال يتوزعون في المكان، يبدو عليهم تشوهات جسدية، أطراف مشوهة، وجوه مشوهة وشاحبة، أحدهم (الخامس) بلا عينين بسبب المرض. الكهف عبارة عن مكان لعزل المتعافين من مرض ما، مرض سبب لهم كل تلك التشوهات. الحزن باد على الخمسة. يقف الأول وهو بلا أطراف، ووجهه مشوه، يتوسط المسرح، وينظر للأعلى. 

الأول:         يا الله، تعبنا من انتظار رسول الأرواح لقبض أرواحنا. سئمنا الحياة. 

الثانية:        (وهي تقترب منه) تحدث عن نفسك. أنا لا أنتظر الموت، ولم أسأم بعد. 

الأول:         ماذا تنتظرين من هكذا حياة؟. مسجونون هنا، بعيدون عن من نحب. 

الثانية:        ما زال في الحياة متسع. ربما نخرج من هنا، ونعود اليهم. يفتحون احضانهم للقادمين من غياهب المجهول. 

يقف الثالث ويبدو أكبر عمراً منهما.

الثالث:        ادرك شعورك. لكن ستعتاد، أؤمن بأن هناك أمل.

الرابعة:       أنت واهم. أي أمل؟. هم حكموا علينا بالنفي، أبعدونا عن الحياة، عن أطفالنا وازواجنا، عن أحبائنا خوفاً من مرضنا. 

يقترب الخامس وهو يتحسس المكان فهو فاقد بصره

الخامس:      هم معذورون، لو كنتم مكانهم، لما فعلتم غير ما فعلوا، هم يخافون من العدوى. من أن يصابوا ويصبحوا مثلنا.. مسوخاً شوهها المرض. 

الأول:         لقد سلبوا منا حياتنا، سلبوا كل شيء يربطهم بنا، كأنهم لا يعرفوننا، لم يبكونا حتى. 

الثالث:        من يحبك بحق سيبكيك. سيشتاقك، سيدفعه الأمل يوماً ليراك. لن تمنعه جدارن هذا الكهف عن أن يراك.

الأول:         وأين هم؟، سنوات ونحن هنا. أصابنا المرض وحدنا.. وغادر المكان بعد أن ترك أثر خطوه على أجسادنا.

الثانية:        وهل تريده أن يترك أثره في غيرنا؟. أنا لم أتمن يوماً ذلك. يكفي عذاباتنا. يكفي ذلك اللهيب الذي فتك بأجسادنا. 

الرابعة:       ليته فتك بأرواحنا. لو أننا متنا منذ حل المرض في أجسادنا، لما واجهنا كل هذا الشقاء. لانتهت عذاباتنا.

الخامس:      لماذا اليأس، لماذا يغلبكم؟. الأمل وحده من يحرضنا على البقاء. أنا أكبر منكم. ونهش المرض من جسدي أكثر مما نهش من أجسادكم. ولكني ما زلت أرى خيط نور في البعيد.

الأول:         (باستغراب) رغم عماك؟.

الخامس:      فقدت بصري، ولم أفقد بصيرتي. لم افقد إحساسي بالحياة.

الثالث:         الحياة هبة الله لنا. لا تفقدوا الحبل إلى الله وانتم تبحثون عن نهايتها.

الأول:         متى يطرق الموت باب هذا الكهف. أنا لا أستطيع التحمل، لا اقوى على هذا العذاب. إما الموت، أو العودة، أنا يقتلني الشوق، لأمي التي أخذوني من بين حضنها عنوة مخافة أن ينهش جسدها المرض. لم تكن تخاف المرض، بل تخاف علي، خوفها من أن تفقدني.. كان أعظم. 

الرابعة:       كلنا انتزعنا من أحضان من نحب. ها أنا هنا أنتظر اللاشئ وأولادي خلف هذه الجدران ربما ترعاهم أم أخرى، أو ربما لا.. لكني متأكدة أن زوجي تزوج أخرى. كان يهددني قبل المرض بأنه سيتزوج أخرى. أعرفه تماماً.

الثانية:                ستعودين إليهم.

الرابعة:       كيف؟. ربما نسوني، أكيد أخبروهم بأن لا عودة لي، وأني رحلت إلى السماء. طلبوا منهم أن يراقبوني نجمة في المساء. ربما صرت زائرة أحلامهم وأنا التي أتنفس ما زلت. ولكنه نفس عفن.

الأول:         لماذا لا يفتحون لنا هذا الباب الموصد لنرى النور، نرى من نحب وإن كان عن بعد. إنهم يحكمون علينا بالموت.. (بأسى) ولكن الموت تأخر.

الثالث:        سيأتيك وقت ما يحين، ووقت ما كتبه الله عليك. فقط لا تجزع. كن اكثر قوة.

الأول:         لم يعد الجسد قادراً ولا الروح. حتى أني تعبت من البكاء. وفقدت عيناي ماءها. فقط لو يفتحون هذا الباب. 

الخامس:      حين تفتح ابواب عقلك. سيفتح هذا الباب. كيف تريد لهذا الباب أن يفتح وأنت توصد أبواب عقلك، فتصبح عبداً لليأس. 

الأول يتجه للباب ويصرخ.

الأول:         افتحوا هذا الباب، نريد بعض النور. نريد بعض الهواء.

الثانية:                لن يسمعوك. حتى لو صرخت بكل ما فيك من فزع. 

الثالث:        حكمهم نهائي علينا. لكن نأمل أن يشفقوا يوماً على المساكين الذين افترس أجسادهم المرض اللعين.

الخامس:      المرض الذي لا يمضي دون أن يضع ختمه على الأجساد المتعبة.

الرابعة:       لن يسمعوك. أو أنهم يتغافلون عنا، عن صراخاتنا، كما تغافلوا عن أوجاعنا.

الأول:         أنا أختنق هنا. لم أعد أحتمل هذا السجن. نحن لم نرتكب خطأ.

الخامس:      هم يعرفون ذلك. يعرفون أننا لم نرتكب أي جرم نستحق عليه السجن. لكنهم خافوا أن نكون سبباً في تفشي المرض، ففضلوا أن يبعدونا عنهم. 

الأول:         إنه منفى بلا عودة. ثمة منافي تكون حياة جديدة، ومنفانا موت يتجدد.. لكن الموت الأخير .. تأخر في طرق أبواب هذا الكهف.

الرابعة:       (بإحباط) كل يوم أفتح عيني بعد نوم بلا معنى ولا طعم. وأنا أتمنى أن أفتحها على حياة أخرى، حياة أبدية. أنا فقدت كل خيوط الأمل، فقدت خيوط النور.

الخامس:      لا تجزعوا يا أبنائي، الحياة مد وجزر.

الأول:         بل هي جزر بلا مد.

الثانية:                لا توزع جزعك علينا. نحن ما زلنا نتعلق بالأمل.

الثالث:        نتعلق بالله. نستشعره ونستشعر رحمته بنا. أنفاسنا رحمة بنا، وأنا على يقين أنا ما بنا هو من رحمته.

الأول:         وما الذي نفعك إيمانك.. غير هذا السجن العفن؟.

الثالث:        بل نفعني بأن لا أفقد الأمل. وما زلت على يقين بنور قريب سيضيئ ظلام أرواحنا. يا صديقي، يكفيك ما فيك. تريث على روحك.

الأول:         روحي متعبة. كما جسدي، أعيش بلا جدوى، بلا معنى، بلا أمل. متعب من هذه الحياة التي لم تكن عادلة، ولم ترأف بنا.

الرابعة:       مثلك أنا، ما عدت أرغب في هذه الحياة الرتيبة، يشبه فيها أمسنا يومنا، ويشبه يومنا غدنا. لا أدرك كنه الوقت، لا الساعات باتت ساعات ولا الدقائق دقائق.. والأيام ثقيلة تمر علينا.

الثانية:                (تربت على كتف الرابعة) ستعودين لأطفالك. لحياتك.

الرابعة:       أطفالي؟، (تضحك ضحكة خفيفة مشوبة بالحزن) لا أظن ذلك. كيف سيروني بهذا الجسد الممسوخ. أخرج من هنا أو يأخذني الله إليه، لكن ليس لأطفالي.

الأول:         سيخافون منها، من الأفضل أن تبقى صورتها الجميلة في ذاكرتهم أفضل من صورة حقيقية مفزعة.

الثالث:        سيقبلونها بكل ما فيها، سيشعرون بدفء الأم، حضنها الحاني، سيدركون أنها غيمة تمطر تهطل عليهم بركات.

الرابعة:       أكيد أن زوجي أبدلهم بأم أخرى. 

الخامس:      لا يمكن أن تكون أرأف منك عليهم. من جسدك خرجوا، انقسمت روحك فكانوا هم.

الأول:         (بسخرية) إسمعوا من يتكلم. أولادك رموك هنا. أليسوا هم من طلبوا إبعادك عنهم؟. خافوا منك على حياتهم. لم يهتموا بمرضك، ولا حاجتك لهم وأنت في هذا العمر.

الخامس:      (يبتسم) أنا مقدر لما فعلوا وأعذرهم. أنا مرتاح هنا، لأني لا أريد أن أثقل عليهم. لا أريد أن أشعر بأني عبء على أولادي. 

الثالث:         لكنك تستحق رعايتهم.

الخامس:      ما زلت في قوتي، وأنا قادر على تدبر أموري دون الحاجة لهم.

الثانية:        ولكننا نحتاج لأكثر من تدبر أمورنا، نحتاج للحب. نحتاج لنظرة دافئة. نحتاج للمسة طمأنينة.

الخامس:      أعرف ذلك. ولكن ما زال في العمر بقية، وما زال ثمة أمل.

الأول:         ليتني أملك ولو بعضاً من سكينة روحك. 

الثالث:         ليتنا جميعاً، نحتاج لهذه السكينة لنبدد القلق من الآتي.

الثانية:                ما رأيكم أن أعد لكم الشاي وبعض الكعك، لنغير هذا المزاج. 

الأول:         صدقيني حتى الشاي والكعك فقدا طعمهما.

الثانية:        أنت تتوهم ذلك. الشاي ذاته والكعك ذاته. فقط غير ما بداخلك لتشعر بكل ما حولك. إنس كل ما يثقل رأسك من أفكار. واقبض على لحظة فرح ولو بسيطة.

الخامس:      يمكن للفرح أن يأتي بشكل كعكة، أو على شكل رشفة من كأس شاي. أو حتى من لمسة محب. الفرح حولنا فلا بد أن نعرف كيف نقبض عليه.

الأول:         كم أتمنى أن أكون مثلكم، رغم كل الوجع ما زلتم على أمل.

الثالث:         الأمل هو ما يقوينا على مواجهة هذه الحياة. الأمل وقود أعمارنا.

الرابعة:       (تبتسم) لا بأس، سأساعدك بإعداد الكعك. فربما تمر الساعات الطويلة فتهرب منها الرتابة ولو بعض حين.

تبتسم الثانية للرابعة وتمسكها من يدها وتتجهان للمطبخ الصغير، يسمع صوت أشخاص قادمين يقتربون من باب الكهف. ينتبهون للأصوات القادمة.

الأول:         (باستغراب) هناك قادمون. هل سمعوا صراخي؟. هل سيفتحون لنا الباب؟.

الثانية تركض باتجاه الباب، وتسمع أصوات القادمين.

الثانية:                نعم، ربما جلبوا لنا الطعام.

الخامس:      طعامنا لم ينفذ، ولم يمر شهر منذ آخر مرة جلبوا لنا الطعام. 

الرابعة:       لا أظن أنهم أشفقوا علينا وجلبوا لنا المزيد. هم ينتظرون موتنا.

الثالث:         لننتظر، سيفتحون الباب ونعرف سر مجيئهم. ربما جاءوا ليفرجوا عنا.

الأول:         (بفرح) هل تظن ذلك؟.

الثالث:         آمل ذلك. 

يفتح الباب ويدخل ضوء ساطع للمكان. يدخل خليل إلى المسرح وعلى عينيه عصابة، يدفعه أحدهم إلى الداخل، وهو يقول له

شخص1:     ادخل، هذا المكان سجنك الأبدي مع اشباهك. لن تبرحه إلا بموتك.

يغلق الباب بسرعة ويتجه الأول مسرعاً نحو الباب

الأول:         (يصرخ) هيه، افتحوا الباب، اخرجونا من هنا. 

يسمع صوت الشخص من الخارج.

شخص2:     لن تخرجوا أبداً من المكان إلا جثثاً للمقبرة. 

الأول:         (غاضباً) اللعنة عليكم جميعاً. أية قسوة تعاملوننا بها؟.

الخامس:      (وهو يتحسس المكان أمامه) هل هناك ضيف جديد؟

الرابعة:       نعم. بدل أن يفرجوا عنا، جاءوا بآخر.

الثانية تقترب من خليل الجالس على الأرض. 

الثانية:                لا يبدو عليه المرض، ولا التشوه… إنه شخص سليم.

الثالث:         ولماذا يغلقون عينيه؟. 

الخامس:      ربما فقدهما مثلي.

الثالث:         سأفتحها له.

يقترب الثالث من خليل يحاول مساعدته على الوقوف. يقف خليل. ويحاول الثالث فتح العصابة عن عينيه. لكن خليل يرفض.

خليل:          لا، اتركها. لا بد أن تبقى عيناي مغلقتين. لا ترى أحداً.

الخامس:      هل فقدت عينيك؟. فقدت بصرك؟.

خليل:          ليتني فقدتهما. وفقدت بصري معهما. 

الخامس:      لا تتمنى فقدان البصر. لو سألتني وأنا الذي فقدت بصري، فأنا على استعداد لأن أدفع كل ما أملك ويعود بصري إلي ولو لساعة واحدة.

خليل:          ولكني لا أريدهما. فهما سبب تعاستي. سبب وجودي هنا (يستدرك) صحيح، أين نحن؟. ومن أنتم؟. هل نحن في سجن؟.

الأول:         يمكن أن يكون سجناً، أو منفى.. أو قل قبراً. لا يهم.

الرابعة:       نحن خارج العالم. خارج الحياة. مبعدون لا ندري أين نحن. كل ما نعرفه أننا في مكان قصي.

الثانية:                هل اصابك المرض؟، لا يبدو عليك أي تشوه أو اثر مرض.

الثالث:        بالتأكيد مريض، وإلا لماذا يأتون به إلى هنا؟. لا يأتون إلا بالمرضى إلى هذا المكان.

خليل:          لا لست مريضاً. ثم أن المرض غادر المدينة بعد أن أخذ من أخذ، وأوجع من أوجع. غادر ولم يعد للمدينة منذ سنوات.

الأول:         ولم يبق له اثر إلا على أجسادنا. 

خليل:          إذا أنتم المشوهون كما يطلقون عليكم في المدينة، المنسيون؟. 

الرابعة:       المشوهون، المرضى، المنبوذون، الميتون… لا تحدث الألقاب فرقاً. 

الخامس:      لماذا أتوا بك إلى هنا وأنت لست مريضاً؟. 

خليل:          لأنهم لا يملكون حق قتلي. فاختاروا سجني وإبعادي عن المدينة.

الثالث:         وما جريمتك حتى يكون عقابك أن تسجن مع المشوهين؟.

خليل:          جريمتي عيناي. عيناي اللتان رأتا ما لا يريدون رؤيته.

الخامس:      يبدو أن في الأمر حكاية. ونحن هنا بلا حكايات نسلي بها الساعات. لم لا تحكي لنا حكايتك. أقلها ننسى ما بنا.

الثانية:        وأقلها (تشير للأول) ينسى انتظار الموت. ينسى اليأس الذي امتلك روحه.

الأول:         لن تغير الحكايات مهما طالت في الأمر شيئاً، وإن نسيت.. سيعاودني اليأس ثانية.

الخامس:      المهم، أن تتشاغل عنه بسماع الحكايات. فعلا، فرغت ذاكرتنا من كل الحكايات. صار الصمت هو الطاغي على أوقاتنا التي تمر ثقيلة. سنرهف السمع لحكايتك.

الرابعة:       اخلع هذه العصابة التي تغلق عينيك. أرنا عينيك.

خليل:          (يمسك عصابة عينيه) لا، لا يجدر أن تفتح عيني. لا بد أن تبقيا مغلقتين عن هذا العالم.

يحاول الأول والثالث نزع العصابة ولكنه يقاومهما. 

الثالث:         لا تغلق عينيك عنا. ستكون رفيقنا في هذا السجن. رفيق الوقت والمكان.

الأول:         لا أفهم لماذا تخاف أن تفتح عينيك؟. 

خليل:          لأنهما سر بلائي، سر سجني وتعاستي. لو كان بيدي لفقأتهما.

الثانية:                أكيد أنت واهم. افتح عينيك لترانا. فهنا ليس مكان للأسرار ولا الأقنعة. 

خليل:          (وهو يمسك العصابة ويشدها) ليس قناع تنكر، أو هروب. لكن من الأفضل أن يظلا مغلقتين. 

الأول:         نحن نتحمل تبعة فتحهما. لا بد أن تفتحهما قبل أن تشرع في حكايتك.

الخامس:      النظر نعمة، قد لا تستشعرها إلا إذا انطفأت أنوار عينيك. افتح عصابتك، للتعرف على ساكني الكهف، المشوهين والمنبوذين والمنسيين.

ينجح الثالث بحل العصابة من رأس خليل الذي يغمض عينيه، يبدأ بفتحهما تدريجياً .. بينما يراقبه الجميع وهو يفتح عينيه. يفتحهما كاملاً ويتراجع خوفاً.

الثانية:                يبدو أننا افزعناك.

الرابعة:       مشوهون بالتأكيد سنفزعه. بلا أطراف، بلا عيون.. بوجوه مشوهة بلا ملامح.

الأول:         سيعتاد علينا. سيألف كل هذه التشوهات، ولن يلتفت لها لاحقاً.

الخامس:      هو من الخارج، ممن حكموا علينا بهذا السجن. أكيد سيفزع. 

الثالث:        لا تفزعوه أكثر. لا بد أن يطمئن لنا. كيف سيبقى معنا إن كان الفزع رفيقه؟. 

يقترب الثالث من خليل الذي يبدو خائفاً نوعاً ما..

الثالث:        لا تخف منا. نحن لا نؤذي أحداً. نحن أوذينا. نحن ضحايا هذه النظرة الخائفة القلقة.

خليل يعدل وقوفه، ويقترب منهم بنوع من الخجل

خليل:          أعتذر منكم. لم أقصد إيذاءكم.

الثانية:                لا بأس، فنحن اعتدنا.. ولم يعد هذا الأمر يؤذينا.

خليل:          لساعات طويلة وعيناي مغلقتان. لا ترى حتى النور. وفتحتهما على وجوهكم. أنا لم أفزع منكم ولا من أشكالكم. 

الأول:         ولا من تشوهاتنا؟.

خليل:          لم أكن أظن أنكم على هذا الحال. منذ سنوات وأنا اسمع بالمشوهين الذين سجنوا في الكهف، ولم أظن يوماً أن أكون رفيقهم في سجنهم.

الخامس:      ما حكايتك؟. ومن حكم عليك بالسجن معنا؟.

خليل:          الحكاية طويلة، والحكم جاء من الناس جميعهم. حتى يتخلصوا من لعنتي. اللعنة التي قضت مضاجعهم.

الرابعة:       لعنة؟. لم أفهم.

الثانية:                احك لنا حكايتك. حكاية اللعنة. والعينين المغلقتين.

الخامس:      احك لنا أيضاً عن المدينة وناسها خلف جدران هذا السجن، كيف هم.. كيف أصبحوا، كيف أمسوا؟.

الأول:         أتعرف أمي؟.

الرابعة:       وزوجي أتعرفه؟. هل تزوج غيري؟.

الثالث:        دعوا الرجل يحكي حكايته، لاحقاً نسأله عن من هم خارج السجن (لخليل) احك لنا حكايتك أولاً. نحن نصغي لك.

خليل يتنهد وهو ينظر لهم، ولكنه يحاول أن يشيح بنظره عنهم.

خليل:          (يبدأ بالحكي) حكايتي بدأت من حلم. وأخبرت صديقي حاتم بتفاصيل الحلم. كان يخص أمه.

-إظلام-

المشهد الثاني

نفس المنظر، تفتح الإضاءة على المستوى الأمامي من المسرح ونلحظ أن شخصيات المسرحية (المشوهون) يتابعون ما يدور في المستوى الأمامي. يسمع صوت حاتم من الخارج وهو يلهث.

صوت حاتم:  (يصرخ) خليل… خليل.. خليل

يدخل حاتم وعليه ملامح الغضب وبقايا دموع. يقترب من الطرف الآخر من المسرح يدخل خليل مستغرباً..

خليل:          ما بك يا حاتم، لماذا تصرخ وأنت تناديني؟. ثم ما هذه الدموع التي تملأ عينيك؟. هل حدث مكروه؟.

حاتم:          وكأنك لا تعرف ما حدث. وكأنك لست السبب في ما حدث.

خليل:          (باستغراب) أنا؟، لا أفهم يا حاتم. بربك أخبرني ماذا حدث.

حاتم:          (وهو يبكي) أمي..

خليل:          (بصدمة) ما بها؟. 

حاتم:          (يجهش بالبكاء) ماتت.

خليل يبدو مصدوماً يقترب من حاتم ليحتضنه، لكن حاتم يبعده بقوة وبغضب

حاتم:          لا تقترب مني يا نذير الشؤم.

خليل:          أنا نذير شؤم؟. لا أفهمك يا حاتم. ما علاقتي بوفاة أمك؟. ثم أنها بمثابة أمي. لا أنسى أبداً دفء حضنها منذ كنت صغيراً. أنا حزين لوفاتها. كيف ماتت؟.

حاتم:          تسألني كيف ماتت. خليل.. تسألني كيف ماتت؟.

خليل:          وكيف لي أن أعرف كيف ماتت. أنا أسألك. لم تكن تعاني من أي مرض.

حاتم:          وكأنك لم تخبرني تماماً كيف ستموت. أنسيت؟.

خليل يقف مصدوماً.

خليل:          أتعني؟…

حاتم:          نعم. بذات التفاصيل. تماماً كما أخبرتني. 

خليل:          لكنه كان مجرد حلم. حلم لا علاقة لي به. كأي حلم آخر. تراودنا الأحلام وغالبها بلا معنى.

حاتم:          وماذا يعني أن تموت أمي كما أخبرتني تماماً؟. حلمك تحقق بكل تفاصيله.

خليل:          هل سقطت من سطح بيتكم؟.

حاتم:          وهي تنشر غسيلنا. سقطت تماماً في المكان الذي حددته أنت في حلمك.

خليل:          بالقرب من الشجرة؟. وهل انقطع حبل الغسيل؟.

حاتم:          وتناثرت الملابس وغطت جسدها.

خليل:          أنت تمزح.

حاتم:          (غاضباً) وهل في الموت مزاح؟. أنت نذير شؤم. كيف لك أن تحدد كيف تموت أمي؟.

خليل:          (مرتبكاً) كان حلماً، وأخبرتك به. يقولون أن من تحلم به ميتاً، يعني أن عمره يطول.

حاتم:          (منهاراً) لم يطل عمرها. ماتت أمي .. ماتت. وأنت من قتلتها.

يقترب خليل حزيناً من حاتم، يضع يده على كتفه، لكن حاتم يبعدها عنه غاضباً.. يخرج حاتم بعد أن يرمق خليل بنظرة غاضبة. يبقى خليل حزيناً ومصدوماً وغير مصدق لما يقوله. 

خليل:          كان مجرد حلم، لم أقتلها. هي أمي وأحبها. كانت تطعمني وتغسل ملابسي حينما أهرب من أمي، كنت ألجأ إليها.. حتى بعد أن كبرت. لا علاقة لي بموتها. يا صديقي حاتم لست أنا من قتلها. فقط كان حلماً زار نومي. لا إرادة لي فيه. حاتم، حاتم.. 

يتجه إلى مكان خروج حاتم. يتوقف وينظر للمستوى العلوي الذي يتواجد فيه الخمسة في الكهف وهم يتابعون ما يدور.

الخامس:      ربما مجرد صدفة. رأيت حلماً وتحقق. الأمر عادي وليس فيه ما يستحق أن يحكى. 

الأول:         ولا يستحق أن يغضب صديقك. 

الثانية:                بالتأكيد هدأ بعد دفن أمه. هل اعتذر منك.

خليل:          (بحزن) بل هجرني، قاطعني. لم يعد صديقي منذ ذلك اليوم. سنوات طويلة ونحن ظلال بعضنا، نترافق في كل مكان، في كل لحظة. نعرف أسرار بعضنا، طفولتنا كانت معاً، مغامراتنا، هروبنا من بيوتنا، سرقاتنا الصغيرة. أحلامنا تشاركناها. لكن الحلم ذاته كان سبب القطيعة. كان يراني شؤماً.

الرابعة:       هو ليس صديق حقيقي. كان لا بد أن يبقى معك، بدل القطيعة.

الثالث:        لا تلوموا صديقه، أكيد أن صدمته بموت أمه كما رواها له حاتم، ستكون مؤلمة، وسبباً للقطيعة. ربما لم يتفهم أن الأمر ليس أكثر من حلم.

خليل:          بدأ الصمت بيننا منذ موت أمه. انهارت الحكايات بيننا، وتاهت الذكريات في مد النسيان. كان مؤلماً أن يتركني صديقي القريب، هو قرين روحي. رفيق اللحظات. ورفيق الضحكات. ورفيق الوجع.

الخامس:      وكيف سمح لهم أن يسجنوك؟، ألم يدافع عنك؟.

خليل:          يدافع عن من قاتل أمه الذي كتب حكاية موتها ورواها له؟. لا، كان أول ضحايا أحلامي.

الثانية:                وهل راودتك الأحلام ثانية؟.

خليل:          ليست أحلام، بل كوابيس.. ولنقل أنها نبوءات موت.

يدخل حاتم ماراً إلى الجهة الأخرى دون أن ينتبه لخليل. ينتبه خليل لمرور حاتم فيلحقه.

خليل:          (ينادي) حاتم، حاتم.

يتوقف حاتم ويواجه خليل صامتاً

خليل:          (منكسراً) إلى متى هذه القطيعة؟.

حاتم:          ومن تكون لأقاطعك. أنت لا تشكل أي قيمة بالنسبة لي. كأني لم أعرفك يوماً. لقد حذفتك من ذاكرتي. محوت كل الذكريات بيننا.

خليل:          أنا لم أرتكب أي خطيئة، ولا استحق منك كل هذا. 

حاتم:          وموت أمي؟. ألم تكن خطيئة؟.

خليل:          وهل أنا من قتلتها؟. أنا رويت لك حلماً فتحقق.

حاتم:          بل نبوءة موت. كيف لنا أن نبقى صديقين وأنت غراب شؤم.

خليل:          لقد كسرني موت أمك. وقطيعتك. أنا بائس يا حاتم. ساعدني بدل القطيعة.

حاتم:          لا أستطيع. كل ما رأيت وجهك تذكرت موت أمي. أنا المكسور، أنا الذي فقدت غيمة عمري، أمي.

خليل:          ألن تغفر لي؟.

حاتم:          ابتعد عني وهذا يكفي للغفران.

يغادر حاتم ويبقى خليل مكسوراً. ويكمل حكايته.

خليل:          مات جارنا أبو محمود

الأول:         وتنبأت بموته؟.

خليل:          هذه المرة لا، كان أهله يبكونه، والجيران وكل من يحبه. كان أبو محمود طيباً مع الجميع حتى مع أطفال المدينة. فبكاه الجميع. ولأني لم أر موته. كنت الوحيد السعيد في المدينة. 

الخامس:      سعيد لموت جارك؟. ولمَ وأنت تقول أنه رجل طيب ويحبه الجميع؟. غريب أمرك

خليل:          لأني لم أر موته. لم يراودني الحلم. فقلت ربما كان حلم أم حاتم صدفة. وبعد دفنه التقيت بحفار القبور.

يدخل بعض من أهالي المدينة المسرح وقد انتهوا من دفن أبي محمود، ويمر بعدهم حفار القبور وفي يده جاروف الحفر على خليل. تلتقي عينا الحفار بعيني خليل. يمسك خليل رأسه، ويغمض عينيه. ينتبه الحفار له ويمسكه، يحاول أن يسنده.

الحفار:        (وهو يمسك خليل) ما بك؟. هل أنت متعب؟.

خليل:          لا شيء. مجرد انهاك بسيط.

الحفار:        ربما من حزنك على جارك أبي محمود، يستحق الحزن. 

خليل:          فعلاً، رجل لو توزعت طيبته على كل أبناء المدينة لفاضت. لذا ترى كل أهل المدينة جاءوا لتشييعه وموراته في قبره.

الحفار:        هل تحتاج أن أساعدك لتصل إلى بيتك؟.

خليل:          ممتن لك. لا بأس، أستطيع أن أذهب بنفسي. 

يبدو الارتباك على خليل.

خليل:          منذ متى وأنت تعمل حفاراً للقبور؟.

الحفار:        (كأنه يتذكر) لا أتذكر كم من السنوات مرت وأنا في هذه العمل. لكني لم أشتغل أي عمل غير الحفر.

خليل:          ألا تخاف من الموت؟، الموتى؟، ألا تخاف من المقبرة.

الحفار:        لا، لقد ألفت الموت، ألفت القبور والمقابر. لا أخاف الموتى وهم يسجون في قبورهم. الموت وظيفتي. الموت هو مصدر رزقي.

خليل:          لا أتخيل يوماً أن أحفر قبراً لأحد. يبدو الأمر صعباً على أي أحد لا يألف الموت بسهولة. يهرب منه.

الحفار:        ولكن لا يعني هذا أننا أقوى في مواجهة الفقد. نضعف وننكسر، رغم إيماننا بأن كل سيرة الحياة تنتهي بالموت. لكن الفقد موجع.

خليل:          أدرك ذلك. ربما لم أجربه كثيراً، لكن موت أم صديقي حاتم أضعفني. لا أتخيل هذه الحياة دونها.

الحفار:        موتها مأساة. مسكين حاتم. لا تتركه، أكيد سيحتاج إليك دائماً.

يتنهد خليل ويهز رأسه إيجاباً.

الحفار:        (وهو يبتسم) اعذرني يجب أن أرحل.

خليل يبتسم للحفار، ويهم الحفار بالمغادرة. لكن خليل يوقفه بسؤال

خليل:          هل تخيلت يوماً أن تسقط في قبر حفرته لميت، وتموت فيه؟.

يتوقف الحفار قليلاً وينظر لخليل مرعوباً.. يغادر المكان مسرعاً.

الثانية:        (وهي تراقب ما دار بين خليل والحفار مع رفقاءها) هل كانت نبوءة موته؟.

خليل:          (للثانية بحزن) نعم. مات بعدها بيومين، فجأة سقط في القبر الذي حفره ميتاً. 

الخامس:      وهل سمع أحد حلمك غيره؟.

خليل:          لم أخبره أنه حلم. فقط كان سؤالاً بعد أن زارني الحلم وأنا يقظ. لم أكن نائماً، حينما مر، رأيت كل شيء. رأيته كأنه حقيقي.

الثالث:         ربما أخبر أحداً عن سؤالك.

خليل:          لا يهم. فقد أغلقت باب بيتي علي، ودخلت في الحزن، في البكاء. خفت من عيني، من أحلامي ومن نبوءاتي. 

الأول:         لحكايتك طعم الأسى.

الرابعة:       بل طعم الموت. وهل انتهت الحكاية؟.

خليل:          الحكايات لا تنتهي سريعاً، وإلا لا تكون حكاية تستحق أن تحكى.

الخامس:      وهل رأيت موت آخرين؟.

الثانية:                من رأيت موته أيضاً.

إظلام سريع ثم إضاءة على المستوى الأمامي، على غرفة خليل. حيث يجلس خليل حزيناً ويضع رأسه بين ركبتيه. يدخل أبوه المسرح يقترب من بابه ويطرقه. 

الأب:          خليل، يا بني يا خليل. متى ستخرج من غرفتك؟. أنت تسجن نفسك بالداخل وتسجننا في جدران الحزن والخوف عليك. خليل..

خليل:          (يرفع رأسه) لا أريد الخروج من الغرفة. لا أرغب في أي شيء.

الأب:          ألا تريد رؤيتنا، الجلوس معنا أنا وأمك؟. نشتاق إليك يا خليل. نشتاق لحكاياتك الطريفة. أنا كبرت وأحتاجك بجانبي. أحتاجك قوياً. لا أدري ما الذي جعلك تحبس نفسك في غرفتك منذ وفاة الحفار؟. لا أعرف السر.

خليل:          لا شيء يا أبي، لكني حزين لأجله، لمصيره، لموته الغريب. من كان يظن أن الحفار الذي امتهن حفر القبور، يموت في قبر حفره. 

الأب:          هو قدره، لو كان يعرف قدره، لترك الحفر منذ زمن وامتهن عملاً آخر. هل سأظل أحدثك وأنا خلف الباب. أرني وجهك. اشتقت اليك.

خليل يقف متردداً ويقترب من الباب، يفتحه. يدخل أبوه، يقبل رأس أبيه.

الأب:          أخبرني حاتم بقصة الحلم.

خليل:          (مصدوماً) الحلم الذي تسبب في القطيعة بيننا. تصور، عمر بيننا، ينهيه حلم.

الأب:          هو حلم، لا يد لك فيه. كلنا نحلم. قد تتحقق بعض أحلامنا. الأحلام ليست خطيئتنا.

خليل:          حاتم يراها خطيئتي. يقول أن الحلم كان نبوءة موت أمه. 

الأب:          لا بد أنه سيدرك أنه أخطأ بقطيعته لك. سيدرك أن لا علاقة لك بموتها. 

خليل:          (بحزن) أنا تعيس يا أبي، فقدت أجمل ما في حياتي. صديقي، رفيق الصباحات والمساءات، رفيق الضحكات والحكايات. كأني طائر بلا جناحين يهوي من السماء ولم يصل للأرض بعد.

الأب:          هون عليك يا خليل. صداقتكما لا تنطفئ بسهولة، لا المواقف تنهيها، ولا الخلافات.

خليل:          (يتنهد) أنهاها حلم.

الأب:          أنا واثق أنه سيعود. ستكملون سوية. المهم، أنا وأمك ننتظرك على العشاء. 

يبتسم الأب ويربت على كتف خليل ويغادر. يداهم خليل الحلم، يمسك رأسه، يبدو مصدوماً، يصرخ 

خليل:          لا، لا… يكفي أيها الحلم، يكفي أيتها النبوءة. غادريني، فأنا لا أتحمل كل هذا.. لا.. 

-إظلام-

المشهد الثالث

نفس المنظر دون تغير. ولكن يبدو خليل منهاراً. والصمت بادٍ على المشوهين الذين كانوا يراقبون الحدث. 

الجميع:       (وبصوت واحد) تعيس أنت

                يفتك بك الحزن، ويأخذك إلى عالمه. غريقاً في لجته.

                تهرب من وجع إلى وجع.  ولا نبض يؤلف أغنية فرح.

                الموت يلاحق أحلامك. يطرق أبوابها وينبت في الصدر جمرة.

                يا أيها الدائر في احتمالات الخوف، في دهشة العمر، وشهقة الحريق.

خليل:          (يحكي) حمل شبكة صيده، وقبل أن يغادر البيت. 

يدخل الأب المسرح وعلى كتفه شبك الصيد. يلحقه خليل

خليل:          لا تذهب يا أبي.

الأب:          ولمَ؟. الطقس مناسب للصيد. ما الذي يمنعني من الذهاب؟.

خليل:          (مرتبكاً) لا شيء، لكن. اذهب غداً. استرح. أكيد أنك متعب.

الأب:          أنا صياد وهذه مهنتي. كيف أطعم اخوتك إن لم أصطد سمكاً؟.

خليل:          سأعمل أنا وأطعمهم.

الأب:          (مستغرباً) ما زال في الجسد قوة. أنا قادر على العمل (ممازحاً) بل أنا اقوى منك يا ولد.

خليل:          أدري. أنت قوي. وأنا فخور بك دائماً. لكن .. (يبدو أنه في ورطة) دعني أذهب معك إن كنت مصراً على الذهاب للصيد.

الأب:          وخوفك من البحر. كراهيتك له؟. أنا لا أنسى. أنت تكره البحر منذ طفولتك.

خليل:          أنا كبرت، وتغيرت. لم أعد أكره البحر. وربما تكون رفقتنا فسحة للحديث. ثمة كلام في الصدر يحتاج لما يخرجه.

الأب يبتسم ويهز رأسه إيجاباً، ويغادر.. 

خليل:          (يعاود السرد على رفقاء الكهف) صرت كظله، أذهب معه أينما ذهب. وكنت على أمل أن يكذب الحلم. لا طاقة لي على فجيعة جديدة. فجيعة أراها كل لحظة، صارت هاجسي، الخوف من الفقد. لم أتركه. وكان يستغرب من ملازمتي له.

الجميع:       وكيف مات؟

إظلام سريع، ثم إضاءة على خليل ووالده أمام البحر وهما يصيدان السمك. يرمي الأب شبكه، بينما يراقبه خليل بحذر

الأب:          لم أفهم ما سر تغيرك. صرت لا تبتعد عني أبداً. ترافقني في كل خطوة. كأنك بت خائفاً علي أكثر.

خليل:          (بارتباك) لا، هل تشعر بالضيق من ملازمتي لك؟.

الأب:          (وهو يضحك) لا، بالعكس.. بت أشعر بك أقرب. كبرت وأنت مشغول وأنا أعذر انشغالك. لكنك الآن صرت صديقي. يبدو أنك تعوض خسارتك لحاتم.

خليل:          (يتصنع الضحك) ربما. أشعر بالوحدة، ولا بأس أن أتقرب من أبي حبيبي. 

الأب:          وهل تبددت كراهيتك للبحر؟.

خليل:          أكيد، كل يوم أقضي الساعات عنده، سآلفه. وأنسى كراهيتي له.

الأب:          البحر يا ولدي حياة، أحياناً آتي إليه لأرمي على ساحله همومي. أظل أحكي وأحكي، حتى أفرغ كل ما في صدري عنده. 

خليل:          (يتنهد) ليتني أستطيع مثلك.

الأب:          لمَ هذا الحزن؟. أنت ما زلت فتياً، والحياة عريضة أمامك. ستتزوج وتنجب. وتكدح حتى تطعمهم. سيمتلأ صدرك هماً، ستعصف بك الأفكار، والحزن. وستحتاج لرفيق. أنا رافقت البحر منذ زمن طويل. ارمي همومك عنده، اخبره بكل شيء. ستعود هادئاً، خالياً من كل حزن.

إظلام إلا على خليل الذي يكمل حكايته.

خليل:          (يسرد الحكاية) كانت هذه آخر كلماته. أخذت مكانها في ذاكرتي، في قلبي، حركت ما بداخلي. غبت عنه بعد أن طلب مني العودة للبيت لشراء بعض الاحتياجات. لم أتخيل أن ابتعادي عنه كان موعد موته.

الثانية:                وهل تحقق ذات الحلم؟.

خليل:          بالضبط. بكل التفاصيل التي رأيتها في الحلم. ورأيته جسداً بلا روح، غريقاً في البحر الذي كان رفيقه. 

الثالث:         كيف غدر به البحر؟.

الأول:         قلت لنا إنهم رفقة.

خليل:          كما خذلني حاتم، خذل البحر أبي. تعلقت قدمه بشبكة الصيد، جرفه الموج. سحبه إليه، ولم يستطع الفكاك من الشبكة. وجدناه لاحقاً على الساحل وقد لفظه البحر.

الخامس:      مات أبوك غريقاً في البحر الذي كان رفيقه.

خليل:          (يبكي) مات أبي، بعد أن رأيت موته. أي رجل تعيس أنا وأنا أرى موت من أحب.

الرابعة:       لقد بدأت أخافك. 

خليل:          كما خاف مني الجميع، صاروا يتحاشون خليل؟.

الثانية:                وكيف علموا بالأمر؟. أنت لا تخبر أحداً بأحلامك.

خليل:          حاتم. نعم حاتم، أخبرهم بحكاية موت أمه. ثم أن الحفار أخبر زوجته بحديثي معه. صرت حديث المدينة. صاحب النبوءات والأحلام القاتلة. 

الثالث:         لا بد أنهم تحاشوك. 

خليل:          لأنهم خافوا مني، من نبوءاتي.. من أحلامي. من عيني، ونظراتي. خافوا على أعمارهم. سجنت نفسي في البيت ولم أخرج. رغم أن الأحلام لم تبرحني، وصارت تصلني حكايات موت أهل المدينة كما كنت أراها. 

الرابعة:       من حقهم أن يفعلوا ما فعلوه. فأنت تبشرهم بموتهم. 

خليل:          ليست خطيئتي. إنها الأحلام، ولا علاج للأحلام. هل لنا أن نبرأ من الأحلام وننام ونصحو دون أي حلم؟.

الثالث:         ليتنا نقدر، ولكن الأحلام تطرق أبواب رؤوسنا وتدخل عنوة.

الخامس:      تزورنا الأحلام في النوم، لكنها تلج رأسك في صحوك ومنامك. أشفق عليك. 

الأول:         لو كنت مكانك لقتلت نفسي، كيف لرجل أن يتحمل كل هذا البؤس؟، موت وفقد وفجائع. يرى ما لا يُرى. يصمت ولا يبوح. 

خليل:          وكيف أبوح بما أراه؟. هذا ما كنت أفكر فيه. سيكرهونني أكثر، سيتمنون موتي. كما أني لا أريد أن تكبر عذابات أمي. فقد أبي جعلها أكثر هرماً. ما عادت كما كانت. 

الرابعة:       الفقد موجع، ويجعلك أكبر عمراً، منذ أبعدوني عن أولادي وأنا أشعر أن العمر يمضي سريعاً، السنوات تركت أثرها على جسدي سريعاً، وحتى الروح عطبت. 

الثانية:        نحن المفقودون ونعاني. حين فصلونا بحجارة هذا الكهف وحكموا علينا بالنسيان. قتلوا فينا كل أمل. ندعي أننا قادرون على المقاومة. لكن، لا. لا نملك أسلحة لمقاومة كل هذا القهر. مقاومة الوحدة والفقد.

الخامس:      ينبت الله في كل قفر حياة. تسلحوا بالأمل.

الأول:         أنت واحد منا، فقدت بصرك وأبعدت عن حياتك التي اعتدتها. وصرت تتسلح بالأمل، أو تقنع ذاتك بأن ثمة أمل. وأنت أكثرنا، ربما.. فاقد للأمل.

الخامس:      بل أنا على يقين بأن ثمة أمل. لم أيأس يوماً رغم كل شيء. رغم المعاناة، والوجع، رغم التناسي والهجران. لكني ما زلت أمسك خيط الأمل، وأؤمن بأن ثمة نور في آخر الطريق.

الرابعة:       (تتنهد) ليتنا نملك يقينك. نملك قدرتك على التحمل.

الخامس:      أنت قادرة، وأنتم كلكم قادرون. أزيحوا اليأس عن أرواحكم. وافتحوا أحضانكم للأمل.

الأول:         الكلام سهل، منمق. لكن الواقع مغاير. لا يشبه الكلام. كلنا نستطيع أن نصف كلمات وجملاً، لكننا لا نستطيع أن نصنع منها واقعاً. الأمل الذي تتحدث عنه يكمن خلف هذه الجدران، خلف هذا الباب الموصد. وليس هنا.

خليل:          (للأول) يبدو أنك بائس.

الأول:         ويائس.

الثانية:                ويوزع يأسه علينا. ينتظر الموت.

خليل:          ألا تخافه؟.

الأول:         لا أخاف ما لا أعرفه. ولا أعرف الموت حتى أخافه. المهم، اكمل لنا حكايتك. فالحكاية صارت سلوى لنا.

الثالث:         وإن كانت حكاية موتى ونبوءات.

إظلام سريع وإضاءة سريعة على خليل في غرفته. يبدو حزيناً.

خليل:          (يتنهد) لم يعد لي أحد غير أمي وإخوتي الصغار. أسجن نفسي في هذه الغرفة ولن يسأل عني أحد. لن يسألوا عن خليل، قد أموت هنا واتعفن ولن يسألوا عني. فكرت، لماذا أضعف؟، لماذا انهزم؟. إنها فرصتك يا خليل. أنت أقوى منهم. هم الضعفاء أمامك، هم يخافونك.  

يقف بحماس، مظهراً قوته.

خليل:          أنا الأقوى، وهم الأضعف. أنا امتلك الأحلام التي يخافونها. يجب أن أترك ظلمة غرفتي وأخرج للنور، أواجههم بخوفهم، لن يكون هناك مكان لخليل المهزوم. أنا خليل، صاحب النبوءات. 

يدخل أهالي المدينة إلى المسرح، ويتحول المكان إلى سوق شعبي. يخرج خليل من غرفته باتجاه السوق. يراه الناس ويتحاشونه. يواجهه أحدهم.

شخص1:     لمَ أنت هنا؟.

خليل:          ومن أنت لتسألني؟.

شخص1:     من حقنا كلنا أن نسألك. كيف تجرؤ على الخروج من بيتك والتجول في السوق؟.

خليل:          وما الذي يمنعني؟. 

شخص1:     مثلك لا يخرج. مثلك يا غراب الشؤم لا بد أن يسجن، أو يسجن نفسه ولا يخرج بعد كل ما فعله.

خليل:          لم أفعل شيئاً. هل قتلتهم بيدي؟. هل تسببت أنا في موتهم؟. أم هو قدرهم؟.

شخص2:     لكنك علمت بموتهم. كلنا نعرف بحكاية أم حاتم والحفار وحتى موت أبيك.. وربما بقية من ماتوا.

خليل:          لست قابض الأرواح. ما أنا سوى شخص يحلم. ألا تحلمون أنتم؟. ألا تزور الأحلام مناماتكم؟. 

شخص3:     نحلم، لكن دون أن نرى موت أحد.

خليل:          بل ترونها، ما أختلف عنكم فيه. أن أحلامي تتحقق، بينما أحلامكم تتبدد بمجرد الصحو. وأنا لست مسؤولاً عن هذا.

شخص1:     نحن لا نريدك بيننا، بتنا نخاف وجودك. نخاف أحلامك.

خليل:          ستعتادون وجودي. لأني لن اسجن نفسي داخل بيتي وغرفتي لأجل خوفكم.

شخص2:     سنشتكيك؟.

خليل:          اشتكوني. فأنا لم اقترف ذنباً. أنا برئ من كل ما تقولونه. برئ من أوهامكم. 

شخص1 يدفع خليل ليطرده من المكان. بينما يقاوم خليل.

خليل:          (وهو ينظر في عيني شخص1) أتريدني أن أخبرك كيف ستموت؟.

هل أخبرك بالحلم الذي رأيته؟.

يرتبك شخص1 ويبتعد عن خليل، يبتعد خائفاً ..

شخص1:     اصمت يا غراب البين. كان يفترض بك أن لا تخرج من بيتك. لا أحد يريدك بيننا. عد إلى بيتك، هيا، غادر.

خليل:          (وهو يضحك) رأيت في الحلم أنك ستموت..

شخص1:     (يقاطعه) اصمت.. اصمت.. لا تتكلم.

يضع شخص1 يديه على أذنيه وهو يصرخ بشكل هستيري.

شخص1:     لا اريد أن أسمعك.. لا أريد أن أموت.. اللعنة عليك..

يركض خائفاً ويغادر المكان. خليل يقف في مواجهة الناس. يخطون للخلف خوفاً منه. يتقدم ناحيتهم.

خليل:          هل تريدون أن تسمعوا أنتم أيضاً حكاية موتكم؟. (لشخص2) أنت..

شخص2:     (يقاطعه) لا، لا أريد. لا.. ابتعد عني.

يهرب شخص2، ثم يتوجه خليل لشخص3 الذي يبدو خائفاً.

شخص3:     أنا ما زلت شاباً، لا أريد ان أموت.. ارجوك يا خليل.

يهرب شخص3، ثم يهرب الجميع خلفه. يقف خليل منتصراً. يضحك ضحكة المنتصر. 

خليل:          انتصرت على خوفي، على قلقي، على شعوري بالفقد. حولت ضعفي إلى قوة. صرت غول حكاياتهم. وبعد أن نبذوني، صرت بطلهم. 

يدخل شخص1 وشخص2 وشخص3 ويقتربون من خليل بسكينة.

شخص1:     لقد فعلنا كل ما أمرتنا يا سيد خليل.

شخص2:     نقلنا كل الأغراض التي طلبتها لبيتك. 

شخص3:     وأنا اشتريت ملابسك التي طلبتها.

خليل:          هل دفعت له؟.

شخص3:     رفض يا سيد خليل استلام المال، قال لي، ما دامت الملابس للسيد خليل، فلا حاجة للدفع.

خليل:          (يضحك بثقة) وصاحب الدكان؟، هل ما زال يرفض بيعه.

شخص2:     لقد قبل، حينما أخبرناه برغبتك بشرائه. يبدو أن اسمك صار يفعل فعل السحر عليهم جميعاً. حين نخبرهم أن الأمر له علاقة بك. يقبلون، لا يرفضون. 

خليل:          كلهم يخافون من نبوءتي، حتى أنتم. صرتم تحت يدي. رغم انكم نبذتموني، وطردتموني.

يسمع صوت طرق الباب. يخرج شخص1.. بعد لحظات يعود

شخص1:     إنه حاتم يا سيد خليل

خليل:          (باستغراب) حاتم؟. ادخله.

يدخل حاتم منكسراً. يقترب من خليل الذي يحاول التقرب منه، لكنه يتراجع بإصرار.

خليل:          ما الذي تريده.

حاتم:          (بتردد) أن تسامحني.

خليل:          على ماذا؟، على القطيعة؟. على ما قلته للناس عني؟. عن العمر الذي كان بيننا وهدمته. عن اللحظات التي تشاركناها ونزعت من ذاكرتك؟. 

حاتم:          أعتذر لك. تعرف أن فقد أمي انهكني. ظننت أن لك يد.

خليل:          لي يد في موت أمك؟. وهل لي يد في موت أبي، وموت الحفار وكل من ماتوا؟. كنت أحتاجك يا حاتم. أحتاج لصديق أرمي إليه وجع قلبي. لكنك تركتني.

حاتم:          أنا على يقين أن قلبك أبيض.

خليل:          لم يعد كذلك. كان أبيضاً ولوثته القطيعة. لم أظن أن تتركني وتتهمني بموت أمك. 

حاتم:          ألن تغفر لي. أنا صديقك. 

خليل:          كنت يا حاتم. ولم تعد، كنت أظن أن الحياة بلا أصدقاء لا معنى لها. حين تركتني، وجدت نفسي وحيداً، كشجرة بلا ظل. لكن مع الوقت أدركت أنني أستطيع صنع الظلال. ما الذي أعادك إلي؟.

حاتم:          الخوف عليك. ما زلت أحبك، أحب طهارتك. نقاءك. أخاف عليك من لوثة القوة التي تراها في نفسك. أعرف أن لا يد لك في كل ما حدث. أدرك أن لا خطيئة ارتكتبها، ولا ذنب لك في موت كل من مات، أمي وأبوك والحفار وكل من مات في المدينة. 

خليل:          (بألم) الآن أدركت؟. أدركت متأخراً.

حاتم:          المهم أني أدركت. ولن أتركك تفعل بنفسك ما تفعله.

خليل:          لم أفعل ما يسئ.

حاتم:          وهؤلاء (يشير للأشخاص الثلاثة).

خليل:          ما بهم؟.

حاتم:          استعبدتهم بالخوف. أسرتهم بنبوءاتك. لم تكن هكذا؟.

خليل:          (غاضباً) وهل تريدني أسير حزني. أسير بيتي؟. أنا أملك قوة لا يملكونها، يخافون منها. 

حاتم:          لكنك كنت تملك قوة الحب. قوة الغفران.

خليل:          بل هي أداة ضعف. فبمجرد أن يشعروا بأنك لا تلمك سلاحاً سينقضون عليه (يشير للثلاثة) هؤلاء طردوني، وغيرهم من أهل المدينة. لكنهم خائفون من نبوءاتي. من أحلامي، من حكايات موتهم. 

حاتم:          اترك الناس في حالهم.

خليل:          هم لن يتركوني. سينقضون علي. أنا الآن أقوى منهم.

حاتم:          (برجاء) خليل يا صديقي. عد كما كنت.

خليل:          (بتأثر) يبدو أن لا طريق للعودة.

حاتم:          لكل طريق عودة (يتنهد) سأنتظرك. وسأظل أطلب منك الغفران. وأطلب منك أن تمسك يدي للعودة معاً.

يخرج حاتم ويبقى خليل متأثراً .. يغادر الأشخاص الثلاثة المسرح ويبقى خليل وحيداً.

خليل:          قطعت طريق العودة، لأن شهوة القوة والسطوة أعمتني. رأيت نفسي قادراً على التسلط على الناس الذين خافوا مني أكثر.

الخامس:      خافوا منك، ولم يحبوك. 

الثانية:                مثل غيري، الخوف لا الحب هو سبيل الطاعة.

الرابعة:       أطاعوه ليتجنبوا نبوءاته. ليتجنبوا نذر الموت التي يوزعها عليهم.

الأول:         كان يمكن للحب أن يكون قوته، سلطته. لا الخوف.

الثالث:        لم يسمع صوت قلبه، لم ير بياض قلبه. كان حاتم صديق روحه، ولو لم يكن الحب دافعه، ما أتي ليقدم له النصيحة.

الخامس:      مسكين يا خليل وأنت تفقد طريق الرجوع. تمضي في متاهة كراهيتك. الناس مجبرون على ما فعلوا، خافوا منك، فحاربتهم بالخوف.

خليل:          لكني كنت أموت كل يوم، ليس هذا خليل الذي أعرفه، خليل الطيب البسيط. الذي يرى الحياة على بساطتها ويعيشها على بساطتها، يحلم أحلاماً بسيطة. أبكي لأن خليل تاه مني. فقدته حين اشتهيت القوة. حين أدركت الخوف الذي سكن قلوب الناس مني. فكرت، ألا يمكن لابن الصياد أن يكون عمدة للمدينة. لم لا، وما الذي ينقصني. الناس ستختارني.

الثانية:                ستختارك بالخوف.

الرابعة:       ولن تختارك بالحب.

الخامس:      والفرق شاسع بينهما.

خليل:          (بإصرار) بالحب، بالخوف.. المهم أن أكون عمدة المدينة. 

إظلام على خليل وإضاءة جانبية على الأشخاص الثلاثة والعمدة وإبنه.

العمدة:         أعرف كل شيء. وصلني ما يفعله بالناس. كيف صدقتم خرافته؟.

شخص1:     ليست خرافة، كل الناس يعرفون بنبوءاته. لم يسلم من نبوءاته أي أحد ممن مات. حتى أبيه.

ابن العمدة:   لا أصدق، يبدو أنه خدعكم. أوهمكم بمعرفة حكايات موتكم وصدقتموه. حتى يتسلط عليكم.

شخص2:     صديقه تركه، تعرفه حاتم. أخبره كيف ستموت أمه. وتحقق حلمه تماماً، كما رواه.

شخص3:     يقولون أنه أخبر حفار القبور قبل موته بأنه سيموت في قبر حفره.

شخص1:     ومات كما أخبره. إنه نذير شؤم. لا بد أن تفعل شيئاً.

العمدة:        كان يجب أن تأتوني قبل أن يتمادى. 

ابن العمدة:   الا يكفيه استعباده للناس؟، صار لا يدفع للدكاكين، يأكل بالمجان، ويشرب دون أن يدفع. لا بد أن يوقف عند حده.

شخص2:     وما الذي نفعله؟. الخوف قيدنا. صرنا نخاف من أحلامه. 

ابن العمدة:   لا بد أن ينكشف كذبه، وتنكشف خرافته. ولا بد أن يعاقب. المدينة لا تعيش في الفوضى.

العمدة:         وإذا استدعى الأمر، يحاكم. لا ادري ما يفكر فيه. وماذا ينوي.

شخص2:     تصور يا سيدي العمدة، أنه يطلب منا ما لا طاقة لنا به. تركنا عيالنا، وأعمالنا من أجل خدمته. وما عدنا نطيق كل هذا.

العمدة:         اتركوا الأمر لي.

يتجه العمدة وابن العمدة والأشخاص الثلاثة باتجاه بيت خليل، يطرقون الباب. ويخرج خليل.

خليل:          أهلا سيدي العمدة. تفضل.

العمدة:        لا مكان لي في بيتك يا خليل. أنا جئت لأحذرك مما تفعله. أنت ترتكب خطأً باستغلالك خوف الناس منك.

خليل:          (بكل برود) أفعل مثلك.

العمدة:         (باستغراب) مثلي؟. أنا عمدة المدينة. 

خليل:          وأنا سأكون عمدتها بعدك.

العمدة:        (يضحك بسخرية) يبدو أن أحلامك أكبر منك يا خليل. وكيف ستكون عمدة؟. 

ابن العمدة:   أنا من سيكون العمدة بعد أبي أطال الله في عمره، حسب تقاليد المدينة. 

خليل:          لن تكون عمدة أبداً. 

ابن العمدة:   أهي إحدى أوهامك التي أخفت بها الناس؟.

خليل:          ليست أوهاماً. اسأل الناس عن خليل. صاحب النبوءات. 

العمدة:        أنت تتمادى كثيراً، تستغل جهل الناس وخوفهم، تتوهم القوة والقدرة. ولا تدري عن مآلات هذا الوهم؟.

خليل:          أنا أملك القوة ولا أتوهمها. أنا أرى موت الناس. بكل تفاصيله. 

العمدة:         اخبرني إذاً كيف سأموت. أنا لا أخاف الموت. ولا أخافك.

خليل:          لن أخبرك أيها العمدة، لأنه لم يحن بعد.

يقترب خليل من ابن العمدة ويربت على كتفه.

خليل:          تحب الخيل. أليس كذلك؟.

ينظر ابن العمدة والعمدة لخليل باستغراب. يصمتان.

خليل:          ولكن الخيل لا يحبك. سيكون سبب موتك.

ابن العمدة:   (يضحك بسخرية) وهل تظن أنني سأصدق خرافتك. الخيل بحبني كما أحبه. أنا فارس، ولا يمكن أن أكبو. 

خليل:          ولكل فارس كبوة. لكن كبوتك موتك.

العمدة غاضباً 

العمدة:        اسمع يا خليل. دعك من خرافاتك وأوهامك. وكذبك الذي لا ينطلي إلا على الجهلاء. سأودعك السجن. أنت تخالف قوانين المدينة.

خليل:          بل أنا من سأسجنك إذا اصبحت عمدة مكانك. الخرافات تقول، أن خليل سيصبح عمدة المدينة.

العمدة وابنه يغادران غاضبين، يبقى الثلاثة خائفين من خليل.

خليل:          لن أنسى ما فعلتموه.

شخص1:     لا يا سيد خليل نحن لم نفعل شيئاً، هو من استدعانا.

شخص2:     نحن تحت أمرك. ولا يمكن أن نخونك.

شخص3:     نحن رجالك يا سيد خليل.

خليل:          بل قولوا السيد العمدة .. خليل.

ينظرون لبعضهم البعض باستغراب. إظلام وإضاءة على الخمسة في الكهف. 

الأول:         ومات ابن العمدة.

الثانية:                تحققت نبوءة خليل. مات شاباً.

الثالث:         كان يحب الخيل. والخيل يحبه.

الرابعة:       فارس كان، روض الخيل فأحبه. لكن

الخامس:      لكل فارس كبوة، فكبى الفارس ومات.

إضاءة على خليل

خليل:          عاجلته رفسة من خيل روضه، رفسة في الصدر. سقط ومات. كنت أظن أنها نهاية الحكاية. سيبكي العمدة ويذوي جسده، وآخذ مكانه. سيقبل الناس بي، خوفهم سيجعلني عمدة المدينة. فالعمدة لم يعد يصلح. مات ابنه، ويمرض من الحزن. لكنها كانت نهاية الحكاية.

يدخل العمدة وعليه يبدو الغضب والأشخاص الثلاثة وبقية أهالي المدينة ومنهم حاتم. يقتربون من خليل.

العمدة:         (يصرخ منادياً) خليل.. خليل.

يقترب خليل منهم غير آبه بصراخ العمدة.

خليل:          عظم الله أجرك أيها العمدة. اعذرني لم أستطع زيارتك وتعزيتك في فارسك.

العمدة:         فارسي ذهب إلى ربه، فارساً نبيلاً، لم يؤذ أحداً.

خليل:          مسكين.. إنه شاب، لم يهنأ بشبابه. قلت له أن الخيل سيقتله. كان يفترض به أن لا يقرب الخيل.

العمدة:        هو يومه، وأنا مؤمن بالقدر. ومؤمن أيضاً بأنك لا بد أن تتوارى عن الناس.

خليل:          (متحدياً) بل سأكون عمدة المدينة.

العمدة:         مثلك لا يكون عمدة.

خليل:          ومثلك أصبح عمدة. 

العمدة:        أنا عمدة بتزكية الناس، بحبهم لي ولعائلتي. لأبي وجدي. لم أفرض عليهم تزكيتي بالخوف.

خليل:          هم يخافون أحلامي. يقولون أنها نبوءات. هل تصدق ذلك؟.

العمدة:        بتأصدقك أحلامك، نبوءاتك. لكن مثلك لا بد أن يترك المدينة. منذ بدأت أحلامك والناس تتوالى عليهم المصائب. أنت فعلاً نذير شؤم.

خليل:          هذه مدينتي ولن أتركها. لي فيها كما لك فيها.

العمدة:        لم يعد لك فيها شيء. يجب أن تترك المدينة ليعود الناس لطمأنينتهم. لقد شغلتهم بأحلامك.

خليل:          (بتحدٍ) أنا لن أترك المدينة. هذه مدينتي وسأكون عمدتها.

العمدة:         الناس لا يريدونك. الناس ما عادوا يحبونك.

حاتم:          يا خليل، أخبرتك بأن ثمة عودة. لا تتهور. أزل غلالة عينيك لترى جيداً.

خليل:          أنت معهم يا حاتم؟.

حاتم:          بل معك. واخبرتك أني معك. أمد لك اليد. لا تتحدَ العمدة والناس. 

خليل:          بل سأتحداكم جميعاً. سأكون العمدة فأنا استحقها. أنتم تخافون مني، من أحلامي. تخافون من موتكم الذي أرويه لكم. أخبرتك كيف ستموت أمك وتحقق الحلم، ورأيت كيف مات أبي وغيره. وابن العمدة، رأيت حادثة موته. أنا من يرى موتكم (للعمدة) هل أخبرك كيف ستموت؟.

العمدة:        أنا لا أخافك، ولا أخاف الموت. خسرت ابني، وما عادي يهمني سوى أن ترتاح المدينة منك. من شؤمك.

خليل:          أنت لا تخاف مني، ولا من نبوءة موتك؟.

العمدة:         لا، ولن يخاف أحد منك. يكفيك ما فعلته بالناس. يكفي.. يكفي. 

خليل:          سأظل أخبركم بموتكم. واحداً واحداً. 

العمدة:         إذا سنقطع لسانك.

خليل:          (خائفاً) لا، لساني سلاحي. قوتي.

حاتم:          بل هو ضعفك. 

خليل:          لي عينان، تراكما وتكتب سيرة موتكم. 

العمدة:         سأقلعهما، ولن يكون لك اسلحة تحارب بها الناس. 

خليل:          (غاضباً) إنكم تغضبوني (للأشخاص الثلاثة) كيف تسكتون على ما يفعلونه بي؟.

شخص1:     لأننا سئمنا استعبادك لنا.

شخص3:     سئمنا عبوديتك، سئمنا نزقك.

شخص2:     لا بد أن نتحرر منك. ونحرر المدينة منك ومن أحلامك.

شخص1:     (للعمدة) لمَ لا نرسله لكهف المشوهين؟.

حاتم:          وما ذنبهم؟ يكفي أننا نسيناهم. حبسناهم في كهف قصي رغم أن لا ذنب لهم سوى مرضهم.

العمدة:         هم منسيون، ولا بد أن ننساه مثلهم.

حاتم:          أنتم تظلمونه، وتظلمونهم. يكفيهم النسيان.

شخص2:     هناك سيبقى معهم حتى يموت، لن يخبر أحداً بنبوءاته. لن يخافه احد. يسجن هناك حتى يرى موته بنفسه.

خليل:          أنا العمدة، ولن أسمح لكم بإهانتي.

العمدة:         لقد حكمنا عليك بالنفي مع المشوهين. امسكوه، وعصبوا عينيه. 

خليل:          (يصرخ) لا، إلا عيني، اتركوا عيني.

إظلام وما زال صوت صراخ خليل يسمع.

المشهد  الرابع

نفس المنظر، الإضاءة مركزة فقط على الكهف. خليل يجلس منهاراً.. والخمسة يقفون خائفين بعيداً عنه.

الأول:         إنهم يعاقبوننا به.

الثالث:         أتخافه؟.

الأول:         كيف لا اخاف مثله. 

الثانية:                كنت تنتظر الموت.

الأول:         يبدو أنني لم أكن جاداً، ما زال في العمر متسع. رغم السجن والأسى. ما زلت أحب الحياة.

الرابعة:       وأنا أيضاً، لا اريد الموت. كيف جاءوا به إلى هنا؟. ألا يكفيهم ما فعلوه بنا؟.

الخامس:      لا تقسوا عليه يا جماعة. سيكون واحداً منا. تحملوا وجوده.

الأول:         نتحمل نذير موت؟.

الرابعة:       إما يخرجوننا من هنا ويبقى هو وحيداً، أو يخرجوه. لا بأس نتحمل وجودنا خمستنا. لا نريد ضيفاً ثقيلاً مثله.

الخامس:      وكيف؟. أختارونا ليشاركنا المكان، نحن منسيون.. ولا مشكلة في موتنا عندهم.

الثانية:                قالوا نرسل لهم نذير موت. نتخلص من الجميع. 

خليل يقف ويقترب منهم.

خليل:          (منكسراً) يبدو أني أرعبتكم بحكايتي؟.

الأول:         لا تقترب منا. ابتعد.

خليل:          حتى أنتم؟. مثلكم لا يأمل من الحياة شيئاً.

الخامس:      بل الأمل ما زال عالقاً فينا. الحياة فيها متسع حتى يأذن الله لنا بالرحيل.

خليل:          تخافون من الموت وأنتم تواجهونه كل يوم. كنتم على مقربة منه منذ داهمكم المرض.

الرابعة:       لكننا لم نمت. ثمة فسحة للحياة. 

الأول:         لا نريد أن نعلم عن موتنا. ليأتِ كما هو مقدر. وحتى إن رأيت موتنا، لا تخبرنا. أرجوك.

خليل:          هم يستطيعون قطع لساني، لكنهم لا يستطيعون وقف الأحلام. أنا لا اريد الأحلام. أريد أن أنام بلا أحلام. بلا حكايات موت. أنا مثلكم أحب الحياة. لكن الأحلام صارت مأساتي.

الخامس:      هل رأيت موتنا؟.

خليل:          لا، لأنه لم يحن بعد. أرى الحلم قبل الموت بأيام قلائل.

الأول:         ألم تر موتك؟.

خليل:          لا، لأنه لم يحن بعد. وربما أرى موت الآخرين ولا أرى موتي.

الثانية:                نحن لا نريدك معنا.

خليل:          حتى أنتم؟.

الرابعة:       كان يجب أن لا يأتوك بك إلينا. كانت أيامنا تمر عادية. دون خوف زائد، ولا قلق زائد. لكن منذ أتيت ونحن على جمر الخوف. جمر الانتظار. يجب أن تتركنا.

خليل:          واين أذهب؟. هم حكموا علي أن أبقى هنا، قادوني، عصبوا عيني ورموني هنا مع المشوهين المنسيين.

الثالث:        المنسيون لا يريدونك بينهم. اتركنا لمصيرنا. لوحدتنا لنسياننا. منسيون، لا بأس. لكن بلا خوف.

خليل:          إن خرجت سيقتلونني. 

الأول:         وما شأننا بك. لا نريدك بيننا. (يصرخ) هيه، تعالوا خذوه، لا نريده بيننا. 

الخامس:      (يصرخ) تعالوا خذوه، لا نريده.

يتعالى صراخهم وهم ينادون. خليل يمسك رأسه وكأنه رأى حلماً. ينتبهون له، يتوقفون عن الصراخ.

الأول:         رأى حلماً بموت أحدنا. ليس أنا.

الخامس:      ولا أنا، ا أريد.

الثالث:         ولا أنا.

الرابعة:       وأنا أريد أولادي.

الثانية:                لا بد أن يصمت. اغلقوا فمه حتى لا يتكلم.

خليل:          (منهاراً) أرى.. أرى موتاً.

الأول:         اصمت .. لا تتكلم,

يهجم الأول على خليل ويغلق فمه بيديه 

الأول:         (وهو يغلق فم خليل بعنف) اصمت يا نذير الموت. اصمت… لا نريد أحلامك. نريد أن نعيش.

الخامس:      لا تجعله يتكلم ويروي حلمه. سيقتلنا.

الأول يضغط على فم خليل الذي يحاول المقاومة. 

الثانية:                اغلقوا عينيه وفمه. كان يجب أن يأتوا به هنا دون لسان وعينين.

الأول يواصل أغلاق فم خليل الذي يبدو أنه أنهك .. يغلق الثالث عينيه بعنف.

الجميع:       (يرددون) لا نريد أن نموت.. ما زال في الحياة فسحة. ما زال في الحياة أمل.

يواصلون الضغط على فم وعيني خليل الذي يبدو أنه ما عاد يقاومهم. ينتبهون له. يتركه الأول والثالث. يسقط خليل ميتاً. يضحك الأول وهو يلهث

الأول:         مات.. مات بعد أن رأى موته.

الثالث:         (وهو يلهث) رأى موته وليس موت أحد منا. قتلناه.

الثانية:                كان لا بد له أن يموت. كان سينشر الموت هنا كما نشره في المدينة.

الخامس:      يكفينا ما بنا. جاءوا به ليقتلنا. ونضيع في النسيان.

الرابعة:       كانوا يعاقبوننا به. ولكن الموت لاحقه. 

الأول:         لقد قتلته. لم أكن أقصد موته.

الثالث:         كان لا بد أن يموت. وربما فعلوا ذلك، ليقتلوه بأيدينا. سيفرحون بموته.

الخامس:      مات خليل، وماتت حكايته. ماتت أحلامه ونبوءاته. 

الثانية:                مات خليل، وانتهى من رأى موته. 

الأول:         مات خليل، وقتلته أحلامه. مات وحيداً بلا أصدقاء.

الرابعة:       مات خليل، ولن يبكيه أحد. مات وانتهت الحكاية.

الخامس:      وحكايتنا، حكاية المنسيين. متى تنتهي. 

صوت خليل:  حين مات خليل، لم تنته الحكاية، هربت الأحلام من رأسه واستوطنت رأساً جديداً ينذر بالموت، وبنبوءات جديدة.

-إظلام-


يناير 2020










من مسرحية مدق الحناء

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s