ديودراما (إصبع روج)

*لا يحق لأحد تنفيذ النص دزن الرجوع للمؤلف والحصول على الموافقة الخطية

فكرة المسرحية:

تدور المسرحية حول معاناة مريض باضطراب الهوية الجندرية أو الهوية الجنسية، حيث ينقسم لشخصيتين، جسد وروح، في صراع حول هويته، صراع حول رغباته، وصراع حول قدرته على مواجهة المجتمع بماهيته، واحساسه ومشاعره. فالجسد يرفض أن تظهر الروح ماهيتها بينهما الروح تناضل من أجل ذلك ولو داخل الغرفة المغلقة، حيث يتجرد من هوية الجسد بعيداً عن أعين الناس والمتنمرين والرافضين. صراع سنشاهد كيف سينتهي؟.

الشخصيات:

الروح:         شاب في نهاية العشرينات، أعزب، إمرأة في جسد رجل، ترفض واقعها وتناضل من أجل أن تعلن عن ماهيتها وشعورها.

الجسد:        هو ذاته الروح، شاب في نهاية العشرينات، أعزب، يمل روح المرأة التي تسكنه. ويمثل تقاليد المجتمع والمدرسة والعائلة التي ترفض ماهية الروح.

المشهد الأول

المسرح عبارة عن غرفتين متجاورتين، متشابهتين تماماً عدا أن إحداها تبدو أنثوية، لون الجدار، اللوحات على الجدران، كلها تبين أن ساكن الغرفة أنثى، بينما الغرفة الثانية تبدو شبابية، ألوانها، شكل السرير، صور اللاعبين على الجدران. تبدأ المسرحية، يدخل الروح والجسد بذات الوقت من البابين اللذين ينفتحان معاً.. يتحركان حركة تناظرية، يتشابهان في حركاتهما عدا أن الروح تبدو أكثر أنوثة في الحركة، حيث يتجهان إلى وسط المسرح. رقص تعبيري استهلالي للشخصيتين، الرقص دلالة على التردد والارتباك والحيرة. ينتهي الرقص والشخصيتان تجلسان على كرسيين بمواجهة الجمهور. يهزان أرجلهما بتناغم، على شكل إيقاعي موسيقي دلالة الحيرة. يسمع صوت الهاتف الجوال وهو يرن. يخرجان هاتفيهما من جيبيهما بشكل متناغم، مع بعضهما البعض، يردان على الاتصال.. بصوت واحد، الاثنان يرددان ذات الحوار.

الاثنان:       (بصوت واحد على الهاتف) نعم.. وصلت.. للتو.. (يصمتان وهما يستمعان للمكالمة) أكيد يا أمي، كل شيء على ما يرام. الامتحان؟، نعم.. فل مارك Full mark كالعادة.. تعرفين ابنك. 

يصمتان وهما يستمعان للمكالمة، يقفان معاً يدوران حول الكرسي بارتباك واضح.. 

الاثنان:       لا أستطيع.. تعرفين يا أمي الجامعة والدراسة.. أنا اجتهد حتى انتهي من الجامعة وأعود لك بالشهادة.. أعدك بذلك.

يبعدان الهاتف وينظران لبعضهما البعض..

الاثنان:       (بصوت واحد) وعود.. وعود.. والوعود لا تنتهي.

يعودان للمكالمة 

الاثنان:       (بصوت واحد) لا أظن، سأبقى هنا للدراسة. ما رأيك أن تأتي أنت (يضحك) أعرف يا أمي أنك لا تستغنين عن المدينة والجيران (يستمع) إلى اللقاء يا أمي.. إلى اللقاء.

يغلقان هاتفيهما ويضعاهما في جيبهما. يجلسان على كرسييهما بمواجه الجمهور

الروح:        اعتادت أمي منذ جئت إلى هنا للدراسة أن تتصل بي يومياً.

الجسد:        تسألني عن كل شيء، عن عودتي من الجامعة، كيف كان يومي.

الروح:        ماذا أكلت، ماذا شربت.

الجسد:        هل أحببت؟ هل ذاكرت. كأنها معي.

الروح:        رغم أنني هربت من نظراتها.

الجسد:        من خوفها.. من قلقها.

الروح:        من وساوسها..

يقفان، ويقابلان بعضهما البعض، كأنهما ينظران لمرآة بينهما.

الروح:        عيناها كانتا بحر أسئلة.

الجسد:        كانت تراك خلالي. لم تصدق، وربما صدقت. لكنها لم تؤمن أنك لا تشبهني.

الروح:        هي تدرك أنني لا أشبهك. منذ طفولتنا، منذ لعبنا. لكنها تداري إدراكها. 

الجسد:        لكنها كانت تدرك أني أقوى منك. هي تراك مجرد فكرة.

الروح:        (بحدة) لكني لست فكرة. أنا حقيقة. مهما توجستم منها. مهما خجلتم منها، ووضعتم أصابعكم على أعينكم لكي لا ترونها.

الجسد:        (بإصرار) ستظل فكرة، لن تخرج للعلن، لن يراك الآخرون. لن تتحقق.

الروح:        أنا هربت من هناك، من أمي، من أقاربي، من عالمي.. وجئت هنا حتى لا أكون مجرد فكرة.

الجسد:        لا يختلفون، هنا وهناك.. سيان.

الروح:        لن يكونوا سيان. بل ستخرج الفكرة، ستخرج من قمقمها الذي سجنتموها فيه. سيعرف العالم من أكون، وستذوي أنت.. ستفنى لن يكون لك وجود.

الجسد:        (يضحك بسخرية) متفائل أنت. بل خيالي. يعجبني فيك إصرارك. رغم معرفتك المسبقة بأنك مجرد مهزوم.

الروح:        كنت مهزوماً. لأني رضيت بأن أتوارى فيك. 

الجسد:        وستظل مهزوماً. لا أحد يملك القدرة على مواجهة الموج العالي. هو أقوى منك، ومني حتى.

الروح:        أتسلح بإيماني بذاتي، بحقي لمواجهة كل هذا. 

الجسد:        المعركة منتهية منذ أول صفعة.

يسمع صوت صفعة. فيسقط الروح على الأرض وهو يضع يده على خده متألماً.

الروح:        (وهو يبكي) لم أفعل ما يستحق الضرب يا أبي.

الجسد:        (يمثل دور الأب بغضب) مراراً حذرتك من اللعب مع البنات. 

الروح:        لكني أحب اللعب معهن.

الجسد:        أنت صبي، العب مع الأولاد.. بالدراجة، بالكرة. 

الروح:        (ما زال يبكي) لكني لا أحب الدراجة.. ولا الكرة. أحب اللعب بالدمى.

الجسد:        (غاضباً) الدمى للبنات. أنت صبي، أنجبتك أمك صبياَ ولم تنجبك بنتاً.

الروح:        (برجاء يبكي) أبي أرجوك، دعني ألعب بما أحب. 

الجسد:        (بصرامة) لن تلعب سوى مع الصبيان (مهدداً) وإن وجدتك يوماً تلعب بدمية، سأعلقك مقلوباً على بوابة البيت.

الروح:        كانت الصفعة الأولى، لم تكن على وجهي، لم تترك أثرها على وجنتي، بل تركت أثرها هنا (يشير لصدره) وهنا (يشير إلى رأسه).

الجسد:        (يعود لشخصيته وهو يتحسس وجنته) لكنها آلمتني، اتعبتني. أتعرف كيف تحيا الصفعة؟، كلما امتد بنا العمر تعتق أثرها.

الروح:        قد تداوى جروح الجسد، لكن كيف تداوى جروح الروح؟.

الجسد:        (بحدة) أنت من وضعتنا في هذا المأزق، أنت من تعرضنا على الدوام لكل أنواع الصفعات. حتى أمي، أمي الوادعة الحنون. أمي التي لا تغمض عيناها إلا إذا دثرتني عن برد الليل.

الروح:        (يردد) أمي التي لا تهنأ بلقمة إلا إذا اطمأنت أني أكلت، لا تهنأ بشربة إلا إذا شربت. 

الجسد:        (منهاراً) صفعتني

الروح:        (منهاراً) كما صفعني أبي.

الجسد:        بسببك. أنت، لا غيرك.

الروح:        ما فعلته أني حاولت اكتشاف نفسي، من أنا بالضبط، أنا أنت.. أم أنني أنا. 

الجسد:        هي لم تقبلك يوماً، كانت مثل أبي، لا ترى سواي.

الروح:        لم تكن كأبي، أبداً.. لم يهمها يوماً أن أكون أنت أو أنا أو أي أحد غيرنا. وليدها الذي حملته، وولدته، قطعة منها. 

الجسد:        صفعتنا. تركت أثرها على وجهي.

الروح:         وعلي أيضاً. أمي، أنا لا أنتمي له، هو ليس أنا. أنا، كما ترينني. 

الجسد:        (يمثل شخصية الأم) لا، لا تقلها. أنت ابني، أعرفك جيداً. ابني الذي رأيته في أحلامي يكبر ويحقق كل أحلامه، يتزوج، وينجب أطفالاً ألاعبهم إذا ما أخذ مني العمر شبابي.

الروح:        ولم لا أكون ابنتك؟.

الجسد:        (بحدة) بل ابني. ابني الذي سيصير رجلاً، بشارب وذقن، وعضلات مفتولة، ابني الذي سيكون فتى أحلام البنات.

الروح:        لكني لا اشعر بالرغبة أن أكون رجلاً، لا أرى نفسي بذقن. ولا بعضلات. أمي، في داخلي أحد آخر. لا يشبه هذا الجسد الذي ولد به.

الجسد:        (مصدومة) أنت تهذي. لا بد أنك أكثرت من مشاهدة الأفلام التي تحبها. قلت لك مراراً أنها ستفسد عقلك. ذاكر أحسن. 

يبدو القلق على الجسد وهو يمثل دور الأم..

الجسد:        أنت تقلقني. رميتني في لجة غرقى دون يد تنتشلني، أخاف أن أبوح بالأمر لأبيك. سيقتله الأمر، سنوات وهو ينتظر الولد، ينتظر من يحمل اسمه كما يقول. جاء ورسم خططاً لحياته القادمة، فكيف تنهار كل خططه.

الروح:        وهل تنهار إن نفذتها أنا؟. 

الجسد:        (شخصيته الأصلية) بل أنا من سينفذها. أنا من كان يراني ابنه، ولي عهده كما يقول. ولست أنت. أنت عيبه، وخيبته.

الروح:        عيبه؟، حينما أكون كما أنا دون كذب، دون تجميل ودون أقنعة… أكون خيبته؟.

الجسد:        مات بسبب خيبته. مات حين وجدك مصراً على ما تنويه. أتذكر ما فعلته.

الروح:        (يحاول التهرب) لم أفعل شيئاً.. فقط.. فقط..

الجسد:        ارتديت فستان ابنة خالتك.

الروح:        فقط كنت أجربه، كيف أكون به.

الجسد:        لكنك سرقته من بيتهم. خبأته لترتديه في غرفتك.

الروح:        أعجبني، رأيته على حبل الغسيل. كانت الريح تداعبه، كان كشراع سفينة، رأيت نفسي طير ماء يحط على حبل الغسيل، ويرتدي الفستان.

الجسد:        لكنك قتلته. قتلت أبي حينما دخل عليك غرفتك.

الروح يبدو مرتبكاً.. يقترب من خزانة ملابسه.. يطل يميناً ويساراً، يخرج فستاناً من الدولاب.. يضعه على جسده.. يبدو سعيداً به. يرقص مع الفستان بفرح. ينظر بجدار اللامرئي بين غرفته وغرفة الجسد، وكأن هناك مرآة. يغادر الجسد غرفته، يرتدي الروح الفستان بفرح غامر. يفتح الجسد باب غرفة الروح مجسداً شخصية الأب. يبدو مصدوماً، بينما يرتبك الروح ويبدو عليه الخوف.

الجسد:        (مصدوماً) فستان، لمن هذا الفستان؟، ولماذا ترتديه؟.

الروح:        (بخوف) أبي..إنه..

الجسد:        لمن. قل لي لمن؟.

الروح:        إنه.. لقد رأيته على حبل غسيل بيت خالتي.

الجسد”:       سرقته؟.

الروح:        نعم يا أبي، سرقته.. لأراني كما أريد. كما أنا، ليس كما تريدون أنتم.

الجسد:        خلقت صبياً وستبقى صبياً، ولن يغير رغبتك في أن ترى نفسك كما تحب في الأمر شيئاً. هيا اخلع هذا الفستان وكن رجلاً. وأعده لبيت خالتك.

الروح:        اتركه علي قليلاً، أرى نفسي في المرآة كيف أكون.

الجسد:        (مصدوماً) من أين لك هذا الإصرار على العيب؟. لم أربك لتعارضني.

الروح:        (متوسلاً) آسف يا أبي، سامحني. لم أقصد أن أعارضك، ولا أن أتمرد عليك. أنا فقط أحتاج أن أرى نفسي كما أريد أن أكون. ما العيب؟.

الجسد غاضباً ينقض على الروح ويمزق الفستان.

الجسد:        (غاضباً) العيب أن ترتدي ملابس البنات وأنت صبي، العيب أن تقف في وجهي دون أدنى أحترام.

الروح ينهار على الأرض، ثم يؤدي الجسد شخصية الأم

الجسد:        لا يريد أن يكلمك. 

الروح:        هل أستحق كل هذه القطيعة؟.

الجسد:        (بين القسوة والرأفة) وأكثر. أنت خذلته. 

الروح:        لو لم يدخل غرفتي لما اكتشف الأمر.

الجسد:        (بعتاب) لم لم تقفل بابك؟.

الروح:        نسيت.. (للجمهور) ومات أبي. لم يطل به العمر، مات كمداً كما أخبرتني أمي.

الجسد:        (بدور الأم) أوصاني بك. لكنه كان غاضباً منك. مات وهو يشعر بالخذلان.

الروح:        (يبكي) وأنا؟، كل ما حولي خذلني، أنت وأبي وأقاربي.. لم أجد أحداً يسندني، أو يضع يده على كتفي فأشعر بالأمان.

الجسد:        (بحنان) أنا أمانك. قلبي لن يخذلك. لكن يدي مقيدة. لا أستطيع أن أرفع عنك الضيم.

الروح:        والأمان؟. ليس الكلام أمان يا أمي، ولا علاج، هو مسكن لجروح الروح. أمي أنا أحب ذاتي، احب أن أكون ما أريد. 

الجسد:        (يعود لشخصيته) وما الذي جنيته؟. الضرب، الفضائح، الشتائم. في المدرسة، في الشارع في كل مكان.

الروح يجلس على كرسي، يخرج من حقيبته دفتر رسم والوان، ويبدأ بالرسم، يبدو عليه الاستمتاع وهو يرسم، يقترب منه الجسد، ينظر لرسمته فيندهش.. ثم يضحك بسخرية

الجسد:        (يمثل دور طالب زميل) ما الذي ترسمه؟. أهذا ما في خيالك.

الروح:        (مرتبكاً وهو يحاول أن يغطي الرسمة بيده) الأستاذ قال أن نرسم رسماً حراً.

الجسد:        كلنا رسمنا سيارات، كرة قدم، طائرات.. بينما أنت..

الروح:        (يقاطعه) أرجوك، لا تخبر أحداً. ليكن سراً بيننا.

الجسد:        (يعود لشخصيته) وفعلاً صار سراُ بيننا.. والمقابل.

الروح:        مصروفي اليومي. كنت أشتري سكوته بمصروفي اليومي. أعود كل يوم جائعاً بلا طعام. 

الجسد:        أو شراب. كنتَ تظن أنك اشتريت سكوته. لكن كل طلاب المدرسة عرفوا بالأمر.

الروح:        كنت أمشي بين ممرات المدرسة بخوف، وقلق، خوفاً من نظراتهم، من ابتسامات السخرية. 

الجسد:        ولن أنسى حين حاول أحدهم لمسي، كان يراني فتاة في مدرسة صبيان. صرخت.. 

يصرخان مع بعضهما البعض، ذات الصرخة.

الروح:        لكن لم يسمع أحد. حاولت الدفاع عن نفسي.

الجسد:        كان أقوى مني، خذلني جسدي. 

الروح:        قاومت..

الجسد:        وقاومت..

الروح:        ولم أر إلا يداً ترفعه عني.

الجسد:        أستاذ الرسم كان خشبة الأمان لغريق يكاد ينطفئ.

الروح:        (بحرج) شكراً أستاذ .. أنا

الجسد:        (يمثل دور الأستاذ) لا تشكرني.. المهم أن تكون قوياً، وقادراً على الدفاع عن نفسك. مهما تكن. ومهما قيل عنك. كن قوياً.

الروح:        وكنت قوياً، لم أخف من نظراتهم بعدها، تحديتهم، واصلت الرسم، رسمت كما أحب، كما أتخيل، رسمت فتيات يلعبن، رسمت طائرات وراقية بلون زهري، تحديتهم. كنت اقوى مما كنت.

الجسد:        حتى حين اكتشفت أن طالباً كان يتلصص علي في الحمام. أمسكته وأوسعته ضرباً. ضربته، وضربته.

الروح:        ضربته، بكل ألم في، بكل وجع، بكل حزن، بكل دمعة.

الجسد:        وانتصرت ساعتها.

الروح:        انتصرت على نظراتهم، على سخريتهم، انتصرت على خوفي. على خذلاني لأبي، على شعوري بالنقص.

الروح يرقص رقصة سعادة بينما يبدو الانهزام على الجسد 

إظلام تدريجي

المشهد الثاني

إنارة تدريجية على نفس المكان، ونسمع صوت الروح يغني أغنية (انا بعشق البحر زيك يا حبيبي حنون، لنجاة الصغيرة)، بفرح يغنيها وهو يرتب الغرفة، يمسك بدمية يحتضنها، ويتجه إلى الكرسي في وسط المسرح، بينما الجسد جالس على كرسيه حزين. الروح يمشط شعر الدمية وهو يغني ذات الأغنية. ينتبه الجسد للروح وهو منشغل بتمشيط الدمية، يقف غاضباً.

الجسد:        دمى؟، الدمى للبنات. نحن رجل.

الروح:        (ببرود وهو يكمل التمشيط) أنت رجل.

الجسد:        وأنت كذلك.

الروح:        لا، لست كذلك. أنا اختلف عنك. حتى لو كنا كياناً واحداً. أنت من يراه الناس. وأنا الحقيقة.

الجسد:        بل أنا الحقيقة. مسجل في شهادة الميلاد بأني ذكر. في بطاقة الهوية ذكر. في المدرسة ذكر والجامعة ذكر، كل الناس تعرف أنني ذكر.

الروح:        لا شأن لي بكل هذا. أنا لست أنت. أنا الكينونة الحقيقية، وأنت السراب.

الجسد:        بل أنت السراب، لذا تتوارى عن الناس، تغلق غرفتك عليك وتظهر. تتوارى في الشارع، في الجامعة، بين الناس. 

الروح:        لأنهم بلا أعين.

الجسد:        لهم أعين يرون بها الجسد.

الروح:        إن لم يروا الروح، فلا يعول على حواسهم.

الجسد:        وهل يروق لك أن تتوارى في غرفتك. الغرفة التي غيرت معالمها، لم يعد فيها ملمح ذكورة؟. 

الروح:        غرفنا شبيهات أرواحنا. سنشعر بالغربة فيها إن لم نجد أرواحنا معلقة على جدرانها وتحلق في أسقفها. 

الجسد:        (بغضب) ماذا لو..

الروح:        (يقاطعه) ماذا لو دخل أحدهم.. أليس كذلك؟.

الجسد:        نعم. ما الذي سيقوله عني.

الروح:        وعني، أنا لا يهمني. ثم من سيدخل الغرفة؟. 

الجسد:        أكيد أن لا أحد سيدخل الغرفة، فنحن نعيش في عزلة منذ سنوات، لا أصدقاء، لا أصحاب.. لا رفقة.

الروح:        وهل أنا السبب؟.

الجسد:        ومن يكون إذاً.. من سبب عزلتنا؟. الجميع صار يتحاشانا، لا يعرفون من نكون. 

الروح:        (بحزن) لست سبب كل هذا، هم، الناس.. كل هذه السنوات ولم نستطع الاقتراب من أحد، ولا أحد تمكن من الاقتراب منا. يتوجسون منا.

الجسد:        أنا تعيس، فكيف اعيش كل هذه السنوات، ولم يخفق قلبي لفتاة. لم أحب.. لم ترق لي فتاة.

الروح:        لأن الجسد لا يعشق. الروح هي التي تعشق. وروحي لن تعشق فتاة. فأنا فتاة.

الجسد:        (بإصرار) بل رجل.

الروح:        (بإصرار) بل إمرأة.

الجسد:        ليتني أتمكن من قتلك.

الروح:        (يضحك بسخرية) لن تستطيع. موتي هو موتك، حياتنا واحدة.

الجسد:        اتركني أرجوك. لقد تعبت من كوني اثنين. 

الروح:        لم نكن يوماً اثنين. نحن واحد. فرض علينا أن نضع أقنعة على وجوهنا لنخبئ دواخلنا. اعطونا اسماً ليس لنا. وربونا لنفعل ما يشاءون لا ما نشاء. علمونا كيف نمشي، كيف نقف، كيف نرتدي ملابسنا التي يريدوننا أن نرتديها.

الجسد:        من؟، أتقصد أمي؟. 

الروح:        وأبي.. والجميع. هم لم يسمعوني ولو لمرة. 

الجسد:        ولن يسمعوك. أنت تظلمنا. 

الروح:        (يبكي) لا، أنا لا أريد أن أظلمك. أنت وعاء وجودي. لولاك لما كنت أنا أنا.. أعرف أن كل الظروف تقسو عليك. كما تقسو علي.

الجسد:        إنس إذاً، لنكن كما نحن. انس أمر ماهيتك التي تريد أن تكونها. 

الروح:        وكيف أنسى. هربت من هناك لآتي للدراسة هنا، في الجامعة التي ظننت أنني سأجد من يفهمني. لكني تعودت الخيبات.

الجسد:        ما تطلبه أكبر من قدرة الناس. عرفهم يقول أنك رجل.

الروح يعود لتمشيط الدمية بعصبية واضحة..

الروح:        لست رجلاً، أنتم مخطئون. لست رجلاً ولن أكون.

الجسد:        (يشير لنفسه) جسدك يقول أنك رجل.

يتجه الروح إلى سريره، ويجلس على طرفه.

الروح:        حتى أحلامي، كانت أحلام فتيات. كأي فتاة تنتظر الفارس الذي سيأخذها على حصانه الطائر. كنت أخجل من أحلامي تلك. لم أستطع إلى أن أكتبها في دفتري.

الجسد يأخذ دفتراً ورديا من على طاولة ويجسد شخصية الأم التي تقترب من الروح بغضب.

الجسد:        (بشخصية الأم) ألم نتفق بأن لا يعلم أحد ما بيننا؟. 

الروح:        (باستغراب) لم يعرف أحد يا أمي.

الجسد:        (وهو يرفع الدفتر) وهذا؟.

الروح:        (مرتبكاً) مجرد دفتر، أكتب فيها خواطري. أحاسيسي. 

الجسد:        حتى هنا لا تكتب. حاول حتى ألا تفكر في الأمر. لا نملك الأسلحة الكافية لمواجهة هذا العالم.

الروح:        لن يصل إليه أحد. على الأقل، اتركي لي الدفتر لأكتب.

الجسد:        وماذا لو وقع في يد أحد؟.

الروح:        وما الضير؟

الجسد:        سيعرفون عن حقيقتك.

الروح:        أنا لا أخاف من الحقيقة.

الجسد:        أنا أخاف. أخاف أن يؤذيك أحد. بكلمة، بفعل. 

الروح:        ما الجديد؟. منذ وعيت وأنا أتلقى الإهانات والتحرشات. تعرضت للضرب. ماذا بعد؟.

الجسد:        (غاضباً) يكفي جدلاً. قلت لك لا تكتب. 

الروح:        (مستسلماً) أريد الدفتر.

الجسد:        (غاضباً) لن أعطيك إياه. وسترى كيف سيكون مصيره. 

يمزق الجسد الدفتر ويرمي أوراقه على الروح الذي يبدو مصدوماً.. ينزل على الأرض ويلم الأوراق المبعثرة. يلمها بحزن، فينتبه الجسد إليه وهو ما زال على شخصية الأم.. يقترب منه حزيناً.. ينزل على الأرض.

الجسد:        (حزيناً) هل أغضبتك؟.

يهز الروح رأسه سلباً.. 

الجسد:        اعذرني يا ولدي. فأنا لا أستطيع حمايتك. أخاف من الناس، من كلامهم، من لمزاتهم، أخاف من نظراتهم. أنا أم فاعذر أماً محطمة.

الروح:        أنا أعذرك يا أمي، أعذر أبي.. خيبتُكما. 

الجسد:        لم أشعر يوماً بالخيبة بسببك. لا ذنب لك، خرجت لعالمنا هكذا. لا يد لك ولا لي. 

الروح:        سأغادر المدينة.

الجسد:        (مصدوماً) وتتركني.

الروح:        (وهو يمسك يد الجسد الذي يمثل دور الأم) تعالي معي. 

الجسد:        وأترك مدينتي، جيراني؟.. لا، لا أتصور أن أعيش بعيداً عنها.

الروح:        سنعيش حياة جديدة، في مكان لا يعرفنا فيه أحد. 

الجسد:        أتظن أن الهروب هو الحل؟.

الروح:        سمه ما شئت يا أمي. لكني لا أستطيع البقاء هنا. نظراتهم سكاكين على منحري تقطعه ببرود.

الجسد:        ستجد سكاكين جديدة. ربما أكثر حدة.

الروح:        ليس أحد من سكاكين من نعرفهم. (برجاء) لنتركها لهم. هنا حياة أخرى، الناس هناك يختلفون. 

الجسد:        (مستسلماً) إذهب وحدك. عاين المكان والناس، اختبر قدرتك على البقاء هناك. وإذا وجدت أن الأمر يستحق، سألحق بك.

الروح:        ستركينني؟

الجسد:        (بحزن) بل أنت من ستتركني.

الروح:        تركت المدينة، وفيها قلبي الذي ينبض، قلب أمي الذي بات ثقيلاً من الحزن. 

الجسد:        (يعود لشخصيته) وجئنا هنا. كنا نظن أن المكان هنا آمن. وأن الناس بلا عيون، بلا ابتسامات خبث، ولا ضحكات سخرية. لكن الخيبات تلاحقنا.

الروح:        لكن الوضع هنا أفضل. حياة بلا معارف. بلا أقارب. بلا أصدقاء. يمكننا أن نفعل ما نريد دون توجس.

الجسد:        تظن ذلك. لكن ليس الأمر كما تظن.

الروح:        ساعدني، ضع يدك بيدي. وسنتحدى الجميع. 

الجسد:        أن أ ضع يدي بيدك، هي خيانة لماهيتي.

الروح:        ومن أوهمك بذلك؟. 

الجسد:        ومن أين لي بجسد ليس جسدي. جسدي جسد رجل.

الروح:        وروحك إمرأة. تكاتفا. 

الجسد:        ولمادا لا تتنازل أنت؟.

الروح:        لا ينفع تنازلي. سنظل نقيضين إن لم تقف معي. الروح لا تتغير، لا تتنازل، لكن قد يتنازل الجسد. 

الجسد:        لن يقبل الناس تنازلي، سنظل في أعينهم كائناً هجيناً بلا معنى.

الروح:        وما الذي تغير؟. هم يروننا كذلك. 

الجسد:        أنا لا أستطيع المواجهة. كدمات جسدي ما زالت علامات على ما يمكن أن نواجهه. 

الروح:        سأنسى، سأمحو كل ذكرى. وسننسى الكدمات والأيدي اللعينة التي تحرشت، وتركت أثراً عليك. سننسى كل هذا حين نغير هذا الواقع. سنفرض ما نحن عليهم. سيقبلونه.

الجسد:        لن يقبلوه، أنت مخطئ، أو لنقل متفائل جداً. من حولنا لن يقبلوا. 

الروح:        ولماذا نكون تحت رحمتهم؟. ساعدني أرجوك. لن أستطيع فعل شيء دونك.. أرجوك

الجسد:        (يردد بخوف) لا، لا، لا يمكن .. لا يمكن.

-إظلام-

المشهد الثالث

نفس المنظر، لا تغيير فيه.. يبدو الجسد في قلق واضح، يتحرك بعصبية في مكانه. بينما يسمع صوت غناء كاظم الساهر (أشهد أن لا امرأة ً أتقنت اللعبة إلا أنت) والروح يردد الأغنية مع الأسطوانة، وهو يفتش في دولاب ملابسه. يخرج فستانا نسائياً من الدولاب. يرتديه بفرح غامر، بينما الحنق واضح على الجسد الذي يراقب الروح وهو يرتدي الفستان. يقترب الروح من الخط الفاصل بينهما والتي يفترض أن تكون مرآة، يعدل الفستان على جسده. يقف الجسد بمقابله غاضباً يحاول تشتيته، لكن الروح يبدو مستغرقاً ومستمتعاً بما يفعله. يعود للدولاب ويسحب باروكة شعر نسائية، يرتديها باستمتاع وهو ينظر للمرآة اللامرئية، بينما يبدو الجسد غاضباً.. يصرخ.

الجسد:        (يصرخ غاضباً) يكفي.. يكفي. كف عن مضايقتي.

يتوقف صوت الأغاني

الروح:        (ببرود) مضايقتك؟. أنا أفعل ما يسعدني. هل سعادتي تضايقك؟.

الجسد:        نعم، أنت تضايقني بكل ما تفعله. بكل ما ترتديه. 

الروح:        لكني مستمتع. فلا تضايقني أنت. 

الجسد:        انزع هذا الفستان، وهذا الشعر المستعار. انزعهما فقد سئمت منك ومن كل ما تفعله وتنويه.

الروح:        لن انزعهما، أنا هنا في غرفتي، وحدي. فلمَ أخاف؟. 

الجسد:        قلت لك لن أتضامن معك. ولن أسمح لك في أن تغير ما نحن فيه.

الروح:        لا بأس. اصمت ولا تفسد متعتي.

الجسد:        لن أصمت. بل سأقتلك.

الروح:        إذا قتلتني، ستموت أنت.

الجسد:        سيموت عيبنا.

الروح:        لم لا تحب الحياة؟. وتتركني احبها. 

الجسد:        تحبها رغم ما فيها من خيبات؟.

الروح:        أحبها بعرضها وبطولها. أحبها بخيباتها. بآلامها. ولا بد أن تحبها أنت أيضاً.

الجسد:        أحب الحياة التي لم تنصفني؟.

الروح:        أنا أحبها رغم أنها لم تنصفني. 

الجسد:        (محبطاً) أنا سئمت من كل هذا. سئمت من الحياة. سئمت من التواري خلف الغرف المغلقة. سئمت.

الروح:        لأنك ضعيف، هش، لا تقدر على مواجهة كل ما حولك. أما أنا فاختلف عنك. لا يهمني ما دمت أملك غرفة موصدة أمارس فيها ما أريد. دون النظرات التي تلاحقنا، ودون الهمسات الساخرة. ويمكننا أن نواجه كل هذا حينما تتضامن معي، تتفق معي.

الجسد:        لا. لا يمكن. كيف أنتزع رجولة جسدي.

الروح:        لن تبقى عارياً، ستستبدلها بأنوثة جسد.

الجسد:        لم أتخيل يوماً ذلك. ولا أظنني سأتقبله. 

الروح:        ستكون حياتنا أفضل، لا خوف لا كوابيس.. تخيل أن تمشي في الشارع بكل ثقة. لن تلاحقك النظرات المتوجسة.

الجسد:        سيعرفوننا، أننا كنا، ثم صرنا.

الروح:        سينسون، أو يتناسون. المهم أن نصير كما نريد.

الجسد:        وأمي؟.

الروح:        سنعود لها، بجسد جديد، بذات الروح. ستبتهج. 

الجسد:        والحكايات التي ستدور على ألسنة الناس؟. 

الروح:        ستتوقف عن الدوران. ستصمت الألسن. 

الجسد:        أنا حائر. لا أريد أن أفقد رجولة جسدي.

الروح:        ستكسب أنوثة جسد. دعنا نكسر هذا الحاجز البيني، نكسر الجدار الذي بنوه بيننا.

الجسد:        لا، اتركه. لا أريد. 

الروح:        (ضجراً) أنا من سئمت منك، سئمت من رفضك، سئمت هواجسك. 

الجسد:        أنا محكوم بكلام الناس.

الروح:        (بغضب) الناس، الناس، الناس.. لماذا يتدخلون؟. ليس لهم الحق. أنا لا يهمني الناس. سأكسر هذا الحاجز.

الجسد:        لن تفعلها.

الروح:        قلت لك، أنت هش. لن تصمد أمامي.

الجسد:        بل سأصمد.

الروح:        أنت مجرد وعاء لا أكثر. 

الجسد:        أنا الكل.

الروح:        بل أنت لا شيء دوني. مجرد جسد بلا روح.

الجسد:        ستنبت لي روح جديدة.

الروح:        لكل جسد روح واحدة. ولن تنبت لك روح جديدة أبداً. لنكسر هذا الحاجز؟

الجسد:        لا، لن أفعلها.

الروح:        أعرف كيف أكسره، اعرف كيف اجعلك تخضع لي، لرغبتي، لكينونتي. 

الجسد:        أنت مجرد روح. 

الروح:        والأرواح أقوى من الأجساد. تهرم الأجساد بينما لا تهرم الأرواح.

يتجه للدولاب ويخرج اصبع روج (أحمر شفاه) ويقترب من الخط الوهمي بينه وبين الجسد.

الجسد:        (بقلق) ما هذا؟.

الروح:        المعول، سأحطم هذا الحاجز به. 

الجسد:        لا، إلا هذا. أنت رجل.

الروح:        أنا إمرأة. إمرأة نبتت من جسد رجل.

الجسد:        تقتلني به.

الروح:        وأنا أحيا به.

الجسد:        (برجاء) أرجوك. لا تتهور. 

الروح يبدأ بوضع أحمر الشفاه على شفتيه باستمتاع بينما يبدو الجسد متعباً منهكاً ويذوي، ينهار على الأرض.

الروح:        لا بد أن نتحرر من هذا الحاجز، نتحرر من هذا الجدار الذي صنعوه، سأكتب حياة جديدة لنا، به (وهو يرفع اصبع أحمر الشفاه)

بإصبع أحمر الشفاه يبدأ كأنه يكتب على الحاجز الوهمي بحماس ظاهر.. يكتب بينما ينهار الجسد تدريجياً، تستمر هذه اللعبة المسرحية بين الكتابة والانهيار على صوت مؤثر موسيقي مناسب. تنتهي هذه اللعبة باختراق الروح للجدار الوهمي بينه وبين الجسد الذي يسقط على الأرض بلا حراك، ينتقل الروح إلى جهة الجسد، يقترب منه. يرفعه من الأرض، يضع شعراً مستعار على رأس الجسد. ينتعش الجسد تدريجيا، يقف بجانب الروح، يتحسس نفسه، يبتسم الروح له، ويبتسم الجسد. يجلسان على الكرسيين بمواجهة الجمهور. ويسمع صوت طرقات على الباب

الاثنان:       (بصوت واحد) تشابهت الروح والجسد، وصارا واحداً، لا تفرقهما النظرات، ولا الهمسات، ولا السخرية المرة، ولا وجع الخطوات. 

يسمع صوت طرقات الباب، تقوى الطرقات دون أن يلتفت الاثنان لها.

الاثنان:       (بصوت واحد) ولا طرقات الأبواب التي تخترق حجب المخبوء، ولا الأيدي التي تتبع الجسد..

يرتفع صوت الطرقات، فيرتفع معها صوت الاثنين ليغطيا على صوت الطرقات. 

الاثنان:       (بصوت واحد يرفعان صوتهما) سنأتيك يا أمي بجسد جديد، وروح أكثر بهجة، وأكثر شروقاً.. أمي، ها نحن صرنا كما كنا نريد. 

ينظران لبعضهما البعض، يبتسمان لبعضهما البعض. يزداد الطرق. ودون أن يلتفتا للطرق، يمسكان كل واحد منهما بأصبع أحمر شفاه، ويضعان ألأحمر على شفاههما، ينظران لبعضهما البعض، يضحكان، بالتدريج يتلاشى طرق الباب، ويرتفع صوت موسيقى وضحكاتهما وهما ينظران لبعضهما ويضعان مساحيق الماكياج على وجهييهما ..

-إظلام-

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s