مسرحية (نوارس أيوب)

الشخصيات:

المغني أيوب: ثلاثيني وسيم، مغرم بالغناء.

أبو شاهين: عمدة الديرة

أم شاهين: زوجته

شاهين: ابنهما عشريني.

أبو نصار: ملا القرية ومعلم الأطفال.

سلامة: عطار القرية

جبر: اليد اليمنى للعمدة.

البحار: خمسيني

الحطاب: خمسيني أبو حليمة حبيبة أيوب.

خديجة: ستظهر طيفاً في المسرحية، حبيبة شاهين.

حليمة: حبيبة أيوب.

بعض الأهالي

المشهد الأول

الوقت نهار، المكان عبارة عن جزيرة بعيدة، أشجار تحيط المكان، أصوات طيور تختلط بصوت الأمواج، نسمع صوت عزف عود من البعيد يختلط مع أصوات النوارس وصوت موج البحر. صوت قارب يقترب من الجزيرة. تصمت الموسيقى، ويمر ظل رجل بشكل سريع طرف المسرح إلى الطرف الآخر. لحظات ويدخل أبو شاهين وخلفه زوجته، وأبو نصار

أم شاهين:      (وهي تطالع حولها) هل هذا هو المكان؟

أبو شاهين:     نعم، إنه هو.

أبو نصار:       وهل أنت متأكد أن المكان آمن؟.

أبو شاهين:     ليس هناك أأمن منه. المهم أن نكون بعيدين عن القرية.

أم شاهين:      لقد أبحرنا طوال الليل. أكيد أننا ابتعدنا كثيراً.

أبو شاهين:     إنه بر الأمان.

أم شاهين:      بل بر الهروب.

أبو نصار:       (بحدة) يكفي نكداً يا أم شاهين. بر الهروب أو بر الأمان. المهم أن نكون بعيدين عن قريتنا.

أم شاهين:      لا تحدث الأسماء فرقاً في المعنى. نحن هاربون.

أبو شاهين:     ليس هروباً يا زوجتي العزيزة. بل ابتعاد عن الخطر. وجودنا في القرية يعني موتنا.

أم شاهين:      هربنا من الموت، إلى مكان لا نعرف عنه شيئاً. ربما يلاحقنا الموت هنا أيضاً.

أبو نصار:       وكيف يلاحقنا ونحن في جزيرة بعيدة. لن يصلنا.

يدخل جبر ببعض الأغراض، يضعها على الأرض ويتجه لأبي شاهين.

جبر:             سيدي، هل تريدنا أن ننزل كل ما على المحمل؟.

أبو شاهين:     نعم. كلها.

جبر:             سيدي، ما رأيك أن نتركها في المحمل. سيكون مستودعاً. ننزل ما نحتاجه. هل ننصب الخيام هنا، يبدو مكاناً مناسباً؟

أبو شاهين:     (لحظات تفكير) أحسنت يا جبر. تروق لي نباهتك. لذلك أتيت بك معي. أين شاهين والحاج سلامة؟.

جبر:             الحاج سلامة ما زال على المحمل، يجهز أغراضه للنزول. وشاهين، يقف أمام البحر. ما زال يسكنه الحزن يا سيدي.

أم شاهين:      (تتنهد) افعل شيئاً يا أبا شاهين، أخاف أن يموت ولدي كمداً.

أبو شاهين:     سينسى، ما جئت به هنا إلا لينسى.

أم شاهين:      (ترفع يديها دعاءً) يا رب. طوال الرحلة إلى هنا وهو لم ينطق بكلمة. فقط يتنهد، يبكي. لم يأكل، لم يشرب.

أبو شاهين:     طوال الرحلة، صمت شاهين وتذمرك.

أم شاهين:      أتذمر لأننا تركنا القرية يطحنها الموت اليومي.

أبو نصار:       وما بيدنا يا امرأة؟ أنهكنا الدعاء. صلينا حتى بليت ركبنا من السجود. لكن الله لا يسمعنا.

أم شاهين:      ربما ثمة خطايا تصد الدعاء للوصول لله.

أبو نصار:       (بغضب لأبي شاهين) لقد تعبت من زوجتك. لماذا لم تبق في القرية؟

أم شاهين:      يا ليتني فعلت. فررت من الموت ولا أدري أي موت ينتظرنا هنا.

يدخل سلامة المسرح وفي يده بعض أغراضه، يضعها على الأرض ويجول بنظره على المكان.

سلامة:          (بسعادة) ما شاء الله، الجزيرة كبيرة جداً على ما يبدو. ومليئة بالأعشاب الغريبة التي لم أرها قبلاً.

أبو شاهين:     ربما تجد دواءً ناجعاً هنا.

سلامة:          ربما، أحضر الدواء وأبيعه على كل القرية والقرى الأخرى. سأصبح ثرياً. الناس ما عادوا يشترون مني لأن لا دواء عندي للمرض.

يدخل شاهين وهو يحمل بعض الأغراض، يضعها على الأرض، وعلى وجهه يبدو الحزن. يهم بالخروج، تلحقه أمه أم شاهين.

أم شاهين:      شاهين يا ولدي. لقد نحل الحزن جسدك. أنت لم تأكل منذ أيام. وجهك بات أصفرا، وذبلت عروقك. الحزن لن يعيد لك ما فقدته.

شاهين:         (يتنهد) لم أفقد مالاً، ولا جاهاً، بل فقدت روحاً قبضت على قلبي كما كنت أقبض على شباك نافذتها… فقدت خديجة.

أبو شاهين:     سيهبك الله أخرى، تنسيك خديجة.

شاهين:         (مستنكراً) أنسى؟، تستسهلون النسيان. لن أنساها. كنت أنتظر زفافنا.

أبو شاهين:     أنت ابن منصور بن عباد، ابن العمدة، ألف بنت تتمناك يا شاهين.

شاهين:         وأنا لا أتمنى سوى خديجة.

يقترب أبو نصار من شاهين ويربت على كتفه.

أبو نصار:       اصبر يا بني. كن مؤمناً. خديجة في ذمة الله. في مكان أفضل.

شاهين:         ليتها أخذتني معها.

أم شاهين:      (وهي تمسك يد شاهين) كنت أموت.

سلامة:          يا شاهين لا تتعب قلب أمك وأبيك بحزنك. لنبدأ بنصب الخيام ونرتاح. لاحقاً نتجول في الجزيرة لنكتشفها. ونكتشف ما فيها من أعشاب. والله إني لأرى فيها ثروة.

شاهين:         وهل ستجد فيها علاجاً للمرض؟.

سلامة:          ربما يا شاهين.

شاهين:         لكنك لن تجد دواءً يعيد من حصدهم الموت بمنجله.

سلامة:          الموتى لا يعودون.

شاهين:         (بيأس) إذاً لا يهمني أي دواء. هل تملك دواءً تعيد لي خديجة؟.

سلامة:          ومن أين لي. يا شاهين، هون عليك. تعال معي.

يسحبه معه من يده ويخرجان. يبدو الحزن على أم شاهين التي تبكي، يقترب أبو شاهين منها ويربت على كتفها.

أم شاهين:      أخاف عليه.

أبو شاهين:     سيعالج الزمن حزنه. سينسى.

أم شاهين:      كان يحبها. ينتظر يوم زفافه منها. رغم رفضك.

أبو شاهين:     من حقي أن أرفضها، من أكون أنا، ومن يكون أبوها. (بحسرة) لكنه انتصر علي بقوة الحب.

أم شاهين:      أخاف أن يلحق بها من الحزن. أعرف ولدي. يحب بصدق، منذ أن كان طفلاً. يحب ألعابه، أصحابه، سريره، وسادة نومه. لا يفارقهم، ويمرض إن فارقهم.

أبو شاهين:     سيمر الوقت، وهو كفيل بعلاجه من هذا الحزن.

يقترب أبو نصار من أبي شاهين بعد كان يجول بنظراته على المكان باهتمام بالغ.

أبو نصار:       أبا شاهين.

أبو شاهين:     ما بك يا أبا نصار؟. أتشعر بالراحة الآن وأنت بعيد عن القرية، بعيد عن الموت الذي كنت تخافه؟

أبو نصار:       لا، لا أشعر بالراحة وأنا هنا. أليست هذه الجزيرة التي قيل عنها أنها مسكونة؟.

أبو شاهين:     (ببرود) نعم هي ذاتها.

أبو نصار يتراجع ببعض الخوف، يقترب منه أبو شاهين.

أبو شاهين:     ما بك؟. ألهذه الدرجة أنت جبان؟.

أبو نصار:       جزيرة مسكونة؟. وكيف سنعيش فيها؟. لا أدري لماذا اخترتها؟.

أبو شاهين:     إما هذه الجزيرة، أو البقاء في القرية وانتظار المرض الذي سيفتك بنا.

أبو نصار:       اختر غيرها.

أبو شاهين:     وأي جزيرة غيرها في هذا البحر الشاسع؟. أي جزيرة تصلح للحياة غيرها. ثم، من قال لك أنها مسكونة؟.

أبو نصار:       كل البحارة الذين يمرون بها.

أبو شاهين:     واهمون. أنا لم أصدق كل الروايات عنها. سترى. سنعيش ونتعايش مع كل ما فيها. قوي قلبك يا رجل. أنت الملا أبو نصار. أنت من كان يتقوى الناس بأدعيتك وصلواتك.

أبو نصار:       وهل تظن أنهم سيعتبرونني الملا بعد أن يعلموا بأني هربت؟.

أبو شاهين:     وكيف سيعرفون؟. لن يعرف أحد أنك هنا.

أبو نصار:       أنا قلق من هذه الجزيرة، وأخشى أن يحدث شيء هنا يفسد علينا هذا المأمن.

أبو شاهين:     (وهو يربت على كتفه مطمئناً) لا تخف. لن يحدث شيء.

-إظلام-

المشهد الثاني

نفس المكان لكن نرى أن ثلاث خيام قد نصبت على يسار ويمين ووسط المسرح. يبدو أن الجميع نائمون. هدوء، فقط صوت الأمواج التي تأتي من بعيد. لحظات ويخرج جبر من خيمته وهو يحمل فانوساً، يتثاءب. ويركض باتجاه يسار المسرح جهة البحر. لحظات ويدخل شخص غير واضح الملامح، يراقب المكان، يتنقل بين الخيام. يستكشف ما حوله، يرفع كيساً من الأرض، يدخل جبر ويبدو عليه الراحة، يقترب من الخيمة لكن يفاجأ بالشخص الذي يهرب. يقف جبر متسمراً خائفاً. يهرب سريعاً إلى خيمته. لحظات ويخرج مع شاهين.

شاهين:         أين رأيته؟.

جبر:             (بارتباك، وهو يشير إلى الجهة التي خرج منها الشخص) من.. من هنا. نعم.

شاهين:         يبدو أنك أثقلت في طعامك وصرت تتوهم. لا يوجد أحد في الجزيرة.

جبر:             لقد رأيته يا عم شاهين. لم أكن أتوهم. صدقني.

شاهين:         أبي وأبا نصار يقولان إنها مهجورة. فمن أين أتى هذا الشخص الذي تدعي أنك رأيته؟.

جبر:             وما أدراني أنا؟. هناك أحد آخر معنا في الجزيرة.

يخرج أبو نصار من خيمته وينتبه لجبر وشاهين. يقترب منهما دون أن ينتبها له.

شاهين:         لا يوجد أحد. أنت تتوهم. المهم، لا أريد لأمي تسمع بالأمر بذلك.

أبو نصار:       ما الذي يحدث هنا؟.

يفزعان وينتبهان لأبي نصار، فيبدو عليهما الارتباك.

شاهين:         (وهو يزفر نفساً) لا شيء يا أبا نصار، فقط استيقظنا. لم نستطع النوم، فخرجنا نشم هواءً ينعشنا.

أبو نصار:       لكني سمعتك تقول بأنك لا تريد لأمك أن تسمع. ما هو المر الذي لا تريد لأمك أن تسمعه؟.

جبر:             لا، ليس الأمر كما سمعته يا أبا نصار.

أبو نصار:       بل أنا متأكد مما سمعته. جبر، شاهين. اخبراني.

جبر:             (وهو ينظر لشاهين محتاراً) لا شيء.. أنا كنت أتوهم.

أبو نصار:       أنت دائماً ما تتوهم. ما الجديد؟.

شاهين:         هذا ما قلته له. إنه يثقل في عشائه وتزوره الكوابيس.

جبر:             لكنه ليس كابوساً، لقد رأيته. أخبرتك بذلك، لكنك تصر أني أتوهم.

أبو نصار:       (يبدو عليه القلق) ما الذي رأيته؟.

شاهين يهز رأسه نفياً لجبر

جبر:             (مرتبكاً) لا شيء، أنا كنت أحلم ليس إلا.

يهم بدخول الخيمة، لكن أبا نصار يمسك بيده.

أبو نصار:       (بحزم) اخبرني بما رأيت.

شاهين:         لا عليك يا أبا نصار. انس الأمر.

أبو نصار:       أنا مرتاب من هذه الجزيرة. بعض البحارة يقولون أنها مسكونة.

جبر:             (مفزوعاً) أتعني أن من رأيته كان جنياً؟.

أبو نصار:       وهل رأيت أحداً؟.

جبر:             لا أدري إذا كان أحداً أم جنياً. (بفزع) يا ويلي. أنا أخاف من الجن.

شاهين:         كيف تكون مسكونة ويأتي بنا أبي إليها؟.

أبو نصار:       أبوك لم يصدق الروايات التي تقول أنها مسكونة. لكن ما رآه جبر يؤكد ذلك.

شاهين:         قد يكون واهماً، إذا تكرر الأمر لأحد آخر فإننا سنصدق الأمر. المهم يا أبا نصار، أن لا تعرف أمي بالأمر.

جبر:             وسلامة؟.

أبو نصار:       لا يهمه الأمر أكيد، ما يهمه هو أن يجد أعشاباً جديدة لدكانه. لا بد أن أخبر أبا شاهين بالأمر الآن.

شاهين:         (يوقفه) لا يا أبا نصار، ليس الآن. دعنا نتأكد من الأمر أولاً. ثم أن الصباح رباح (يستدرك) ما الذي أيقظك هذه الساعة يا عم؟

أبو نصار:       لقضاء حاجتي.

جبر:             أنا قضيت حاجتي هناك (يشير جهة البحر).

أبو نصار:       لا أحتاج. لن أذهب للبحر في الليل. الصباح رباح.

جبر:             (يبتسم) هل أنت خائف.

أبو نصار:       (بحدة) لا شأن لك.

يبتعد عنهما ويدخل خيمته.

جبر:             (لشاهين) ألن تعود للنوم؟.

شاهين:         لا، النوم يجافيني يا جبر. منذ ماتت خديجة بالمرض.

جبر:             (يتنهد) الله يرحمها، ويرحم كل من خطفه الموت.

شاهين:         بل خطفه المرض، لا أدري من أين جاءنا. لم اختار قريتنا واختار أحبابنا؟.

جبر:             إنه القدر. وما بيدينا أن نغيره يا عم شاهين. فقدنا أحباباً وإخوة. ما زالت صورهم تلوح لي في كل غمضة عين. ما حدث للقرية لا ينسى.

شاهين:         ونحن تركناها وهربنا إلى هنا. تركنا المرض يفعل بالناس ما يفعله وجئنا نبحث عن الراحة.

جبر:             لا، لم نأت للراحة. أي راحة ستجيئ من الهروب؟.

شاهين:         (وهو يربت على كتفه) حاول أن تنام يا جبر.

يهز جبر رأسه إيجاباً، ويدخل إلى خيمته. ويظل شاهين وحده، يبدو عليه الحزن. يجلس على الأرض ويضع رأسه بين ركبتيه ويبدأ بالبكاء. يسمع صوت طيف خديجة يقترب منه.

خديجة:         شاهين، ما بك يا نظر عيني؟.

يرفع شاهين رأسه ويقف، ينظر يمنة ويسرى باحثاً عن الصوت.

شاهين:         خديجة.. أنت خديجة.

يدخل طيف خديجة ويقترب منه.

خديجة:         خديجة يا شاهين. لم تركتني هناك تحت تراب القرية؟.

شاهين:         ليتني لم أفعل، ليتني بقيت قرب جثمانك طوال العمر، ليت المرض أخدني إليك.

خديجة:         كنا سنكون معاً إلى الأبد، يظللنا سقف واحد مزين بأغاني الحب، تتماهى روحانا لتكونا روحاً واحدة.

شاهين:         أنت اخترتِ أن تتركينني، أشعر بالغربة يا خديجة. لا طعم للحياة ولا لون وأنت لست معي، أشعر أن جسدي وحده هنا وروحي هناك في القرية، عند قبرك.

خديجة:         لكنك هنا، بعيد عن القرية، بعيد عن الناس الذين يواجهون المرض والموت. بعيد عن قبري، عن جدار بيتي وشباك نافذتي.

شاهين:         لم أكن أرغب في المجيء، لكن أمي أصرت أن آتي معهم.

خديجة:         وهل ستعود؟. هل ستبلل تراب قبري بالماء وترش عليه الكافور. أحتاج اليك يا شاهين.

شاهين:         وأنا أحتاج إليكِ أكثر. أحتاج لابتسامتك، أحتاج لكلمة احبك يا نظر عيني. أحتاج للمسة يدك. أحتاج لأغنية تغنيها فأحلق في سماء بلا غيم.

خديجة:         سأنتظرك يا شاهين. سأغني لك أغنيتنا التي دائماً ما تغنيها.

شاهين:         (يغني أغنية الشريف هاشم العبدلي[1]) ترفق عذولي فما ذا الصياح

خديجة:          (تكمل الأغنية) على عاشق في حمى العشق طاح / أما علمت بأني امرؤ

في هذه اللحظة يسمع صوت عزف على العود وصوت ذات الأغنية من بعيد.

الصوت:         (من بعيد) أحب المليح وأهوى الملاح

يبدو الخوف على شاهين. ينظر يمنة ويسرى، يتراجع خائفاً، يختفي طيف خديجة. وما زال صوت الغناء من بعيد.

شاهين:         (ينادي) خديجة، خديجة.. أين أنت يا نظر عيني؟. خديجة.

تخرج أم شاهين من خيمتها مفزوعة، وتتجه لشاهين، وتقف أمامه تحاول تهدئته.

أم شاهين:      يمه شاهين، ما بك يا ولدي؟.

شاهين:         أمي، خديجة كانت هنا. قالت أنها تنتظرني. غنت لي أغنيتها التي تحبها .. (يغني وهو يبكي) ترفق عذولي فما ذا الصياح..

أم شاهين:      (وهي تحاول تهدئته) يا شاهين، خديجة ماتت. خديجة لا يمكن أن تأتي هنا.

شاهين:         بل جاءت كعروس تفتح حضنها لعريسها، حتى الأشجار والبحر يغني. اسمعي.

تهدأ أم شاهين وتصيخ السمع، تستمع للصوت وهو يغني على عزف العود البعيد.

أم شاهين:      (مستغربة) من أين يأتي الغناء.

شاهين:         من البحر، من الأشجار. تردد أغنية خديجة التي تحبها.

أم شاهين:      لا يا شاهين، الأغنية ليس أغنية البحر أو الأشجار. يبدو أن الجزيرة مسكونة.

شاهين:         (مصدوماً) مسكونة. لا يا أمي، ليس صحيحاً.

أم شاهين:      وماذا يعني هذا الغناء؟.

شاهين:         لا أدري. ربما أننا نتوهم.

أم شاهين:      أنا لا أتوهم. يجب أن نوقظهم. لقد جاءوا بنا إلى جزيرة مسكونة. قالوا أنها آمنة.

شاهين:         لا يا أمي، لا توقظيهم الآن. غداً أفضل، حتى نستقصي الأمر.

أم شاهين:      بل الآن. لا ندري ما ينتظرنا للغد في هذه الجزيرة.

شاهين:         سآخذ جبر صباحاً ونبحث في الجزيرة عن مصدر الصوت.  

أم شاهين:      وهل تتوقع أن تجد الجن ينتظركما؟.

شاهين:         ولماذا تعتقدين أنهم جن. ربما يكون هناك شخص ما هناك.

أم شاهين:      أبوك قال بأن الجزيرة غير مأهولة، من أين يأتي هذا الشخص إلى الجزيرة؟، ثم أننا لم نلحظ أي قارب عند الجزيرة. فكيف سيأتي؟.

شاهين:         سنبحث غداً، أنا وجبر. سنجده. أكيد سنجده. ثم هل سمعت عن جني يغني؟.

أم شاهين:      (وعليها تبدو الحيرة) لا.

يربت شاهين على كتف أمه. يبتسم لها. ويأخذها إلى خيمتها.. ويتجه إلى خيمته، نسمع صوت عزف العود والغناء يقترب أكثر وأكثر من المكان. يبدو الخوف على شاهين، يدخل بسرعة خائفاً إلى الخيمة..

-إظلام-

المشهد الثالث

نفس المكان، والوقت صباحاً، الجميع متجمعون ما عدا سلامة. يبدو عليهم القلق والحيرة.

أبو شاهين:     أكيد أنكم تتوهمون، المكان بعيد. ثم أنها جزيرة، قد تسمعون صوت النوارس، صوت الموج. يقولون أن الموج ينقل حكايا الناس. ربما ما تسمعونه كان حكايا.

جبر:             والشبح يا سيدي؟.

أبو شاهين:     (يقاطعه) وهم، مجرد وهم. (محتداً) أعرفك يا جبر، دائماً ما تتوهم، وتزورك الكوابيس.

أم شاهين:      وصوت الأغاني، لقد سمعناه ليلة البارحة.

أبو نصار:       أخبرتنا يا أبا شاهين بأن الجزيرة آمنة، سيكون المكان الذي سيبعدنا عن المرض.

أبو شاهين:     وما زلت أصر بأنها آمنة.

أبو نصار:       لكن البحارة قالوا أنها مسكونة.

شاهين:         أي بحارة؟.

أبو نصار:       وصلنا خبر أكثر من مرة بأن ثمة جزيرة تبعد عن القرية، مسكونة بالجن. لم يستطع البحارة البقاء فيها للاستراحة. ويبدو أنها ذاتها الجزيرة.

أم شاهين:      (بحدة لابي شاهين) تعرف بأمر الجزيرة وتأتي بنا جميعاً إليها؟.

أبو شاهين:     وأين تريدين أن تذهبي؟. كل القرى أغلقت أبوابها خوف المرض. ثم سينفضح أمرنا.

أم شاهين:      خوفك فقط من الفضيحة؟. لم تخف علينا وعلى الناس الذين تركناهم في مواجهة الموت وحدهم.

أبو شاهين:     أكيد أخاف من الفضيحة، أخاف أن يقال أن عمدة القرية هرب، أخذ زوجته وابنه، وهرب معه الملا.

أبو نصار:       (مرتبكاً) لكني لم أهرب. أنا، فقط ابتعدت حتى ينجلي المرض وأعود.

شاهين:         كلنا هربنا، هربنا خوفاً من المرض، بدل أن نبقى مع الناس، نساعدهم على مصيبتهم. ندفن موتاهم، نبحث معهم عن علاج. نعم نحن هربنا، لا اسم آخر له.

أم شاهين:      تركناهم لمصيرهم، يموتون يعيشون، يفتك بهم المرض، لا يهمنا. أنانيون نحن.

أبو شاهين:     بل نكديون أنتم. تفعلون أي شيء كي تشعروننا بالذنب، تشعروننا بأننا لا نملك قلباً ولا رحمة.

أبو نصار:       لا عليك يا أبا شاهين، يجب أن نعتد عليهما وعلى هذا النكد الدائم. كان هذا قرارنا جميعاً، اخترناه معاً، أنا تركت أم نصار في القرية وأخذت عليها العهود بأن لا تفشي بسرنا. لن يلام أحد. وسنبقى هنا. حتى لو كانت الجزيرة مسكونة. لن نجد مكاناً آمناً غيره.

يسمع صوت سلامة من الخارج

صوت سلامة:  (وهو يصرخ) جبر، جبر.. أين أنت.

جبر ينتبه لصراخ سلامة.

جبر:             (بصوت عال) أنا هنا يا سيد سلامة. مع العم ابي شاهين.

شاهين:         الله يستر، لا أدري ما به يصرخ هكذا (لجبر) إذهب إليه يا جبر.

جبر:             (وهو يهم بالخروج) إن شاء الله يا عم شاهين.

يتجه باتجاه الخارج لكنه يصطدم بسلامة الذي يدخل غاضباً. يمسك بيد جبر بغضب

سلامة:          اخبرني أين أغراضي؟.

جبر:             (خائفاً) لا أدري عن أي أغراض تتكلم.

أبو شاهين يتدخل ويبعد جبر عن سلامة الغاضب.

سلامة:          (غاضباً) صبيك لص. لقد سرق أغراضي.

أبو شاهين:     اهدأ يا سلامة ودعنا نفهم. أي أغراض سرقها؟. ثم أني لا أسمح لك باتهام جبر بالسرقة.

شاهين:         (لسلامة) جبر لا يسرق، كلنا نشهد بأمانته. ثم ما هي أغراضك المسروقة؟.

سلامة:          الصندوق الذي احتفظ به ببعض الحلوى والطعام. أتيت به من القرية. الطعام الذي صنعته زوجتي لي.

أم شاهين:      زوجتك صنعته لك ظناً أنك على سفر. لا تدري أنك هارب من القرية وتركتهم للمرض والموت وحدهم.

سلامة:          لم أهرب وحدي، كلكم هربتم. هربتم من القرية وتركتم أهلها دون عون.

أم شاهين:      لكننا لم نترك نساءنا ولا أطفالنا.

شاهين:         يا حاج سلامة، ابحث في المحمل جيداً عن أغراضك. ولا ترمي بالتهمة جزافاً على جبر المسكين.

سلامة:          ومن يسرق أغراضي غيره؟.

أبو شاهين:     أنا من سرقتها؟، أم شاهين؟، أم أبو نصار؟. ولماذا نسرق طعامك أنت بالتحديد؟.

سلامة:          ربما أعجبتكم الحلوى التي أعدتها زوجتي.

أبو نصار:       مسكين أنت يا سلامة. تفكر كالأطفال. ابحث عن حلواك جيداً.

جبر:             ربما الجني هو من سرق الحلوى.

سلامة:          (باستغراب) جني؟. أي جني هذا الذي يسرق الحلوى؟.

جبر:             الجزيرة مسكونة.

أبو شاهين:     هو يعتقد ذلك. يتوهم أنها مسكونة.

أم شاهين:      ليس وهماً، الجزيرة مسكونة. وأكيد أن الجن الذي يسكن الجزيرة هو من سرق حلواك.

جبر:             لقد رأيت واحداً منهم البارحة.

سلامة:          وماذا كان يفعل؟، وكيف كان شكله؟.

جبر:             مثلنا، رجل. لكني لم ألمح ملامحه.

سلامة:          قد لا يكون جنياً. بل سارقاً. إنسياً جاء ليسرقنا.

أبو شاهين:     ربما، ولكن من يعرف بوجودنا هنا؟.

سلامة:          قد يكون أحد من القرية عرف بوجودنا وسبقنا إلى هنا ليسرقنا.

أبو نصار:       لا أعرف كيف تفكر، ومن يقدر على اللحاق بنا إلى هنا من هؤلاء المساكين. إنهم مشغولون بأنفسهم يا حاج سلامة.

أم شاهين:      تخليتم عنهم، وتتهمونهم بالسرقة أيضاً. أي قلوب هي قلوبكم. ابحثوا عن الجني الذي سرقك يا سلامة، وصار يغني طوال الليل.

أبو نصار:       إنه جني فاسق. يسمعنا الأغاني عن عمد.

أبو شاهين:     (بسخرية) لقد عدنا يا أبا نصار.

شاهين:         مضحك أنت يا أبا نصار وأنت تصف الجني بالفسق.

سلامة:          لا أصدق أن ثمة جن في الجزيرة. أكيد أنهم إنسيون. الجن لا يغني، ولا يسرق الحلوى. يجب أن نكتشف الأمر. لنبحث في الجزيرة عن أي أثر لهذا اللص. من يأت معي؟.

جبر:             أنا سآتي معك. رغم أني أخاف الأشباح والجن.

سلامة:          لا يوجد أشباح. إنهم لصوص. هل سترافقنا يا شاهين؟.

شاهين مستسلماً يهز رأسه إيجاباً. يغادرون فيتجه أبو نصار لأبي شاهين، يقترب منه أكثر ويهمس له.

أبو نصار:       أبو شاهين، الأغنية التي كان يغنيها الجني أو الإنسي، أياً يكن. تذكرني بأحد ما.

أبو شاهين:     (يبدو عليه القلق) وأنا كذلك. لذلك أحاول أن أبدد فكرة أنه جني.

أبو نصار:       من يكون إذا؟. الأمر انتهى منذ سنوات. نسيناه. فلماذا يعود؟.

أبو شاهين:     لا أدري، انا مرتاب يا أبا نصار.

أبو نصار:       سينجلي الأمر، لقد ذهبوا للبحث، أكيد سيأتوننا بالخبر.

تقترب منهما أم شاهين قلقة

أم شاهين:      والله كنت أتوجس خيفة من ترك القرية.

أبو شاهين:     لن يحدث شيء. سيكتشفون هذا اللص. هذه جزيرتنا الآن. لننسى القرية وما فيها.

أم شاهين:      (باستغراب) ننسى قريتنا، بكل سهولة؟. ننسى أحبابنا، جيراننا؟.

أبو شاهين:     أنا ابن القرية وعمدتها ولم يعد يهمني أن أعود إليها، فلماذا تنشغلين بالقرية وأهلها، وهي ليست قريتك.

أم شاهين:      (بحدة) بل قريتي، عشت فيها أكثر مما عشت في قريتي، عشت معك في بيتك أكثر مما عشت مع أهلي. يوجعني أن أتركها وأهرب معكم. أنا لم أنم البارحة، وجوه أهل القرية زارت منامي، آهاتهم، بكاءهم، ضجيج الموت، وأوجاع المرض الذي يتسلل إلى كل جزء من أجسادهم فيفتك بها.

أبو شاهين:     سينتهي هذا كله. لا بأس أن نكون بعيدين، من حقنا العيش، أن نحب الحياة. ونهرب من الموت.

يدخل أيوب وهو يحمل العود. أيوب يبدو كأنه شبح، شعر طويل، لحية كثة وغير مرتبة وطويلة جداً. ملابس ممزقة. ويبدو عليه الهزال. يدخل عليهم بكل هدوء. ينتبهون له جميعاً فيصرخون فزعاً. ويتراجعون. يقف في المنتصف.

أبو شاهين:     (بخوف) من.. من تكون؟.

أبو نصار:       (بخوف) من يكون يعني. إنه الجني. أنظر لشكله.

أم شاهين:      (وهي تبكي وتقرأ آيات من القران) قل أعوذ برب الفلق… من شر ما …

أم شاهين ترتجف خوفاً وتبدأ بالبكاء.. يدخل بسرعة شاهين ووراءه سلامة وجبر.

شاهين:         (وهو يركض) لماذا الصراخ. هل حدث أمر ما؟.. أمي.

جبر:             (وهو يشير برعب لأيوب) إنه… هو … الشبح الذي رأيته البارحة.

أم شاهين:      من يكون هذا؟.. بسم الله الرحمن الرحيم.

سلامة:          هي أنت. من تكون؟. ولم أنت هنا؟. هل أنت إنسي، أو من الجن؟.

يتحرك أيوب باتجاههم. ويقترب منهم. يبدو عليهم الخوف، يتراجعون.

أيوب:           (بكل هدوء وثقة) جبناء. كعادتكم.

أبو شاهين:     من أنت؟.

أيوب:           ألم تعرفوني من أنا؟.

أبو نصار:       (مرتعباً) غير معقول. لكنك.

أيوب:           نعم. مت، غرقت في وسط البحر.

أبو شاهين:     (لأبي نصار) من يكون. من هو؟.

أبو نصار:       (وهو يبلع ريقه) أيوب.

أبو شاهين:     (مذهولاً) من؟. أي أيوب؟.

أيوب:           نسيت أيوب يا أبا شاهين.

شاهين:         من أنت؟، وكيف تعرف أبي.

أيوب:           وأعرفك. لا بد أنك شاهين. كبرت. احذر أن تكون مثله (وهو يشير لأبي شاهين).

سلامة:          (بذهول) أتعني أن هذا أيوب المغني؟. لكنه مات. دفعنا للبحار كي ..

أبو نصار يقفل فم سلامة.

أبو شاهين:     ستفضحنا، اصمت يا سلامة.

أم شاهين:      ما الذي يقوله سلامة؟، كأن حدسي صدق. تذكرتك يا أيوب.

أيوب:           كلكم تتذكرونني (لجبر) وأنت يا جبر؟. أتتذكر أيوب الذي كنت تطرب لأغانيه؟.

جبر يرتبك وهو ينظر لأبي شاهين وأبي نصار.

أم شاهين:      وكيف عدت للحياة؟.

أيوب:           لم أعد؟. أنا شبح أيوب، روح أيوب. أيوب مات منذ سنوات وأنا روحه.

يدب الخوف بينهم يبتعدون، تصرخ أم شاهين، ويبدأون جميعاً بالصراخ وترديد الآيات.

-إظلام-

المشهد الرابع

قبل عدة سنوات، في القرية، وفي مكان مفتوح بعيد عن العمران، جلسة طرب، حيث يغني فيها أيوب وهو أكثر شباباً، وحوله عدد من أهل القرية ومنهم جبر الذي يبدو أصغر. منسجمون مع أغنية أيوب وهو يغني أغنية المغني الكويتي عبد الله الفرج [2]

أيوب:           (وهو يعزف على العود) مر ظبي سباني .. حينٍ نظرته عشيّه/ سلب فؤادي وقفا .. من بعد رد التحيّه. يا خل بلغ سلامي/ في الوصل وارجع اليّه. اوصف لهُ حالتي / لعله يرعى ودادي. عيونه مثل الما / صارت في قلبي رميّه

ويبدو حماس المجتمعين من الناس ومنهم جبر مع الأغنية بالتصفيق والترديد خلف أيوب. يدخل أبو شاهين وأبو نصار وبعض مرافقيهما بغضب وبشكل هجومي.

أبو نصار:       (بغضب) ما الذي تفعلونه يا فجار؟.

يتوقف أيوب عن الغناء.

أيوب:           (باستغراب) فجار؟.

أبو شاهين:     نعم فجار، ما تفعلونه فجور وفسق.

أيوب:           نحن نغني. لم نؤذِ أحداً.

أبو نصار:       الغناء فجور. تجتمعون هنا خارجين عن شرع الله وشرع الناس.

شخص:         يا ملا أبو نصار، نحن هنا للفرح، ولم نؤذيِ أحداً بفرحنا.

أبو نصار:       لكن فرحكم حرام. بدل الصلاة والدعاء تجتمعون هنا للغناء.

شخص2:       لكننا صلينا ودعينا الله. ثم جئنا هنا بعيداً عن الناس نمنح أرواحنا بعض الفرح.

أبو شاهين ينتبه لجبر، يمسكه بغضب

أبو شاهين:     أنت هنا أيضاً يا جبر. ما الذي أتى بك مع هؤلاء؟.

جبر:             (بخوف) تعبت في العمل وكنت أبحث عن بعض المتعة. وجئت معهم. لم أكن أعرف أنه حرام.

أبو نصار:       (يصرخ) حرااااام. حرام ما تفعلونه. ستخسفون بنا. لن يرضى الله عنكم.

ينظر الناس لبعضهم البعض بقلق.

أيوب:           لقد تركتم كل الخطايا، تركتم المرابي والمرتشي، تركتم الكذابين والمغتابين. ولم تقووا إلا علينا. لم نفعل ما يؤذي أحداً. هي مجرد متعة، نستل بها تعب أيامنا. نغني ونصفق ونفرح.

أبو شاهين:     لكن الملا أبي نصار قال أن ما تفعلونه حرام. وسيجر علينا غضب الله.

أيوب:           الله يغضب للظلم، يغضب لأكل مال اليتامى، لسرقة تعب الفقراء.

أبو نصار:       (بسخرية) ما شاء الله تتحدث وكأنك تفهم في الشرع أيها الفاجر الفاسق. يا مزمار الشيطان.

يبدأ بعض المجتمعين الانسحاب وترك أيوب.

أيوب:           (بتحد) لن أتوقف عن الغناء، سأغني هنا. ومن يريد أن يستمع ويشارك معي. ويقتنص دقائق متعة مع أغاني. فأنا موجود.

أبو نصار:       إذاً أنت تتحداني؟.

أيوب:           افهمها كما تريد، لكنني لن أتوقف عن الغناء. الغناء وقود حياتي.

أبو شاهين:     أنت تتجرأ على الشرع، وخادم الشرع.

أيوب:           ومن نصبه؟. إنه مجرد ملا يعلم الأطفال القرآن، ويؤم الناس في الصلاة.

أبو نصار:       أنا خادم الشرع غصباً عنك. ولا تتحداني حتى لا تندم. لن أسمح لك بأن تفسق في هذه القرية الطاهرة.

يغادر أبو نصار غاضباً.. ويتبعه أبو شاهين وهو يسحب جبر إلى الخارج، ينسحب المجتمعون ويظل أيوب وحده حزيناً

أيوب:           (يخاطب العود) أنا وأنت فاجران، فاسقان، هل سيحل غضب الله على القرية بسببنا؟، لم نفعل ما يستحق. هل الأنغام خطيئة، هل الفرح خطيئة؟، هل الأغاني التي تنعش الأرواح خطيئة؟. لماذا يعادون الفرح؟، ويخنقون المتعة؟. الناس بحاجة لنغم وأغنية.. (بتحد) لكنني لن أيأس، لن يصمتني تعسفهم. سنظل أنا وأنت رفيقان، نغني للناس، للحب وللحياة. فلنتعاهد على ألا نفترق أبداً.

يحتضن العود، ثم إظلام

المشهد الخامس

في مجلس أبي شاهين، أبو شاهين يتصدر المجلس ومعه أبو نصار. يبدو عليهما الغضب.

أبو نصار:       إنه يتحداني.

أبو شاهين:     لن نسكت له. يجب أن نكسر أنفه، لا يجب ألا يرفع صوته عليك ولا علي أمام الناس.

أبو نصار:       قلل من هيبتنا أمام الناس. لم يخف وتجرأ أكثر وواصل جلساته الماجنة. يغني طوال الليل، ويعربد.

أبو شاهين:     والله أنا خائف أن الله سيخسف بنا بسببه. بلدتنا الطاهرة النقية، يحدث فيها ما يحدث.

أبو نصار:       لأننا سكتنا عنه. اسمع، يجب أن نؤدبه.

أبو شاهين:     كيف؟.

أبو نصار:       عرفت أنه خطب بنت الحطاب؟.

أبو شاهين:     تقصد أبو محمد الحطاب؟.

أبو نصار:       هو ذاته؟.

أبو شاهين:     وهل وافق عليه.

أبو نصار:       نعم. للأسف. لكنهم لم يكتبوا الكتاب بعد.

أبو شاهين:     ما الذي تفكر فيه؟.

أبو نصار:       سترى. أنا طلبت من جبر أن ينادي الحطاب.

أبو شاهين:     (مستغرباً) يبدو أنك فكرت وقررت.

أبو نصار:       لا يجب أن نتأخر. تعرفني دائماً ما أمشي على جمر.

أبو شاهين:     وما الذي تخطط له؟.

أبو نصار:       ستكون صفعة على وجه الفاجر أيوب، لن ينساها أبداً.

جبر يدخل.. ويقترب منهما.

جبر:             أبو محمد الحطاب هنا. هل أدخله؟.

أبو شاهين:     أدخله.

يهم جبر بالخروج لكن أبو شاهين يناديه

أبو شاهين:     (ينادي) جبر.

يتوقف جبر ويواجه أبا شاهين وهو منكس رأسه.

جبر:             نعم عمي.

أبو شاهين:     هل ما زلت تقضي الليل هناك؟.

جبر:             (خائفاً) لا والله يا عمي، لقد تبت. كان خطأً فسامحني.

أبو نصار:       جبر شاب مؤدب وخلوق. تاب توبة نصوحة، الله يوفقه. ادخل الحطاب.

يخرج جبر مكسوراً، ويدخل بعد الحطاب. يقترب منهما

أبو شاهين:     استرح يا أبا محمد.

الحطاب:        خير إن شاء الله حضرة العمدة؟. لقد أخافني جبر بطلبك إياي.

أبو نصار:       لا تقلق يا أبا محمد.

الحطاب:        كيف لا أقلق يا ملا، أنا شخص على باب الله، فقير. وليس لدي مشاكل مع أحد.

يقترب أبو نصار منه ويربت على كتفه مبتسماً

أبو نصار:       يا رجل ما بالك؟. يعني عمدتنا الموقر أبو شاهين لا يطلب أحداً لمشاكل.

أبو شاهين:     كيف هو العمل معك؟.

الحطاب:        الحمد لله، باب الرزق لا يغلق. يكبر الأولاد ويأتي الرزق معهم. صحيح أن السوق بين مد وجزر. لكنها مستورة الحمد لله.

أبو شاهين:     الحمد لله، يعجبني فيك كفاحك من أجل أولادك. مثلنا كلنا. أنا لا يهمني في هذه الدنيا سوى شاهين.

الحطاب:        الله يحفظه لك.

صمت، وقلق واضح على الحطاب، وأبو نصار وأبو شاهين يتبادلان النظرات.

أبو شاهين:     سمعنا أنك ستزوج ابنتك.

الحطاب:        نعم، حليمة.

أبو نصار:       عظيم، الله يوفقها ويسعدها يا أبا محمد. ومن سعيد الحظ الذي اختار حليمة زوجة له؟.

الحطاب:        أيوب.

أبو شاهين:     (يمثل الاستغراب والاستنكار) أيوب؟. المغني؟.

الحطاب:        نعم هو. إنه شاب خلوق. وهي ترغب فيه زوجاً.

أبو نصار:       (كأنه مصدوم) لا حول ولا قوة إلا بالله. ما الذي تفعله بابنتك يا رجل؟.

الحطاب يبدو مستغرباً

أبو شاهين:     كيف تزوج ابنتك لرفيق الشيطان؟.

أبو نصار:       نعم، المغني رفيق الشيطان. كيف قللت من قيمة ابنتك؟.

الحطاب:        بالنسبة لي لا يعيبه الأمر. سألت عنه كثيراً، هو يعمل ويكد على نفسه. يحب الغناء ويغني؟.

أبو نصار:       لكن الغناء حرام ومن فعل الشيطان. وأنت رجل فاضل، في كل صلاة أجدك في الصف الأول. كيف لرجل فاضل أن يزوج ابنته لفاسق كأيوب؟.

الحطاب يبدو حائراً وصامتاً لا يملك كلاماً يرد به

أبو شاهين:     ابنتك ألف من يتمناها. لماذا لم تختر لها إلا هذا الأيوب. لم أعهدك لهذه الدرجة يا أبا محمد. لا حول ولا قوة إلا بالله.

أبو نصار:       اسمع يا أبا محمد، نحن لا شأن لنا بالأمر. ولكننا إليك ناصحون. أيوب لا يصلح لابنتك. ستحكم عليها بالشقاء.

أبو شاهين:     لا عليك يا أبا نصار، وما شأننا بالأمر. هو حر. يزوج ابنته لأيوب أو لغيره. أنت نصحته وهو حر. صحيح، لم نخبرك لماذا طلبناك.

الحطاب يبدو عليه الحزن والانكسار.

الحطاب:        أمرك أيها العمدة.

أبو شاهين:     أريد منك أن توفر لي بعض الحطب لبناء غرفة جديدة. لشاهين. الولد كبر ولا أدري متى يطلب الزواج.

الحطاب:        (يبدو عليه الضيق وعدم الراحة) إن شاء الله. سأوفر ما تريده. لكن هل لي أن أرحل الآن وآتيك مرة أخرى لنتفق على الكمية. أشعر ببعض التعب.

أبو نصار:       سلامتك يا أبا محمد. هل نطلب من جبر أن يوصلك للبيت؟.

للحطاب يشير بيده بالرفض، ويغادر المكان متعباً مكسوراً. بينما يتبادل أبو شاهين وأبو نصار الابتسامات ونظرات الانتصار

-إظلام-

المشهد السادس

عند بيت الحطاب، وأمام نافذة حليمة. حليمة داخل غرفتها. بينما أيوب يتشبث بشباك غرفتها حزيناً.

أيوب:           (مصدوماً) ولكنه وافق. ولم يبق إلا كتب الكتاب.

حليمة:          (بحزن) لا أعرف، أنا محتارة، مصدومة. سأموت يا أيوب. ما الذي غيره؟.

أيوب:           قال لي أنه احبني. ووافق لأنه رأى فيَ النبل والرجولة. وأنه متيقن أنك ستكونين مصونة في بيتي.

حليمة:          لا أدري ما الذي غير أبي، ما الذي جعله يتراجع. يقول أنه لا يمكن أن يزوجني لمغني.

أيوب:           (باستغراب) مغني؟، لكنه يعرف أني أغني.

حليمة:          أيوب، افعل شيئاً. كانت مجرد خطوة تفصلنا عن حياتنا الجديدة. أنا وأنت، كما رسمناها معاً خلف هذه النافذة.

أيوب:           أنا لا أتصور أن تبتعدي عني بعد أن اقتربت أكثر. كنا سنكون معاً بلا شبابيك تفصلنا.

حليمة:          اترك الأغاني.

أيوب:           (بصدمة) حليمة، يا فاتنتي وحبي وعمري. أحببتني أغني، عشقتِ صوتي وأنا أغني لك. الأغاني التي تحبينها. كنت تقولين صوتي كمطر صيف. بارد على القلب الولهان. أحببتُ الأغاني أكثر وتمسكت بعها وتحديت الآخرين لحبك لها. أحببت الألحان. أحببت العود لأجلك. كيف أتركها؟.

حليمة:          (يائسة) تعبت يا أيوب. اعذرني. فما لي حيلة.

أيوب:           سأقابل أباك غداً وأفهم منه. ربما يدلني على سبب تغيره علي. لا تقنطي يا عمري يا حليمة. لن نكون إلا لبعضنا. لن يستطيعوا التفريق بيننا.

حليمة:          وكيف تقنع أبي؟.

أيوب:           أبوك رجل بسيط وطيب. قلبه بياض قطن. أكيد سأقنعه. لا تقلقي.

حليمة:          وكيف لا أقلق يا أيوب، كيف سأنام الليلة ووسادتي جمرة حزن. كيف أنام وغداً مجهول. أنام على فكرة أنهم يبعدوننا عن بعضنا.

أيوب:           نامي، وتذكري أيوب يغني لك أغنية من أغانيه التي تحبينها .. (يغني بصوت حزين)

لج الهوا بى واشتعل في فؤادى/ ومن المحبة همت من كل وادي/ وامن الهنا يوم ارتحال البوادى

حليمة:          (وهي تبكي تغني معه) غديت ادور جوف الاظعان حشوان[3]

-إظلام-

المشهد السابع

في مجلس أبو شاهين. أبو شاهين وسلامة الذي يسلم أبو شاهين كيس أعشاب. يأخذه أبو شاهين ويدسه في جيبه.

أبو شاهين:     هل أنت متأكد من نجاعته؟.

سلامة:          (وهو يبتسم) وهل غششتك مرة يا أبا شاهين؟. ستكون كالحصان.

أبو شاهين:     من ناحية الغش، لا أستطيع تزكيتك يا سلامة. أعرفك تماماً.

سلامة:          لو غششت كل الناس، لن أغشك أنت بالذات.

أبو شاهين:     المهم، ألا يعرف أحد بأمر الدواء. سأأتمنك على هذا السر فلا تخنه.

سلامة:          (بعتب) عيب في حقي يا أبا شاهين. أنا أخونك؟. لن يعرف أحد أبداً بالأمر. سرك في بير.

أبو شاهين:     إذا أثبت الدواء نجاعته، سأكافئك.

سلامة يفرك يده بسعادة.

سلامة:          سترى براعتي.

يدخل أبو نصار ويبدو عليه السعادة، يرتبك أبو شاهين وسلامة لدخول أبو نصار المفاجئ. ينتبهان له.

أبو نصار:       (بسعادة) حدث ما خططنا له.

أبو شاهين:     ماذا تعني؟.

أبو نصار:       أنسيت أمر أيوب؟.

أبو شاهين:     صح.. نسيت فعلاً.

سلامة:          أيوب؟، ما الأمر؟.

أبو نصار:       لقد وصلت الصفعة إلى حنكه. انتهينا منه.

أبو شاهين:     هل انهى الحطاب علاقته مع ابنته؟.

أبو نصار:       أكيد. الحطاب رجل مسكين، وكان محشوراً بين العمدة والملا، فما الذي تظن أنه فاعل.

أبو شاهين:     (بسعادة المنتصر) مرغنا أنفه في التراب، يستحق وأكثر.

سلامة:          أريد أفهم ما يدور.

أبو نصار:       أيوب يتحدانا.

سلامة:          (باستغراب) أيوب؟، إنه مسالم. ولا يمكن أن يتحدى أحداً. أنت تبالغ.

أبو نصار:       بل هو فاجر زنديق. ويجب أن يتأدب.

سلامة:          (مصدوماً) أيوب؟. إنه رجل طيب، صوته وأغانيه تجعل قلوب العاشقين ترفرف.

أبو نصار:       (غاضباً) ما هذا الكلام يا سلامة؟. هل أنت من جماعته.

سلامة:          (خائفاً) أعوذ بالله.. أنا؟.. لا.

أبو نصار:       أنت تمدحه الآن.

سلامة:          لا، أنا لا أعرفه. أنا.. (ينظر لأبس شاهين طلباً للإنقاذ).

أبو شاهين:     (وهو يتحرك باتجاه أبي نصار) يا أبا نصار، ما بك. سلامة لا يقصد.

أبو نصار:       وماذا يقصد؟. نريده عوناً لنا ضد هذا الفاجر.

يسمع صوت من الخارج، صوت جبر وأيوب

ص. جبر:       دعني أستأذن منه أولاً.

ص. أيوب:      (وهو يصرخ) قلت أني سأدخل له. هو العمدة، فكيف يغلق الباب أمام الناس.

يدخل أيوب غاضباً ووراءه جبر الذي يحاول إمساكه. يفلت أيوب يده من جبر بغضب. يشير أبو شاهين لجبر أن يغادر.

أبو نصار:       (لسلامة) أهذا الطيب الذي تعنيه. أنظر كيف يدخل لبيوت الناس.

أيوب:           أنتم لستم كالناس.

أبو شاهين:     (غاضباً) هيه أنت. كن محترماً وأنت في مجلسي.

أيوب:           كيف أكون محترماً مع من يمتهنون خراب البيوت؟.

أبو نصار:       من تقصد؟، نحن؟. عيب عليك.

أيوب:           العيب ما فعلتموه. تكذبون على أبي محمد الحطاب. تفسدون زواجي من ابنته بفتنكم. ثم تقولون عني أني فاجر. الفجور والفسق ما تفعلونه.

أبو شاهين:     (بغضب) تأدب وأنت في حضرتنا.

أيوب:           لا أتأدب وأنا في حضرة كذابين وجبناء.

أبو نصار:       لقد تماديت. نحن كذابون وجبناء؟.

أيوب:           الجبن هو الفتنة، تطعنوني في ظهري. لأنكم تجبنون على مواجهتي.

أبو شاهين:     (غاضباً) ومن أنت لنخاف منك ومن مواجهتك؟. أنت مجرد صعلوك.

أيوب:           بل جبناء. كذبتم على الرجل، ورطتموه بكذبكم. أفسدتم زواجي من حليمة. ماذا تسمون كل ذلك. هل هذا الشرع الذي تدعي أنك خادمه؟. وهل هذا ما ائتمنت عليه. أنا من أبناء القرية التي عينت عمدة عليها، وها أنت تتحالف مع هذا (يشير لأبي نصار) لكي تفسدا في الأرض.

أبو نصار:       لا أحد يفسد في الأرض غيرك، وستخسف بنا الأرض والسماء.

أيوب:           (بسخرية) أنت مسكين يا أبا نصار. كنت أظنك معلماً للقرآن. شريفاً، مؤمناً حقيقياً. لكن تبينت دواخلك.

أبو نصار:       أنا أفعل ما يأمرني به الشرع.

أيوب:           الشرع برئ منك. الشرع لم يأمرك بالفتنة، لا يأمرك بإفساد ذات البين.

أبو شاهين:     ليس لدينا ما نضيفه. أنت تحديتنا وأثبتنا لك بأننا نملك قوة أكبر. ولا يمكن أن يقف أحد في مقابلنا.

أيوب:           يبدو أني جرحت كبرياءكم فانتقمتم. لكن صدقاني، الرابح من يضحك أخيراً.

أبو نصار:       نحن من سيضحك بعد أن مرغنا أنفك في التراب. فلا تتحدانا.

أيوب:           (بغضب) بل أتحدكما. سأنتصر عليكما. لأن قوتكما هشة. سأنتصر وسأضحك أخيراً.

يغادر غاضباً.. لكن يبدو أنه عكر مزاج أبي شاهين وأبي نصار. أبو شاهين ينظر لأبي نصار، بين يقف سلامة حائراً، ويبدو عليه الورطة.

أبو نصار:       سلامة؟.

سلامة:          (ينتبه) نعم يا ملا.

أبو نصار:       نحتاج خدمتك. يجب أن ينتهي هذا الكابوس. وستكون شريكنا في الخلاص منه. ستثاب ثواباً عظيماً. فما سنفعله دفاع عن الشرع، وعن طهارة القرية.

سلامة:          أنا بين يديك. اطلب.

أبو شاهين:     ما هي نيتك؟.

أبو نصار:       الخلاص الدائم.

نظرات استغراب متبادلة بين أبي شاهين وسلامة

-إظلام-

المشهد الثامن

في الجزيرة، أبو شاهين وأبو نصار وأم شاهين وسلامة وجبر وشاهين منهارون وجالسون على الأرض. وأيوب يقف في الوسط.

أيوب:           جبناء، لم تتغيروا.

أبو شاهين:     وهل تريدنا أن نموت، لا نقدر على مواجهة المرض والموت.

أيوب:           كما لا تستطيعوا مواجهتي، ولا مواجهة غنائي. لم أكن سوى شخص يحب الفرح.

أبو نصار:       لكن هذا الفرح حرام.

أيوب:           والقتل؟، أليس حراماً؟.

سلامة:          لم نكن ننوي قتلك. فقط نفيك من القرية.

أيوب:           بل هي نيتكم. هذا ما طلبتموه من البحار المسكين. أن يقتلني ويرميني في البحر. ثم ألست أنت يا سلامة من قدمت لي العشبة التي نومتني؟.

سلامة:          (بخوف) هم، هم … من طلبوا مني ذلك. تعرف أني أحبك يا أيوب وأحب غناءك.

شاهين:         (مصدوماً) ما الذي أسمعه. يقتلونك؟. لم كل هذا؟. لأنك تغني؟. تغني للحب وللعاشقين.

جبر:             كانت أغانيه فرح، كانت أغانيه تمحو همومنا، كما تمحو الريح أثر الرمل.

أيوب:           لكنهم جبناء، وأعداء الفرح. ألبوا الناس ضدي. ثم قرروا قتلي.

أبو نصار:       إنه حكم الله.

أيوب:           ومن نصبك نائباً عن الله؟. لم تبحث عن خطايا الناس وذاتك مغموسة بالخطايا. تبحث عن سواد الناس، وقلبك أحلك من ليل بلا ضوء.

أبو نصار:       (محتداً) أنا؟، أنا ملا القرية. معلم الأطفال. أنسيت من علمك القرآن في طفولتك.

أيوب:           لا، ولن أنسى أيضاً بأنك من حكمت علي بالموت.

شاهين:         هل لي أن أسألك يا أيوب؟.

أيوب:           اسأل يا شاهين. لكن لا تكن كأبيك. بلا قلب ولا مشاعر.

شاهين:         كيف عدت للحياة؟. وهل يعود الموتى من الموت؟. كيف تكون ميتاً وها أنت أمامنا.

أيوب:           ليت الموتى يعودون، لكن الموت هو العتبة الأخيرة من رحلة الحياة.

شاهين:         (بأسى) لو كانوا يعودون، لعادت خديجة من رحلة الموت. لكنها رحلتها الأخيرة. أخدت قلبي معها وغادرت.

أيوب:           الموت ينتخب الطيبين. ينتخب الفارغة جعبهم من الخطايا. ويترك الخطائين.

أبو نصار:       من تقصد؟.

أيوب:           ومن غيركم. أنتم. جميعاً. خططتم ونفذتم، ورضيتم.

أبو شاهين:     إنها فتوى الملا أبو نصار.

أم شاهين:      كلنا شركاء، هو خطط، وأنت نفذت.. وأنا عرفت وسكت.

شاهين:         وماذا عنا نحن؟، ما هو دورنا؟. يكفي أني جئت هنا مرغماً، كنت أود أن أبقى معها، عند قبرها، أناجيها واغني لها كما كنت أغني. أنا لا علاقة لي بكل ما يدور. لا علاقة لي بالأمر يا أيوب.

أيوب:           أعرف، وأعرف مدى ما تشعره من فجيعة. فقد كنت مثلك. عاشقاً، احترفت الغناء لأجلها. أحبت غنائي. كنت أغني لها (يغني بحرقة) باح الغرام ونشـّف الريـق بالاّه/ يا لاهي ٍ يلعب ولا هوب بـالاّه. يا عين باشواقك أساليـك بالله / حيـثي مناجي في هواك الهواهي [4]

شاهين:         (مصدوماً) يفرقان بينكما. يهدمان عشاً كان سيبنى على الحب؟.

أبو نصار:       هذا واجبنا الشرعي، أن نحمي الفتاة منك. ونحمي الناس من فجورك.

أبو شاهين:     ما الذي تريدنا أن نفعله وأنت تفسد الناس بغنائك؟.

أيوب:           أفسد الناس بغنائي؟، كنت أوزع عليهم الفرح. كنت انتشلهم من كآبتهم. غنائي كان يحصنهم من الحزن. وهل من يفرح الناس فاسق؟.

أبو نصار:       الغناء حرام. حرام.

أيوب:           وماذا عن القتل؟، ماذا الفتنة. ماذا عن سرقة الناس يا سلامة (لسلامة)؟.

يتراجع سلامة خائفاً.

سلامة:          أنا ما لي وكل هذا.

أيوب:           أنا لا أنسى ما فعلته بي. لا أنسى طعم العلقم الذي فتك بأحشائي. المنوم الذي ناولتني إياه يبدو أنه كان فاسداً ككل ما تبيعه على الناس.

سلامة:          (معترضاً) أنا عطار القرية البارع، أنا من أعالجهم من كل أمراضهم. فكيف تقول عني ذلك؟.

أيوب:           أنت كذاب وجبان مثلهم. لا تختلف عنهم أبداً. ووجودك معهم يدل على كذبك.

سلامة:          أنا جئت من القرية لأبحث عن دواء للمرض في هذه الجزيرة.

أيوب:           أنت لا تهرول عبثاً. هربت من القرية خوف المرض. وجئت هنا جشعاً. أعرفكم. جبناء.

أبو شاهين:     (يحاول تهدئة الوضع) لم تخبرنا. كيف لم تمت. والبحار رماك في عرض البحر. لم أعهدك سباحاً ماهراً.

أيوب:           أنا مغني ماهر. البحار لم يكن مثلكم، كان يملك ضميرا لا يستحل دم إنسان. لا يلوث يده بقتل نفس. لم يرمني في البحر.

أبو شاهين:     (مصدوماً) كيف؟.

-إظلام-

المشهد التاسع

المنظر مركب في وسط البحر. أيوب مقيد في صارية المركب، يبدو عليه الإنهاك، وبجانبه البحار. الوقت ليلاً، المركب يتهادى على الموج.

أيوب:           (وهو في قمة تعبه وحزنه يغني بلحن حزين) صوت على الفرقا بليل لعي به / والبرق مثل كفوف دقاقة الطار. يغديك مره ومرة تفتدي به / كنك غرير بالمنازل ومحتار. ولا أظنك اول من تزايد نحيبه / شفق على ذيك المنازل بتذكار[5].

البحار الذي يبدو يستمع لأغنية أيوب باهتمام، ويبدو أنه مستمع بالغناء.

البحار:          صوتك شجي. يطرق أبواب القلب.

أيوب:           (بحزن يتنهد) وهو خطيئتي.

البحار:          وهل الصوت الشجي خطيئة؟.

أيوب:           في عرفهم. ألست هنا معك لأموت؟.

البحار:          مثلك لا يموت.

أيوب:           لكنهم حكموا علي بالموت. حكموا علي بالوجع الدائم. فرقوا بيني وبين من أحب.

البحار:          لمَ كل هذا؟. لقد قالوا لي بأنك ارتكبت جريمة تستحق عليها الموت. وطلبوا مني أرميك في البحر.

أيوب:           جريمتي أني أغني.

البحار:          الغناء ليس جريمة. نحن البحارة نستأنس بأصوات النهامين وهم يغنون لنا الشوق والحب. نألف أصواتهم وتدفعنا للعمل والكد.

أيوب:           لكنها جريمة يخافون منها.

البحار:          كنت أظنك قتلت أحداً، أو زنيت، أو شربت خمراً، ليحكم الملا عليك بالقتل.

أيوب:           جريمتي أني أغني للناس، أقدم لهم الفرح بلا مقابل في صواني الغناء.

البحار يصمت قليلاً ويفكر.

البحار:          لن تموت.

أيوب:           (مستسلماً) لكنهم حكموا علي.

البحار:          لن أفعلها. مثلك يجب أن يبقى. أنت تهب الناس الفرح، لا طعم للحياة بلا فرح، وبلا غناء.

أيوب:           إذا عدت للقرية سيقتلونني.

البحار:          لن تعود. هناك جزيرة لا يسكنها أحد. ستبقى فيها. سأزودك بالطعام كلما مررت منها. وبالأموال التي أعطوني إياها مقابل رميك. وسأخبرهم أني رميتك في البحر. وأنت انتهيت إلى الفناء.

أيوب:           (يتنهد) لقد زهدت في هذه الحياة. ليس لدي ما أتمسك بها لأجله بعد أن فقدت حليمة.

البحار:          لا بد أن تحب الحياة. هناك من يحبون الفرح، وينتظرون من يهبهم الفرح، وأنت أحدهم.

أيوب:           وماذا لو عرفوا بالأمر؟.

البحار:          لن يعرفوا. ولن يقترب أي أحد منك. سأخبرهم بأن الجزيرة مسكونة. وسرك لن يعرفه أحد غيري.

-إظلام-

المشهد العاشر

نفس المكان في الجزيرة، الجميع مجتمعون ويبدو عليهم الصدمة. ومعهم أيوب. لكن لا يبدو جبر موجوداً معهم

أبو شاهين:     لقد خدعنا.

أبو نصار:       لقد أوهمنا بأن الجزيرة مسكونة حتى لا ينكشف أمره.

أيوب:           كان يأتيني بالطعام والزاد كل شهر، لم أكن أحتاج لشيء. حتى العود جلبه لي ليؤنس وحدتي ويبدد وحشتي، صرت أغني للحياة، للحب للأمل. الأغاني هي ما جعلتني أعيش وأناضل من أجل العيش (بأسى) لكنه غاب، منذ مدة لم يمر. وأنا بلا زاد يقيني الجوع والعطش.

سلامة:          البحار مات.

أيوب:           (مصدوماً) مات.

أبو نصار:       نعم مات. سيكون مآله جهنم لأنه خدعنا.

أيوب:           (متأثراً) دائماً ما يموت الأخيار، ويبقى الجبناء.

شاهين:         (يبدو متضامناً مع أيوب) البحار أنقذ روحاً من الموت. ولن يعاقبه الله بجهنم. يا ملا، جهنم تنتظرك أنت.

أبو نصار:       (غاضباً) ماذا.. أنا؟. ما الذي يقوله ولدك (لأبي شاهين).

أبو شاهين:     (غاضباً لشاهين) من العيب أن تقول هذا الكلام للملا.

شاهين:         إنه ليس ملا، هو ابليس بهيئة رجل. كل هذا الخراب الذي تمتلئ به روحه لا يمكن أن يكون ملا.

أم شاهين:      لا تلم أبا نصار وحده، أبوك شريكه، وسلامة.. وأنا لأننا نعرف بالحكاية وصمتنا.

شاهين:         (محبطاً) كلكم مدانون. كلكم أبالسة. تعادون الحب وتكرهون الفرح. كيف ترضين يا أمي بأن يفعل أبي كل هذا وتصمتين؟.

أم شاهين:      ما باليد حيلة يا شاهين. والله ما كنت أرضى بكل ما حدث (أيوب) سامحنا يا أيوب.

أيوب:           أسامحكم؟. حين تركت وحيداً لم يكن أحد يمد لي العون. تكالبوا كتكالب الذئاب على الفريسة. أسامحكم لسنواتي التي سقطت من روزنامة عمري؟. أسامحكم للتفريق بين حبيبين؟. ما أبسط هذا الطلب يا أم شاهين. سامحنا. كلمة خفيفة. لكن الخطيئة ثقيلة لا يخففها الكلام.

أبو شاهين:     سنعوضك على كل السنوات التي ضاعت.

أبو نصار:       (بإصرار) لم نفعل ما يستحق عليه. هو أخطأ ويستحق ما حدث له. ولا نحتاج لأن نعوضه.

أيوب:           لن تتغير، تنعق كغربان المصائب.

شاهين:         (لأيوب) لا تسامح من أساء إليك. أبي لم يرحمني أنا أيضاً، قتلني مراراً، لم يرض بخديجة، ولأني أحبها وأخبرته بأني سأموت إن لم أتزوجها. وافق مضطراً. وعندما ماتت خديجة. ضحك. تصور، يضحك لموت خديجة، لأنها لن تتزوج إبنه شاهين، فكيف لابن العمدة أن يتزوج بنت سماك. بائع السمك لا يصلح أن يضع يده بيد العمدة.

أبو شاهين:     (منكسراً) همي مصلحتك. يا شاهين انت ابن عمدة. لا تعاتبني على خوفي عليك.

شاهين:         أبي، لن أنسى فرحك بموت خديجة. كسرت ما بيننا. جئت مرغماً لأجل أمي. منذوراً بحزن طويل. أنا لن أتزوج أبداً، لقد عاهدت خديجة أننا سنكون لبعضنا البعض. وأنا لن أخون العهد.

أيوب:           حسناً فعلتم، حين قررتم أن تهجروا القرية خوفاً من المرض. لأن قريتنا تلفظ الجبناء. قريتنا المسكينة. ستحبون الجزيرة. أنا لا أتذكر كم سنة بقيت في منفاي هذا. ستعجبكم الجزيرة، سيطول مكوثكم هنا.

سلامة:          ما الذي تقصده؟. نحن هنا لشهر لا أكثر، حتى ينجلي المرض، وتعود القرية لما كانت.

أيوب:           القرية لا تريد الجبناء الذين تركوها عند حاجتها لهم. ثم من يدري أن المرض سيبقى لشهر، قد يطول طويلاً.

أبو شاهين:     سنترك لك الجزيرة ونغادر. لن نبقى فيها. يا جبر، يا جبر.

أبو نصار:       وأين نذهب؟. لا مكان لنا هنا، وعودتنا للقرية خطرة.

سلامة:          (لأبي شاهين) قلت أن لا مكان آخر نذهب إليه.

أبو شاهين:     إذا كنتم تقبلون البقاء في الجزيرة معه. فابقوا. أما أنا فلا مكان لي فيها.

أيوب:           أبو شاهين يخاف على مكانته. فهنا لن يكون عمدة على الجزيرة. وأنت (لأبي نصار) لن تكون ملا. بقاءكم هنا يجردكم من ألقابكم التي ظننتم أنها تميزكم عن الناس.

أبو نصار:       أنا الملا هنا وهناك وفي كل مكان، لن يتغير الأمر أبداً.

أيوب:           بالنسبة لي لست كذلك، ولا بالنسبة لأهل القرية الذين سيعلمون بهروبكم. الملا والعمدة اللذان هربا والعطار الغشاش سلامة، تركوا القرية في محنتها.

أبو نصار:       أهل القرية بسطاء، وطيبون.. لن تتغير مكانتنا عندهم.

أيوب:           واهمون، سيعرفون بكل ما فعلتم. ستجردون من امتيازاتكم. ستصل الحكاية للدرك. لن أنسى ما فعلتم بي، سأفضحكم.

أبو شاهين:     وكيف سيصل الأمر للدرك.؟ الأمر دفن ونسي وانتهى.

أيوب:           لن ينتهي. أيوب وحكايته لا تنتهي، سيحكيها الناس، وسيعرفون ما الذي فعله عمدتهم وملاهم وعطارهم برجل فقير، لم يضرهم في شيء.

أبو شاهين:     تحديتنا، نحن ساداتك.

أيوب:           (بحدة) لم تكونوا يوماً سادات أحد. أنت مجرد عمدة عينت لتخدم الناس. لقد يئست منكم، لم أكن أنتظر يوماً أن أراكم. تآلفت مع المكان وما فيه. مع بحره وشجره. مع نوارسه. كنت سأقضي بقية حياتي هنا. وأموت هنا. لم أفكر يوماً بترك الجزيرة خوفاً من أن تكون حليمة قد تزوجت. سأموت إن عدت ووجدت حليمة مع رجل آخر. أخاف من التفكير في ذلك حتى.

أم شاهين تقترب من أيوب بخجل

أم شاهين:      أيوب.. حليمة لم تتزوج.

أيوب:           (بين الفرح والدهشة) لم تتزوج؟.

أم شاهين:      يبدو أنها ما زالت على العهد. رفضت كل من تقدم لها.

أيوب:           (بارتباك وفرح) حقاً ما تقولين يا أم شاهين؟.

أم شاهين تهز رأسها إيجاباً وأيوب يبدو عليه الفرح.

أيوب:           لا بد إذاً أن أعود لها. حليمة ظلت أمينة على عهدنا. لم تتزوج غيري (يبكي بفرح) آه يا حليمة. سأعود اليك، ونغني معاً. نلتقي ثانية بعد غياب. حليمة يا فرحي ونظر عيني. كيف صار شكلها؟. هل غيرتها السنوات؟.

أم شاهين:      نحل جسدها. خفتت وبهت لونها.

أيوب:           (بأسى) يا الله، حليمة الجميلة، بهية المبسم. كيف يبهت لونها؟. لا بد أن يعود لها الوهج، وتدب الحياة فيها، فأيوبها بخير لم يمت. ما زالت أغانيه ترفرف أجنحتها في سماء الله.

يخرج أيوب وهو ينادي فرحاً.

أيوب:           (ينادي) حليمة.. حليمة، يا نوارس اوصلي لسلامي لحليمة واخبريها بأن أيوب ما زال يغني. ويغني ويغني..

أبو نصار:       ما الذي سنفعله مع هذا المجنون؟.

أبو شاهين:     (بغضب) لم نتمكن من قتله في الماضي، ولكنه سيموت هنا. وستموت حكايته.

شاهين:         (غاضباً يواجه أبيه) تقتله؟. ألم يكفك ما فعلته؟. أما زال في نيتك القتل وتلطيخ يدك بدمه؟.

أبو شاهين:     وهل تريدنا أن نعيش معه على جزيرة واحدة لينغص عيشنا؟. جئنا نبحث عن أمان وراحة.

شاهين:         (مصدوماً) تقتله؟.

أبو شاهين:     وأفعل أي شيء أزيحه به عن طريقي. أيوب وأغانيه انتهت. لم يعد، وكأننا لم نره هنا. كان مجرد شبح، طيف.

أم شاهين:      يكفيك ما حدث له. لا نريد أن نعيش على كابوس موته. أنا تعبت يا أبا شاهين.

أبو شاهين:     وأنا لم أتعب. ما زلت أقاوم وجوده. لن أقبل بأن يتحداني أحد مثله.

سلامة:          يكفي ما فعلناه. يكفي موت ومآسي. أنا لن أشارككما هذه المرة.

أبو شاهين:     لن أحتاجك. أيوب سيموت هنا، ويدفن.

شاهين يواجه أبيه

شاهين:         (بتحدٍ) وأنا لن أسمح بذلك. يا أبي أرجوك، يكفي فقد مزقت صورتك الجميلة في ذهني. في كل موقف تمزق جزءً منها. فلا تحرقها.

أبو نصار:       وأنا مع أبي شاهين. أيوب يجب أن يموت. ويموت سره. إذا عرف أهل القرية بأمره، ووصل الأمر للدرك. سنسجن أنا وأنت وسلامة ونتعفن في السجن.

أم شاهين:      يكفي موت، يكفي قتل .. ارجوكم. أي مأمن قلتم أننا سنكون فيه؟.

أبو نصار:       سنكون في مأمن حين يموت أيوب.

سلامة:          أنا لن اشترك معكما في هذا، افعلاها انتما. صحيح أنني أغش في الأدوية والأعشاب، أكذب.. لكني لا أريد أن أتورط في القتل.

أبو شاهين:     سيموت أيوب، وستمضي حكايته كزبد البحر. أين جبر.. جبر (ينادي) جبر، جبر.

شاهين يبدو مصدوماً يقترب من أمه التي تبكي. بينما يبدو الإصرار والتحدي على وجه أبي نصار.

-إظلام-

المشهد الحادي عشر

نفس المنظر، الوقت ليلاً ويبدو أن الجميع نائم. هدوء. يخرج جبر من خيمته وفي يده فانوس، ينظر يمنة ويسرة.. يدخل أيوب وهو يحمل بعض أغراضه وعوده، يتجه إلى جبر بهدوء لكي لا ينتبه له أحد. يشير جبر لأيوب أن يلحق به للخارج. يخرجان. لحظات ويخرج أبو نصار من خيمته ويهم بالخروج من نفس مكان خروج أيوب وجبر. لكنه يتوقف مصدوماً..

أبو نصار:       (وهو ينظر للخارج مصدوماً) ما الذي يحدث. المحمل..

يتجه لخيمة أبي شاهين وسلامة وهو ينادي

أبو نصار:       أبو شاهين، شاهين.. سلامة. المحمل، استيقظوا المحمل..

يخرج أبو شاهين من الخيمة مفزوعاً..

أبو شاهين:     ما بك؟. ما به المحمل؟.

أبو نصار:       (وهو يشير للخارج) انظر، المحمل.

سلامة وأبو شاهين يتجهان لمكان خروج أيوب وجبر..

أبو شاهين:     أين جبر؟. (ينادي) جبر.. جبر.

يخرج شاهين من الخيمة.. ويتجه لهم بكل هدوء.

شاهين:         غادر مع أيوب.

أبو شاهين:     (مصدوماً) هل تعني أنهما هربا بالمحمل؟.

شاهين:         نعم.

أبو نصار:       وكأنك تعرف أنهما سيغادران.

شاهين:         نعم. أعرف. وعرضا علي الهروب. لكني لا يمكن أن أترك أبي وأمي وحدهما في الجزيرة.

أبو شاهين غاضباً يمسك بخناق شاهين

أبو شاهين:     كيف تركتهما يهربان بالمحمل؟. ثم لماذا جبر؟. لماذا يخونني.

تخرج أم شاهين وترى أبو شاهين يمسك بخناق ولده، تركض ناحيته وتحاول فكه.

أم شاهين:      اترك ولدي. اما يكفيك ما فعلته؟.

أبو شاهين:     لقد طعنني في الظهر. ولدي ومعاوني جبر. طعناني في الظهر.

أم شاهين:      أنت تستحق أكثر مما فعلا بك.

شاهين:         (يحاول الكلام بصعوبة) ما فعلته لأجلك. لا أريد أن يموت أحد على يديك.

يرمي أبو شاهين ولده على الأرض.

أبو شاهين:     كان يجب أن يموت. انظر ما فعل بنا، تركنا على الجزيرة وهرب (يصرخ) كيف سنعود؟.

أبو نصار:       افعل شيئاً يا أبا شاهين.

أبو شاهين:     وما الذي تريدني أن أفعله؟. افعل أنت شيئاً، أنت فقط تخطط وأنا علي التنفيذ.

أبو نصار:       وما الذي افعله أنا. لقد غادرا وتركونا هنا. وأنت تقول أنك ستنهي حكايته. هو من أنهى حكايتنا مع معاونك الخائن.

أبو شاهين:     (بغضب) سأقتلك يا جبر.

شاهين:         قتل أيضاً. لا تملك غير التهديد بالقتل. يكفي يا أبي أرجوك (برجاء) نحن في محنة حقيقية. تركنا القرية خوفاً من المرض والموت والوباء، ووقعنا في وحل خطاياك. أبي أرجوك، يكفي.. يكفي.

أبو شاهين:     كيف سنعود للقرية إن انجلت محنة المرض؟. نحن مسجونون في الجزيرة لا محمل نعود به.

أبو نصار:       ستمر المحامل وسينتشلنا أحدها.

سلامة:          لن تمر المحامل من هنا. كلهم يظنون بأن الجزيرة مسكون.

أم شاهين:      (تبكي) هذا ما فعلته خطاياكم بنا. قتل وكذب وسرقة أموال الناس وتفريق بين المحبين. أتظن الله سيغفل عنكم؟.

أبو نصار:       لم نفعل أي خطيئة.

أم شاهين:      (غاضبة) يكفي.. يكفي ما فعلته. جررت قدمي أبي شاهين للوثاتك.

أبو نصار:       ما الذي تقصدينه؟.

أم شاهين:      لا معنى آخر لكلامي. أنت سبب كل هذه المصائب.

أبو شاهين:     يكفي، نحن نتجادل وهما صارا في وسط البحر. ما الذي سنفعله؟.

شاهين:         لا شيء. إنه العقاب. ونحن نستحقه.

أبو نصار:       يجب أن نفعل شيئاً.. (يتجه إلى مكان الخروج وينادي) أيوب.. أيوب .. يا ولدي أنا آسف. اعذرني على ما فعلناه بك.. عد يا ولدي.

أم شاهين:      (تضحك بسخرية) يا لك من خبيث، وغبي. تظن أن أيوب سيعود اليك. أيوب يعرف أنك السوسة التي تنخر.

أبو نصار:       (ينادي) عد، نحن آسفون. لنعش معاً في الجزيرة ونعود إلى القرية. سأعتذر لك أمام كل الناس.. (يبكي) لكن لا تتركنا هنا. أنا أخاف من إحساس السجن. أنا.. أنا.. أريد العودة للقرية. لا أريد أن أموت هنا.

سلامة:          (مستغرباً) تبكي كطفل. أين جبروتك.

أبو نصار:       أي جبروت ونحن سنموت هنا؟. كيف .. كيف سنعود للقرية؟. لا، افعلوا شيئاً رجاءً .. سأعود وأعتذر له. سأعود وأعتكف في المسجد واصلي لله، سأتوب .. لكن أعيدوني للقرية.

أبو شاهين وسلامة يبدون حائرين وشاهين ما زال على الأرض منهكاً ومعه أمه تحتضنه.. وأبو نصار منهاراً ويبكي.. يسمع من البعيد عزف عود وغناء أيوب ..

أيوب:           (يغني بصوت شجي مع عزف العود) يا زين يا عذب اللمـا كيـف ابنسـاك/ والحب سلطانه علـى الحـال جايـر. يا مـورد الخديـن محـلا سجايـاك/ يا سيـد لكـل المترفـات النضـايـر. يا زين شفني مـن غرامـك وفرقـاك/ كني على جـال مـن الجـم هايـر. اسهر وانوح بنوح ورق على الـراك/ مـع ذا تصفقنـي اركـون العوايـر[6].

-إظلام-

انتهت في يونيو 2020م


[1]  الشريف هاشم العبدلي الملقب بمطرب الحجاز توفي في العام 1926م.

[2]  عبد الله الفرج، شاعر وملحن ومغني كويتي مؤسس فن الصوت، والأغنية غناها وغناها بعد العديد من المطربين الخليجيين، مثل عبد الله الفضالة وغريد الشاطئ وعوض الدوخي (1836 – 1901)

[3] من قصيدة غصون القلب للشاعر الراحل محسن الهزاني (1145- 1210هـ)

[4] من قصائد شاعر النبط المعروف محمد بن لعبون (1200 – 1247هـ)

[5]   من قصائد محمد بن لعبون.

[6] من شعر حمد بن عبد اللطيف المغلوث ((1267 – 1337 هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s