عزلة إجبارية


الشخصيات:

الأب: ستيني، فلاح يملك مزرعة صغيرة مسورة يعمل فيها مع أولاده.

ياسر: ابنه البكر في السادسة والعشرين من عمره

معتز: ابنه الأوسط، في الثانية العشرين

أحلام: في العشرين من العمر 

طيف الأم: يتراءى للأولاد طيف الأم وهي في الثلاثين من عمرها حيث هو عمرها حين ماتت، والطيف هو من يحرضهم على كسر القيد والخروج من سجن والدهم.

بائع الخضار: الرجل الذي يأتي كل نهاية اسبوع ولا يقابله غير الأب ليقايضه ببعض احتياجاتهم بثمرات الزراعة.

المشهد الأول

المسرح مقسوم لقسمين، على الجانب الأيمن منه عبارة عن صالة بيت ريفي في أحد الأرياف العربية (يمكن تأثيث الخشبة حسب بيئة العرض)، هناك كنبة في وسط المسرح، الجدران مزينة ببعض منتجات الأرض الزراعية وبندقية معلقة على الجدار، في القسم الآخر من المسرح نرى جزءًا من مزرعة، أشجار ونرى بعضا من سياج محكم حول المزرعة والبيت، الوقت نهاراً، حينما يضاء المسرح نسمع صوت سيارة من البعيد تقترب، ثم خطوات راكضة متجهة للمسرح، يدخل ياسر واخته أحلام وأخيهما معتز راكضين باتجاه البيت الريفي وعليهم يبدو الخوف.. خلفهم يدخل أبوهم راكضا، يفتحون الباب ويدخلون خائفين، يأخذ الأب البندقية المعلقة على الجدار ويخرج من البيت بسرعة، يقطع المزرعة إلى خارج المسرح، ثم نسمع صوت طلقات رصاص البندقية، ثلاث أو أربع طلقات، يتكتل الإخوة خائفين على بعضهم البعض، يمسك ياسر يدي أخته أحلام ليحميها من الخوف الواضح على وجهها. لحظات من الترقب والصمت، نسمع صوت السيارة تغادر المكان، لحظات ويدخل الأب وبيده بندقيته وهو يلهث من التعب والخوف، يقترب من باب البيت وهو يتلفت حوله. يدخل الأب على أولاده، بسرعة ويتجهون إليه

أحلام:           (بخوف) غادروا؟

يهز الأب رأسه إيجابا وهو يلهث، ثم يعطي البندقية لمعتز الذي يأخذها ويعلقها مكانه، يمسك ياسر يد أبيه ويجلسه على الأرض

ياسر:           استرح يا أبي (لأحلام) ماء، آتينا بكوب ماء

تدخل أحلام مسرعة من باب لداخل البيت وتعود بسرعة بكوب ماء.

معتز:            ثلاث رصاصات

الأب:            بل أربع. ولا مشكلة أن أفرغ كل مخزون البندقية فيهم

أحلام:           ما الذي يريدونه؟

الأب:            وهل للشر مبرر؟، أشرار ووحوش، فليتركونا لحالنا.

ياسر:           من يكونون يا أبي؟ هل هم نفس الأشرار؟

الأب:            ربما، لكنهم يأتون كل مرة بهيئة مختلفة، لكن لن أسمح لهم بأن تطأ أقدامهم أرضي.

معتز:            وهل سيعودون؟. إننا خائفون من عودتهم.

الأب:            ولن يتوقفوا عن محاولة الدخول إلى عالمنا. لكن أباكم لن يسمح لهم (يستدرك) المهم الآن، استريحوا قليلا ثم نعاود العمل في المزرعة.

أحلام:           (بخوف) أنا خائفة يا أبي.. خائفة

يضع ياسر يده على كتف أخته أحلام

ياسر:           نحن معك، لا تخافي يا أحلام. 

يقف الأب بتثاقل، ينظرون له وهو يتوجه للباب الخارجي

أحلام:           إلى أين؟

الأب:            الأرض بحاجة للعمل، ونحن لا نملك سوى هذه المزرعة التي نعيش على ما تهبنا إياه.

ياسر:           سآتي معك.

يمد الأب يده إيماءة بأن يتوقف

الأب:            ابق مع اخوتك، وحين يهدئان اتبعوني كلكم للحقل حتى نكمل ما بدأناه.

ياسر:           حسنا يا أبي.

يخرج الأب من الباب الخارجي تلاحقه نظرات أولاده القلقة

أحلام:           كل مرة يأتون أموت ألف مرة خوفا

معتز:            (وهو يمسك يدها) لا تخافي، لن يسمح أبي أن يقتربوا منا

ياسر:           أشعر بالأمان لوجوده معنا. صرت أخاف كثيرا حين يغيب عنا. 

أحلام:           لا بد أن نتعلم أن نحمي أنفسنا من أشرار الخارج. أنتما لا تجيدان استخدام البندقية

ياسر:           لم يعلمنا. 

معتز:            لم نتعلم منه سوى كيف نزرع ثم نحصد ما زرعناه. نحن نتكل عليه في حماية أنفسنا.

أحلام:           (تبتسم بفخر) كم أنا ممنونة لله أني في ظل رجل كأبي. 

ياسر:           (وهو يضع يده على كتف معتز) فلنعد للعمل معه، انتهى الأمر بسلام ولا داعي للبقاء في البيت.

أحلام:           اذهبا أنتما، أنا سأبقى في البيت أوضبه ثم أعد لنا طعاما. 

ياسر يهز رأسه إيجابا ويخرج هو ومعتز، من الجهة الأخرى من المسرح نراهما يخرجان من البيت ويستقبلهما ابوهما، ويبدآن بالعمل في ترتيب بعض صناديق الفاكهة، ويبدو معتز قلقا يتلفت يمينا ويسارا. في البيت نرى أحلام التي تبدو متعبة بعد أن رتبت البيت، تجلس على الكرسي، تطالع البيت وكل ما فيه وعلى ملامحها يبدو التململ، تتثاءب ثم تضع رأسها على مسند الكرسي، وتغفو. في الجانب الآخر، ياسر يستوقف والده الذي يمسك بصندوق ثمار

ياسر:           أبي، علمني كيف استخدم البندقية.

الأب:            (باستغراب) ولمَ؟!

ياسر:           لأدافع عن نفسي وعن معتز وأحلام.

الأب:            لن تحتاج. أنا موجود.

ياسر:           وماذا لو غبت؟

الأب:            وأين أغيب؟، أنا لا أبرح هذا المكان.

ياسر:           كل اسبوع تغادر البيت لمكان لا نعلمه. ولا ندري في وقت غيابك ماذا سيحدث.

معتز:            وأنا أريد ايضاً. كبرنا وصرنا رجالا.

الأب:            (بحدة) ما زلتم صغاراً. وستظلون صغاراً، لن أسمح لكما بحمل البندقية.

معتز يبدو مستسلما 

ياسر:           وماذا عن ما حولنا؟، أنت قلت أن العالم متوحش وليس آمناً، لماذا تظل وحدك تواجهه؟، انا كبرت.

الأب:            (غاضبا) لم تكبر، قلت لم تكبر. ما زلت طفلا صغيرا لا تحسن الدفاع عن نفسك، فكيف تريد الدفاع عن أخيك واختك.

ياسر لا يبدو مرتاحا من كلام والده لكنه يتابع عمله في ترتيب الصناديق بينما يكمل الاب العمل بغضب واضح، ومعتز يراقب أباه واخاه بترقب وهو يواصل عمله، في الجانب الآخر من المسرح نرى أحلام غافية على الكرسي وقد سقط رأسها جانباً، يدخل طيف أمها وهي في نهاية العشرينات من عمرها، ترتدي الأبيض، تقترب بكل هدوء من أحلام تنظر لها بنظرات أمومة حانية جدا وعلى وجهها ترتسم ابتسامة، تقترب أكثر وتداعب وجهها بلمسات خفيفة من اصابعها، ثم تداعب خصلات شعرها، تعدل رأسها الذي سقط على كتفها، تبحث الأم بنظراتها حولها، تجد شرشفا مطويا تفتحه وتغطي أحلام التي تبدو سعيدة وهي نائمة وتشعر بالدفء، تبتسم الأم بسعادة، ونرى ياسر والاب ومعتز قد انتهوا من ترتيب الصناديق، ويتوجهون للباب، يفتحونه فتغادر الأم من ذات الجهة التي دخلت منها. يدخل الأب وبعده ياسر ثم معتز، ينتبه الأب لنوم أحلام على الكرسي. يبتسم ويشير لأبنيه بأن لا يزعجاها. يدخل الأب ويبقى ياسر ومعتز، وعلى ياسر يبدو الضيق

معتز:            ما بك؟

ياسر:           مللت.

معتز:            ممَ؟

ياسر:           من حياتنا الرتيبة. كل يوم ذات العمل الذي نقوم به، ذات الطعام، ذات الشراب. وذات الوجوه التي نراها.

معتز:            هو هذا عالمنا؟

ياسر:           أنا لا أصدق أن هذا هو العالم الحقيقي.

معتز:            في الخارج متوحشون.

ياسر:           من قال؟.

معتز:            ابوك.

ياسر:           هل رأيت المتوحشين؟

معتز يهز رأسه سلبا 

ياسر:           ولا أنا، ولا أحلام.. فقط أبوك رآهم.

معتز:            أنا لا أريد أن أراهم. 

ياسر:           وأنا أريد، أريد أن أرى وجها آخرا جديدا وإن كان متوحشا.

معتز:            ألا نكفيك، أنا وابي وأحلام.

ياسر:           لا، لا يكفيني، أشعر أن الرتابة تقتلني. أريد أن أرى خارج أسوار هذا البيت.

معتز:            المزرعة خارج البيت.

ياسر:           (بحدة يرفع صوته) وهل تصدق أن المزرعة وحدها خارج البيت؟

معتز:            (وهو يضع يده على فمه) اخفض صوتك، ستصحو اختك.

ياسر:           لتصحو، ربما تتفق معي (ينادي) أحلام، أحلام استيقظي.

معتز:            (معترضا) لا تضايقها يا ياسر.

احلام تتحرك في نومها على صوت ياسر الذي يكرر النداء

ياسر:           أحلام، أحلام.

تفتح أحلام عينيها، تعدل نفسها وتنتبه للشرشف الذي يغطيها، تشم رائحته ثم تبتسم

أحلام:           (لياسر مبتسمة) شكراً ياسر.

ياسر:           (باستغراب) ولم الشكر؟.

أحلام:           ألست أنت من غطيتني بالشرشف؟

ياسر:           لا، لا أنا ولا أبي ولا حتى معتز.. كنا في الخارج نعمل.

أحلام:           (باستغراب) ومن سيغطيني إذا؟

معتز:            أكيد أنت تغطيتي قبل أن تنامي، من سيغطيك إذاً؟. 

أحلام تقوم من على الكرسي وبيدها الشرشف وهي تشمه ثانية 

أحلام:           لست أنا. أنا نمت على الكرسي بلا شرشف (تقدم الشرشف لياسر) شمه

ياسر يأخذ الشرشف، يشمه لوهلة لحظات ثم تعتلي وجهه علامات الدهشة، تبتسم

أحلام:           هي ذاتها، ذات الرائحة. 

ياسر:           أمي، إنها رائحة أمي، رائحة يدها. 

معتز:            ومن أين تأتي رائحة أمي وهي ميتة منذ سنوات طويلة، حتى أني لا أتذكرها، لا أتذكر وجهها، ولا رائحة يدها.

أحلام:           أما أنا فلم أنسها، لم أنس وجهها ورائحتها وابتسامتها، لمستها على شعري. 

ياسر:           (يتنهد) إيه يا أمي، ليتك بقيتي أكثر معنا، ليتك لم تغادرينا سريعا لنظل بلا ام تكشف لنا الأسرار التي لا نعرفها.

معتز:            لا اسرار يا ياسر، أنت واهم.

أحلام:           عمَ تتحدثان؟

ياسر:           عن الخارج، عن المتوحشين الذين لم نرهم يوما، هل رأيت أي أحد منهم؟

تهز أحلام رأسها سلبا

ياسر:           كيف نصدق ما لا نراه، سنوات طويلة ونحن نسمع ليس إلا، لكننا لا نرى.

معتز:            ولمَ الآن؟، دعنا نكمل حياتنا كما هي، كما خطط لها أبي.

ياسر:           ولماذا لا نخطط نحن لحياتنا، لماذا يخطط هو. لماذا هو من يختار لنا، ملابسنا طعامنا شرابنا، وربما حتى أحلامنا سيختارها لنا.

أحلام:           (باستغراب) لمَ تتحدث عن أبي بهذا الشكل ياسر؟، كل ما يفعله لنا، لأماننا، لحمايتنا.

معتز:            حتى أحلام لن توافقك، اترك الأمر على ما هو عليه. 

ياسر:           لا أستطيع، اليأس يقتلني. اشعر أن ثمة عالماً آخراً خارج حدود هذا البيت، أشعر أننا بحاجة لبشر مثلنا، هل تصدقون أن لا بشر خارج البيت؟.

أحلام:           هكذا يقول أبي. 

معتز:            وأنا أصدقه.

ياسر:           وأنا لا أصدقه. 

يبتعد عنهم ويفتح الباب وينظر للمزرعة من باب البيت. 

ياسر:           منذ فترة طويلة وأنا أفكر، رأسي ملئ بالأسئلة، من نحن، من نكون، لماذا نحن هنا، لماذا نحن وحدنا.

أحلام تمسك يده وتبعده عن الباب وتغلق الباب

أحلام:           دع هذا الباب مغلقا ولا تفتحه، فربما يأتينا المتوحشون من هذا الباب.

ياسر:           (بحدة) لا يوجد متوحشون. 

يدخل الأب عليهم وعلى وجهه الغضب

الأب:            من قال لا يوجد متوحشون؟.

معتز:            (بارتباك) لم يقل أحد ذلك يا أبي.

ياسر:           (بإصرار) بل أنا من قلت.

الأب:            أأكذب عليكم إذا؟

ياسر:           (مرتبكاً) لم أقل أنك تكذب يا أبي، لكننا لم نر المتوحشين. 

الأب:            (وهو يتنهد) أكل ما أفعله لكم تواجهونه بالشك؟، أتحمل مواجهة المتوحشين حتى أحميكم

ياسر:           يمكنني أن أساعدك.

الأب:            لن تستطيع، هم يتوغلون في كل مكان، لن تستطيع مواجهتهم، اشرار بلا رحمة، بلا قلوب تنبض. تراهم بين الأشجار وبين الأحراش، يأتون من الجبل ومن كل مكان.

ياسر:           يمكنني ذلك، جربني.

الأب:            (بحدة وإصرار) ستبقى مع أختك وأخوك ولن تبرح جدران البيت إن أتوا. أتفهم؟

ياسر لا يرد على والده ويدخل داخل البيت بغضب واضح، بينما يقترب معتز وأحلام من الدهما 

أحلام:           لا عليك يا أبي، تعرف ياسر.

معتز:            سيهدأ وينسى كل ما قاله وسيعتذر منك.

أحلام:           سأعد لكم الطعام الآن. أرجوك يا أبي من أجلي، اهدأ. 

تبتسم أحلام لأبيها يبادلها بالابتسام، تخرج أحلام إلى داخل البيت، يقترب الأب من معتز

الأب:            لا تكن مثله يا معتز، أتأمل فيك خيراً.

معتز:            لا تقلق يا أبي، أنا عند ظنك. 

الأب:            اسمع، أريدك أن تحذر منه، وتنتبه من ألا يتهور أبدا، صرت قلقا من أن يفعل شيئا يؤذيكما أنت وأختك، منذ أسابيع وهو يردد ذات الكلام. انتبه منه.

معتز:            (مستغربا) لا، ياسر لا يفعل ما يؤذينا.

الأب:            بل كل ما يفعله ويفكر به سيؤذينا جميعا. فقط احذر وانتبه.

معتز:            بأمرك يا أبي.

الأب:            (يشير بيده) هيا ساعد اختك في المطبخ.

يهز معتز رأسه ويخرج من المكان باتجاه المطبخ، يبقى الأب وحيدا، يتنهد ويتجه إلى ذات الكرسي الذي كانت تنام عليه أحلام، يجلس عليه متعباً، بعد أن يزيح الشرشف من عليه، يمسك الشرشف وباستغراب يشمه مراراً، تعلو على وجهه الصدمة، يقف مفزوعا ينظر حوله بشكل هستيري، ويرمي الشرشف على الأرض، وبخوف يركض إلى الداخل، لحظات ويدخل طيف الأم الذي يتجه بكل هدوء للشرشف المرمي على الأرض، ترفعه مبتسمة، تطويه بشكل مرتب وتضعه على الكرسي. 

إظلام

المشهد الثاني

نفس المنظر، بعد منتصف الليل، جهة البيت مظلم ويبدو أن الجميع نائم حيث يعم الهدوء، يدخل الأب من جهة المزرعة ومعه بائع الخضار يمشيان بخطوات حذرة، يصلان لصناديق الخضار والفواكه التي جمعها الأب مع ولديه. يتفحصهم بائع الخضار ويعدهم

البائع:           أحد عشر صندوقاً

الأب:            نعم، زدناهم هذه المرة صندوقين.

البائع:           لا بأس، ما دام المقابل كما اتفقنا.

الأب:            ولن يتغير، وأنا راض به.

البائع:           أنا على استعداد أن أدفع لك المال، هو حقك.

الأب:            قلت لك مراراً، لا اريد المال، فقط ما طلبته منك.

البائع:           في السيارة.

يبدأ البائع بحمل أول صندوق ويهم بالمغادرة لكنه يعود للاب

البائع:           هل لي أن أسألك؟

الأب:            تفضل.

البائع:           ما الذي يدفعك للعيش وحدك هنا بعيدا عن الناس؟

الأب:            وما حاجتي بالناس؟

البائع:           كلنا بحاجة للناس، نحن البشر لا ننجو من مصائبنا وهمومنا إلا بمن حولنا.

الأب:            وأنا لا مصائب ولا هموم عندي ولا أحتاج للنجاة. انته من نقل الصناديق وسلمني ما طلبته منك ويكفي.

البائع:           (وهو يهز رأسه) سأفعل.

يخرج البائع بأول صندوق لحظات ويعود، يرفع الصندوق الثاني وهو ينظر للأب ويخرج به، لحظات ويعود البائع ويتجه للصندوق الثالث يرفعه 

البائع:           متى ستسمح لي بأن آتي برفقة آخر، حمل كل هذه الصناديق صار متعبا لي.

الأب:            كان هذا شرطي الذي قبلت به. وإن لم يكن يرضيك، يمكنني أن أبحث عن بائع آخر.

يخرج البائع بالصندوق وعلى وجهه يتضح التذمر، ينشغل الأب بتعديل الصندوق يعود البائع ويحمل صندوقا ويخرج به وهو يتابع الأب بالنظرات، يعود ويأخذ صندوقا آخرا يخرج به، ثم يعود ويستند على الصناديق الباقية وهو متعب يتنفس بسرعة.

الأب:            يبدو أنك كبرت كثيرا ولم تعد شابا.

البائع:           (وهو يتنفس سريعا، ثم يكح من التعب) قلت لك أني أحتاج للمساعدة، ثم لا تنس أنك تختار وقتا ليس مناسباً لمن هم مثلي. كان المفترض أن أكون نائما في هذا الوقت.

تهدأ أنفاسه قليلا

البائع:           أنا في حيرة، لا أفهمك. أعرفك من سنوات طويلة لكن كل يوم تزداد غموضا.

الأب:            (بحدة) ولا تفكر أن تفهمني أو تكشف غموضي. سأظل غامضا لأني أريد أن أكون غامضا. 

البائع:           ألم تتزوج أبدا؟

الأب:            لا.

البائع:           لا بد أن تتزوج، العمر يمر بك وستظل وحيدا. ستجد نفسك كالشجرة الوحيدة بلا أغصان، بلا أوراق جف جذعها وصارت بلا روح.

الأب:            ليس صحيحا، من قال أن امرأة يمكن أن تهبني الروح وتبقيني أخضرا كالأشجار؟.

البائع:           أنا اقول لك، بالنسبة لي ولأكون على الدوام أخضرا (يضحك بفخر) تزوجت اثنتين. ولا مشكلة عندي أن أتزوج الثالثة.

الأب:            وهل أنا مجنون لآتي بامرأة تملأ حياتي نكدا. يمكن أن أحيا دون أن يرافقني أحد، هيا اكمل عملك.

البائع:           حسنا (وهو يرفع صندوقا) ستموت وحدك.

الأب ينظر شزرا للبائع الذي يغادر وهو يحمل صندوقا. لحظات ويعود البائع

البائع:           (وهو يحمل صندوقا) في المرة القادمة سآتيك نهارا.

الأب:            لن أستقبلك.

البائع:           العمل بالليل مرهق.

الأب:            سأختار بائعا غيرك.

البائع:           لن تجد. من سيتعامل مع شخص مثلك، لا يعرفون عنه شيئا؟، ليس هناك من سيقبل أن يقايضك بأغراض بدل المال. ما الذي سيدفعهم للتسوق من أجلك والمرور على الدكاكين لشراء الملابس والطعام لك؟. 

الأب:            شكرا لك، لن أعطيك الصناديق في المرة القادمة وأكيد سأجد من يقايضني.

البائع:           لن تجد، من السهل أن يدفع لك المال وأنت المسؤول عن شراء ملابسك وطعامك أنا متأكد أنها ليست لك وحدك، فما حاجتك بملابس نسائية (يمازحه) يبدو أنك تتوق لوجود امرأة معك فتتخيل وجودها بملابس نسائية.

الأب:            (غاضباً) أووه، أنت تضيع وقتي بثرثرتك، ولك مطلقا الحرية في أن تأتي في المرة القادمة أو لا تأتي.

البائع:           سآتي ليس من أجلك. بل من أجل من تشتري لهم الملابس.

الأب:            من تقصد؟

البائع:           ملابس شباب وبنت. لست غبيا لأصدق أنك وحدك في هذا البيت.

الأب:            (بغضب) وما شأنك أنت؟ (يرفع أصبعه في وجهه) إياك أن تتعدى حدودك. انته من عملك وغادر. 

البائع:           سأفعل، أنا ناصح لك ليس إلا. إفعل ما يحلو لك.

يحمل صندوقا ويغادر، ويعود ويحمل صندوقا آخرا ويغادر وسط نظرات الأب الغاضبة حتى ينتهي البائع من كل الصناديق. يأتي ببعض الأكياس، يسلمها للأب

البائع:           كل ما طلبته. 

يأخذ الأب الأكياس ويشير للبائع بأن يغادر، يغادر البائع وهو يهز رأسه أسفا، يدخل الأب بالأكياس وهو غاضب، يغلق الباب وراءه، يضع الأكياس جانبا.. يتثاءب ويدخل إلى داخل بيته. لحظات بعد أن يعم الهدوء ويبدو أن الجميع نائم، يدخل طيف الأم، تتجول في البيت، ترتبه تسمح الغبار عنه، وتكنس الأرض، تنتبه لوجود الأكياس في الأرض، تفتحهم فتجد بعض الملابس والطعام، تفتح كيساً، لتجد ملابس نسائية، تفتح فستاناً يبدو قريبا من مقاس أحلام، وعلى ما يبدو بعض الملابس الداخلية النسائية، بضيق تطويهم وتعيدهم للكيس

الأم:             (بضيق) سلبت منهم كل شيء، حتى حق الاختيار. تختار لهم طعامهم وشرابهم، تختار لهم كيف يفكرون، كيف يلبسون وماذا يلبسون. حتى أحلام المسكينة تلبسها على هواك. أكيد أنك تتحكم حتى في أحلامهم. أي أب أنت. بئس ما فعلت في أولادي.

نرى من جهة المزرعة البائع يدخل بحذر وفي يده كيس، يقترب من الباب، وبحذر يطرقه، تسمعه الأم فتهرب مختفية، يعود البائع لطرق الباب.

البائع:           هيه أنت. لقد نسيت أن أعطيك كيسا من الأكياس التي جلبتها لك. 

يطرق الباب مرة أخرى، من جهة البيت نرى معتز يدخل الصالة ويبدو عليه الخوف وهو يسمع طرقات الباب، تبدو عليه الحيرة، يخرج إلى داخل البيت لكنه يصطدم بياسر الذي يبدو أن استيقظ من النوم للتو، يفزع معتز

ياسر:           ما بك؟

معتز:            (بخوف) الأشرار، وصلوا 

ياسر:           هم من يطرقون الباب؟

معتز:            ومن سيكون، تعرف أن كل من في الخارج أشرار (بخوف) ما الذي سنفعله؟ 

ياسر:           نواجههم.

يستمر البائع في طرق الباب

معتز:            نحن؟، كيف؟. لا نستطيع، سأوقظ أبي.

ياسر:           لا توقظه، يجب أن نثبت له أننا يمكن أن نحمي أنفسنا أيضا. 

معتز:            سيدخلون علينا ويقتلوننا.

يزداد طرق البائع للباب وياسر ومعتز يزداد خوفهما.. فجأة ينقض ياسر على البندقية المعلقة، يعشقها استعدادا لإطلاق رصاصة

معتز:            (بصدمة) ما الذي ستفعله؟

ياسر:           اقتلهم.

معتز:            لا يا ياسر، أنت لا تعرف.

ياسر:           (بحدة) أعرف، من قال أني لا أعرف؟. سترى أنه يمكنني الدفاع عن أنفسنا.

معتز:            (برجاء) لأوقظ أبي.

ياسر:           لا، فقط افتح الباب بهدوء.

معتز:            (خائفا) لا.. أنا أخاف.

البائع يبدو حائرا وهو ينتظر من يفتح له الباب.. يبتعد عن الباب، يفكر قليلا.. 

ياسر:           الأمر سهل، افتح وأنا اطلق.

يركض البائع بسرعة باتجاه الباب، ينقض على الباب ويضربه برجله لينفتح، يتفاجأ ياسر بدخول البائع المفاجئ عليهم، فيطلق رصاصة تصيب البائع في مقتل، يسقط البائع مضرجا بدمه وسط صدمة ياسر ومعتز

معتز:            (بصدمة) أصبته. 

ياسر:           (بين الخوف والابتسامة) نعم، اصبته. أصبته بالبندقية، رأيت؟، أعرف، أنا أعرف.

لحظتها يدخل الأب مفزوعا وتدخل معه أحلام مفزوعة هي الأخرى.. ينتبه ياسر لأبيه

ياسر:           (لأبيه) أرأيت يا أبي؟. اصبته. أنا اعرف كيف استخدمها (يشير للبندقية).

الأب يقترب من البائع مصدوما

الأب:            ماذا فعلت؟

ياسر:           قتلته، إنه شرير، كان يطرق على الباب ثم اقتحم البيت، لكني قتلته.

الأب يعاين البائع، يضع أذنه على صدره ثم على أنفه، ويبدو عليه الخوف والصدمة

الأب:            مات.

ياسر:           يستحق الموت.

أحلام بخوف تقترب من أبيها 

أحلام:           أبي إنه مثلنا، له ذات الجسد والرأس واليدين والرجلين.. 

الأب:            نعم.

معتز:            لكنه شرير، نعم.. شرير، أبي قال ذلك.

أحلام:           لم تقل لنا أن من في الخارج مثلنا. كنا نتصور أنهم برؤوس عدة وارجل عدة كما كنت تقول لنا.. لكن، هو مثلنا.

الأب:            نعم، مثلنا بشر.

ياسر:           يبدو أنك لست سعيداً يا أبي بما فعلته.

الأب:            لا، لست سعيدا. 

معتز:            قلت له أن يوقظك.

الأب يقف غاضبا ويمسك بخناق ياسر

الأب:            ولماذا لم توقظني؟، لماذا تصرفت بنفسك؟

ياسر:           (وهو يكاد يختنق) ولماذا أنت وحدك من يحمينا؟

الأب:            لأني وحدي من يحميكم. أنتم لا تملكون قدرة على مواجهة الأشرار. 

ياسر:           وها أنا واجهته.

الأب:            (يصرخ) قتلته.

معتز يحاول أن يفك ياسر من أبيه 

معتز:            هو من اقتحم البيت، كسر الباب ودخل علينا. 

ينظر الأب لمعتز باستغراب ثم يترك ياسر الذي يحاول أن يستعيد أنفاسه .. 

الأب:            (يشير لجثة البائع) لقد حذرته. لكن يبدو أن الفضول قتله.

أحلام:           (باستغراب) أتعرفه؟

الأب يهز رأسه إيجابا

أحلام:           أتقصد أنه ليس شريراً؟

الأب:            إنه البائع الذي يشتري ثمار المزرعة، هو من يجلب لنا الطعام والملابس.

ياسر:           أتعني أنه ليس شريرا.

الأب:            لا، ليس شريرا. 

ياسر:           لكنك قلت أن في الخارج ليس سوى الأشرار.

الأب:            قلت، نعم قلت.

ياسر:           أيعني أنني قتلت رجلا مثلنا وليس شريرا؟!

الأب ينهار على الأرض ويجلس بالقرب من البائع

الأب:            (لجثة البائع) قلت لك مرارا لا شأن لك، لا تتدخل.. لكنك مشيت إلى حتفك.

ياسر يجلس على الأرض مصدوما.. بينما يتبادل معتز بنظراته مع أحلام التي يبدو أنها لا تفهم ما يجري

إظلام

المشهد الثالث

نفس المنظر والوقت بعد ساعات، يبدو أن التعب وصل منتهاه على الجميع، كلهم نائمون مستندين على الجدران والأب مستند على الباب بالقرب من الجثة التي ما زالت على الأرض، يدخل طيف الأم، تراقب الجميع النائمين ويبدو عليها الضيق والحزن، تقترب من أحلام تداعب شعرها، تنتقل لمعتز فتداعب شعره بحنان فائض، ثم إلى ياسر الذي يبدو متعبا جدا.. تبتسم له، تقبل رأسه بسعادة، بعدها تتجه إلى الأب، تقترب منه وتهمس له في أذنه

الأم:             (هامسة في أذن الأب) هل أنت سعيد الآن؟، أيرضيك ما فعلته؟

يتحرك الأب في نومه، يفتح عينيه فيرى الأم في وجهه يقف مفزوعا

الأب:            (بفزع) أنت؟

الأم:             نعم أنا. خفت مني؟

الأب:            أنت ميتة.

الأم:             كما اردتني؟

الأب:            هل عدتي من رقدتك الأبدية؟

الأم:             وهل يعود الموتى؟

الأب:            هذا ما أعرفه؟، أنت لست حقيقية.

الأم:             أنا حقيقية رغم موتي، فناء الجسد لا يعني فناء الروح. لم أترك أولادي يوما، كنت أظللهم من حرقة شمسك. 

الأب:            وما الذي تريدينه؟

الأم:             حق أولادي.

الأب:            أي حق لهم عندي؟

الأم:             حقهم في الحياة.

الأب:            لم أسلب يوما حياتهم، أنظري، إنهم أحياء.

الأم:             وهل تسميها حياة؟، أي حياة تلك التي تعنيها، أبنائي بلا ماض ولا مستقبل، بلا حاضر. 

الأب:            أفضل لهم، أتريدين أن أتركهم والعالم حولهم أشرار.

الأم:             العالم فيه الشر وفيه الخير، الشر كله في رأسك، أو في صدرك. أنت ترى الناس كما ترى نفسك في المرآة. ترى صورتك البشعة في من حولك.

الأب:            وهل ترين أني بشع؟

الأم:             أبشع من رأته عيني.

الأب:            تظلميني، كعادتك.

الأم:             بل أنا أكثر من عرفك، أعرف بشاعتك وبشاعة روحك.

الأب:            وجئت لتكشفي هذه البشاعة لأولادي؟.

الأم:             (تشير للجثة) لا يحتاجوني، هم عرفوك أكيد.

الأب:            أعرف كيف أداريه وأداري حكايته. 

الأم:             الحكايات تطير كدخان المداخن. لكن لن يبددها الهواء. ستحط على سطوح البيوت ويفتضح أمرك.

الأب:            لن يعرف أحد ما حدث هنا. حين يصحون لن يجدوا جثة ولا دم. سيدركون أن ما رأوه ليس إلا كابوس، سنفيق منه جميعا. ونعود كما كنا.

الأم:             وهل تظن أنه سيتركك؟، سيلاحق طيفه مناماتك. 

الأب:            لا يهمني. المهم أن نبقى في عزلتنا بعيدا عن الأشرار.

الأم:             بل بعيدا عن الناس.

الأب:            الناس أشرار.

الأم:             تخدع نفسك، تصدق كذبتك. 

الأب:            أي خير نجنيه من الناس، سنوات طويلة ونحن في عزلتنا بلا أي أحد، نعيش آمنين.

الأم:             (تضحك بسخرية) آمنين؟.

الأب:            نعم آمنين، لم يجرؤ أحد على الاقتراب من حدود بيتي ومزرعتي.

الأم:             وماذا عن هذا المسكين الذي وضعه القدر في درب رجل مجنون مثلك؟.

الأب:            هو اختار، كان فضوليا، كان يريد أن يعرف عني كل شيء. 

الأم:             ومن لا يكون فضوليا ليعرف حكاية هذا السجن. بيت في معزل عن العالم، ربما يسكنه الجن، أو تسكنه شياطين الأرض.

الأب:            (يصرخ متذرماً) أوووه، يكفي.. يكفي، اتركيني، واتركي أولادي.

الأم:             لن أترككم، لا بد أن يتحرروا من سجنك. أنت اترك أولادي. أنا أرجوك أن تتركهم. دعهم يرون العالم، دعهم يختارون أي حياة يريدونها. 

الأب:            لن أهدم كل ما بنيته. سنوات وأنا أحميهم حتى من ظلالهم، لن أتركهم، أنت ميتة وفانية، ابتعدي عنا، ابتعدي .. ابتعدي (يصرخ وهو يهز يديه ليبدد طيفها) اتركينا، ابتعدي .. ابتعدي

تختفي الأم، تصحو أحلام من نومها على صراخ أبيها، تتجه له مفزوعة.. تهزه لتوقظه من نومه 

أحلام:           (وهي تهز أباها) أبي.. أبي ما بك؟.

الأب:            ابتعدي .. قلت لك ابتعدي.

يدفع الأب أحلام بيديه القويتين فيسقطها أرضا سقطة قوية

أحلام:           (تصرخ متألمة) آآه، ذراعي.

يستيقظ ياسر ومعتز وينتبه الأب لصراخ أحلام، يهرع ياسر ومعتز لأحلام

ياسر:           ما بك؟

أحلام:           (متألمة) ذراعي.

معتز:            هل تعثرتي ووقعتي؟.

أحلام تبكي ولا ترد، يتجه الأب لأحلام ويبدو أنه أدرك أنه هو من دفعها 

الأب:            أنا آسف يا أحلام، لم أكن أعرف أنه أنت، كنت أرى كابوسا وتخيلت أني أدفع أحد الأشرار ولم أكن أدرك أني دفعتك.

ياسر:           شرير كهذا الميت؟

الأب:            شرير حقيقي يسعى لتفتيت شملنا، يهدد أمننا. كنت أدفعه عني حتى أحميكم ولم أدرك أن أحلام أمامي. 

يقترب منها وعلى ملامحه الخوف والقلق عليها

الأب:            حبيبتي أحلام، هل أنت بخير؟

أحلام:           (وهي تبكي) لا، ذراعي تؤلمني جدا، لا أستطيع تحريكها. 

ياسر:           ما الذي سنفعله، كيف نخفف ألمها؟

الأب:            (بحيرة) لحظة، أنا طلبت من البائع أن يجلب لنا بعض الأدوية. 

يقوم الأب بسرعة ويبحث بين الأكياس التي أتى بها البائع، ينثر ما فيها من أغراض بهستيريا لكنه لا يجد شيئا. يقف حائرا

معتز:            (وهو يشير لكيس في يد جثة البائع) ربما الكيس الذي هناك.

يركض الأب ويأخذ الكيس من يد البائع، يفتش فيها ويجد علبة دواء

الأب:            معتز، اجلب كأس ماء لأختك، بسرعة.

يدخل معتز سريعا إلى الداخل بينما يتجه الأب لأحلام. يعطيها حبتين من الدواء، يأتي معتز سريعا بكأس ماء، تتناوله أحلام

الأب:            (لمعتز) ساعدها لتنام بالداخل.

يساعد معتز أحلام على الوقوف وهي متألمة ويدخل بها إلى الداخل

الأب:            (لياسر) تعال ساعدني. 

ياسر:           ما الذي ستفعله؟

الأب:            سندفن الرجل، هل نتركه هكذا؟

ياسر:           أليس له أب مثلنا؟.

الأب:            (بغضب) وما أدراني أنا؟، وإن كان له أب هل تريدنا أن نقول لأبيه بأننا قتلناه.

ياسر:           نعم.

الأب:            (يضحك بسخرية) أتعرف معنى كلامك؟، يعني أنك ستبقى بقية عمرك في السجن، أو سيعلقونك على المشنقة.

ياسر:           (غير مستوعب) لم أفهم، ما الذي يعنيه السجن؟، وما الذي تعنيه المشنقة؟.

الأب:            السجن أن تعيش وحدك أو مع أشرار آخرين في مكان واحد مغلق، مظلم، لا ترون أحدا ولا يراكم أحد، تقضي سنوات وسنوات هناك.

ياسر:           ما الفرق بين السجن وبيتنا، بيتنا يفعل ما يفعله السجن.

الأب:            (متذمراً) أووه، ساعدني وكفى.

ياسر:           (بحدة) أريد أن افهم.

الأب:            ليس من الضرورة أن تفهم.

ياسر:           بل من الضرورة أن افهم، أنا كبير كفاية يا أبي لأفهم ما تفهمه أنت. أريد أن أعرف كل شيء. أشعر أني تائه، كلنا تائهون، انا ومعتز وأحلام. لا نفهم ما يدور حولنا، نحن لا نشتكي صحيح، لكننا تائهون. أبي أرجوك افتح صدرك لنا وافهمنا، ما الذي يجري. أي عالم نحن نعيش فيه؟. هل ثمة حياة خارج هذا السجن؟.

الأب:            إنه بيتنا وليس سجنا.

ياسر:           هو ذاته السجن الذي قلت عنه. أي اختلاف بينهما؟. نحن مسجونون داخل الجدران، لا نرى الشمس إلا نادرا، وفي حدود المزرعة. لا ندرك ما يدور خلف سياجها. لا ندري من هم الأشرار الذين تخوفنا منهم.

يعود معتز ويقترب من أبيه الذي ينتبه لدخوله

الأب:            سيساعدني معتز، لا أريد منك شيئا. 

يركض معتز لوالده 

معتز:            حاضر أبي.

الأب:            سندفن الرجل.

معتز:            (باستغراب) ندفنه؟. 

الأب:            كما ندفن البذور في الأرض.

معتز:            وهل سيصبح شجرة؟.

ياسر:           أجب يا أبي، هل سيصبح شجرة؟.

الأب:            إنه رجل، مثلنا.. لكنه رجل ميت. سندفنه لأن الموت مآلهم الدفن.

معتز:            وهل دفنت أمي عندما ماتت؟

الأب:            (متذمراً) أووه، ما المصيبة التي وضعت نفسي فيها. ستقتلني أسئلتكم.

ياسر:           لأننا نريد أن نفهم، لن نكف عن الأسئلة. في رأسي الكثير من الأسئلة، كل ليلة حينما اضع رأسي على وسادتي تزورني الأسئلة وينتابني الخوف والقلق. 

الأب:            الأسئلة ستودي بكم للمهالك.

ياسر:           الإجابات ستودي بنا للأمان. 

الأب:            معتز، هيا بنا. 

يبدآن بسحب جثة البائع إلى خارج البيت بينما يظل ياسر يراقبهما، طيف الأم يدخل وعلى وجهها ابتسامة سعادة تدور حول ياسر الذي يقف مكانه، يغمض عينيه ويستنشق رائحة وتعلو وجهه ابتسامة طمأنينة. لحظات وتدخل أحلام وهي تتأوه من الألم وهي تمسك ذراعها.. يفتح ياسر عينيه بينما تظل الأم تراقب ما يجري.

أحلام:           (بصوت متعب) ياسر، ياسر الحقني. لا أستطيع تحمل الألم. 

ياسر يركض باتجاهها ويمسكها

ياسر:           ألم يخفف الدواء من ألمك؟

أحلام:           قليلا، ثم عاد. لا أشعر بذراعي. 

يمسك ياسر بذراعها فتصرخ من الألم. 

ياسر:           لقد آلمتك. ما الحل، كيف نخفف ألمك؟.

أحلام:           لا أدري، لا أستطيع تحمل الألم. افعل شيئا.. افعل شيئا أرجوك

تبدو الأم في ضيق كبير وهي تتابع ما يدور بين ياسر وأحلام. تردد ذات الكلمة 

الأم:             افعل شيئا يا ياسر، افعل شيئا.. لا تقف حائرا ضعيفا. أنت أملهم. لا تتركها تتوجع.

أحلام:           (تبكي من شدة الألم) لا أستطيع تحمل الألم. آآه يا ياسر، ما الذي حدث؟.

ياسر:           (حائرا) لا أدري، ما يفعله بنا أكبر من الاحتمال. يسجننا ثم نتحول إلى قتلة. بيدي قتلت رجلا كنت أظنه من الأشرار. وليس ثمة أشرار. يدفن جثته ولا ندري إن كان له أب أو أم أو أولاد، ربما يسألون عنه. لا يعرفون أننا قتلناه. 

أحلام:           ما فعلته أنت كان بسبب ما كان يقوله لنا، كنت تدافع عنا. لم تقتله فقط لأنك تريد قتله. 

ياسر:           يقول لو عرفوا أني قتلته سيودعونني السجن. 

أحلام:           (باستغراب رغم الألم) السجن. ما السجن؟.

ياسر:           مكان مثل بيتنا، لكنه كما يقول أبي مظلم، لا نرى أحدا ولا يرانا أحد. 

أحلام:           أتصدق حكاية الأشرار؟.

ياسر:           لا، كبرت وزاد شكي. أيعقل أن نكون وحدنا؟، أيعقل ألا يكون أحد غيرنا يعيش خارج أسوار البيت. أتصدقين أننا وحدنا نواجه الأشرار؟

أحلام:           حينما كنت صغيرة كنت أصدقها، لكن مرت السنوات، شعرت أني بحاجة لمن هم مثلي، أحتاج لمن يشبهني. يملك جسدا كجسدي. بدأت أفكر فيما نحن عليه. 

ياسر:           (يتنهد) إذاً كلنا كذلك. لا بد من حل.

الأم:             بيدك الخلاص يا ياسر، خلص نفسك.. خلص أخيك واختك من هذا السجن.

أحلام:           ما الذي سنفعله؟.

ياسر:           نهرب. 

أحلام:           أخاف.

ياسر:           وأنا أخاف، ما وراء البيت مجهول، لا نعرفه. لكن البحث عن الاجابات تستحق المغامرة.

أحلام:           يبدو في الأمر خطورة. 

ياسر:           لا بد أن نخاطر. 

أحلام يبدو عليها تتألم، ينتبه لها ياسر

ياسر:           تتألمين؟

أحلام:           (تصرخ) الألم يقتلني.

يدخل الأب ومعتز وقد تلطخت ملابسهم بالطين، يدخلان البيت، ينتبه معتز لأخته، يهرع إليها بسرعة

معتز:            ما بك؟

أحلام:           أنا أتألم، ولا أقوى على احتمال الألم. أبي أرجوك أفعل شيئا

الأب:            (بحيرة) لا أملك ما أفعله. عليك التحمل.

أحلام:           من اين آتي بالتحمل. ذراعي تؤلمني (تبكي متألمة) أرجوك يا أبي جد حلاً 

الأم:             (تردد وهي تدور حول نفسها) جد حلاً، جد حلاً .. جد حلاً، جد حلاً، جد حلاً..

تردد الجملة وهي تدور حول نفسها، تطفئ الأنوار وتشتغل لوحدها، تواصل الدوران، ينتبهون لما يدور، ينتابهم القلق والخوف، تستمر الأنوار تشتغل وتنطفئ مع ترديد الأم للكلمة، والجميع يبدو عليهم الخوف وهم يراقبون ما يجري.

إظلام

المشهد الرابع

نفس المنظر، الوقت نهاراً، الأب يعمل في الخارج في مزرعته، وعليه يبدو الضيق، وحده يعمل في المزرعة. يدخل ياسر البيت يأخذ البندقية. تخرج أحلام المتوجعة من ذراعها وخلفها معتز يحاول مساعدتها.

أحلام:           (لياسر) سيغضب.

ياسر:           ليغضب، سينسى ويهدأ غضبه. لن أتركك تعانين وتتألمين، لقد صار وجهك اصفرا.

معتز:            هل أنت متأكد أننا سننجو؟.

ياسر:           قد تكون النجاة هناك وليس هنا، الأمان هنا كانت خدعة. 

معتز:            أنا ما زلت خائفا مما سنفعله.

ياسر:           لا تخف، أحلام تحتاجنا أنا وأنت. تحتاج سنداً وأماناً. لا تخيب أملها يا معتز.

أحلام:           هل سنجد هناك حلا لألمي؟.

ياسر:           (بإصرار) وعلاجاً.

يظهر طيف الأم. ينتبهون له، هم يرونه الآن، يفزعون 

أحلام:           أمي؟.

ياسر:           إنها أنت يا أمي؟

معتز:            كيف؟، أمي، نعم أمي.. تذكرتك الآن. ألم تموتي؟، ألم يدفنك ابي كما دفنا الرجل؟.

الأم:             أنا ميتة، أنا مجرد طيف. لم أفارقكم يوما، لم اترككم. 

ياسر:           أنت تركتنا منذ مت. كنا سنواجه هذا العالم بك.

الأم:             ليس بيدي الغياب. هناك من أخدني من عالمكم إلى الغياب الابدي.

أحلام:           ومن يكون؟. نحن لا نذكر شيئاً. 

ياسر:           كيف نذكر ونحن بلا ذاكرة، بلا تاريخ. لا نذكر سوى لحظتنا ويومياتنا البائسة. يومنا مثل أمسنا ومثل غدنا.

معتز:            أمي لا تتركينا، نحتاج إليك.

الأم:             لن أترككم، أطمئنوا سأحرركم من هذا السجن اللعين، ولكن ليس كما تحررت أنا منه. 

أحلام:           وهل كنت مثلنا؟.

الأم:             نعم مثلكم، سجنني هنا في هذه العزلة. اجبرني على البقاء فيها، منعني من الخروج إلى العالم، أنساني أمي وابي وأخوتي. أبوكم قتلني قبل أن أموت كمدا. 

ياسر:           ولم يفعل كل هذا؟

الأم:             جنونه. أبوكم مجنون، يظن أن العالم عفن. يظن العالم أشرار، والشر يقبع في رأسه وحده. أبوكم سيقتلكم إن لم تهربوا منه. 

معتز:            لكننا خائفون.

الأم:             لا شيء يخيف. العالم فيه الخير وفيه الشر. فيه الأمان أكثر من الأمان المزعوم الذي يدعيه. تحتاجون لبشر مثلكم، تحتاجون لأصدقاء. لا يعيش الإنسان وحيدا بلا أحد. 

أحلام:           أهناك فتيات مثلي؟.

الأم:             وشباب مثلكما (تشير لياسر ومعتز) فكا القيد وحلقوا، السماء شاسعة. لا تتوقفوا حتى تحطوا على ضفة آمنة بعيدا عن سجن أبيكم. اهربوا، اتركوه وحده، عيشوا حياتكم، اشتغلوا تعلموا تزوجوا، انجبوا أطفالا علموهم أبجدية الحرية. علموهم كيف يحلقون. أفهمتم؟.

ياسر:           فهمنا يا أمي.. 

يتوارى طيف الأم. يبحثون عنه يمينا ويسارا

أحلام:           أمي، أمي 

ياسر:           أين ذهبت يا أمي.. أمي لا تغادرينا .. أمي. 

معتز:            كيف تتركنا في لحظة حاجتنا لها.. أمي، أمي.

يصرخون ثلاثتهم في نفس الوقت 

الجميع:          (يصرخون) أمي.. أمي. 

ينتبه الأب لصراخ أبنائه من داخل البيت يترك ما بيده، ويدخل البيت راكضا. 

الأب:            ما بكم؟.

ياسر:           نبحث عن أمي. 

أحلام:           كانت هنا. 

معتز:            أمي كانت هنا يا أبي.

الأب:            كيف تكون هنا وهي ميتة؟. 

ياسر:           طيفها كان هنا، طيفها كان حارسنا.

الأب:            أمكم ماتت وفنى جسدها. 

أحلام:           روحها معنا. لم تتركنا يوما. 

الأب:            (يصرخ غاضبا) أمكم ماتت.. ماتت. أنا قتلتها بيدي كما قتل ياسر بائع الخضار.

تبدو الصدمة على الجميع 

ياسر:           أنت؟، أنت من قتلتها. 

الأب:            وسأقتلها مرارا لو عادت من موتها. 

معتز:            وما الذي فعلته لتقتلها؟.

الأب:            تمردت علي، تمردت على عزلتنا في هذا البيت. كنتم صغارا وأرادت أن تهرب من البيت.

أحلام:           (تصرخ بغضب) وتقتلها؟. ليتها هربت وتركت هذا البيت بنا، لما صرنا اشخاصا بلا هوية. 

الأب:            (مصدوما) ما الذي تقولينه؟. أنا حميتكم. 

ياسر:           ممَ، تحمينا مم يا ابي؟.

الأب:            الأشرار الذين يملؤون العالم. لا خير في العالم سوى في هذا البيت، هم يريدون قتلنا. وأنا دافعت عنكم.

ياسر:           (يصرخ) يكفي يا أبي كذبا. العالم ليس شريرا.. العالم فيه الخير، وفيه الشر.

الأب:            (مصدوما) أمكم.. كانت تقول ذات الكلام. 

ياسر:           وأنا وإخوتي نقولها. لن نبقي في هذا السجن. في هذه العزلة الإجبارية. 

الأب:            ومن سيسمح لكم؟. 

معتز:            سنغادر البيت. أحلام تحتاج للعلاج. 

الأب:            تأخذ الدواء، حبة حبتين.. عشر حبات.. ستنسى الألم.

أحلام:           ثمة أوجاع لا يُسكنها الدواء، أوجاع تسكن في الصدر لا تهدأ. الدواء لن يسكن مرض أرواحنا يا أبي. 

الأب:            ما الذي تفعلونه؟. ما الذي يحدث بالضبط؟. كنا نعيش في سلام. نعيش يومنا بكل هدوء. ما الذي تغير؟

ياسر:           كبرنا، لم نعد أطفالا تسكتهم خيالات. كبرنا وصرنا رجالا (يصرخ) كبرنا يا أبي وسنغادر.

الأب:            (بغضب) سأقتلكم كما قتلت أمكم، وأدفنكم كما دفنتها، لن يتمرد علي أحد.

معتز:            اتركنا نغادر يا أبي.

الأب:            لن تفعلوها. 

ياسر يرفع البندقية في وجه أبيه

ياسر:           ابتعد.

الأب:            (مصدوما) تقتلني؟

ياسر:           سأفعلها، كنت أظن أن المسكين شرير، قتلته برصاصة. لكني أرى الشر كله هنا، أمامي. فلا بأس بأن ألحقك بالرجل. 

الأب:            (بنوع من الخوف) كبرت يا ياسر. لم أكن أظن أن ابني البكر، ابني الذي سيحمي أخوته من الشر القابع خلف اسوار بيتنا سيكون هو من يرميهم إليه. هل تدركون ما سيفعله بكم؟.

أحلام:           نعم يا أبي. 

معتز:            نعم، نحن مستعدون لكل مخاطرة. 

ياسر:           مخاطرة بقائنا في هذا البيت أعظم من اي مخاطرة (بحزن يبكي) لم فعلت بنا كل هذا؟، لم جردتنا من كل شيء، لم تترك لنا خياراً، سرقت أعمارنا، سرقت أحلامنا. لماذا يا أبي؟.

الأب:            لأحميكم.

ياسر:           لتحمي نفسك. تحمي نفسك بنا. أبي أنت آذيتنا كثيرا، كثيرا.. اتركنا نكمل حياتنا، اتركنا أرجوك. 

أحلام:           ابي أرجوك دعنا نغادر، دعنا نبحث عن حياة جديدة، عن ذاكرة جديدة. عن بيت جديد.

معتز:            أبي، لا أريد أن أخسر أكثر. أريد أن أترك البيت. 

الأب:            (بغضب وبكل إصرار) لن تغادروا البيت.

ياسر:           (وهو يعشق بندقيته) إذا سنغادر على جسدك.

يبدو الخوف على معتز وأحلام، والخوف أكثر على وجه الأب

ياسر:           ابتعد عن طريقنا. ابتعد. 

يبتعد الأب عن الباب وهو يرفع سده مستسلما. يغادرون بحذر وعلى وجوههم الأسى على حال أبيهم، يغادرون البيت ويغلقون خلفه الباب، يركضون بسرعة مغادرين المكان. يبقى الأب وحيدا مصدوما وغير مستوعب لما يجري. يدخل طيف الأم سعيدة ترقص رقصة فرح بثوبها الأبيض، ترقص وهي تدور حول الأب المبهوت والذي يراقب الأم ورقصها. تتوقف عن الرقص وتواجه الأب

الأم:             (تضحك بسخرية) تركوك. تركوا شرك. أولادي تخلصوا من قيدك الملعون. سأهنأ برقدتي الأبدية. لن أخاف عليهم منك ومن شرورك وعفن روحك. 

الأب:            ابتعدي يا طيف الشر، ابتعدي يا خراب البيت. كله بسببك. تمردوا علي بعد سنوات، ضممتهم في حضني، خفت عليهم من العواصف، داريتهم من كل شر، وانتزعتيهم من حضني.. ابتعدي، اتركيني.. 

الأم:             سأتركك، لن أحتاجك بعد الآن.. بعد أن وهبت أولادي حياة بعد موت.. لكن هناك من يحتاجك من عالمي، عالم الغياب الأبدي، لينتقم من عفنك وشرورك.

الأب:            (باستغراب) من؟، من تقصدين. 

يدخل طيف بائع الخضار، يقترب من الأب الذي يتراجع إلى الخلف وتجحظ عيناه من الخوف، بينما تطلق الأم ضحكة انتصار وتبدأ بالرقص

إظلام

المشهد الختامي

يمكن أن يكون هذا المشهد عبر شاشة البروجيكتور حيث نرى ياسر وأحلام ومعتز يتجولون في الشوارع والأزقة وعلى وجوههم الصدمة، تترافق المشاهد مع أصوات من الحياة، صوت سيارات، أصوات بشر مختلطة، كل هذا والقلق الممزوج ببعض الفرح على ملامحهم. ثم نرى طيف الأم تدخل المسرح وترقص رقصة الفرح الأخيرة. 

إظلام

انتهت في 13 أغسطس 2022

One Comment Add yours

  1. عمر لكنيف says:

    من اجمل ما قرات بارك الله فيكم استاد

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s