عباس الحايك: المسرح العربيّ لم يقف عند حدّ السكون

نسرين نجم -شبكة فجر الثقافية

كاتب مسرحي مبدع، كتب عددًا من المسرحيات التي نفّذت داخل المملكة وخارجها، له عدد من الإصدارات، نال العديد من الجوائز والتكريمات.

سيرة ذاتية مليئة بالتميز للكاتب المسرحي عباس أحمد الحايك، تدفعنا إلى الخوض في عالمه، عبر حوارنا معه الذي بدأه بالحديث عن أولى إنطلاقاته في الفن المسرحي، وسبب اختياره لهذا المجال: “سأدعي أن حبي للمسرح مسألة فطرية، كنت أميل للعب في طفولتي مع شخصيات متخيّلة، أخترع الشخصيات وأقوم بأداء أدوارها، أراقب ملامحي أمام المرآة وأنا أمثّل شخصياتي المخترعة، كنت أصمم ملابسها واستخدم الألوان لأرسم شاربًا أو ذقنًا، كنت أميل للمتخيّل، ولهذا النوع من اللعب أكثر من ميلي لألعاب أقراني، لم أحبّ كرة القدم مثلًا، بل شغفت بالقراءة حين أدهشتني صفوف الكتب في غرفة أخي إبراهيم”.

“لم تبدأ علاقتي بالمسرح بشكل فعلي، إلا بعد أن مررت بتجارب في الفن التشكيلي وكتابة الشعر والقصص القصيرة والمقالات، اكتشفت أكثر عوالمه بدءًا من التمثيل، حيث شاركت في مسرحيات كانت تقام محليًّا في بلدتي القديح في مناسبات مثل مناسبات الزواج الجماعي، بعدها أسست مع أصدقاء فرقة للإنشاد الديني تحوّلنا فيما بعد للمسرح، أو لأقل؛ كان تحريضًا مني لوضع المسرح ضمن الاهتمامات لممارسة شغفي بهذا الفن. قدّمنا مجموعة مسرحيات في حسينيات، حيث لم يعتد الناس آنذاك مشاهدة مسرحية في هذا المكان المخطط للخطب المنبرية أو للعزاء. قدّمنا أعمالًا اجتماعية ذات مسحة دينية. وكانت هذه انطلاقتي، حيث كثّفت قراءاتي واهتممت بتطوير أدواتي في الكتابة، ولكن كانت الخطوة الحقيقية نحو عالم المسرح هي فوز نصي (فصول من عذابات الشيخ أحمد) بجائزة الشارقة للإبداع العربي 2002، وتقديم النص في السنة التي تلتها في افتتاح مهرجان أيام الشارقة المسرحية”.

وحول رأيه إذا ما كان المسرح العربي فعلاً وسيلة اتصال وتواصل مع الجمهور يقول الحايك: “يتباين مستوى هذا التواصل بين بلد وآخر، ربما وحسب قراءاتي، أن المسرح استطاع أن يتكرس في دول ويتحول لوسيلة تواصل حقيقية مع الجمهور، يلامس قضاياهم، ويقترب منهم، وهو ما يدفع هذا الجمهور للحضور والمشاركة والاهتمام، بينما يعاني المسرح في بعض الدول العربية، من عزوف الجمهور عنه لأنه لم يستطع أن يبني علاقة تواصلية معه، ولم يمتلك قدرة التواصل. حيث ابتعد عن ملامسة همّ هذا الجمهور وربما بسبب انشغال الجمهور بأشكال فنية أخرى، كما هو الحال في اهتمام الناس بالسينما، أو باليوتيوب كمنصة عرض بصري، وعدم تمكن المسرح من إقناع الجمهور بأهميته كوسيلة اتصال مهمة”.

فهل يعبّر المسرح عن شؤون وشجون الناس تعبيرًا صادقًا؟ أم أنه يبتعد –في بعض الأحيان لسبب أو لآخر- عنها؟  يقول الحايك: “ربما يختلف الأمر من مكان لآخر، هناك أعمال قاربت هموم الناس ولامست قضاياهم، وعبرت عن شؤونهم، وإن كان بعضها سقط في الإسفاف والابتذال والتهريج  تحت عنوان الكوميديا، لكن هناك تجارب مسرحية واعية ومؤمنة بضرورة أن يعبّر المسرح عن الناس ليحظى باهتمام الناس. كما أن كثيرًا من التجارب المسرحية كانت بعيدة عن الناس وشؤونهم، وصارت تقدّم ما يمكن أن يصطلح عليه جزافًا (المسرح التجريبي)؛ حيث انشغلت بالبصري والفلسفي فيما تقدمه، دون الانشغال بقضايا الناس. المشكلة أن هذا النوع من المسرح بات يتسيّد ويكون هو نموذج المسرح في الوقت الحاضر، رغم أن تلقّي هذا النوع لا يخرج من دوائر المهرجانات والدعوات الخاصة”.

انطلاقًا من هذه النقطة، يحضر سؤال حول قدرة المسرح العربي على كسر الجمود، والوصول إلى مراحل متقدمة ومتطورة: “إلى حدّ ما نعم، هناك العديد من التجارب التي قدمت اشتغالات إبداعية استطاعت أن تنافس في مهرجانات عالمية، أو تكون لها فرصة المشاركة والعرض في دول تملك تاريخًا مسرحيًّا عريقًا. المسرح العربيّ لم يقف عند حدّ السكون، بل هو يحاول أن يأخذ من التجربة المسرحية العالمية، مستفيدًا من نظريات مسرحية وتطبيقها على مسرحيات عربية، إضافة إلى أن هناك العديد من المسرحيين العرب، أصبحوا أسماء مهمة في دول أوروبية. نعم، يحتاج المسرح العربي إلى خطوات أجرأ وأسرع للحاق بالمسرح الغربي، ليكون مستواه موازيًا تمامًا، ويستطيع أن يخرج بنظريات مسرحية وتجارب تطبيقية ومدارس مسرحية”.

وبالانتقال إلى ما يميّز أعماله،  يرفض الحايك وضعها ضمن تصنيف معيّن، في سعي إلى إطلاقها دائمًا في مجالات أوسع وأرحب: “لا يمكنني وضع نصوصي المسرحية ضمن تصنيف معين، لأن الفكرة هي التي تحكمني عادة، ضمن أشكال مسرحية مختلفة، ولكنني أميل دائمًا في نصوصي إلى الخروج من ضيق المحلية، وتناول قضايا آنية، إلى متسع أرحب، إلى قضايا إنسانية تصلح لأية جغرافيا، وربما أميل أيضًا إلى حالة من الدفاع عن المرأة في نصوصي، أو أن أجعل المرأة حاضرة ككيان وكمحرك لأحداث مسرحياتي، في كل نصوصي تجدون المرأة حاضرة؛ إلا في  المزبلة الفاضلة، والمعلقون، والموقوف رقم 80، بسبب ظروف الانتاج، فالمزبلة الفاضلة، كتبت لتقدم محليًّا، ولا يمكن أن تشارك المرأة على الخشبة، ومع هذا فإن المسرحية حظيت بقبول كبير، وقدمت عدة مرات في أكثر الدول العربية، قُدمت بالفصحى والمحكية، كما أنها  قُدمت بطاقم نسائي كامل. كما كتبت نص زهرة الحكايا، وصبية كان اسمها حنين، والمسرحيتان شخصيتهما الرئيسية هي إمرأة. وفي كتابتي لا أنتصر للأدب أبدًا، لا تغريني اللغة الأدبية الفخمة، بل أحاول أن أكتب لغة نديّة مرنة قابلة لأن تقدم على الخشبة بعيدًا عن جفاف اللغة الأدبية التي يتورط في كتابتها بعض كتاب المسرح”.

ويتحدث بكل شفافية عن أنه تأثر في البداية بنصوص سعد الله ونوس التي لم تكن متاحة في البدايات: “كنا نحصل عليها منسوخة، ففتحت هذه النصوص لي أفقًا واسعة، وعرفتنّي على مسرح سعد الله ونوس، ثم مسرح جواد الأسدي، الذي ما زلت أنظر إليه بعين الاحترام والإعجاب. قرأت بعدها العديد من النصوص المسرحية لكتاب كثر، لكن كان نجمي الراحل قاسم محمد، الذي كنت أقرأ له وعنه وأشعر بهيبته، وكان الأجمل أن يتبنى نصي الأول، ويدفع به ليقدمه على مسرح الشارقة الوطني في 2003، فأي روعة كانت أن تتواصل مع رجل بخبرة وإبداع قاسم محمد. كل هذه التجارب كانت دافعي للكتابة، وكل شخص قرأت له كان له أثر بالتأكيد ولكن ليس من باب التقليد”.

وحول مسرحيته “هجرة النوارس البرية”  التي ترجمت إلى اللغة السريانية يقول: “هجرة النوارس البرية؛ مسرحية تتناول قضية الهجرة، هجرة العقول العربية بسبب المشاكل التي تواجههم في أوطانهم، إذ يضطر بعضهم للهجرة غير الشرعية رغم خطورة الأمر، ففي المسرحية يتجمع عدد من الشباب العرب أمام شاطىء بحر بانتظار المتعهد الذي قد يأتي وقد لا يأتي، يتجمعون وأحلامهم في حقائبهم، يبحثون عن حياة أفضلأ وأكثر رفاهية من حياتهم التي كانوا يعيشونها. اخترت في المسرحية نماذج من شباب عربي من مختلف المجتمعات والتوجهات والهوايات أيضًا. هي رحلة البحث عن الأمان التي تسكن دواخلنا، والبحث عن قارب نجاة، كتب النص في 2008 لكن موضوعه ما زال حاضرًا وكأنه كتب لهذه السنوات، ونحن نشهد حالة من الفوضى. فاز النص بجائزة أفضل نص ثان غير منفذ في مهرجان الدمام المسرحي، ونفذه إخراجيًا الدكتور نشأت مبارك شمال العراق”.

ويعتبر الأستاذ عباس الحايك، بأن المسرح لم يفقد مكانته في عصر السرعة والانترنت وبأن من الحظوة ما يخوّله للبقاء طويلاً: “له حظوة في الكثير من الدول العربية، خاصة في المغرب العربي، فمن يتابع عدد العروض والمهرجانات وعدد الحضور، يدرك تمامًا أن المسرح يملك قدرة البقاء أكثر وأكثر، رغم وجود الانترنت ووسائل التواصل الجديدة، فما زال للمسرح وهجه. ربما يختلف الأمر في الشرق العربي، حيث أننا كمجتمع دخلنا إلى عالم الاستهلاك أكثر، وصرنا نبحث عن وسيلة ترفيه ليس ضمنها المسرح، عدا عن المسرحيات التي تقدم في الكويت مثلًا، والتي تدور في فلك المسرح الاجتماعي، الذي هبط بمستوى الذائقة بسبب التهريج السائد وعدم الجدية في تقديم المسرح، ليكون مكانًا أقرب لنوادي الستاند اب كوميدي، وليست خشبات مسرح تقدم وعيًا وقيمة فنية”.

وحول ما قرأناه على صفحته في الفايس بوك حول خوضه تجربة جديدة في مجال ما، مستفسرين عنه أجاب الحايك:  “هي تجربة جديدة بالنسبة لي، أعّد لتقديم برنامج يوتيوبي ثقافي فني شبابي، أقدم فيه المعلومة الفنية والثقافية بلغة قريبة من الناس بعيدة عن التنظير والأكاديمية واللغة الجافة. وأتمنى أن أنجح في هذه التجربة التي أشعر بالقلق كثيرًا منها”.

وبالإضافة إلى عمله على برنامجه اليوتيوبي يقوم الحايك بكتابة بعض المشاريع المتعلّقة بالمسرح، ويختم حديثه قائلاً: “كوني شخص لا أضع خطة مسبقة أبدًا، فإن الأنشطة تأتي تباعًا دون تخطيط مني”.

 

http://fajernet.net/article.php?id=934&cid=5#.WGQmaZf9yD4.twitter

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s