رسائل منسية

المشهد الأول

تفتح الإضاءة على صوت (صافي) وهي تردد أغنية (طلال مداح – أحبك لو تكون حاضر)، المنظر عبارة عن صالة لشقة بسيطة أثاثها بسيط وقديم، ولكن هناك أثر أناقة، في المنتصف طاولة طعام بكرسيين، وفي العمق جدار بدهان قديم باهت ومتشقق، نرى باب من جهة والجهة الأخرى نافذة عليها ستارة ألوانها مزخرفة بورود باهتة جداً. وبجانبها تلفزيون قديم على طاولة، وعلى الجدار مرآة معلقة جزء منها مكسور

صافي:            (من الخارج) احبك لو تكون حاضر//احبك لو تكون هاجر

ومهما الهجر يحرقني// راح امشي معاك للاخر

تدخل صافي وهي تردد الأغنية وتحمل في يديها كعكة مصنوعة في المنزل حيث لا تبدو احترافية في صنعها، صافي تبدو أنيقة رغم ملابسها البسيطة، تقترب من الطاولة وتضعها على الطاولة وتكمل أغنيتها

صافي:            (تغني) احبك لو تحب غيري // وتنساني وتبقى بعيد

عشان قلبي بيتمنى // يشوفك كل لحظه سعيد

ترتب الطاولة، تخرج شمعة من جيبها وتغرزها في الكعكة

صافي:            (تغني بسعادة) احبك كلمه معناها // حياتي وروحي في يدك

تبتعد قليلا وهي مبتسمة تنظر مليا للكعكة على الطاولة، لكنها تهز بسبابتها دلالة النسيان، تدخل بسرعة إلى الداخل وتخرج بسرعة وهي تحمل مزهرية صغيرة فيها زهور صناعية، تضعها بسعادة على الطاولة. يبدو عليها الفرح وتدندن

صافي:            (تغني) يهون عليك تنساها // وانا صابر على ظلمك

تتوقف عن الغناء وتتجه بفرح إلى المرآة للتأكد من هندامها وشعرها، تضع أحمر شفاه على شفاهها. ثم تعود للطاولة وتجلس على الكرسي وتواجه الجمهور بابتسامة فرح

صافي:           (بابتسامة) اسمي صافي، أمي سمتني هذا الاسم لأنها تحبه، تقول أن نت تحمل هذا الاسم يكون قلبها صاف، ولا تحمل في قلبها غلا ولا حقدا. هكذا كانت تقول. في طفولتي لم أحب هذا الاسم، كنت أتمنى اسما آخرا

تقف وما تزال تواجه الجمهور

صافي:            نجاة، نعم، كان اسم معلمتي الأولى، أبلة نجاة، كانت أنيقة، جميلة، تدخل الفصل تسبقها رائحة عطرها، تمنيت أن أحمل اسمها. أو أي اسم آخر غير صافي. لم أحبه إلا بعد أن كبرت، ربما كانت العشرة، نعم العشرة، فالعشرة ليست فقط مع الأشخاص، بل العشرة تكون حتى مع الأشياء والأسماء والمشاعر. العشرة أو التعود جعلتني أقبل بالاسم. بل أحبه

تتجه ناحية النافذة، تفتحها، تطل منها ثم تغلقها

صافي:            لم يأت بعد. سيأتي قريبا، أعرفه لن يطول به الوقت خارجاً

تجلس ثانية على الكرسي

صافي:            أحببت الاسم، صار يشبهني، أو أنا اشبهه لا أدري. صرت صافي، وصافي أنا، أنا وحدي. ما أجمل أن نحب أسماءنا. صحيح أننا لم نخترها، لكننا سنحبها إذا عاشرناها واعتدناها. لدرجة أني نسيت اسم نجاة.

تصمت، ويبدو عليها الانتظار، تنظر تارة للكعكة على الطاولة وتارة إلى الباب

صافي:            تأخر. أو.. ربما لم يتأخر. ولكنني أنتظره، الانتظار يجعلنا نشعر بثقل الوقت (تنظر للجمهور) أكيد ستسألون عن الكعكعة والشمعة (تبتسم) سأخبركم بكل شيء.. هذه الكعكعة..

يقاطعها صوت طرقات على الباب، تتوقف وتنتبه للباب بيسعادة

صافي:            لقد وصل، سيفرح بالمفاجأة أكيد.

تقف بسرعة وتتجه للباب لتفتحه، لكنها تتوقف وتتجه للمرآة تعاين وجهها والطرقات تتواصل، تنتهي من تعديل هندامها وتتجه للباب. تفتحه بسعادة، فنرى زوجها عزوز يقف بمنظر غير مهندم، عليه بعض آثار الغبار وهو يسحب كيسا قماشيا أبيضا، ذقنه غير مرتب ويبدو أنه لم يحلقه من مدة

عزوز:            (يبتسم) لم أجد

صافي:            كالعادة، أعرف أنك لن تجد، كل يوم تخرج وتبحث، ولكنك لن تجد. من يقبل بك وأنت على هذه الهيئة؟

عزوز:            (وهو يمسك بطنه) أنا جائع

صافي:            لا وقت للجوع وللطعام الآن. هيا ادخل، فقد أعددت لك مفاجأة

تبتسم فيبتسم عزوز هو الآخر

عزوز:            لي؟، حسنا، ما هي المفاجأة؟.

صافي:            هل ستقف على الباب هكذا؟، ادخل الآن.

يدخل عزوز وهو يجر كيسه القماشي، فيرى الكعكة على الطاولة

عزوز:            كعكة؟، هل حان وقت العيد؟

صافي:            لا يا زوجي الحبيب، إنها مناسبة تخصنا نحن الاثنان.

عزوز:            عيد ميلادي؟

تهز صافي رأسها نفيا

عزوز:            عيد ميلادك إذن.

تهز صافي رأسها نفيا

صافي:            في أي يوم نحن؟

عزوز:            (وهو يتذكر) الـ.. الخميس

صافي:            لا يهم اليوم، ثم أن اليوم هو الإثنين وليس الخميس. أقصد، التاريخ، ألا تذكر في أي يوم نحن؟

عزوز:            (بإحباط) لا، كيف لي أن أتذكر وأيامي كلها متشابهة. أمسي كيومي، ويومي كغدي.

صافي:            (بإحباط) لن تتغير كل عام ذات الأسطوانة نعيدها، وأظل أتأمل أن تتغير، تتذكر، لكن النسيان ينتابك كلما احتجت لذاكرتك.

عزوز:            أعذريني، أنا مرهق وجائع ولا أرى على الطاولة سوى الكعكة.. هل سنأكل الكعكة فقط؟

صافي:            كل ما يهمك أن تملأ بطنك. أنا أحتاجك أيضا يا عزوز، أحتاج لمشاعرك. أنت بخيل جدا في مشاعرك.

يقترب عزوز من الكعكة ويلمس بأصبعه الكعكة لكن صافي تنتبه له فتصرخ فيه

صافي:            (بغضب تصرخ) لا تلمسها.

يبتعد عزوز عن الطاولة

عزوز:            أنا جائع

صافي:            اذهب الآن واغتسل، فلن تجلس على الطاولة وأنت بهذه الحالة، رائحتك نتنة وملابسك متسخة، كيف نحتفل وأنت بهذه الهيئة؟

عزوز:            نحتفل؟، والمناسبة؟، أنت لم تخبريني بالمناسبة بعد، قلت لي أنه ليس العيد.

صافي:            ستعرف بعد أن تتجهز وتتأنق. أرجوك عزوز، لا تفسد الليلة علي. ثم ما علاقة العيد بالكعكة؟

عزوز يبدو مستسلما، يدخل بسرعة إلى الداخل. تبتسم صافي وتجلس على الكرسي مواجهة الجمهور

صافي:            هو دائما هكذا، منذ تزوجنا لم يتغير. قد تسألونني، هل أحبه؟، (تتنهد) سأقول نعم، أو.. ربما اعتدته، كما اعتدت اسمي. يعود كل يوم وأول ما يطلبه هو الطعام، أكثر كلمة أسمعها منه (تقلده) أنا جائع. لا شيء آخر يتقنه غير الجوع، (بنوع من الضيق) وأنا مثله، جائعة، لكن ليس للطعام، جائعة للحب والاهتمام، للمشاعر.

يدخل عزوز وهو يجفف شعره بالفوطة ويرتدي ملابس بيتية يقترب منها

عزوز:            هل جهز الطعام؟

صافي:            (تبتسم له) نعيما، لنحتفل أولا ثم ستأكل. ثم عن أي طعام تتحدث وأنت منذ سنوات بلا عمل. من أين لي أن أتدبر طعاما لك؟

عزوز:            (بخيبة) يعني لا طعام. وهذه الكعكعة؟

صافي:            لدي بعض الدقيق والسكر، وأعددت منها الكعكة.

عزوز:            كان الدقيق سيكفي لرغيفي خبز. والسكر لفنجاني شاي.

صافي:            (بحدة) أنا حرة فيما أفعله بالدقيق والسكر، فأنا من جلبتها من جيراننا، أنا من أرقت ماء وجهي لأطلب الدقيق والسكر، وأنت تتسكع في الشوارع بحجة البحث عن وظيفة.

عزوز:            لم أجد. بحثت وبحثت، لا وظائف.

صافي:            عليك بأن تقبل بأي عمل، لا بد أن تعمل حتي نعيش.

عزوز:            (ببرود) لكننا أحياء. نتنفس.

صافي:            أي حياة هذه؟ (تستدرك) لا تفسد علي هذه الليلة. اريد أن أحتفل وأنسى. فأنا بحاجة للحظات من الفرح بعيدا عن نكد الحياة وقسوتها.

عزوز:            (بفرح) هيا، سنحتفل. لكن، ما المناسبة؟. هناك شمعة واحدة فقط.

صافي:            لأنها الشمعة الوحيدة التي نمتلكها.

عزوز:            لا يهم، المهم أن نحتفل ونأكل. هل ستخبرينني عن المناسبة؟

صافي:            نعم، وأعرف أنك نسيت ولا تتذكر، سنويا تمر علينا هذه المناسبة دون أن تتذكرها. اليوم هو الثاني من الشهر العاشر.

عزوز:            (كمن يتذكر) صحيح، تعرفين أني لو كنت موظفا استلم راتب نهاية كل شهر، فإني لن أنسى التاريخ أبداً، سأنتظر نهاية الشهر، وسأعرف كم بقي من أيام. لكني بلا وظيفة ..

صافي:            لا تبرر، أنت لن تتذكر، حتى لو كنت موظفا تتنظر راتبك (تتنهد باستسلام) اليوم هو ذكرى زواجنا.

عزوز:            (بارتباك) صحيح، ولماذا لم تخبريني حتى أتهيأ، وأعد العدة لهذه الذكرى الجميلة التي لا تنسى.

صافي:            لا داعي، المهم أني أتذكرها وأعد لها العدة، وأعد الكعكة لنحتفل سوية.

عزوز:            (بارتباك) سامحيني يا حبيبتي، تعرفين ظروفي، أنا دائم التفكير في حالنا وأفكر كيف يمكنني توفير المأكل والمشرب والملبس، و..

صافي:            (تقاطعه) يكفي، يكفي. لقد اعتدت هذه الأسطوانة، تكررها كل مرة لتبرير قصورك.

عزوز:            يا الله، أنا سيء الحظ. سوء الحظ يرافقني في كل خطوة من خطوات عمري. لا وظيفة، ولا مال، ولا جمال، ورغم أني لي زوجة جميلة، إلا أن من سوء حظي أن أنسى ذكرى زواجنا.

صافي:            لست سيء الحظ، لقد جربت أعمالا ووظائف، لكنك لا تستقر فيها، إما أن تتشاجر مع رئيسك، أو زميل، وإما أن تتأخر عن الدوام باستمرار. ما علاقة سوء الحظ بسوء التقدير. لا تفسد علينا الليلة يا عزوز.

عزوز:            لماذا تلومينني دائما، كل كلامك لوم، أو يرافقه لوم، أو يكون معناه لوم. أنا أفعل ما بوسعي. حتى أني أبحث عن أي شيء خردة يمكنني بيعه.

صافي:            وهل تظن الخردة ستكفينا لحياة أفضل. عزوز، ارجوك، لا تفسد الليلة. أنا أنتظرها بفارغ الصبر، اريد أن أنسى للحظات حالنا ووضعنا.

عزوز:            (باستسلام) حسنا (يبتسم) كل عام وأنت بخير يا حبيبتي.

صافي:            (بغنج) وأنت بخير يا حبيبي. أخبرني ما هي أمنياتك في السنوات القادمة.

عزوز:            كثيرة هي الأمنيات، فنحن لا نملك سواها (بسعادة) أتمنى أن ننجب طفلاً.

صافي:            (بنوع من الدهشة) طفل؟، وكيف سيعيش الطفل يا عزوز، قل لي كيف. من أين سيأكل، من أين ستأتي له بالحفظات؟، من أين قل لي، وأنت بلا وظيفة؟.

عزوز:            سيأتي ويأتي رزقه معه، هكذا يقولون، لكن كيف نبقي متزوجين منذ سنوات ولم ننجب أطفالاً يا حبيبتي؟

صافي:            لأني لا أريد أطفالا. نحن لا نملك سوى هذه الشقة المهترئة التي ورثتها عن أمك. ليس لديك عمل يحمينا من قسوة الحياة.

عزوز:            ولكني أتمنى طفلا، ثم أنك طلبتي مني أن أتمنى، وأخبرتك بأمنيتي. كيف تفرضين علي ما أتمنى؟.

صافي:            لم ترق لي أمنيتك. تمنى أمنية غيرها، تمنى أن تجد وظيفة، تجدا كنزا. تمنى أن يغير الله حالنا بأفضل حال.

عزوز:            (باستسلام) أمري لله. وانت ما هي أمنيتك؟

صافي:            أمنيتي هنا (تشير إلى صدرها) لست مضطرة لأن أخبرك بها.

عزوز:            (باستغراب) ولماذا أخبرك بأمنيتي؟، أنا لا أفهمك يا صفصف.

صافي:            يكفي، لا تفسد ليلتنا. لنحتفل.

عزوز:            (بصدمة واستسلام) لنحتفل

ينظر للكعكة لبرهة

عزوز:            وما الذي يفعله المحتفلون بمثل هذه المناسبات؟

صافي:            يفرحون ويضحكون ويتحدثون برومانسية، يتذكرون أيامهم الجميلة التي عاشوها، يتحدثون عن غد.

عزوز:            فهمت

يصمت ويظل صامتا يفكر سارحا، تنظر له صافي باستغراب

صافي:            ما بك؟، في ماذا تفكر؟

عزوز:            أحاول أن أتذكر اﻷيام الجميلة بيننا.

صافي:            وهل وجدت؟

عزوز:            بصراحة لا.

صافي:            أيعقل أن لا ذكرى جميلة بيننا يمكن أن نسترجعها؟. أتعرف لماذا؟

ينظر عزوز مستفهما لصافي

صافي:            لأنك لا تفكر إلا في نفسك، لا تفكر إلا في لحظتك. لم تفكر يوما بي، لم تهبني حبا حقيقيا، مشاعر حقيقية. لم تهبني حتى قبلة حقيقية.

عزوز:            ألهذه الدرجة أنا شخص خاو بلا مشاعر؟. أهكذا ترينني؟.

صافي:            لماذا تنكر يا عزوز؟، منذ سنوات وأنت تعود كل يوم تبحث عن طعام تأكله. لكن لم تسأل يوما كيف أعدت صافي هذا الطعام، ولم تقل يوما تسلم إيدك يا حبيبتي يا صافي.

عزوز:            (بضيق) لا يعني هذا أني شخص بلا مشاعر، ربما لا أملك المبادرة، لا أعرف كيف أقول كلاما لطيفا. لكني أحبك يا صافي. لم أحب غيرك أبدا. أنت وحدك من ملك قلبي وروحي.

صافي:            (تبتسم) يا سلام، ها أنت تقول الكلام الذي كنت أبحث عنه. قلته دون قصد.

عزوز:            (بسعادة) صحيح، لم أنتبه للأمر. كنت أعني ما قلته. أنا فعلا أحبك. وأنت؟، هل تحبينني؟

صافي:            (بارتباك وتهرب) ما رأيك أن نقطع الكعكة، أعرف أنك جائع. ثم ألا تعرف أن الأزواج يتهادون في مثل هذه المناسبات. يعني يهدي كل واحد هدية للآخر.

عزوز:            (متهربا) لنحتفل ونأكل أفضل حتى لا نفسد هذه الليلة

تبدأ صافي بتقطيع الكعكة

صافي:            (وهي تقطع الكعكة) أعرف أنك لن تقدم لي أي هدية، ونسيت الهدية كما تنسى كل شئ، لكن لا بأس. المهم أننا نحتفل ونتذكر ذكرى زواجنا.

يقف عزوز ويشعر أنه في ورطة، ينظر يمينا ويسارا فينتبه للكيس القماشي الذي جاء به من الخارج

عزوز:            (بسعادة) من قال أني نسيت الهدية؟

صافي:            كيف تذكرت الهدية ونسيت المناسبة؟. أنا مقدرة، ولا أنتظر منك هدية، رغم أني أتمنى أن تدخل يوما وفي يدك هدية تقدمها لي. حتى لو كانت زهرة من شجرة في الشارع.

يتجه عزوز للكيس القماشي ويسحبه معه

عزوز:            انظري، هنا الهدية.

صافي تقترب من الكيس بفرح

صافي:            هدية لي؟

عزوز:            نعم. هدية لك؟

صافي:            شكرا يا حبيبي، شكرا. لكن ما هي الهدية؟

عزوز:            (بارتباك وحرج) أنا جئتك ب.. ب.. افتحيها أنت لتعرفي.

تبدأ صافي بفتح الكيس القماشي بلهفة وفرح، تكمل فتحه، تضع يدها داخله، ولكنها تخرج أظرف رسائل، تمسكهم بيدها وقدا بدت الدهشة على وجهها.

صافي:            ما هذا، أهذه هديتك لي؟.

عزوز:            سنفتح الرسائل ربما نجد فيها ما ينفعنا، ربما قطعة ذهب.

صافي:            (بخيبة) وأنا صدقتك. وقلت زوجي تغير وأتاني بهدية. رسائل؟، وعلى أي أساس نفتح الرسائل؟، ثم من أين لك هذه الرسائل التي تبدو قديمة؟

عزوز:            أتذكرين مركز البريد القديم؟، المركز القريب من بيت أهلك؟

صافي:            (وهي تنظر له) نعم، أتذكره. لقد أغلق من سنوات. انتقلوا إلى مقر آخر.

عزوز:           لقد فتحوه اليوم لتفريغه وترميمه، اشتراه شخص وسيفتح مكانه مطعم همبرجر، فرموا كل ما فيه، لم أتمكن من الحصول إلا على كيس الرسائل هذا. كنت آمل أن أحصل على كرسي أو طاولة أو دولاب لأبيعه، لكني وصلت متأخراً.

صافي:            وما الذي ستفعله بالرسائل القديمة؟، هل ستبيعها؟

عزوز:            ربما هناك من يشتريها. لنجرب. أو كما قلت لك، ربما نجد شيئا فيها.

صافي:            (بغضب) تخدعني وتقول لي أنك أتيتني بهدية، لكنك لم تأتيني إلا برسائل قديمة. أوراق، مجرد أوراق، من يشتريها.

عزوز:            في الأوراق حكايات قد يجد فيها أحدهم ما يستحق.

صافي:            (تبكي منهارة) لم أنتظر منك هدية، ظننت أنك تغيرت وصرت تشعر بي، صرت مختلفا. ولكن لم أتصور أن تأتيني برسائل قديمة، أهذه هديتي يا عزوز، رسائل قديمة؟

تفرغ الكيس القماشي بغضب على الأرض، وتمسك الرسائل وتنثرها غاضبة

صافي:            هل ستبيع الرسائل لنأكل، تبيعها لنرتدي ملابسا نظيفة؟، تبيعها لنعيش؟

تنثر الرسائل عليه وهو يقف مذهولا من غضبها

صافي:            (وهي تنثر الرسائل) رسائل.. رسائل .. رسائل

إظلام

المشهد الثاني

نفس المنظر، الرسائل متراكمة على الأرض وعلى الكرسيين المتقابلين يجلس عزوز وصافي التي يبدو عليها الضيق، ينظر عزوز لصافي التي لا تلتفت له، عزوز يبدو في حيرة

عزوز:            أنا آسف

لا ترد صافي عليه

عزوز:            لم أقصد إيذاءك، كنت أحاول أن أبحث عن أي شيء يمكن أن يدخل السعادة إلى قلبك.

لا ترد صافي عليه

عزوز:            أنا دائما هكذا، شخص مؤذ دون قصد، كلما فعلت أمراً ينقلب عكس ما أردته منه. أنا سيء الحظ.

صافي:            بل سيء التقدير

عزوز:            وهل ثمة فارق؟

صافي:            الفارق كبير، بين الحظ والتقدير. الحظ لا يد لنا فيه، بينما التقدير هو ما لنا كل اليد فيه.

عزوز:            لا فرق في النتيجة.

صافي:            (تنظر له) فعلا لا فرق في النتيجة.

عزوز ينتبه لظرف مفتوح قريب من رجله، يسحبه

عزوز:            لننسى يا صافي ونحتفل. حتى لا تفسد ليلتنا.

صافي:            (تبتسم بسخرية) فسدت. سأعد لك الشاي، لتشربه مع الكعكة.

عزوز:            والطعام؟.

صافي:            لا يوجد سوى الكعكة، سنأكلها

تقف صافي وتغادر إلى الداخل وعزوز يراقبها ثم يدور بجسده للجمهور

عزوز:            (للجمهور) ما الذي فعلته أنا، غبي أنا فعلا، كلما حاولت التقرب منها أبعدها بغبائي. كيف لها أن تتحمل شخصاً مثلي بلا عمل، وبلا قدرة على التعبير عن مشاعره، وحتى لو جرب، سيقلب الطاولة على نفسه.

يعود لجلسته ويفتح الرسالة ويعدل نفسه ويقرأها، يبتسم

عزوز:            رسالة من زوج لزوجته، الرسالة مليئة بالمحبة والشوق. كيف يكتبون مثل هذا الكلام، كيف يخرج من صدورهم على هيئة كلمات. لا بد أن أتعلم من هذه الرسالة، أحفظ ما يكتبه الرجل لزوجته.

تدخل صافي وهي تحمل صينية فيها ابريق شاي وكوبين، تقترب وتضع الصينية على الطاولة، تنتبه للرسالة في يده

صافي:            ما الذي تفعله؟

عزوز:            (بارتباك يكذب) لا شيء، كان الظرف مفتوحا، والرسالة خارجه. الفضول هو ما دفعني لأقرأ الرسالة.

صافي:            (بنوع من الفضول) وما فحوى الرسالة؟

عزوز:            رسالة، من رجل لزوجته.

صافي:            (وهي تمد يدها) أعطني إياها، سأقرأها.

عزوز:            (وهو يمدها لها) كنت أظنك ستلومينني لأني فتحت رسالة ليست لي.

صافي:            (وهي تقرأ الرسالة) واحدة فقط، لا مشكلة

تبتسم وهي تقرأ ثم تنظر لعزوز الذي يبدو مترقبا

صافي:            لماذا لا تتعلم منهم، أكيد قرأت ما كتب لزوجته التي يشتاق لها. تعلم كيف يغنجها ويدللها.

عزوز:            وهذا ما قلت لنفسي، سأقرأ الرسالة وأحفظها.

صافي:            لا أريدك أن تحفظ، أريد أن يخرج الكلام من داخلك بعفوية.

عزوز:            سأتعلم. هيا نأكل. أنا جائع.

صافي تغلق الرسالة ثم تنظر للرسائل على الأرض

صافي:            ما رأيك أن نتسلى بالرسائل؟

عزوز:            (باستغراب) وكيف؟.

صافي:            نلعب لعبة، كل واحد يمسك برسالة، يفتحها ويقرأها. ثم يخبر الأخر بفحواها.

عزوز:            (بخيبة) أي تسلية تلك؟. لا أشعر أن الأمر مسل.

صافي:            جرب، سأسكب لك الشاي وأعطيك قطعة كعكة حتى تتحمس.

عزوز:            (بفرح) الآن يمكنني أن أتحمس.

صافي تسكب الشاي لعزوز وكوب آخر لها، تقطع الكعكة وتعطي عزوز القطعة التي يلتهمها بنهم واضح. تأخذ صافي رسالة من على الأرض، وتفتحها، وتبدأ بقراءتها بينما عزوز يلتهم القطعة كاملة، ويقطع له قطعة آخري، ويلتهمها بنهم، صافي يتسلسل الحزن على ملامحها وهي تقرأ الرسالة

صافي:            يا لحزن هذه العائلة، كيف لم تصل ابنهم هذه الرسالة. أكيد ظلوا ينتظرون عودته، ربما عاد وربما لم يعد.

عزوز:            (وهو في نهمه يأكل الكعكة) من؟

صافي:            أخو صاحب الرسالة، يخبر أخيه أنهم بحاجة لوجوده بينهم بعد وفاة والده.

عزوز:            (وهو مشغول بالأكل) رحمه الله (ينتهي) وهل عاد؟

صافي:            وما أدراني أنا. لكن، ماذا لو لم يعد لهم، لم يكن معهم في وفاة والدهم.

عزوز:            أظن أنه لم يكن معهم، فالرسالة لم تصل له.

صافي:            ربما اتصلوا تلفونيا به، وعاد.

عزوز:            إذا كانوا سيتصلون تلفونيا، لماذا يرسلون الرسالة؟، ربما لا يعرفون له طريقا سوى بعنوانه البريدي.

صافي:            (تفكر قليلا) وربما عاد بعد سنوات واكتشف أن والده توفي.

عزوز:            سيغضب ويلعن البريد.

صافي بنوع من التململ، تبعد الرسالة عنها

صافي:            دورك

عزوز:            ما الذي أفعله؟

صافي:            ما بك يا عزوز، ركز، نسيت أننا نلعب لعبة، اختر رسالة أخرى واقرأها.

عزوز:            وماذا عن الذي مات؟، ألن نعرف ماذا حدث؟.

صافي:            لا علاقة لنا ببقية الحكاية، ثم أني لا أجد في الحكاية ما يشجع على تكملتها. هناك حكايات أخرى، وأكثر تشويقا بين هذه الرسائل.

يهز عزوز رأسه موافقا، ثم يأخذ رسالة ويفتحها ويقرأها

عزوز:           

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑